← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

قلت: الذي (١) رأيته فيه: وثَلَطَت: ضبطه بعضهم بفتح اللام، وهو الذي سمعت (٢) من الشيخ، وضبطه بعضهم: بكسرها. (ورتَعَتْ): أي: اتَّسعت في المرعى الخِصْب (٣). (وإن هذا المالَ خضرةٌ حلوة): استدل به ابن الأنباري على أن المال (٤) يؤنث، ورد بانه إنما أتى على التشبيه؛ أي: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة. قال ابن المنير: هذا الحديث أصلٌ كبير في قاعدة الورع، وهو يرفع الإشكال، ويرد الخلاف إلى الوفاق، وإنما اضطرب الناسُ فيه؛ لتعارض إطلاقات إجماعية، وذلك أن السلف ﵃ (٥) - أطلقوا الورعَ في المباح، والآثار متظافرةٌ (٦) على التقليل من الحلال، وأنه أسلَمُ، فهذا إطلاق، وحَدُّوا (٧) المباحَ بانه ما استوى فعلُه وتركُه. فقائل يقول: الجمعُ بين كونه مباحاً وبين دخول الورع فيه جمعٌ بين التسوية والأولوية، وهو (٨) تناقض، فالتجأ إلى أن قال: لا ورعَ في المباح.

стр. 1402

وقائل يقول: أطلق السلفُ الورعَ في المباح، فنفيه عنه (١) خلافُ الإجماع، لكنه لم يتخلص في سؤال التناقض. والحقُّ: أن المباح يطلق على الفعل الذي سلمت العاقبةُ من أدائه إلى محظور، حتى يُفرض فيه أن الصادق قال لصاحبه: خيرتك فيه، فإنه لا يؤدي في حقك إلى محظور ولا مكروه، فهذا لا يختلفون أنه لا ورع فيه. ويطلق أيضاً جِنْساً للأمر الذي إن سلمت العاقبة (٢) فيه، فهو مباح، وإن أفضت فيه إلى خلاف المباح، فليس بمباح، فهذا الجنس مباحٌ باعتبار ذاته، غيرُ مباح على تقدير أدائه إلى خلافه، وفيه دخلَ الورع، وإليه الإشارة بقوله ﵇: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ زِينَةُ الدُّنْيَا" (٣)؛ فإن زينة الدنيا هي جنس المباح، ومع ذلك خافها؛ لأدائها غالباً إلى خلاف المباح؛ من اعتيادِ حُب الإكثار، وحملِ العادة على الكسب من الحل والحرام. ووقعت للسائل شبهةُ منكري (٤) الورع؛ لأنه تعجَّب من كون الدنيا مباحةً وخيراً، ثم خافَ منها الشرَّ الذي هو المحظور، فتعجب من وصفها بالوصفين: الخيرِ والشرِّ، وذهل عن الحال والمال، حتى بينه ﵇ بالمثال، وذلك أن الخصب خير، و (٥) مفروح به بالقول المطلق،

стр. 1403

ثم هو (١) إن سلمتْ عاقبتُه، كان خيراً أبداً، وإن أدى إلى الوَبال وهلاك الماشية، كان شراً، ومخوفاً منه، وبيَّنَ للسائل بذلك أداءَ الخيرِ العاجلِ إلى الشرّ الآجِل، كذلك المباحُ حالاً إذا أدى إلى محظورٍ مآلاً، كان الأولى من الأول تركه، فصدق عليه أنه مباح؛ يعني: على تقدير السلامة، وصدقَ عليه أنه يتورَّع عنه (٢) على تقدير أدائه إلى الهلكة، والاحتمالان متقابلان، فلو تحققنا وبالَ العاقبة، لجزمنا فيه (٣) بالتحريم، ولو تحققنا فيه السلامةَ، لجزمنا بالتحليل الدائم، ولكن لما كان الأصلُ السلامةَ، والغالبُ الوبالَ، اقتضى تعارضُ الأصلِ والغالب حكماً متوسطاً، وهو يتخير (٤) خلاف الأولوية، وهو المراد بالورع. انتهى كلامه ﵀، فتأمله (٥). باب: الزَّكاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحِجْرِ ٨٦٤ - (١٤٦٦) - حَدَّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زينَبَ امرَأَةِ عبد الله ﵄. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لإبْراهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ، عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زينَبَ امرَأَةِ عبد الله، بمِثْلِهِ سَوَاءً. قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجدِ، فَرَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيكُنَّ".

стр. 1404

وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عبد الله وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِها، قَالَ: فَقَالَتْ لِعبد الله: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حِجْري مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَوَجَدْتُ امرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ، حَاجَتُها مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بلالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النبي ﷺ : أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حِجْرِي، وَقُلْنَا: لَا تُخْبرْ بنَا، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مَنْ هُمَا؟ "، قَالَ: زينَبُ، قَالَ: "أَيُّ الزيَانِب؟ "، قَالَ: امرَأة عبد الله، قَالَ: "نعَم، لَها أَجْرَانِ: أجرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". (باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر). (عن زينبَ امرأةِ عبد الله): هي زينبُ بنتُ معاويةَ الثقفيةُ امرأةُ عبد الله بنِ مسعود. وقيل: هي بنتُ أبي معاوية، قاله ابن منده، وأبو نعيم. وقال أبو عمر (١): زينبُ بنتُ عبد الله بنِ معاويةَ، ولقب زينب هذه: ربطة (٢). وقيل: رائطة. (فوجدت (٣) امرأةً من الأنصار حاجتُها مثلُ حاجتي): اسم هذه المرأة زينبُ أيضاً. ذكر ذلك في "مختصر الاستيعاب".

стр. 1405

وقيل (١): هي امرأة أبي مسعود الأنصاري. وقد ذكر ذلك أيضاً ابن الأثير في "أسد الغابة"، فقال: زينبُ الأنصاريةُ امرأةُ أبي مسعود، [روى (٢) علقمةُ عن عبد الله: أن زينب الأنصاريةَ امرأةَ أبي مسعود] (٣)، وزينبَ الثققيةَ أتتا رسولَ الله (٤) تسألانه عن (٥) الثفقة على أزواجهما (٦). (أَيَجْزي عني أن أُنفق على زوجي وأيتامٍ لي في حَجْري) حمل المازري ﵀ هذه الصدقة كان امرأة ابين مسعود على الزكاة الواجبة، وقال: إنه الأظهر؛ لسؤالها عن الإجزاء، وهذه اللفظة إنما تستعمل في الواجب. قلت: وعليه يدل تبويب البخاري. وأما ما (٧) ذكره من أن الإجزاء (٨) إنما يستعمل في الواجب، إن أراد قولًا واحداً، فليس كذلك، فالخلاف في المسالة مأثور عند الأصوليين: فمنهم من ذهب إلى أن الإجزاء يعم كلَّ مطلوب ومن واجب ومندوب.

стр. 1406

ومنهم من قال: بل (١) يختص بالواجب، ولا يستعمل في المندوب أصلاً. وهذا هو الذي اعتمده المازري، ونصره القرافي، والأصفهاني شارحا "المحصول". واستبعده الشيخ تقي الدين السبكي، وقال: كلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض. وقد ورد في الحديث: "أربع لا تجزئ في الأضاحي" (٢). واستدل به من قال بوجوب الأضحية، وأنكر عليه (٣). ورد القاضي كلام المازري؛ لأن (٤) قوله ﵇: "ولو من حُليكن"، وما ورد في بعض الروايات: "إِنَّ صَدَقَتها مِنْ صَنْعَةِ يَدها" يدل على أنها صدقة التطوّع (٥) (٦)، يريد القاضي: فلا يكون في ذلك حجةٌ لأشهبَ وغيرِه ممن أجاز إعطاءَ المرأةِ زكاتها لزوجها. واستظهر ابن المنير كونَ الصدقة المذكورة هنا تطوعاً، وقال: لكن ذلك لا يسقط (٧) حجةَ أشهبَ؛ لأن الذي منع إعطاءها الزكاة لزوجها إنما

стр. 1407

اعتل بأنها تعود إليها في النفقة، فكأنها لم تخرج عن يدها، ولا تحققَ أداؤها، فلهذا لم تجزئ، فيقال (١) له: لو كان احتمال رجوعها إليها، أو نفس رجوعها إليها مبطلاً للإخراج (٢) الذي هو قُربة، استوى فيه الفرضُ والنفل، وهو الحقُّ إن شاء الله تعالى. باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: يُعْتِقُ مِنْ زكاةِ مَالِهِ، وَيُعطِي فِي الْحَجِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنِ اشْترَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكاةِ، جَازَ، وَيُعطِي فِي الْمُجَاهِدِين، وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ، ثمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فِي أَيِّها أَعطَيتَ أَجْزَأَتْ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ خَالِداً احتَبَسَ أَدرَاعَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ". وَيُذْكَرُ عَنْ أَبي لَاسٍ: حَمَلَنَا النَّبيُّ ﷺ عَلَى إِبلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ. (باب: قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ﴾. ذهب الشافعي (٣) ﵁ (٤) - إلى أن المراد بالرقاب: المكاتبون.

стр. 1408

وقال مالك ﵁ (١) -: المراد: شراءُ الرقاب للعتق (٢)، والولاءُ للمسلمين على ما عُرف من مشهور قوله، وحجته: أن جميع الأصناف لما كانوا يأخذون على التمليك؛ أي (٣): يملك القابضُ (٤) ما عسى أن يعطاه، علق الإضافة إليهم باللام، خلا السبيل والرقاب، أما السبيل؛ فإنه محل للصرف، فعلق الفعل بالنسبة إليه بفي؛ إشارةً إلى أنه محل يُصْرَف فيه (٥)، وكذلك الرقاب التي تُشترى (٦)، هي لا تملك الأثمانَ (٧)، ولا يُصرف إليها، وإنما هي محلّ يُصرف المال فيه إلى ملاكها (٨) لتُعتق (٩)، فلو كان المرادُ المكاتبين، لأخذوا على التمليك، وأضيف الفعل إليهم باللام؛ أسوة ببقية (١٠) الأصناف، فلما قُرنوا بالسبيل في التعليق بفي، عُلم أنهم محل، لا آخذون، فبهذا يُؤاخى الكلامُ، ويترتب النظم، وليس العدولُ عن اللام -وقد بُني الكلام عليها- إلى (١١) (في) سُدًى، حاشَا لله.

стр. 1409

فإن قلت: جعلُ اللامِ للتمليك يفضي (١) إلى مخالفة مذهب مالك، فإنه لا يعتقد أن الأصناف يملكون. قلت: قال ابن المنير: إنما لا يعتقد [أنهم يملكون بالأصالة ملك الشركاء على تحرير القسمة، ولكنه يعتقد] (٢) أن الأخذ منهم -كائناً من كان- يملَّك به الأخذ، ويتصرف فيما يأخذ تصرفَ الملاك (٣)، إلا السبيل والرقاب. هذا كلامه ﵀. (ويذكر عن أبى لاسٍ (٤)): -بسين مهملة منونةً-، قال أبو عمر: اسمه عبد الله، وقيل: زياد (٥). ٨٦٥ - (١٤٦٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَاّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيراً فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالدٌ، فَإِنَكمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً، قَدِ احْتبَسَ أَدرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهْيَ عَلَيْهِ صدَقَةٌ، وَمِثْلُها مَعَها".

стр. 1410

(فقيل منع ابن جميل) الظاهر أن القائل هو الذي كان يصدق في هذه الواقعة، وهو عمر بن الخطاب ﵁. وابن جميل: قال ابن منده: لا نعرف اسمه، ومنهم من قال: اسمه حميد. (ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله) يقال: نَقَم يَنْقِم، بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، ويقال بالعكس. والحديث يقتضي أن لا عذر له في الترك؛ فإنَّ نقم بمعنى أنكر، وإذا لم يحصل له موجب للمنع إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله، فلا موجب له، وهذا مما تقصد العرب في مثله النفي مبالغة بالإثبات، نحو: [من الطويل] ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم. . . بهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائب (١) لأنه إن لم يكن فيهم عيب إلا هذا، فلا عيب فيهم، كذلك هنا، إذا لم ينكر إلا إغناء الله له بعد فقره، فلم ينكر منكراً أصلاً. (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله). تقدم الكلام على الأذرع والأعتد وما فيها من الخلاف. وفيه دليل على تحبيس المنقولات، وهي مسألة خلاف. وقد نشأ إشكال من كونه لم يأمر بأخذ الزكاة منه، وانتزاعها عند منعه، فقيل في جوابه: يجوز أن يكون ﵇ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله. حكاه القاضي، قال: وهو حجة لمالك في جواز دفعها لصنف واحد، وهو قول كافة العلماء

стр. 1411

خلافاً للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. قال: وعلى هذا يجوز إخراج القيم في الزكاة، وقد أدخل البخاري هذا في باب أخذ العرض في الزكاة، فيدل أنه ذهب إلى هذا التأويل، وهذا ما تقدم الوعد بإتيان الكلام فيه. قال ابن دقيق العيد: وهذا لا يزيل الإشكال؛ لأن ما حبس على جهة معينة، تعين صرفه إليها، واستحقه أهل تلك الصفة مضافاً إلى جهة الحبس، فإن كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه، فكيف يمكن ذلك مع تعين ما حبسه بصرفه؟ وإن كان طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية، فكيف يحاسب بما وجب عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته. واستضعف الاستدلال بذلك على صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، وعلى جواز أخذ القيم في الزكاة، وهو ظاهر. ثم قال: وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتده في سبيل الله إرصاده إياها لذلك وعدم تصرفه بها في غير ذلك، وهذا النوع حبس، وإن لم يكن تحبيساً، فلا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، ويكون قوله: "إنكم تظلمون خالداً" مصروفاً إلى قولهم: "منع خالد"؛ أي: تظلمونه في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله إلى سبيل الله، ويكون المعنى: أنه لم يقصد منع الواجب، ويحمل "منع" على غير ذلك (١). قلت: لا حاجة في الاعتذار عن خالد بذلك، وإنكار نسبة المنع إليه إلى أن يحمل حبسه للأدراع والأعتد على الإرصاد لجهة السبيل إلا على

стр. 1412

حقيقة التحبيس، بل لو حمل التحبيس نفسه على ما هو المتبادر إلى الفهم منه، لتأثَّى ما قاله من الاعتذار على الوجه الذي قرره. وأما من قال: إن الصدقة هذه كانتْ تطوعاً، فقد ارتفع عنه هذا الإشكال، ويكون ﵇ قد اكتفى بما حبسه خالدٌ عن أخذ شيء من صدقة التطوع، ويكون مَنْ طلب منه مع ذلك شيئاً آخر، وعابه بالمنع، ظالماً له في مجرى العادة. (وأما العباسُ بنُ عبدِ المطلب عمُّ رسولِ الله ﷺ ، فهي عليه صدقة (١)، ومثلُها معها): قال أبو عبيد (٢): نراه -والله أعلم-: أنه كان أَخر (٣) عنه الصدقةَ عامين من حاجة بالعباس إليها، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر، ثم يأخذها منه؛ كما أخر (٤) عمرُ بنُ الخطاب الصدقةَ عامَ الرمادة، ثم أخذ منهم (٥) في العام المقبل صدقةَ عامين (٦). قلت: وفي بعض طرق "الصحيحين": "فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُها" (٧)، فيحتمل أن تكون هذه اللفظة صفةً، لا إنشاءً (٨)؛ لالتزام ما لزم العباس،

стр. 1413

ويرجِّحُه قولُه: "إِنَّ عَمَّ الرجُلِ صِنْوُ أَبيهِ" (١)؛ ففي هذه اللفظة إشعار بما ذكرنا؛ فإن كونه صِنْوَ الأب يناسبُ أن يحملَ ما عليه. فإن قلت: هل من سبيل إلى التوفيق بين الروايتين (٢)؟ قلت: نعم بأحد وجهين (٣): الأول: أن يكون الضمير من (٤) قوله: "فهي عليه" عائداً على رسول الله (٥)، لا على العباس. الثاني: أن تحمُّلَه (٦) ﵇ عن العباس بالصدقة لا يبرئ العباسَ منها؛ فإن الحمالةَ شغلُ ذمةِ أخرى بالحق، فتكون الصدقة على العباس بطريق الأصالة، وعلى النبي ﷺ بطريق الحمالة. ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً عن أمر وقع ومضى، وهو تسلف صدقة عامين من العباس، وقد روي في ذلك حديث منصوص: "إِنَّا تَعَجَّلْنَا مِنهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ" (٧). قال ابن المنير: وهذا الحديث خارج عن الصحيح المشهور، ولو

стр. 1414

صحَّ، لم يدل على خلاف قول مالك؛ لأن المشهور من مذهبه: جوازُ التعجيل قبل الحول بيسير، فلعل العباس لما سأله النبي ﷺ أن يعجِّلَ صدقته قبل محلِّها، كان ذلك بقرب الحول بشهر (١) فأَدنى، فلا دليلَ لهم فيه، وما يتخيل ورودُه في صدقة العام الثاني يندفعُ باحتمال أن يكونا مالين ذوي حولين متقاربين؛ مثل أن يكون حولُ أحدِهما يحلُّ قبلَ (٢) المحرَّم، وحولُ الآخر يحل في الخامس منه، فعجل زكاة عامين لمالين (٣): أحدهما: قدمه قبل انقضاء حوله بخمسة أيام. والآخر بعشرة (٤) أيام. والاحتمال في وقائع الأعيان كالإجمال في المقال، فيسقط بها الاستدلال. باب: الاستعفافِ عنِ المسألةِ ٨٦٦ - (١٤٦٩) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيِّ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ ﵁: أَنَّ نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ سَألوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْطَاهُم، ثُمَّ سَألوه،

стр. 1415

فَأعطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُم، وَمَنْ يَسْتعفِفْ، يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ، يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يتَصَبَّرْ، يُصَبرْهُ اللَّهُ، وَمَا أعطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ". (حتى نفِد): بفاء مكسورة ودال مهملة. (ما أُعطي أحدٌ): أحدٌ: نائب عن الفاعل. (عطاءً): مفعوله الثاني. (خيراً): صفة عطاء. (وأوسعَ): عطف على "خيرًا (١) ". (من الصبر): معمولٌ تنازعه عاملان، وأُعمل الثاني، وحُذف الأول (٢)، وإنما أعطاهم لحاجتهم، ثم نبههم على موضع الفضيلة. ٨٦٧ - (١٤٧٢) - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عبد الله، أَخْبَرَنَا يُونسٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسعَيدِ بْنِ الْمُسَيَّب: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "يَا حَكِيمُ! إِنَّ هذَا الْمَالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بإِشْرَافِ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ؛ كَالَّذِي يأكلُ وَلَا يَشبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى".

стр. 1416

قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ! لَا أَرْزَأُ أَحَداً بَعدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدعُو حَكِيماً إِلَى الْعَطَاءَ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشهِدكم يَا مَعشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هذَا الْفَيْءَ، فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلم يَرْزَأْ حَكِيم أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تُوُفيَ. (إن هذا المال (١) خَضرَةٌ حُلْوةٌ): سبق الكلام فيه. لكن قال الزركشي هنا: تأنيثُ الخبر تنبيهٌ على أن المبتدأ مؤنث، والتقدير: أن صورة هذا المال، أو يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسم جامع لأشياء كثيرة، والمراد بالخضرة: الروضة الخضراء، أو (٢) الشجرة الناعمة، والحلوة: المستحلاة الطعم (٣). قلت: إذا كان قوله: "خضرة" صفةً لروضة، أو (٤) المراد بها نفس الروضة الخضراء، لم يكن ثَمَّ إشكال ألبتة، وذلك أن توافق المبتدأ والخبر في التأنيث إنما يجب إذا كان الخبر صفة مشتقة غير سببية (٥)؛ نحو: هند حسنة، أو في حكمها (٦)؛ كالمنسوب، أما في الجوامد؛ فيجوز؛ فحو:

стр. 1417

هذه الدار مكان طيب، وزيدٌ نسمةٌ عجيبة. (فمن أخذه بسخاوة نفس): أي: بطيب نفسٍ من غير حرصٍ عليه. قال الداودي: يَحتمل سخاوةَ نفس المعطي، ويَحتمل الآخذ، وكذا قوله: "بإشراف نفس". (ومن أخذه بإشراف نفس): أي: متلبساً (١) بطلب النفس، وحرصِها عليه، وتطلّعِها إليه. والحكمة في كون إشرافِ النفس مانعاً من الأخذ؛ الخوفُ على الآخذ حينئذٍ من خُلقه وطبعه أن يأخذ ولا يصرف في الوجه، ويستكثر، أما الذي يأخذه على غير ذا الوجه، فالظنُّ به سهولةُ الصرف عليه، وسخاوةُ النفس بإنفاقه في وجهه. (لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً): أرزأ: -بفتح الهمزة وتقديم الراء الساكنة على الزاي مفتوحة ثم همزة- مضارعُ رَزَأْتُ؛ أي: نَقَصْتُ؛ أي: لا أنقصُ أحداً بعدَك شيئاً من المال، والمعنى: أنه لا يأخذ من أحد بعدَه شيئاً. (ثم إن عمر دعاه ليعطيه (٢)، فأبى أن يقبل منه شيئاً): ومع ذلك، فلم يجبره (٣) عمر على القبول، فتوهم بعضُ الناس أن هذا يدل على خلاف مذهب مالك، وذلك أن مالكاً ﵀ يقول: من كان له على رجل دَيْن (٤)؛ من بيع، أو سلف، ونحوه، فدعاه (٥) المِدْيانُ للقبض، فأبى،

стр. 1418

فالحاكمُ يُجبره على القبض؛ تخليصاً لذمة المديان، وحملاً للمنَّةِ عنه، وهذا عنده بخلاف ما وجب لعارِيَّةٍ غابَ (١) عنها، فادعى المستعيرُ ضياعَها، ودُعي لقبض القيمة، فأبى المعيرُ، قال مالك: لا يُجبر. و (٢) قال ابن المنير: والفرقُ عنده: أن دينَ المعاملة قد دخل (٣) كلاهما (٤) بمقتضى العقد (٥) على الوفاء والاستيفاء؛ بخلاف قيمة العاريَّة، فإنه لم يدخل معه على الاستهلاك، وإنما جاء عارضاً، وعلى هذا التعليل لو استهلك له الغاصب سلعة رأيَ العين، لم يلزمه قبولُ العوض؛ لأنه المورِّطُ لنفسه، ومنهم من علل مسألة العارية: بأن المستعير ضمن ضمان تهمة، ولهذا له (٦) أن يقول: ما أتهمك (٧)، فلا يتناول هذا مسألة الغصب. إذا تقرر هذا، فالعطاء ليس ديناً (٨) لحكيمٍ (٩) على عمرَ، ويكفيك تسميتُه عطاء، فلا يلزم من عدم إجباره على قبوله أن لا يجبر في الديون، وهو واضح. (فقال عمر (١٠): إني أشهدكم -يا معشر المسلمين- على حكيمٍ أني

стр. 1419

أعرِضُ عليه حقَّه من هذا الفيء، فيأبى): فعل عمر ﵁ ذلك إبلاغاً في براءة سيرته العادلة (١) من الحيف والتخصيص والحرمان بلا (٢) مستند، والله أعلم. باب: مَنْ أعطاهُ اللَّهُ شيئاً من غير مسألةٍ ولا إشرافِ نفسٍ ٨٦٨ - (١٤٧٣) - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ: أَنَّ عبد الله بْنَ عُمَر ﵄ قَالَ: سمعتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأقولُ: أَعطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: "خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذَا المَالِ شيء، وَأَنْتَ غَيرُ مُسْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبعهُ نَفْسَكَ". (أعطه مَنْ هو أفقرُ إليه مني): فيه نكتة حسنة، وهي كونُ الفقير هو (٣) الذي يملك شيئاً ما؛ لأنه إنما (٤) يتحقق فقيرٌ وأفقرُ: إذا كان الفقيرُ له شيء، فيقل ويكثر، وأما لو كان الفقير هو الذي لا شيء له ألبتة؛ لكان الفقراء كلهم سواء، ليس فيهم أفقر، فتأمل (٥). (فقال: خذه): من الغريب استدلالُ بعضهم بهذا الأمر على إجازة قبول

стр. 1420

الجوائز مطلقاً، حتى من الظلَمة والعَشَّارين، وهذا لا وجه له ألبتة: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨]. باب: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّراً (باب: مَنْ سألَ تَكَثُّراً): قال الزركشي: نصب على المصدر؛ أي: سؤالَ تَكَثُّر؛ أي: يستكثرُ المالَ بسؤاله، لا يريد به سدَّ الخلة (١). قلت: ويجوز أن يكون منصوباً على الحال، إما بأن يُجعل المصدرُ نفسُه حالاً على جهة المبالغة؛ نحو: زيد عدل، أو بأن يقدَّرَ مضاف (٢)؛ أي: ذا تكثر، ويجوز أن يكون منصوباً على المصدر التأكيدي لا النوعي؛ أي: يتكثر تكثيراً (٣)، والجملة الفعلية حال أيضاً. ٨٦٩ - (١٤٧٤) - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عبيد الله ابْنِ أَبي جَعفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَمزَةَ بْنَ عبد الله بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بْنَ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحم". (حمزة): بحاء مهملة وزاي.

стр. 1421

(ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يومَ القيامة ليس على وجهه مزعةُ لحم): المُزْعة -بميم مضمومة وزاي ساكنة وعين مهملة-: قطعة يسيرة، وهذا يدل على الوعيد لمن سأل سؤالاً كثيراً، والبخاري فهم أنه وعيد لمن سأل تكثّراً، والفرقُ بينهما ظاهر، فقد يسأل دائماً، وليس متكثراً (١)؛ لدوام افتقاره واحتياجه، لكن القواعد تبين أن المتوعَّد هو السائل عن غنى وكثرة؛ لأن سؤال الحاجهٌ مباح، و (٢) ربما ارتفع عن هذه الدرجة، وعلى هذا ترك البخارى الحديث، وقد علمت أن الناس يقولون في المجاز: أراق السؤالُ ماءَ وجهه، وقلت في هذا المعنى: قَال لِي إِذ أَرَاقَ مَاءَ المحَيَّا. . . وَتَعَاطى السُّؤَالَ مِنْ غَيْرِ فَاقَهْ لِيَ عِرْض مطَهَّرٌ قلتُ لَكِنْ. . . أَنْتَ نَجَّستَهَ بتِلْكَ الإِرَاقَهْ فتوعّد هذا السائل من جنس المجاز المستعمل، لكن بالحقيقة الإشارة (٣) إلى أن (٤) لحمَ وجهه يذهب، فكيف بمائه؟ ٨٧٠ - (١٤٧٥) - وَقَالَ: "إِنَّ الشَّمسَ تَدنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، اسْتَغَاثُوا بآدَمَ، ثُمَّ بمُوسَى، ثمَّ بمُحَمَّدٍ ﷺ ". وَزَادَ عبد الله: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبي جَعْفَرٍ: "فَيَشْفَعُ

стр. 1422

لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمشِي حَتَّى يَأْخُذَ بحَلْقَةِ الْبَاب، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَاماً مَحمُوداً، يَحمَدُهُ أَهْلُ الْجَمعِ كلُّهُم". (وقال: إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغَ العرقُ نصفَ الأُذن): ووجه مناسبة هذا لما قبله: أن تحققَ ذهاب لحم الوجه حقيقةٌ بهذا السبب؛ لأن العرق لا يبلغُ هذا المبلغَ إلا لشدة الحر والوقد، وبأقل من هذا في العرق تنحل اللحوم وتضمحل، فكيف بهذا الأمر العظيم؟! (وزاد عبد الله): قيل: يريد به: ابنَ صالح، وهو أبو صالح كاتبُ الليث. وقيل: عبد الله بن وهب المصري، كذا رواه ابن شاهين، عن عبد العزيز بن قيس المصري، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني (١) الليث، فذكره. (بحلقة الباب): بإسكان اللام. باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (باب: قول الله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]: الإلحاف: الإلحاح، وهو اللُّزُوم، وأن لا يفارقَ إلا بشيء يُعطاه؛ من قولهم: لَحَفَني من فَضْل لِحافِه (٢)؛ أي: أَعطاني من فضلِ ما عنده.

стр. 1423

قال الزمخشري: ومعناه: أنهم إن سألوا، سألوا بلطف، ولم يُلْحفوا. وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف جميعاً؛ كقوله: عَلَى لاحِبٍ (١) لا يُهْتَدَى بمَنَاره يريد: نفيَ المنار والاهتداءَ به. انتهى (٢). ولا يخفى أن هذا الوجه -أعني: نفيَ السؤال والإلحاف جميعاً- أدخَلُ في التعفف، وفي أن يحسبوا أغنياء، لكن الزمخشري جعله كالمرجوح؛ لما أن هذه الطريقة إنما تحسُن إذا كان ذلك القيد بمنزلة اللازم؛ فإن الغالبَ من حال المنار (٣) أن يُهتدى به، فيكون نفيُ اللازم نفياً للملزوم بطريق برهاني، وليس الإلحاف بالنسبة إلى السؤال كذلك، بل لا يبعد أن يكون ضدَّه، وهو الرفقُ والتلطف أشبه باللازم. ٨٧١ - (١٤٧٦) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنهالٍ، حَدَّثَنَا شعبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأكلَةُ وَالأكلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى، وَيَسْتَحْيِى، أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافاً". (الأكُلة والأكلتان): -بضم الهمزة-؛ أي: اللقمة واللقمتان، وأما

стр. 1424

الأكَلة: - بالفتح - فالمرة (١) الواحدة مع الاستيفاء، فلا معنى له هنا، ويشهد له الرواية الأخرى: "اللقمة واللقمتان (٢) " (٣). ٨٧٢ - (١٤٧٧) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعبيِّ، حَدَّثَنِي كاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعبهً، قَالَ: كتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعبةَ: أَنِ اكتُبْ إِلَيَّ بشَيْءٍ سَمِعتَهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله كَرِة لَكُم ثَلَاثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكثْرَةَ السُّؤَال". (عن (٤) ابن أشوع): بشين معجمة ساكنة غير منصرف. (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل و (٥) قال): بالفتح. قال صاحب "المحكم": القولُ في الخير، والقِيلُ والقالُ (٦) في الشر (٧). و"قيل وقال" وما بعدها بدلٌ من ثلاثاً.

стр. 1425

فإن قلتَ: "كَرِه" لا يتسلط على قيل وقال؛ ضرورة أن كلاً منهما فعلٌ ماض، فلا يصح وقوعه مفعولاً به، فكيف صحَّ البدلُ بالنسبة إِليهما؟! قلت: لا نسلم أن واحداً منهما فعلٌ، بل كلٌّ منهما اسمُ مسماه (١) الفعل الذي هو قيل، أو قال، وإنما فتح آخره على الحكاية، وذلك مثل قولك: ضربَ فعلٌ ماضٍ، ولهذاً (٢) أخبر عنه، والإخبار عنه باعتبار مسماه، وهو ضربَ الذي يدل على الحدث والزمان، وغاية الأمر أن هذا لفظ مسماه لفظ ولا نكير فيه، وذللث كأسماء السُّوَر، وأسماء حروف المعجم. وقول ابن مالك: إن الإسناد اللفظي يكون في الكلم (٣) الثلاث، والذى يختص به الاسمُ هو الإسنادُ المعنوي، ضعيفٌ. ٨٧٣ - (١٤٧٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزّهرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ صَالح بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: أعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهطاً وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِم، قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلاً لَم يُعطِهِ، وَهُوَ أَعجَبُهُم إِلَيَّ، فَقُمتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللَّهِ! إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِناً. قَالَ: "أَوْ مُسْلِماً". قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللَّهِ!

стр. 1426

إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِناً. قَالَ: "أَوْ مُسْلِماً". قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللَّهِ! إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِناً. قَالَ: "أَوْ مُسلِماً -يَعْنِي: فَقَالَ- إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشيةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ". وَعَنْ أَبيهِ، عَنْ صَالح، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّه قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ هذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بيَدِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكتِفِي، ثُمَّ قَالَ: "أَقْبلْ أَيْ سَعدُ! إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ". قَالَ أَبُو عبد الله: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا، ﴿مُكِباً﴾ [الملك: ٢٢] أَكَبَّ الرَّجُلُ: إِذَا كَانَ فِعلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْفعلُ، قُلْتَ: كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكبَبْتُهُ أَنَا. (فترك رجلاً منهم لم يعطه): تقدم في كتاب: الإيمان: أنه يقال له: جُعَيْل بن سراقة (١)، وأن في "مغازي الواقدي" ما يدل على ذلك. وفي "أسد الغابة": جُعال، وقيل: جُعيل بنُ سراقَة الغفاريُّ، وقيل: الضمريُّ، وهو (٢) أخو عوفٍ، من أهل الضُفَّة وفقراء المسلمين، ثم أخرج عن محمد بن إبراهيم التميمي: أن قائلًا قال لرسول الله ﷺ : أعطيتَ الأقرعَ بنَ حابسٍ، وعُيينةَ بنَ حِصْن مئةً من الإبل، وتركتَ جُعيلاً؟ فقال النبي ﷺ (٣): "وَالَّذِي نفسِي بيَدِهِ! لَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ طلاعِ الأَرض مثل عُيَيْنَةَ والأَقْرَعِ، وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُما لِيُسْلِما، وَوَكَّلْتُ جُعَيْلًا إِلَى إِسْلامِهِ" (٤).

стр. 1427

(وهو أعجبُهم إليَّ): أضاف أَفْعَلَ التفضيلِ إلى ضميرِ الرهط المعطَيْنَ، وأوقعه (١) على الرجل الذي لم يُعطَ، وأفعلُ التفضيل إذا قُصدت به الزيادةُ على من أضيف إليه، كما قال ابن الحاجب: اشترط أن يكون منهم، وقد بينا أنه ليس من الرهط المعطَيْن؛ ضرورةَ كونِه لم يُعط، فيمتنع كما يمتنع: يوسفُ أحسنُ إخوته، مع إرادة هذا المعنى، والمخلَصُ من ذلك أن يكون: أعجبُ الرهطِ الحاضرين (٢) الذين منهم المعطَى والمتروكُ. فإن قلت: لم لا يجوز (٣) أن يكون المقصودُ بأفعلِ (٤) التفضيلِ زيادة مطلقةً، والإضافةُ للتخصيص والتوضيح، فينتفي المحذور، فيجوز التركيب؛ كما أجازوا: يوسفُ أحسنُ إخوته بهذا الاعتبار؟ قلت: المرادُ بالزيادة المطلقة: أن يقصد تفضيلُه على كل ما سواه مطلقاً، لا (٥) على المضاف إليه وحدَه، وظاهرٌ (٦) أن هذا المعنى غيرُ مرادٍ هنا. (ثم قال: أقبل أَيْ سعدُ!): في قوله: "أقبل" روايتان: إحداهما: أنه فعل أمر من القبول، فهمزته همزة وصل. الثانية: أنه فعل أمر من الإقبال، فهمزته همزة قطع.

стр. 1428

كأنه لما قال له ذلك، تولى ليذهب، فأمره بالإقبال؛ ليبين له وجهَ الإعطاء والمنع، و"أَيْ" حرف نداء، و"سعدُ" منادى مفرد مبني على الضم. وروي في "مسلم": "أَقِتَالاً أَيْ سَعْدُ؟! " (١) على أنه مصدر قاتَلَ؛ أي: أتُقاتل (٢) قِتالاً؛ بمعنى (٣)، أتعارضُني فيما أقول كأنك (٤) تقاتل؟! ٨٧٤ - (١٤٧٩) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بهِ فَيتصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ". (ولا يُفطن له فيتصدقَ عليه، ولا يقوم فيسألُ الناس): المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين يجوز فيه النصب بأن مضمرة وجوباً؛ لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء، ويجوز فيه الرفع على أنه معطوف على المنفي المرفوع، فينسحب (٥) النفي عليه؛ أي: لا يُفطن له، فلا يُتصدق، ولا يقوم، فلا يَسأل الناسَ.

стр. 1429

٨٧٥ - (١٤٨٠) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأعمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكم حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ - أَحسِبُهُ قَالَ - إِلَى الْجَبَلِ فَيحتَطِبَ، فَيَبيعَ فَيَأكلَ وَيتصَدَّقَ، خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ". قَالَ أَبو عبد الله: صَالح بْنُ كيْسَانَ أكبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قدْ أَدرَكَ ابْنَ عُمَرَ. (قال أبو عبد الله: صالحُ بنُ كيسان هو أكبرُ من الزهريّ): نبه بذلك على أن (١) الحديث من رواية الأكابر عن الأصاغر. باب: خَرْصِ التَّمرِ (باب: خرص التمر): هو بفتح الخاء المعجمة: حَرزُ (٢) التمر (٣)؛ من الخَرصِ بمعنى: الظَّنِّ؛ لأن الحرزَ تقديرٌ بظَنّ. ٨٧٦ - (١٤٨١) - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وهيبٌ، عَنْ عَمرِو بْنِ يَحيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى، إِذَا امْرَأة فِي حَدِيقَةٍ لَها، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لأصحَابهِ: "اخْرُصُوا". وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَها: "أحصِي مَا يَخْرُجُ مِنْها". فَلَمَّا أتيْنَا تَبُوكَ، قَالَ: "أَمَا إِنها سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِير فَلْيَعقِلْهُ".

стр. 1430

فَعَقَلْنَاها، وَهبَّت رِيحٌ شَدِيدَةُ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَأَلْقَتْهُ بجَبَلِ طَيِّئٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ برْداً، وَكتَبَ لَهُ ببَحرِهِمْ. فَلَمَّا أتى وَادِيَ الْقُرَى، قَالَ لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟ "، قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنِّي مُتَعَجِّل إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتعَجَّلَ مَعِي، فَلْيتعَجَّلْ". فَلَمَّا - قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كلِمَةً مَعنَاها - أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: "هذهِ طَابَةُ". فَلَمَّا رَأَى أُحُداً، قَالَ: "هذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أخبرُكُم بخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ "، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "دُورُ بَنِي النَجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرجِ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ - يَعْنِي - خَيْراً". (وخرص رسول الله ﷺ عشرةَ أوسق): مذهب مالك والشافعي وعامة أهل العلم: أن التمر التي يجب فيها العُشْر تُخرص وهي رُطَبٌ تمراً، فيعلم مقدارها، فتسلم إلى ربها (١)، ويكون عليه مثل حق الله تعالى (٢) فيها تمراً، وخالف في ذلك أبو حنيفة وأصحابه مستشكلين ما يؤدي إليه المذهب الأول من بيع الرطب (٣) بمثله تمراً نسيئةً، وهو منهيّ عنه. قال ابن المنير: وينفصل عن ذلك بأن الزكاة في الثمار تتعلق (٤) بالذمة، والمقصود بالخرص تعريف (٥) القدر الذي يتعلق بالذمة، ولا يرد

стр. 1431

على ذلك سقوطُ الزكاة بالجائحة (١) الطارئة؛ لجواز أن يتجدد (٢) على الحقوق الثابتة في الذمم مُسْقِطان. ألا تركه أن ثمن الثمرة (٣) [المبيعة متعلقة بذمة المشتري، وتخلص به غرماؤه، ثم لو أُجيحت التمرة، سقط الثمن (٤)] (٥)، فكذلك زكاة الثمار، وأحد القولين عندنا يعلق الزكاة بالذمة، لا بالعين، وكذلك (٦) الشافعي، وإن كان المشهور عندنا (٧) تعلقها بالعين، فيقتضي أن يكون هذا النظر (٨) فيما (٩) عدا الثمار، ولا إشكال إن علقنا الزكاة بالعين في أن الخرص حينئذٍ يؤول إلى بيع حظ المساكين رطباً بمثله تمراً؛ لأنا نبيح لأرباب الحوائط التصرفَ في جملة الحوائط، واستهلاك ثمرته، ثم يلزمهم عوض ما استهلكوه، وكل مبايعة كذلك؛ ليسلط (١٠) البائع المشتري على استهلاك السلعة بالعوض المسمى. (فقال لها: أحصي ما يخرج منها): الإحصاء: عَدٌّ بصفة التناهي؛ أي: احفظي قدر (١١) جميعِ ما يخرج منها عَدَداً.

стр. 1432

(أما إنها): يجوز أن تكون "أما" استفتاحية، فتكسر همزة "إن"، أو تكون (١) بمعنى: حقا، فتفتح همزة "أن". (فليعقِله): - بكسر القاف - مضارعُ عَقَلَ -بفتحها-؛ أي: ليشدّه بعِقال (٢). (ففعلنا): من الفِعْل، ويروى: "فعقلنا" من العَقْل. (فألقته بجبل طيِّئٍ): - بتشديد المثناة من تحت وبهمزة بعلى بها على زنة فَيْعِل (٣) -، وفي نسخة: "بجبلَيْ طيىِّء" على التثنية (٤)، وهما أُجَيْءٌ وسلمى، جَبَلان لهم، وأُجَيْء على وزن قُريش، وكلُّ من فائه ولامه همزة. (وأهدى مالك (٥) أيلةَ للنبي ﷺ بغلةً بيضاء، وكساه برْداً، وكتبَ له ببحْرِهم): صاحبُ أيلة يقال له: يحنة (٦) بنُ رؤبةَ، صالح (٧) على الجزية، وعلى أهل جرباء وأذرح؛ بلدين بالشام، كذا في "سيرة مغلطاي". والذي ذكره ابن هشام: أن أهل جرباء وأذرح أَتوا النبي ﷺ فصالحهم، ولم يجعل ذلك متعلقاً بصاحب أيلة (٨).

стр. 1433

وروى مسلم في الفضائل من حديث أبي حميد الساعدي، قال - "غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك"، وذكر الحديث، وقال فيه: "وجاء رسولُ ابنِ العَلْمَاءِ صاحب أيلةَ إلى النبيِّ ﷺ (١)، فأهدى (٢) إليه بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ ، وأهدى إليه برداً" (٣). قال (٤) النووي في "شرح مسلم": وجاء رسولُ ابنِ العَلْماء: بفتح العين وإسكان اللام وبالمد. قوله: فأهدى له بغلة بيضاء: هذه البغلةُ هي دُلْدُل بغلةُ رسول الله ﷺ المعروفةُ، لكن ظاهر (٥) اللفظ هنا أنه أهداها للنبي ﷺ في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند رسول الله ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوةَ حُنين كما هو مشهور في الأحاديث (٦)، وكانت حُنين عقبَ فتح مكة سنةَ ثمان. قال القاضي: ولم يَرِدْ (٧) أنه كان للنبي ﷺ (٨) بغلةٌ غيرُها. قال: فيحمل قوله على أنه أهداها له (٩) قبل ذلك، وقد عطف الإهداء

стр. 1434

على المجيء بالواو، وهي (١) لا تقتضي الترتيب. انتهى كلام النووي (٢). وتعقبه شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدين البلقيني - ذكره الله بالصالحات (٣) -: بأن (٤) البغلة التي كان عليها يوم حُنين غيرُ هذه. ففي مسلم: أنه كان ﵇ يوم حُنين على بغلة بيضاء أهداها له فروةُ بنُ نفاثَةَ الجذاميُّ (٥)، وهذا يدل على المغايرة. قال: وفيما قاله القاضي من التوحيد نظر، فقد قيل: إنه كان له من البغال دُلْدُلُ، وفضةُ، والتي (٦) أهداها له (٧) ابنُ العَلْماء، والأيليةُ، وبغلة أهداها له كسرى، [وأخرى من دومةِ الجندلِ] (٨)، وأخرى من عند النجاشي، كذا في "السيرة" (٩) لمغلطاي. قال: وقد وهم في تفريقه (١٠) بين بغلة ابن العلماء والأيلية؛ فإن ابنَ العلماء هو صاحبُ أيلةَ، والأَيليةُ منسويةٌ إلى أَيلةَ (١١)، وبعضٌ ذكر البغلةَ التي

стр. 1435

أهداها له (١) فرُوة بنُ نفاثةَ الجذامي، كما تقدم عن "صحيح مسلم". قال: لكن في "سيرة الدمياطي" أن دُلْدُلَ أهداها له المقوقسُ، وفضة أهداها له فروةُ بنُ عمرو [وهبها لأبي بكر (٢)، فعلى هذا (٣) لا نقض في كلام مغلطائي؛ لأن فروةَ بنَ عمرٍو] (٤) هو (٥) فروةُ بنُ نفاثةَ، وذكرَ بغلةَ كسرى، وضعَّف ذلك، وتعقَّبه بعدم قبول الكتاب، وذكرَ الأيلية، وذكر التي من دومة الجندل. وأما الكتاب: فحكاه ابن سعد في "الطبقات" عن الواقدي، قال: قدم يحنةُ بنُ رؤبة على النبي ﷺ ، وكان ملكَ أيلةَ، وأشفقَ أن يبعث إليه رسولُ الله ﷺ كما بعث إلى المنذر، وأقبل معه بأهل جرباء وأذرح، فأتوه فصالحهم، وقطع عليهم جزية معلومة، وكتب لهم كتاباَّ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا أُمَنةٌ من الله ومحمدٍ رسولِ الله ليحنةَ بنِ رؤبةَ وأهلِ أيلةَ [والبحر، ومن أحدثَ حدثاً] (٦) لسفنِهم، وسار بهم في البر والبحر، لهم ذمةُ الله وذمةُ محمدٍ رسول الله ﷺ ، ولمن (٧) كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، ومن أحدثَ حدثاً، فإنه لا يحول

стр. 1436

ماله دون نفسه طيبة لمن أخذه من الناس، وإنه (١) لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه (٢)، ولا (٣) طريقاً يريدونه من بر أو بحر، هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ " (٤). (كم جاءت حديقتك؟): وفي بعض النسخ: "جاء" بدون تاء التأنيث، وجاء هذه بمعنى كان؛ أي: كم كان قدرُ تمر حديقتك؟ (قالت: عشرة أوسق): قال الزركشي: أي: جاءت مقدارَ عشرة أَوْسُق. (خرصَ رسول الله ﷺ ): قال: هو وما قبله مرفوع على تقدير: الحاصلُ عشر" أوسق، وخرص بدل من قوله عشرة (٥). قلت: هذا مناف لقوله (٦) أولاً: جاءت مقدارَ عشرة أوسق. قال: وجوز بحضهم النصب على الحال. قلت: ليس المعنى على أن تمر (٧) الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسق، بل لا معنى له أصلاً. (هذه طابةُ): يعني: المدينةَ.

стр. 1437

قال الزركشي: أي: طيبةُ، لا ينصرف للعلمية والثأنيث (١). قلت: الأولى الانصراف عن بيان مثل هذه الأمور الواضحة؛ إذ لا سبب يقتضي خلاف ذلك. (فلما رأى أُحداً، قال: هذا جبلٌ (٢) يحبنا ونحبه): قيل: على حذف مضاف؛ أي: يحبنا أهله ونحبهم، وأهله الأنصارُ سكان (٣) المدينة. وقيل: أراد: أنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم كان أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب، فهو مجاز. وقيل: بل حبُّه حقيقةٌ، وُضع الحبُّ فيه كما وُضعَ التسبيحُ في الجبال المسبيحة مع داود ﵇، وكما قيل في تسبيح الحصا، وحنين الجذع، وخشية بعض الحجارة. قال السهيلي: وفى المسند (٤) من طريق أبي عبس بن جبر عن رسول الله ﷺ : "أُحُّدٌ يحِبُّنا ونُحبُّهُ؛ وهو عَلَي بَاب الجَنَّةِ"، قال: "وعَيرٌ يبْغِضُنَا وَنُبِغضُهُ، وَهو عَلى بَابٍ منْ أَبوَاب النَّاِر" (٥). ويقويه قوله ﵇: "المرء مَع منْ أَحبَّ" (٦).

стр. 1438

قال: وقد كان ﵇ يحب الاسمَ الحسن، ولا أحسن من اسم مشتق من الأَحَدية، وقد سمى الله هذا الجبل بهذا الاسم؛ تقدمةً (١) لما أراده من مشاكلة اسمه لمعناه. إِذ أهلُه - وهم الأنصار - نصروا التوحيد، والمبعوثُ بدين التوحيد عنده استقر حياً وميتاً، وقد كان (٢) من عادته ﵇ أن يستعمل الوتر، ويحبه في شأنه كله؛ استشعاراً للأحدية، فقد وافق اسمُ هذا الجبل أغراضَه ﵇، ومقاصدَه في الأسماء، فقد يدل (٣) كثير (٤) من الأسماء استثناء حالها، واسمُ هذا الجبل من أوفَقِ الأسماء له، ومع اشتقاقِه من الأحدية، فحركاتُ حروفه الرفعُ، وذلك يُشعر بارتفاع دينِ الأحدِ وعلوِّه، فتعلق حبُّه ﵇ به اسماً ومسمًّى، فَخُصَّ من بين الجبال بأن يكون معه في الجنة إذا بُسَّتِ الجبال بَسًّا، فكانت هباءً منبثاً. انتهى كلامه (٥). (خيرُ دور الأنصار): يعني: القبائل الذين يسكنون الدور؛ أي: المحال. ٨٧٧ - (١٤٨٢) - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بلَالٍ: حَدَّثَنِي عَمرٌو: "ثُمَّ دارُ بَنِي الْحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ

стр. 1439

عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبيه، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". قَالَ أَبُو عبد الله: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَة. (عن عُمارةَ): بضم العين المهملة. (بنِ غَزِيَّة): بغين معجمة (١) مفتوحة فزاي (٢) مكسورة فمثناة من تحت مشددة فهاء تأنيث. باب: الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءَ السَّمَاءَ، وَبالْمَاءِ الْجَارِي، وَلَم يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئاً (باب: العشر فيما يُسقى من ماء السماء، والماء (٣) (٤) الجاري، ولم ير [عمر] بن عبد العزيز في العسل شيئاً): ذكرُ العسل في الترجمة تنبيهٌ على أن (٥) الحديث ينفي وجوبَ العُشْر فيه؛ لأنه (٦) خص العشر، أو نصفه بما يُسقى، فأَفهمَ أن ما لا يُسقى لا يعيش؛ خلافاً لأبي حنيفة.

стр. 1440

٨٧٨ - (١٤٨٣) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مريَمَ، حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونسٌ بنُ يَزِيدَ، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِم بْنِ عبد الله، عَنْ أَبيهِ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْف الْعُشْرِ". قَالَ أَبُو عبد الله: هذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ - يَعنِي: حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَبَيَّنَ فِي هذَا وَوَقتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضي عَلَى الْمُبْهم إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: أَن النَّبيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعبَةِ. وَقَالَ بلَالٌ: قَدْ صَلَى. فَأُخِذَ بقَوْلِ بلَالٍ، وَثُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ. (أو كان عَثَرياً): بفتح العين والثاء المثلثة. قال القاضي: وحكى ابن المرابط فيه سكون الثاء، قال: وهو ما سقته السماء (١) من النخل والثمار؛ لأنه يُصنع له شبه الساقية يجمع فيها (٢) الماء من المطر إلى أصوله يسمى: العاثور (٣). قال السفاقسي: والصحيح ما قاله أبو سليمان - يعنى: الخطابي -: أن العثري: ما شربَ بعروقه من غير سَقْي. (وفيما (٤) سُقي بالنضح): أي: سُقي بما يُستخرج من الآبار بالقِرَب، أو بالساقيةٍ ونحوِ ذلك.
следующие страницы →