← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وجوهها عن العيون، فكشف نقابها، ومدَّ نظره إلى الفقهيات، فاجتنى أطيبَ الثمرات من فروعها، وورد مناهلها الصافية، فأجرى أحسن المسائل من ينبوعها، وأبدى من بدائعها ما فطر قلب حاسده وأكمد، وأصبح مالكًا لأزِمَّة النظر في الأحكام الشرعية، فرأينا مذهبَ الإمام أبي حنيفة يؤخذ عن الإمام أحمد، هذا إلى حلم وَسِع برأفته الرعايا، وبشاشةِ وجهٍ أكسبه أجلَّ المزايا: [من الكامل] وإذا يشاءُ الله رحمةَ أُمةٍ ... وَلَّى أمورَهم الحليمَ الأَرْحَما وكرمٍ أوجد المعدومَ وأغنى، وعلت كل يد منه كعبا، ولم يبق لابن زائدةَ معنى. كم فتحت عيون التضاد في وجوه جوده فقفلت بالمكارم، وسافرت بريح ثنائه الطيب، فأثبت لها المغانم، ويفي عنها المغارم، وتنبهت لعطاياه، فأنشدها لسانُ كرمه وهي منتهية، وآخر يأتي رزقه وهو نائم، وشجاعةٍ تشهدُ مصارعُ الفرسان لشجاعتها، وتحدِّثُ ألسنةُ الصوارم بغرابتها، فكم هنالك من رماحٍ رفعت ألوية النصر بقوافلها، وأشارت إلى خفقان قلوب الأعداء من الرايات بأناملها، وسيوفٍ إذا شُهرت يوم القتال بنيت على الفتح، وقابلت شهادة المدعي لمحاكاة فعلها بالجرح، وقِسِيٍّ تطلُع أهلةً في ظُلَم القَتَام، وتقسم للعِداة من الهلاك سهامًا أيَّ سهام، فكأنها قناطرُ يَعْبُر عليها آجال البغاة، أو مناجلُ قد انحنت لتحصد أعمارَ الطغاة، إلى غير ذلك من المآثر التي شادَ بها معالمَ المجد وساد، وبنى أمرَها على الصلاح فانحسمت موادُّ الفساد، جامعِ شملِ المهتدين، قامع زيغِ المعتدين، سلطانِ الأئمة

стр. 142

العاملين، خافض جناح الرحمة للعالمين، ناصرِ الله والحق والدين، أبي الفتح أحمد شاه السلطانِ بنِ السلطان محمد شاه بن السلطان مظفر شاه. [من الكامل]: نسَبٌ كأنَّ عليه من شمسِ الضحى ... نُورًا ومن فَلَقِ الصباحِ عمودًا فهو الخليفةُ على الخليقة، وإمام الوقت على الحقيقة، سلطانُ العالم الذي اتصف بمحاسن الأخلاق، وقيد أيامه بإسعاد الرعية وإسعافها، فشكر له ذلك التقييد على الإطلاق، ناشر ألوية العدل والإحسان، مفيضُ النعم التي يقصر عن شكرها كلُّ لسان، مقيمُ شعائر هذه الشريعة الشريفة، حائزُ قَصَبات السبق إلى المعالي المنيفة، الذي افترَّتْ به مباسم الإمامة، وتهللت بوجوده وجوهُ الكرامة، وفاخرت به الجزرات الهندية فثبت فخرها على سائر الممالك، وفازت منه بأعظم المطالب، ونجت بحسن تصريفه من المهالك، وكيف لا وهو الذي لا يزال مقسم الأوقات بين نفع يُنيله، وضر يُزيله، وفواضل يُسديها، وفضائلَ يُبديها، وعدلٍ يُطوى الجورُ بنشره، ومعروفٍ يتلقى ذوي الحاجات ببشره، ظِلُّ الله على الأنام، خاتمةُ أئمةِ العدل. [من الطويل]: إمامٌ يروقُ المقتفي منه موردٌ ... نعم ويروعُ المعتدي منه مصدَرُ تصومُ سلاطينُ الورى عن كمالِهِ ... وأكبادُهم عند (١) الصيام تَفَطَّر ويستقبلُ الأَعْدا بماضي حُسامِه ... فكمْ منهمُ في الحال قد بادَ عسكرُ له راحةٌ قد أتعبتْ كلَّ باذلٍ ... وأضحَتْ على مدِّ المنائح تُقْصِرُ

стр. 143

إذا انبسطَتْ منه لإعطاءِ نائلٍ ... يمينٌ فثقْ أن اليسارَ مُيَسَّرُ به جُزُراتُ الهندِ قد عَزَّ شأنُها ... فمقدارُها يعلو ويغلو ويَفْخَرُ وما هي إِلا جَنَّةٌ منه حقُّها ... نعيمٌ ورضوانٌ من الله أكبرُ أعز الله تعالى أنصاره، وأجزل للمهاجرين إليه مناره، ولا زالت أبوابه الشريفة حرمَ فضلٍ تجبى إليه ثمرات العلوم على اختلافها، وسماءَ كَرَمٍ تدرُّ سحبُها الحوافل فَتَرْضَعُ أنهارُ الضرورة من أَخْلافِها] (١). ولم أُطِلِ النَّفَس في هذا الكتابَ، ولا مددتُ في كثير من أماكنه أَطنابَ الإِطناب، بل اقتصرتُ (٢) فيه على ما هو (٣) أهم، وهتكتُ بأنواره ما دَجا من المشكلات وادْلَهَمّ. وسيعرف قدرَه مَنْ تصفَّحَه، وينظر المنصفُ (٤ بعين الاستحسان إذا لمحه، ويعذرني حيث كتبتُه وجناحُ السفر ٤) يحثُّني على الطيران، ومشقةُ الغربة وركوب البحر قد استقبلني منهما خطران، على أن باعي في جميع الفنون قصير، وإن حَلَّق غيري (٥)، فأنا -واللهِ- من ذوي التقصير، ومن الله (٦) أستمدُّ الإخلاص في القول والعمل، وإليه أرغبُ

стр. 144

في أن يبلغنا من خَيْرَي (١) الدنيا والآخرة غايةَ الأمل، وبالله ربي لا سواه أستعين، وإياه أسأل أن يسامحنا ويغفرَ لنا أجمعين بمنه ويُمنه (٢). * * *

стр. 145

كتاب الوحي

стр. 146

كتاب الوحي باب: كيف كان بَدْءُ الوحي إلى رسول الله ﷺ وَقَوْلُ اللَّهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (قال البخاري ﵀ (١) -: باب): هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، ويروى: بالتنوين. قوله (٢): (كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله ﷺ ): جملة لا محل لها من الإعراب، أتى (٣) بها لبيان ما عقد الباب لأجله. ويروى بترك التنوين، قالوا: على أنه مضاف لتلك الجملة بعده، فهي في محل خفض. فإن قلت: لا يضاف إلى الجملة إلا أحدُ أشياء مخصوصة ذكرها النحاةُ، وليس الباب شيئًا منها. قلت: هذا إنما هو في الجملة التي لا يراد بها لفظُها، وأما ما أريد به لفظُه من الجمل، فهو في حكم المفرد، فتضيفُ إليه ما شئتَ مما يقبل

стр. 147

بلا حصر، ألا ترى أنك تقول (١): محلُّ قام أبوه من قولك: زيدٌ قام أبوه، رفعٌ، ومعنى لا إله إلا الله: إثباتُ الإلهية لله تعالى، ونفيُها عما سواه إلى غير ذلك. وهنا أُريد لفظُ الجملة، والأصل: هذا بابُ شرحِ كيف كان بدءُ الوحي؛ أي: باب شرح هذا الكلام، ثم حُذف المضاف، وأُقيم المضافُ إليه مقامه، وقد استبان لك أن عدّ ابن هشام في "مغنيه" (٢) قولًا وقائلًا من الألفاظ المخصوصة التي تضاف إلى الجملة غير ظاهر. ولا يخفى سقوطُ قول الزركشي: لا يقال: كيف لا يضاف إليها (٣)؛ لأنا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافة. انتهى. وتقع هذه الترجمة في بعض النسخ بدون كلمة: باب. وبَدْء: -بباء موحدة مفتوحة فدال مهملة ساكنة فهمزة- من الابتداء. ويروى: "بُدُوّ" -بواو مشددة-؛ كَظُهُور زِنةً ومعنى، وهل الأحسن الأولُ؛ لأنه يجمع المعنيين، أو الثاني؛ لأنه (٤) أعم؟ رأيان. (وقولِ الله تعالى): إما -بكسر اللام- من: قول، على أنه معطوف على محل الجملة السابقة في رواية من ترك تنوين باب، وفي قولهم: عُطِفَ على كيف، مسامحةٌ، وإما -بضمها- على أنه مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: وقول الله تعالى كذا مما يتعلق بهذا الباب، ونحو (٥) هذا من التقدير.

стр. 148

١ - (١) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ إِلَى دنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرتهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". (الحُمَيدي): -بضم الحاء المهملة وفتح الميم فياء التصغير فياء النسب-، وهل نُسب إلى حُميد جدِّه، أو إلى حميد بطنٍ من أسدِ ابنِ (١) عبدِ العزى، أو إلى الحميداتِ قبيلة (٢)؟ أقوال. (سُفيان): -بتثليث حركة السين المهملة، والمشهورُ ضمُّها-، وهو ابن عُيينة، تصغير عين، فعينه مضمومة، وحكي: كسرُها. (التَّيْمي): -بمثناة من فوق مفتوحة فمثناة (٣) من تحت ساكنة- إلى تَيْم بنِ مُرَّة. (اللَّيْثي): بلام مفتوحة فمثناة من تحت ساكنة فثاء مثلثة. وافتتح هذا الباب من الأحاديث بقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات ... الحديث): إما لأنه متعلق بالآية التي في الترجمة، والجامعُ بينهما أن الله تعالى أوحى إلى محمد -عليه

стр. 149

الصلاة والسلام-، وإلى الأنبياء من قبله: أن (١) الأعمال بالنيات، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، قاله بعضهم. وإما لمناسبة ترجمة الباب، وذلك لأن الحديث اشتمل على أن هاجر (٢) إلى الله تعالى وحده ومقدمة النبوة كانت في حقه ﵇ هجرته إلى الله تعالى، وخلوته بغار حراء للتقرُّب إليه، وليس على معنى أن النبوة مكتسبة، بل على معنى أنها ومقدماتها ومتمماتها كلٌّ فضلٌ من عند (٣) الله، فهو الذي ألهم السؤال، وأعطى المسؤول، فله الفضلُ أولًا وآخرًا، قاله ابن المنير (٤). وإما لقصده أن يكون هذا الحديث في أول الكتاب عوضًا من (٥) الخطبة التي يبدأ (٦) بها المؤلفون، ولقد أحسن العوض من عوض من كلامه كلام من لا ينطق عن الهوى، قاله ابن (٧) بطال (٨). قلت: ولعل هذا هو السر في إيراده الحديثَ في هذا المحلّ مختصرًا، وذلك لأنه لما أورده موردَ الخطبة (٩)، اقتضتِ المناسبةُ ذكرَه بالطريق

стр. 150

التي (١) وقع فيها مختصرًا؛ إذ التخفيف في الخطبة مطلوب. قال ابن الملقن: سألني بعضُ الفضلاء عن السرِّ في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرًا، ولِمَ (٢) لم يذكرْه مطوَّلًا كما فعل في غيره من الأبواب؟ فأجبته في الحال: بأن عمر ﵁ قاله على المنبر، وخطب به، فأراد التأسي به، لكن البخاريَّ ذكره مطولًا في: ترك الحيل، وفيه: أنه خطب به أيضًا (٣). انتهى. قلت: فقد طاح جواب الشيخ، وبالله التوفيق. والكلامُ على مفردات هذا الحديث وفقهه سيأتي بعد هذا في أواخر كتاب: الإيمان. * * * ٢ - (٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّ الْحَارِثَ بن هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْيَانًا يَأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ ما قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.

стр. 151

(أن الحارث بن هشام): هو شقيقُ أبي جهل، أسلمَ يوم الفتح، وحسن إسلامُه، وشهد بدرًا مع فئة (١) المشركين، وانهزم، وفيه يقول حسانُ بنُ ثابتٍ ﵁: [من الكامل] إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِني ... فنَجَوْتِ مَنْجَى الحارِثِ بْنِ هِشامِ تَرَكَ الأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهمْ ... وَنَجَا برَأْسِ طِمِرَّةٍ وَلِجَامِ فقال الحارثُ يعتذر عن فراره: [من الكامل] اللهُ يَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتالَهُمْ ... حَتَّى عَلَوْا فَرَسِي بأَشْقَرَ مُزْبدِ وَعَلِمْتُ أَنِّي إنْ أقَاتِلْ وَاحِدًا ... أُقْتَلْ وَلا يَضْرُرْ عَدُوِّي مَشْهَدِي فَصَدَدْتُ عَنْهُمْ وَالأَحِبَّةُ فِيهِمُ ... طَمَعًا لَهُمْ بعِقَاب يَوْمٍ مُفْسِدِ (٢) قال الأصمعي: لم أسمع في الاعتذار عن الفرار أحسنَ من هذا (٣). (أحيانًا): -منصوب على الظرف- جمع حين، وهو الوقتُ: الساعةُ (٤) فما (٥) فوقَها، ومذهبنا (٦) أنه في الأَيمان سَنةٌ، وهو مشكِل، ولعله لعرفٍ ثبت فيه عندهم، وبتقديره فقد نقل.

стр. 152

(يأتيني): فاعلُه ضمير يعود إلى الوحي. (مثل): إما حالٌ من فاعل يأتيني، أو صفةٌ لمصدره؛ أي: إتيانًا مثلَ. (صلصلة الجرس): أي: مثل صوته، والجَرَس: -بجيم وراء مفتوحتين وسين مهملة- معروف، وهو شبه الناقوس الصغير يوضع في أعناق الإبل. والحكمة في إتيان الوحي له على هذه الكيفية: شغلُه ﵊ بقوة صوتِ الملَكِ عما سوى الوحي، فيتفرغ لسماعه، ويتمكن عنده أقوى تمكُّن. هذا معنى كلام المُهلَّب. وقيل: إن الملك كان ينزل بذلك إذا نزل بآيةِ وعيدٍ أو تهديدٍ. (فيفصم عني): أي: يُقلع وينفصل، وفاعل يفصم ضمير يعود إما إلى الوحي، أو إلى الملَك. قال الشيخ أبو الحسين (١) ابن سراج: فيه سر لطيف، وإشارة خفية إلى أنها بينونة من غير انقطاع؛ فإن الملك يفارقه ليعود إليه. والفصم -بالفاء-: القطع من غير بينونة؛ بخلاف القصم -بالقاف-؛ فإنه كسر وبينونة (٢). وأصح الروايات (٣) هنا في يَفْصِم -فتحُ المثناة من تحت وإسكان الفاء وكسر الصاد المهملة-، ورواية أبي ذر -بضم أوله وفتح ثالثه- على

стр. 153

البناء للمجهول، وَثَمَّ رواية أخرى: -بضم أوله (١) وكسر ثالثه (٢) -؛ من أفصم المطر: إذا أقلع، رباعي، وهي (٣) لغة قليلة. (وقد وَعَيْتُ): أي: حفظت، ومنه: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]. يقال (٤): وعيت العلمَ، وأوعيت المتاع. وقال ابن القطاع (٥): وأوعيتُ العلم (٦) مثل: وعيته (٧). (عنه ما قال): كل من الضميرين المجرور والمرفوع يعود على الملَكِ المفهوم مما تقدم. (وأحيانًا يتمثل لي الملكُ): هو جبريل ﵇، وبعضهم يجعل الملكَ من الأَلوك والأَلوكة بمعنى: الرسالة، فتكون الميم زائدة، وفيما بين الفاء والعين قلب، والأصل: مَألَك على أنه موضعُ الرسالة، أو مصدرٌ بمعنى المفعول، ثم قيل: مَلأَك، ثم نقلت حركةُ الهمزة (٨) إلى اللام، ثم حذفت الهمزة، فقيل: مَلَك، ومنهم من يثبت لاك أصلًا، فلا قلب، لكن ليس بمشهور.

стр. 154

وبعضهم يرى أن الهمزة زائدة، وأن اشتقاقه من ملك؛ لما فيه من معنى الشدة والقوة؛ كما في الملك والمالك، وملكتُ العجينَ: شددتُ عَجْنه. (رجلًا): قال جماعة من الشارحين: تمييز. قلت: الظاهر أنهم أرادوا تمييزَ النسبة، لا تمييز المفرد؛ إذ الملكُ لا إبهام (١) فيه. فإن قلت: وتمييز النسبة لابد أن يكون محوَّلًا عن الفاعل؛ كتصببَ عرقُ زيدٍ؛ أي: عرقَ زيدٌ، أو المفعول؛ نحو: ﴿الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]؛ أي: عيون الأرض، وذلك هنا غير متأت. قلت: هذا أمر غالب لا دائم، بدليل: امتلأ الإناءُ ماءً. قال الزركشي: وقال ابن السِّيد: حال موطئة على تأويل الجامد بالمشتق؛ أي: مرئيًّا محسوسًا. انتهى (٢). قلت: آخرُ الكلام يدفع أولَه، وصرح بعضهم بأنه حال، ولم يؤوله بمشتق، وهو متجه؛ لدلالة رجل هنا (٣) على الهيئة بدون تأويل، ولو قيل: بأنه (٤) يتمثل هنا أُجري مجرى يصير؛ لدلالته على التحول والانتقال من حال إلى أخرى، فيكون رجلًا خبره؛ كما ذهب إليه ابن مالك في تحول وأخواته، لكان وجهًا، لكن قد يقال: إن معنى يتمثل: يصير

стр. 155

مثالًا، ومع (١) التصريح بذلك يمتنع أن يكون رجلًا خبرًا له، فتأمله. وإذا تمثل الملك رجلًا، فهل يفنى الزائد من خلقه، أو يزال عنه من غير فناء، ثم يعود بعد التبليغ كما كان أولًا؟!! احتمالان نبه عليهما إمام الحرمين. وقال ابن عبد السلام: يجوز أن تنتقل روح الملك إلى صورة الرجل التي ظهر بها، ولا يكون ذلك موجبًا لموت جسده الأصلي الذي خُلق عليه أولًا، بل يبقى الجسد حيًّا؛ لأن (٢) لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد (٣) الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر. قال: وموتُ الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلًا، بل بعادةٍ أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا يلزم في غيرهم. هذا كلامه، فتأمله (٤). قال أبو الزناد: إنما لم يذكر (٥) ﵊ رؤياه، مع أنها وحي؛ لأنه أخبر بما ينفرد به عن الناس، والرؤيا الصالحة قد يشركه غيرُه فيها (٦).

стр. 156

قلت: فيه نظر؛ إذ لا شركة في التحقيق؛ لأنها بالنسبة إليه وحي، وبالنسبة إلى غيره ممن هو غير نبي ليس وحيًا. وقال السُّهَيلي: إنه تتبع وجوه الوحي تتبعًا لم يسبق إليه، فذكر سبعة أوجه: إسرافيل نزل أول البعثة أشهرًا، وجبريل على صورته، والمنام الصادق، والنفث في الرُّوع، والسماعُ بلا واسطة؛ كليلة الإسراء، وجبريل في صورة دِحْية، وفي مثل صلصلة الجرس (١). قال ابن المُنَيِّر: وزدنا عليه بفضل الله تعالى (٢) ثلاثةَ أوجه: اجتهاده ﵇؛ فإنه صواب قطعًا، وهو قريب من النفث في الرُّوع، إلا أن هذا مسبب عن النظر والاجتهاد. قلت: فيه (٣) نظر، فإن ظاهر كلام الأصوليين أن اجتهاده ﵊ والوحي إليه قسمان (٤). وروى أبو داود من حديث أبي سلمة ﵁، قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريثَ وأشياءَ قد دَرَسَتْ، فقال: "إِنَّما أَقْضي بَيْنَكُمْ برأيي (٥) فيما لم ينزلْ عَلَيَّ فيه (٦) " (٧).

стр. 157

وظاهر (١) هذا: أن اجتهاده ﵊ ليس وحيًا ينزل عليه، وأيضًا فليس بين القطع بأن اجتهاده صواب، وبين كونه وحيًا تَلازمٌ. قال (٢) الثاني: نزولُه وله دويٌّ كدويّ النحل. الثالث: نزولُه في صورةِ رجلٍ شديدِ بياض الثياب، شديدِ سوادِ الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفُه من الصحابة أحد، وهذه غير صورة دِحْية؛ لأن دحية كان معروفًا. قلت: فيه نظر؛ فإن ظاهر القصة (٣) التي ذكر فيها مجيء جبريل ﵇ على تلك الصورة يقتضي أنه لم يبلِّغ فيه وحيًا عن الله إلى رسوله (٤) في هذه المرة (٥)، وإنما جاء سائلًا له (٦) عن شرائع الإسلام؛ ليعلِّمَ الناسَ دينَهم، فكيف يعدُّ هذا من وجوه الوحي إلى الرسول ﵊؟! قال: ويمكن أن يعد وجهٌ (٧) حادي عشر: وهو وحيُ مَلَكِ الجبال إليه؛ لأنه قال: "يا محمد! إنَّ الله أَمَرَني أَنْ أُطيعَكَ في قومِك" (٨)، وبلغه (٩)

стр. 158

عن الله تعالى هذه (١) الرسالة، وهو الوحيُ بعينه. ويمكن وجهٌ (٢) ثاني عشر: وهو الوحي على لسان خَزَنَةِ السموات [من الملائكة، وكلُّهم قال له ليلةَ الإسراء] (٣): "ولَنِعْمَ المجيءُ جاءه (٤) " (٥)، وهذه بشارة منهم لا تكون إلا بإذن من الله لهم (٦) في تبليغها إياه صلوات الله عليه وسلامه. قلت: فيه نظر؛ إذ ليس في قول ملائكة السموات: "ولنعم المجيء جاء"، ما يقتضي مخاطبتهم إياه بذلك، ولا تبليغهم عن الله هذه البشارة، وكون (٧) مثل هذا القول لا يصدر عنهم (٨) إلا بإذن الله (٩)، لا يلزم منه أن يكون تلفُّظُهم (١٠) في الجملة وحيًا إلى رسوله، نعم، لو ثبت أن الله أذن لهم (١١) في تبليغهم ذلك عنه إلى رسوله، لكان من الوحي، لكن ليس ثَم ما يدل عليه، فتأمله (١٢).

стр. 159

(ولقد رأيته يَنزِل): بفتح أوله والزاي مخففة، وبضمه والزاي مفتوحة مشددة أو مخففة. (وإن جبينه): الواو حالية، والجملة المنتظمة من هذا مع ما بعده حال، إما من ضمير الجر، أو الرفع (١) في قولها: "فينفصم عنه"، وأكدت بأن واللام، واسميةُ الجملة لقصد الإعلام بتحقيق (٢) الحكم ألبتة، والردِّ على منكره تقديرًا من حيث غرابته. ويحتمل أن يكون التأكيد؛ لوفور الباعث منها على تحقيق هذا الحكم، والحرص على قبول السامع له، فقد نَصَّ بعضُ أئمة البيان على أن التأكيد كما يكون لإزالة الشك، ونفي الإنكار من السامع (٣)، قد يكون لصدق (٤) الرغبة، ووفور النشاط من المتكلم، ونيل الرواج والقبول من السامع، ولهذا قال المنافقون لشياطينهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، على (٥) أنه كلام من (٦) غير المنكر. والجبينُ غيرُ الجبهة، وهو فوق الصُّدْغ، والصدغُ: ما بين العين والأذن، فللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، والمراد -والله أعلم-: أن جبينيه معًا يتفصدان.

стр. 160

فإن قلت: فَلِمَ أُفرِدَ؟ قلت: لأن الإفراد يجوز أن يعاقب التثنية في كل اثنين لا يغني أحدُهما عن الآخر؛ كالعينين (١)، والأذنين، تقول: عينه (٢) حسنة، وأنت تريد أن عينيه جميعًا حسنتان (٣). (ليتفصدُ): -بالفاء لا بالقاف- كما صَحَّفَه بعضهم؛ أي: يسيلُ وينصبُّ، ومنه الفصدُ. (عرقًا): بالنصب على التمييز عن النسبة. قال ابن المنير: ووجه الآية فيه مخالفةُ العادة في تفصُّد الجبين عرقًا في شدة البرد، فهذا يدل على طارئ زائد على الطبائع (٤) البشرية، مضافًا إلى ما يظهر عقيبَ (٥) ذلك من النطق بالحق والحكمة (٦)، والإخبار بالغائبات على وجه يتحقق فيه الصواب، وفيه إشارة إلى ثقل الوحي؛ لأنه حق، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؛ لأن الحق رصين، والباطل سفساف. * * *

стр. 161

٣ - (٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثُمَّ حُببَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بغَارِ حِرَاءٍ، فَيتحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيتزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَناَ بقَارِئٍ". قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَناَ بقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثانية حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَناَ بقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣] ". فَرَجَعَ بهَا رَسُولُ الله ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بنْتِ خُويلِدٍ ﵂، فَقَالَ: "زَمِّلُوني زَمِّلُوني"، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نفسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِب الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أتتْ بهِ وَرَقَةَ بْنَ نوفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجيلِ بالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كبيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا بْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ

стр. 162

أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعَمْ، لَمْ يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ مَا جِئْتَ بهِ إِلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نصرًا مُؤزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفترَ الوَحْيُ. (عُقيل): -بضم العين- ابن خالد الأيلي، ليس في البخاري -بضم العين- سواه، ومن عداه: بفتحها. (عائشة): -بهمزة- وعوامُّ المحدثين يبدلونها ياء. (أول ما بدئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي): من: لبيان الجنس، وقيل: للتبعيض، وهذه القصة (١) لم تحضرها عائشة ﵂، ولا أدركتها، فهذا من مراسيل الصحابة، والصحيح أنها حجة (٢). وقال الإسفراييني: لا يكون حجة إلا إذا قال: لا أروي إلا عن صحابي. (مثلَ فلق الصبح): أي: ضيائه، ومثلَ: منصوبٌ على أنه حال من ضمير جاءت، قيل: وإنما عبرت عن صدق الرؤيا بفلق الصبح؛ لأن شمس النبوة قد كانت مبادئُ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعتُها، وتم نورُها.

стр. 163

(الخَلاء): -مفتوح (١) الخاء المعجمة ممدود-: الخلوة. قال الخطابي: وهي مُعينة على الفكر (٢)؛ لفراغ القلب معها، والبشر لا ينتقل عن سجيته إلا بالرياضة، فلطفَ الله به؛ حيث حَبَّبَ إليه في ابتداء أمره الخلوةَ، والانقطاعَ عن الخلطة بالناس؛ ليجد الوحيُ منه متمكنًا ومرادًا سهلًا (٣). (بغار حراء): الغار: النَّقْبُ في الجبل، وحِرَاء: بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء. قال القاضي: يمد ويقصر، ويؤنث ويذكر، ويصرف ولا يصرف. يريد: أن الصرف مع التذكير على إرادة الموضع، والمنع مع التأنيث على إرادة البقعة. وحكى الأصيلي: فتح الحاء والقصر. وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة على يسار الذاهب إلى منى (٤). (فيتحنث به (٥)، وهو التعبد): الضمير المنفصل عائد إلى مصدر يتحنث، وهو من الأفعال التي معناها السلب؛ أي: اجتنابُ فاعلِها لمصدرها؛ مثل: تأثَّم وتحوَّب: إذا اجتنب الإثم والحَوْب.

стр. 164

وقال (١) العسكري: رواه بعضهم: "يتحنف"؛ أي: يتبع الحنيفية (٢)؛ أي: دينَ إبراهيم ﵊ (٣). وفي "سيرة ابن هشام": تقول العرب: التحنُّث والتحنُّف، يريدون: الحنيفية، فيبدلون الفاء من الثاء؛ كما قالوا: جَدَث، وجَدَف، يريدون: القبر (٤). (الليالي): -منصوب على الظرف-، وعامله يتحنث، لا التعبد من قوله: وهو التعبد؛ لئلا يفسد المعنى. (ينزع إلى أهله): أي: يحنُّ إليهم ويسير لهم. (ويتزود لذلك): أي: لتحنُّثه في تلك الليالي، قيل: وفيه رد لقول الصوفية: إن من أخلص لله تعالى، أنزل عليه طعامًا، والنبي ﷺ كان أولى بهذه المنزلة؛ لأنه أفضل (٥) البشر، وفيه: أن اتخاذ (٦) الزاد لا ينافي التوكل. والضمير المجرور من قوله: "فيتزود لمثلها" عائد إلى الليالي. (حتى جاءه الحق): أي: الأمرُ الحقُّ، وفي كتاب: التفسير: "حتى فَجِئَه الحق" (٧)، يقال: فَجِئَهُ الأمرُ، وفَجَأَهُ يفجَؤُهُ؛ أي (٨): أتى بغتة

стр. 165

-بكسر الجيم وفتحها في الماضي، وفتحها فقط في المضارع منهما-. (فجاءه الملك): أي: جبريل ﵇. وروى ابن سعد بإسناده: أن نزولَ الملك عليه بحراءٍ يومَ الاثنين لسبعَ عشرةَ خلتْ (١) من رمضان، ورسولُ الله ﷺ يومئذ (٢) ابن أربعين سنة (٣). (ما أنا بقارئ): الظاهر أن "ما" نافية، والباء زائدة في الخبر؛ أي: إني أُمِّيٌّ، فلا أقرأ الكتب، هذا هو الصحيح، ويؤيده أنه قد جاء في رواية: "ما أُحْسِنُ أَنْ أَقْرَأَ". وقيل: استفهامية؛ بدليل رواية ابن إسحاق: "ما أقرأ؟ " (٤). ورُدَّ بأن الباء مانعةٌ من الاستفهامية، ورواية ابن إسحاق ليست نصًّا في الاستفهام، ولا تدفع النفي. قلت: بل فيها ما يرجِّح الاستفهام، وذلك أنه قال بعدَ غَطِّ الملَكِ له في المرة الثالثة: [ثُمَّ أرسلَني فقال: اقرأ، قالَ: قلتُ: "ماذا أقرأ؟ " (٥)، فهذا نص في الاستفهام يترجح به كونُ "ما" في قوله] (٦): "ما أقرأ؟ " استفهامية، وزيادة الباء في الخبر الموجب قال بها الأخفش، ومن تابعه، لكنه سماعي.

стр. 166

وقال ابن مالك في: "بحسبك زيد": إن (زيد) (١) مبتدأ مؤخر؛ لأنه معرفة، (وحسبك) خبر مقدم؛ لأنه نكرة، والباء زائدة فيه (٢). (حتى بلغ مني الجَهد): -بفتح الجيم-: المشقة، وجُوز (٣) الضمُّ فيه، فالجهدُ (٤) مرفوع على أنه فاعل بلغَ، ومفعوله محذوف؛ أي: بلغَ مني الجهدُ مبلغًا. وقيل: هو -بضم الجيم-: الطاقة، فيكون الجهدُ منصوبًا، والمعنى: بلغ مني الملَكُ وُسْعَهُ وطاقته في الغَطِّ. (فغطَّني الثالثةَ): قال أبو الزناد: فيه دليل على أن المستحبَّ في المبالغة في الحض (٥) على التعليم ثلاث، وقد كان ﵊ إذ قال شيئًا، أعاده ثلاثًا (٦)؛ للإفهام. قيل: وفيه دليل على أن المؤدِّبَ لا يضرب (٧) صبيًّا أكثرَ من ثلاثِ ضربات، وهو منقول عن شُريح. وفي "السيرة": أن هذا الغطَّ كان في النوم (٨).

стр. 167

قال السهيلي: فيكون في تلك الغطات الثلاث إشارةٌ إلى ثلاثِ شدائدَ يُبتلى بها، ثم يأتي الفرجُ، وكذلك كان لقي رسول الله (١) ﷺ هو وأصحابه شدةً من الجوع في الشِّعْب حين (٢) تعاقدت قريشٌ على قطيعتهم، وشدةً أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل، وشدةً أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليهم، ثم كانت العاقبةُ للمتقين، والحمد لله (٣) (٤). (فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]): فيه دليل للجمهور أنه أولُ ما نزل، وفيه ردٌّ على من قال: إن البسملة آيةٌ من كل سورة، وهذه (٥) أولُ سورة نزلت، ولم يذكر فيها بسملة، قاله ابن القصار. (فرجّع بها): هو عند الشيخ أبي الحسن: بتشديد الجيم. قال أبو عمر (٦): إن الصواب: التخفيف، يريد: أن المعنى: أنه رجع إلى بيته، -والتشديد- على (٧) أنه رَجَّعَ بما أقرأه جبريل؛ أي: قرأه مَرَّات. (يرجُف): -بضم الجيم-: يخفق ويضطرب. (فؤادُه): قلبه على المشهور، وقيل: هو باطنُ القلب، قيل: غشاؤه (٨).

стр. 168

(زملوني): أي: لُفُّوني في الثياب، ودثِّروني بها. (الرَّوع): -بفتح الراء-: الفزع. (وأخبرها الخبر): فيه أن الفازع لا يُسأل عن شيء حتى يذهب فزعُه. وعن الإمام مالك: أن المذعور لا يلزمُه ما صدر (١) منه في حال ذعره من بيع وإقرار وغيره. (لقد خشيتُ على نفسي): أي: خشيت ألَّا أُطيق حملَ أعباءِ الوحي؛ لما لقيتُه أولًا عند لقاء الملك، وليس معناه الشكَّ في أن ما أتاه (٢) من الله تعالى، قاله القاضي، وأبدى احتمالًا آخر فيه بحث (٣). (كلا): هي عند البصريين حرفُ ردع، والمعنى هنا: كلَّا، لا (٤) تقلْ ذلك (٥)، أو كلَّا، لا خوفَ عليك. (ما يُخزيك): -بضم أوله وبالخاء المعجمة-؛ أي: ما يفضحك، هذه رواية عقيل، ويونس، ورواه معمر -بالحاء المهملة والزاي والنون-، وعليه: فيجوز -فتح الياء مع ضم الزاي، وضم الياء مع كسر الزاي (٦) -، يقال: حَزَنَه، وأَحْزَنَه بمعنى. (إِنك): -بكسر الهمزة-؛ لوقوعها في الابتداء، وفُصلت هذه الجملة

стр. 169

عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤالٍ (١) اقتضته، وهو سؤال عن سبب خاصٍّ، فحَسُنَ التأكيد، [وذلك أنها لما بتَّتِ القول (٢) بانتفاء الخِزْي عنه، وأقسمتْ عليه، انطوى ذلك على اعتقادها] (٣) أن ذلك لسبب عظيم، فيقدر (٤) السؤال عن خصوصه (٥)، حتى كأنه قيل: هل سببُ ذلك هو الاتصافُ بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف (٦)؛ أي (٧): كما يشير إليه كلامك؟!! (فقالت: إنك لَتصلُ الرحم): أي: تُحسن قرابتك (٨) الذين يجمعهم رحمُ والدِك، وهي (٩) في الأصل معنى من المعاني، وهو الاتصال الذي يجمعه رحمُ الوالد، فسميت القرابة بها (١٠). (الكَل (١١)): -بفتح الكاف-: الثِّقْل -بكسر الثاء المثلثة (١٢) وإسكان القاف-.

стр. 170

(تَكسب): -بفتح المثناة من فوق- على الأفصح المشهور؛ أي: تكسب لنفسك. (المعدوم): أي: عند الناس من الفوائد والنفائس الدينية (١)، وقيل: بل المراد تُكسب غيرَك المعدومَ عندَ سواك (٢)، وكسب يتعدى بنفسه إلى واحد؛ نحو: كسبت المال، وإلى اثنين؛ نحو: كسّبتُ غيري المالَ، وهذا منه، وبعضُهم يرويه: -بضم المثناة-؛ من أكسب، ومعنى الكلام كما سبق. وقال الخطابي: -بناء على ضم التاء- الرواية: "المعدوم"، ولكن الصواب: المُعدَم (٣)؛ لأن المعدوم لا يُكسَب (٤). وفي "تهذيب الأزهري" عن ابن الأعرابي: رجل عديم: لا عقل له، ومعدوم: لا مال له (٥). قلت: كأنهم نزلوا وجودَ من لا مالَ له منزلةَ العدم، وحينئذ يندفع ما قاله الخطابي. (وتَقري): -بفتح التاء- مضارع قرى الضيف: إذا هيأ له طعامه ونُزُلَه. (نوائب): جمع نائبة، وهي الحادثة النازلة (٦)، سواء كانت في حق، أو باطل، ولذلك أضافتها إلى الحق.

стр. 171

وفيه: دليل على فضل خديجة، وجزالة رأيها. وفيه: تأنيس من نزل به خوف (١) بذكر أسباب السلامة، وأن من نزل به ذلك، ينبغي له أن يشارك فيه من يثق بنصحه. قيل: وفيه: جواز تزكية الرجل في وجهه بما فيه من خير، و "احْثُوا الترابَ (٢) في وُجوهِ المَدَّاحينَ" (٣) محمولٌ على المدح الباطل (٤). قلت: يتعين أن يقيد بما إذا أُمِنَت الفتنةُ من إعجابٍ بالنفس (٥)، وهو قضيةُ الحديث؛ لأنه ﵇ معصومٌ من ذلك كله. (ورقةَ بنَ نوفلِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العزى ابنَ عمِّ خديجةَ): لأنها خديجةُ بنتُ خويلد بنِ أسد، وابنَ عمِّ خديجة يكتب فيه ابن (٦) بالألف، ويضبط بالنصب على أنه تابع لورقة، ولو جُرَّ، لكان صفةً لعبد العزى، وهو باطل. (تنصَّرَ في الجاهلية): أي: وترك عبادة (٧) الأوثان. (وكان يكتبُ الكتابَ العبراني، فيكتبُ من الإنجيل بالعبرانية): وفي التعبير والتفسير من البخاري: "يكتبُ الكتابَ العبرانيَّ، فيكتبُ

стр. 172

بالعربية من الإنجيل" (١). وفي "صحيح مسلم": "العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل" (٢)، والكلُّ صحيح؛ أي (٣): كان يحسن الكتابة العربية والعبرانية، ويحسن التلفظ باللغتين، فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، تارة بهذا، وتارة بهذا. (الناموس): صاحبُ سرِّ الخير، والجاسوس: صاحبُ سرِّ الشر. (الذي نزّل (٤) الله (٥) على موسى): قيل: هذا لا يلائم قوله: تنصر. وتمحَّلَ له السهيليُّ بما لم أرَ ذكره. وقد رواه الزبيرُ بن بكار، فقال: "ناموسُ عيسى بنِ مريم" (٦)، يريد: جبريل ﵇. (يا ليتني): ذهب ابنُ مالك إلى أن "يا" في هذا المحل وأمثاله حرفُ تنبيه، لا حرفُ نداء كما يظنه كثيرون (٧).

стр. 173

قال: لأن القائل: يا ليتني؛ قد يكون وحدَه، فلا منادى ثابت، ولا محذوف، ولأن (١) العرب لم تستعمل المنادى قبل ليت ثابتًا، فادعاءُ حذفه باطل؛ لخلوه من دليل، وفيه بحث. (فيها): أي: في مدة النبوة، أو (٢) الدعوة، أو الدولة. (جَذَعًا): -بجيم وذال معجمة مفتوحتين-؛ أي: شابًّا قويًّا على نصرتك، أو (٣) أولَ مَنْ يُجيبك إلى الإيمان (٤). أصله: أن يستعمل للدواب باعتبار سِنٍّ مخصوص، ثم استُعير للإنسان، إما باعتبار القوة، فيجيء الأول، أو باعتبار الأولية؛ فإن الجَذَع أولُ الأسنان (٥)، فيجيء الثاني، والظاهر هو الأول. والمشهور هنا النصبُ، إما على أنه حال من الضمير المستكن في خبر ليت، وهو فيها، وإما على أنه خبر لأكون محذوفًا، وإما خبر لليت على أنها تنصب الجزأين، ولا إشكال في الأول، كما أنه لا إشكال في رفع جذع كما وقع للأصيلي هنا. (إذ يخرجك): فيه استعمال إذ للاستقبال كإذا؛ نحو: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١]، والجمهور لا يثبتون مثل هذا، والآية متأولة.

стр. 174

(أوَ مخرجيَّ هم؟): -بفتح الواو وتشديد ياء "مخرجيَّ"- جمع مُخْرِج مضاف إلى ياء المتكلم، و"هم (١) " مبتدأ مؤخر، "ومخرجيَّ" خبر مقدم، ولا يجوز العكس؛ لئلا يخبر عن النكرة بالمعرفة؛ لأن الإضافة في "مخرجيَّ" لفظية، ولا يجوز أن يكون "مخرجيَّ" مبتدأ، و"هم" فاعلًا؛ لأن "مخرجيَّ جمع"، والوصف (٢) وما بعده إذا تطابقا في غير الإفراد كان الأول خبرًا مقدمًا، قاله ابن الحاجب (٣). قلت: بناؤه على المشهور، وأما على لغة: "يتعاقبون"، فلا يمتنع، أما لو كان مخرج (٤) مفردًا، وأُضيف إلى ياء المتكلم، لتعين إعراب هم فاعلًا به على رأي من يجيز كونَ مرفوع الوصف المبتدأ ضميرًا منفصلًا؛ كابن الحاجب، وابن مالك، ومنهم من يمنع مثلَ هذا التركيب أصلًا، ومحلُّ بسطه كتبُ العربية. (وإن يدركْني يومُك): أي: وقتُ انتشار نبوَّتِك. وفي (٥) "السيرة": "إن أدركْ ذلكَ اليومَ" (٦). قالوا: والذي في البخاري هو الوجه؛ لأن ورقة سابق بالوجود (٧)، والسابقُ هو الذي يدركه ما يأتي بعده.

стр. 175

قلت: وجه السهيلي ما في "السيرة": بأن المعنى؛ إن أدرك (١) ذلك اليوم، فسمَّى رؤيتَه إدراكًا (٢). (مؤزَّرًا): -بهمزة وتُسهل- على زنة مُفَعَّل؛ من الأَزْر، وهو القوة. (ثم لم ينشَب ورقة): -بفتح ثالثه (٣) -؛ أي: لم يمكث. (أن تُوفي): -في محل رفع- على أنه بدلُ اشتمالٍ من ورقة؛ أي: لم تتأخر وفاته عن هذه القصة. وفي "السيرة": "أن ورقة بن نوفل كان يمر ببلال وهو يعذَّب، وهو يقول: أَحَدٌ أحد، فيقول: أحد أحد واللهِ يا بلال، ثم يُقْبل على أميةَ بن خَلَف ومَنْ يصنع (٤) به ذلك من بني جُمَح، فيقول: أحلفُ بالله لئن قتلتموه على هذا، لأتخذنه حنانًا" (٥)، وهذا مخالف لما في "البخاري"، فتأمله. (وفتر الوحيُ): أي: سكن وأغبَّ نزولُه وتتابُعه. وقد جاء في حديث مسند ذكره السهيلي: أن الفترة كانت سنتين ونصفًا، وبه جمع بين قول أنس: أنه ﵇ أقام بمكة عشر سنين، وقولِ ابن عباس: ثلاثَ عشرةَ سنة، وذلك أنا إذا أضفنا زمنَ الفترة إلى زمن ابتداء الوحي بالرؤيا الصالحة، وهي ستة أشهر، كان مجموع ذلك

стр. 176

ثلاثَ سنين، فيجيء من اعتبار (١) ذلك [قول ابن عباس، وإن اعتبرنا العددَ (٢) من حين حميَ الوحيُ وتتابع، جاء قول أنس، وسيأتي] (٣) فيه كلام (٤) إن شاء الله تعالى. * * * ٤ - (٤) - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ-، فَقَالَ فِي حَدِيثهِ: "بَيْنَا أَناَ أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]، فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتتابَعَ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: "بَوَادِرُهُ". (بَيْنَا): ظرف زمان مكفوفٌ بالألف عن الإضافة إلى المفرد، والتقدير بحسب الأصل: بين أوقات. (أنا أمشي إذ سمعتُ): وفيه ردٌّ على الأصمعي حيث ادعى أن الفصيح (٥)

стр. 177

تركُ إذ وإذا في جواب بينا وبينما، وإذ هذه للمفاجأة، [وهل هي ظرف زمان، أو مكان، أو حرفٌ بمعنى المفاجأة] (١)، أو حرف مؤكد؟ أقوال معروفة في محلها. (جالس): -بالرفع- على الخبرية، وقد يُنصب على الحالية كما قرروه (٢) في مثل: خرجت فإذا زيدٌ جالس. [(كُرسي): -بضم الكاف لا بكسرها- على الأشهر] (٣). (فرَعُبت): قيده الأصيلي -بفتح الراء وضم العين المهملة-؛ من الرعب، وهو الخوف، وقيده غيره -بضم الراء وكسر العين- على ما لم يُسم فاعلُه، قال القاضي: وهما صحيحان (٤). (زملوني، فأنزل الله (٥) -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]: وفي تفسير سورة المدثر: "دثِّرُوني وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً باردًا، فنزلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] " (٦)، وهذا يدل على أن التدثر والتزمل (٧) بمعنى واحد، وهو كذلك، وظاهرُ الحديث أو نصُّه: أن (٨) نزول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]

стр. 178

بعد فترة الوحي، فلا تمسُّكَ فيه لمن قال: إنها (١) أولُ ما نزل (٢) من القرآن. (فحمي الوحي): أي: قويَ واشتدَّ، كما قال: وتتابع. (تابعه): أي: يحيى بنَ بكير (٣). (عبدُ الله بنُ يوسف وأبو صالح): فتكون الرواةُ عن الليث ثلاثةً. (وتابعه): أي: عقيلًا، هلالٌ. (وقال يونس، ومعمر: بوادِرُه): أي: إن أصحاب الزهري اختلفوا، فروى عنه عقيل: "يَرْجُفُ فُؤادُهُ" -كما مَرَّ-، وتابعه على ذلك هلالُ بنُ رَدَّاد (٤)، وروى عنه يونسُ ومعمرٌ: "ترجُفُ بَوادره" (٥) -بفتح الباء الموحدة- جمعُ بادِرَة، وهي اللَّحمة التي بينَ المنكِب والعُنُق تضطربُ عندَ فزعِ الإنسان. قال أبو عبيدة (٦): تكونُ من الإنسانِ وغيرِه (٧).

стр. 179

٥ - (٥) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَناَ أُحَرِّكهُمَا لَكُمْ كمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَناَ أُحَرِّكهُمَا كمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]. قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نقرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبيُّ ﷺ كمَا قَرَأَهُ. (أبو عَوانة): -بفتح العين المهملة-. (يعالج من التنزيل شِدَّةً): أي: يُزاول لأجل التنزيل شدةً، فمِنْ تعليلية. (وكان (١) مما (٢) يحرك شفتيه): الضمير في كان يرجع إلى رسول الله ﷺ ، ويؤيده التصريحُ به في رواية مسلم: "وكانَ رسولُ الله ﷺ إذا أُنزلَ عليه الوحيُ مما يحركُ شَفَتيه" (٣)، ومما مرادفة ربما؛ كقوله: [من الطويل]

стр. 180

وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي (١) اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ (٢) قاله السيرافي وجماعة. ومعناها: التكثير، وخَرَّجوا عليه قولَ سيبويه: واعلم أنهم مما يحذفون كذا، قال ابن هشام: والظاهر: أن مِنْ (٣) فيهما ابتدائية، وما مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب والحذف، مثل: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٤). قلت: ليس المثالان نظير (٥) الآية، ولا يتأتى فيهما ما أراد؛ وذلك لأن فعل الصلة فيهما مسند إلى ضمير يرجع إلى المحدث عنهم، فيلزم عند الشك إضافةُ المصدر إلى ذلك الضمير، فيؤول الأمر إلى جعلهم كأنهم خُلقوا من ضربهم ومن حذفهم، وذلك غير (٦) متصوَّر ألبتة، وهذا ليس بموجود في الآية. وانظر هل يمكن جعل قوله: "يحرك شفتيه" خبر كان، والتقدير: وكان (٧) رسول الله ﷺ يحرك شفتيه مما يعالج، فحذف صلة ما (٨)؛ للعلم بها؛ كقوله: [من مجزوء الكامل المرفَّل]
следующие страницы →