← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثلاثَ سنين، فيجيء من اعتبار (١) ذلك [قول ابن عباس، وإن اعتبرنا العددَ (٢) من حين حميَ الوحيُ وتتابع، جاء قول أنس، وسيأتي] (٣) فيه كلام (٤) إن شاء الله تعالى. * * * ٤ - (٤) - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ-، فَقَالَ فِي حَدِيثهِ: "بَيْنَا أَناَ أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]، فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتتابَعَ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: "بَوَادِرُهُ". (بَيْنَا): ظرف زمان مكفوفٌ بالألف عن الإضافة إلى المفرد، والتقدير بحسب الأصل: بين أوقات. (أنا أمشي إذ سمعتُ): وفيه ردٌّ على الأصمعي حيث ادعى أن الفصيح (٥)

стр. 177

تركُ إذ وإذا في جواب بينا وبينما، وإذ هذه للمفاجأة، [وهل هي ظرف زمان، أو مكان، أو حرفٌ بمعنى المفاجأة] (١)، أو حرف مؤكد؟ أقوال معروفة في محلها. (جالس): -بالرفع- على الخبرية، وقد يُنصب على الحالية كما قرروه (٢) في مثل: خرجت فإذا زيدٌ جالس. [(كُرسي): -بضم الكاف لا بكسرها- على الأشهر] (٣). (فرَعُبت): قيده الأصيلي -بفتح الراء وضم العين المهملة-؛ من الرعب، وهو الخوف، وقيده غيره -بضم الراء وكسر العين- على ما لم يُسم فاعلُه، قال القاضي: وهما صحيحان (٤). (زملوني، فأنزل الله (٥) -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]: وفي تفسير سورة المدثر: "دثِّرُوني وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً باردًا، فنزلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] " (٦)، وهذا يدل على أن التدثر والتزمل (٧) بمعنى واحد، وهو كذلك، وظاهرُ الحديث أو نصُّه: أن (٨) نزول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]

стр. 178

بعد فترة الوحي، فلا تمسُّكَ فيه لمن قال: إنها (١) أولُ ما نزل (٢) من القرآن. (فحمي الوحي): أي: قويَ واشتدَّ، كما قال: وتتابع. (تابعه): أي: يحيى بنَ بكير (٣). (عبدُ الله بنُ يوسف وأبو صالح): فتكون الرواةُ عن الليث ثلاثةً. (وتابعه): أي: عقيلًا، هلالٌ. (وقال يونس، ومعمر: بوادِرُه): أي: إن أصحاب الزهري اختلفوا، فروى عنه عقيل: "يَرْجُفُ فُؤادُهُ" -كما مَرَّ-، وتابعه على ذلك هلالُ بنُ رَدَّاد (٤)، وروى عنه يونسُ ومعمرٌ: "ترجُفُ بَوادره" (٥) -بفتح الباء الموحدة- جمعُ بادِرَة، وهي اللَّحمة التي بينَ المنكِب والعُنُق تضطربُ عندَ فزعِ الإنسان. قال أبو عبيدة (٦): تكونُ من الإنسانِ وغيرِه (٧).

стр. 179

٥ - (٥) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَناَ أُحَرِّكهُمَا لَكُمْ كمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَناَ أُحَرِّكهُمَا كمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]. قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نقرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبيُّ ﷺ كمَا قَرَأَهُ. (أبو عَوانة): -بفتح العين المهملة-. (يعالج من التنزيل شِدَّةً): أي: يُزاول لأجل التنزيل شدةً، فمِنْ تعليلية. (وكان (١) مما (٢) يحرك شفتيه): الضمير في كان يرجع إلى رسول الله ﷺ ، ويؤيده التصريحُ به في رواية مسلم: "وكانَ رسولُ الله ﷺ إذا أُنزلَ عليه الوحيُ مما يحركُ شَفَتيه" (٣)، ومما مرادفة ربما؛ كقوله: [من الطويل]

стр. 180

وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي (١) اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ (٢) قاله السيرافي وجماعة. ومعناها: التكثير، وخَرَّجوا عليه قولَ سيبويه: واعلم أنهم مما يحذفون كذا، قال ابن هشام: والظاهر: أن مِنْ (٣) فيهما ابتدائية، وما مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب والحذف، مثل: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٤). قلت: ليس المثالان نظير (٥) الآية، ولا يتأتى فيهما ما أراد؛ وذلك لأن فعل الصلة فيهما مسند إلى ضمير يرجع إلى المحدث عنهم، فيلزم عند الشك إضافةُ المصدر إلى ذلك الضمير، فيؤول الأمر إلى جعلهم كأنهم خُلقوا من ضربهم ومن حذفهم، وذلك غير (٦) متصوَّر ألبتة، وهذا ليس بموجود في الآية. وانظر هل يمكن جعل قوله: "يحرك شفتيه" خبر كان، والتقدير: وكان (٧) رسول الله ﷺ يحرك شفتيه مما يعالج، فحذف صلة ما (٨)؛ للعلم بها؛ كقوله: [من مجزوء الكامل المرفَّل]

стр. 181

نَحْنُ الأُلَى فَاجْمَعْ جُمُو ... عَكَ ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إِلَيْنَا (١) (٢) أي: نحن الأُلى عُرفوا بالنجدة والشجاعة، فتأملْه. * * * ٦ - (٦) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَحَدَّثَنَا بشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونس، وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ الناسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بالْخَيْرِ مِنَ الرِّيح الْمُرْسَلَةِ. (وكان أجودُ ما يكونُ في رمضانَ): فيه استعمالُ رمضان مجردًا عن لفظة (٣) الشهر، وقد تكرر في الأحاديث كثيرًا، وسيأتي الكلام عليه في الصيام إن شاء الله تعالى. وأجودُ: إما (٤) مرفوعٌ على أنه اسمُ كان مضافٌ إلى المصدر المسبوك (٥)

стр. 182

من ما (١) يكون؛ أي: أجودُ أكوانه، وفي رمضان خبرُها، أو على أنه بدلُ اشتمالٍ من اسم كان، وهو حينئذ ضمير عائد إلى رسول الله ﷺ . وأما منصوبٌ على أنه خبرُ كان، واسمُها ضميرٌ مستكِنٌّ كما سبق، وما حينئذٍ مصدرية ظرفية؛ أي: كان ﵇ متصفًا بالأجودية مدةَ كونِه في رمضان، مع أنه أجودُ الناس مطلقًا، وإنما التفضيلُ بين حالتيه هو في رمضان، وفي غيره. قلت: ولك مع (٢) نصب أجودَ أن تجعل "ما" نكرةً موصوفة، فيكون في رمضان متعلقًا بكان، مع أنها ناقصة بناءً على القول بدلالتها على الحدث، وهو الصحيحُ عند جماعة، واسمُ كان ضميرٌ عائد إليه (٣) ﵇، أو إلى جودِه المفهومِ مما سبق؛ أي: وكان (٤) رسولُ الله ﷺ أجودَ شيءٍ يكون (٥)، أو وكان (٦) جودُه (٧) في رمضان أجودَ شيءٍ يكون، فجعل الجودُ متصفًا بالأجودية مجازًا؛ كقولهم: شعرٌ شاعرٌ. (فيدارسه (٨) القرآن): لكي يتقرر عنده، ويرسخ أتمَّ رسوخ فلا ينساه،

стр. 183

وكان هذا إنجاز وعده تعالى لنبيه ﵇ حيث قال (١): ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، وخُصت مدارسة القرآن برمضان؛ لشرفه، ولنزول القرآن فيه جملة إلى سماء الدنيا. (فلرسولُ الله): قال الزركشي: اللام جوابُ قسمٍ مقدرٍ (٢). قلت: أو لام الابتداء، ولا نقدر (٣) شيئًا، وفي قوله: اللامُ جوابُ قسم مسامحةٌ. قال المهلب (٤): المعنى في كثرة جوده ﵇ في هذه الحالة: أنه امتثل ما كان الله تعالى أمر (٥) به من تقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول، فتصدق عندَ مناجاة الملَك، وترداده عليه في رمضان، وهذا الأمر (٦)، وإن كان منسوخًا، وقد (٧) فعل ﵇ في خاصته (٨) أشياء منع منها أمته؛ كالوصال (٩) في الصيام (١٠).

стр. 184

قال ابن المنير: وأحسنُ من هذا: أن (١) مدارسته له بالقرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، ولهذا قال ﵇: "مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ، فَلَيْسَ مِنَّا" (٢)؛ أي: من لم يستغن، والغنى سببُ (٣) الجود، ويحقق ذلك: أن الجود المذكور أعمُّ من الصدقة، فلو أنه من جنس ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، لكان جودهُ حينئذ يختص (٤) بالصدقات، وقد جاء الكلام عامًّا يشمل الصدقاتِ والنِّحَلَ والعطايا والنفقاتِ (٥). (من الريح المرسَلَة): أي: إسراعًا، كذا قيل، والذي يظهر لي: أن المراد بالريح المرسَلَة: هي اللينةُ السهلةُ الهبوب، ضدّ العاصفة، وكأنه من قولهم: ناقةٌ مِرْسال (٦)؛ أي: سهلة السير. * * * ٧ - (٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بالشَّأْمِ، فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 185

مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأتوْهُ وَهُمْ بإيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نبَيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيانَ: فَقُلْتُ: أَناَ أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي، فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ! لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا، لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبعُونهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنتمْ تتَّهِمُونه بالْكَذِب قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنحنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوه؟ قُلْتُ: نعمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا، وَننالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئًا، وَاتْرُكوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكمْ، وَيَأْمُرُناَ بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نسَبهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبٍ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَد مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ: رَجُل يَأْتَسِي بقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ

стр. 186

أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبيهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كنتمْ تتَّهِمُونهُ بالْكَذِب قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أتبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلتكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذلِكَ أَمْرُ الإيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: بمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَسَيَمْلِكُ مَوْضعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أنِّي أَعْلَمُ أنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بكِتَاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بهِ دِحْيةُ إِلَى عَظِيم بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّين، وَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].

стр. 187

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَاب، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأخرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابي حِينَ أخرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبي كبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإسْلَامَ. وَكانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْناَ هَيْئتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَألوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنهم، وَاكتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَتقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ برَجُلٍ أَرْسَلَ بهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ، قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَب، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كتبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ برُومِيَةَ، وَكانَ نظِيرَهُ فِي الْعِلْم، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أتاهُ كتَابٌ مِنْ صَاحِبهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ نبَيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءَ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بأَبْوَابهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ! هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فتبَايِعُوا هَذَا النَّبيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَاب، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ:

стр. 188

إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبرُ بهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ، وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسٌ، وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. (هِرَقل): -بكسر الهاء وفتح الراء-؛ كدمشق على المشهور، يقال (١): -بسكون الراء مع كسر القاف- كخِذْرِف، وهو اسمٌ (٢) له لا ينصرف (٣) للعلمية والعجمة، ولقبه قيصرُ، قاله الشافعي ﵁ (٤). (في ركب من قريش): في هنا للمصاحبة؛ نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ [الأعراف:]؛ أي: معهم. قيل: إنهم كانوا ثلاثين رجلًا، وسمي منهم المغيرة بن شعبة، وذلك في "مصنف ابن أبي شيبة" بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب (٥). وانتقده شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني ﵀ بأن هذه الرواية يعارضها أن المغيرة كان مسلمًا في الحديبية، وأسلم عام الخندق، فيبعد (٦) أن يكون حاضرًا (٧) وهو مسلم ويسكتَ؛ لأن الكتاب (٨) كان في مدة الهدنة (٩).

стр. 189

(تجارًا (١)): على زنة كفار، وتِجَار على زنة كلاب، جمع تاجر. (بالشأم): هو إقليم معروف، يقال: مهموزًا ومسهلًا، وزاد أبو الحسين بن سراج: شآم -بهمزة ممدودة (٢) -، قال القاضي: وأباه أكثرهم فيه إلا في النسب (٣) (٤). (مادّ): -بتشديد الدال المهملة- فاعَلَ من المدة (٥)، ويريد بها: مدةَ الصلح الذي وقع بالحديبية سنة ستٍّ، وهي عشرُ سنين. (أبا سفيان وكفارَ قريش): قال الزركشي: كفار قريش -بالنصب- مفعول معه (٦). قلت: لا يتعين؛ لجواز كونه معطوفًا على المفعول به؛ أعني: أبا سفيان. (بإِيْلِياء): -بهمزة مكسورة فمثناة من تحت ساكنة فلام مكسورة فمثناة من تحت فألف ممدودة- بوزن كبرياء، وهي بيت المقدس، قيل: معناه: بيت الله، ويقال: -بالقصر (٧) -، ويقال: -بحذف الياء الأولى وسكون اللام-، حكي الثلاثة في "المشارق" (٨).

стр. 190

(بالتَّرجُمان): هو المفسِّرُ لغةً (١) بلغة أخرى لمن لا يفهمها. وقال ابن الصلاح: ليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بأخرى (٢)، فقد أطلقوا على قولهم: باب كذا: اسمَ الترجمة؛ لكونه يعبر عما ذكر بعده، وقد كان أبو حمزة (٣) يترجم بين يدي ابن عباس، ومحمله على أنه كان يترجم عنه إلى من خفي عليه الكلام من الناس؛ لزحامٍ، أو اختصار (٤). قيل (٥): هو مُعَرَّب، وقيل: عربي، ويقال: بفتح المثناة من فوق وضم الجيم، وقد يضمان معًا. (أيكم أقربُ نسبًا؟): قال ابن بطال: فيه دليل على أن أقارب الإنسان أولى بالسؤال عنه من غيرهم؛ من أجل أنه لا ينسب إلى قريبه ما يلحقه به عار في نسبه عند العداوة كما يفعل غير القريب (٦). قلت: يا عجبًا للاستدلال بقول هرقل على أمر مشروع مع أنه من الكفار، وأيضًا فقد يعارض ما ذكره بأن القريب متهم في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفًا وفخرًا، ولو كان عدوًا له؛ لدخوله في شرف النسب الجامع لهما. قال ابن المنير بعد حكايته (٧) كلامَ ابن بطال: وأيضًا فإن الأقارب

стр. 191

أخبرُ من الأجانب، ولهذا لا تُقبل (١) تزكيةُ البعيد، وندع تزكية القريب المصاحب إما في نسب، أو جوار، أو معيشة، وهذا، وإن كان من تصرف هرقل، وهرقلُ كافر، فهو مما صوبه حملة الشريعة وحسنوه (٢)، واستدلوا به على سداد سياسة هرقل، ودقةِ نظره. قلت: لا يلزم من تحسينهم لذلك وتصويبه جعله دليلًا لهذا الحكم، إنما الدليل ما نصبه الشارع دليلًا، وموافقةُ شخص من الكفرة برأيه، ونظرِه لذلك الحكم الذي قام الدليلُ الشرعي عليه (٣) لا يقتضي جعلَ كلامِ ذلك الكافر دليلًا، هذا ما لا سبيل إليه أصلًا. قال ابن الملقن: وفيه تقديمُ صاحب الحسب في أمور المسلمين، ومهماتِ الدين والدنيا (٤). قلت: وفيه من الإشكال ما مر (٥). (كَذَبني): -بتخفيف المعجمة-: نقل (٦) إليَّ الكذبَ. (يأثُروا): -بضم المثلثة وكسرها-، واقتصر في "المشارق" على الضم، ومعناه: يتحدثوا (٧).

стр. 192

(عليَّ): أي: عني. (لكذبت (١) عنه): أي: عليه، فقد تعارض الحرفان. (ثم كان أولَ ما سألني عنه): قال الزركشي: يجوز نصبه ورفعه (٢). قلت: هذا على إطلاقه لا يصح، وإنما الصوابُ التفصيل، فإن (٣) جعلنا "ما" نكرة بمعنى شيء، تعين نصبه على الخبرية، وذلك لأن أن قال (٤) مؤول بمصدر معرفة. بل قال ابن هشام: إنهم حكموا له بحكم الضمير (٥). فإذن يتعين أن يكون هو اسم كان، و (أولَ ما سألني) هو الخبر؛ ضرورة أنه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا، فالمعرفُ الاسمُ، والنكرةُ الخبرُ، ولا يعكس إلا في الضرورة، وإن جعلنا "ما" موصولة، جاز الأمران، لكن المختار جعلُ أن قال هو الاسم؛ لكونه أعرفَ. (ذو نسب): أي: شريف؛ ليصح كون (٦) هذا جوابًا عن قوله: كيف نسبه فيكم؟ (فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قَطُّ قبلَه): فيه شاهد على أن قَطُّ

стр. 193

لا تختص بالنفي، وقد نص في "التسهيل (١) " على أنها قد (٢) تستعمل دونه (٣) لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى (٤). (فهل كان (٥) من آبائه مِنْ مَلِكَ؟): روي بوجهين مَنْ (٦) اسم، ومَلَكَ فعل، ومِنْ حرف، ومَلِكٍ اسم، والأشهرُ الثانية، ويؤيده رواية مسلم: "هل كانَ في آبائه مَلِكٌ؟ " (٧)، وكذا هو في التفسير من البخاري (٨)، بل في هذا (٩) الحديث نفسه؛ فإنه قال: "وسألتُك هل كان من آبائه مَلِك؟ ". (سَخْطَة): مفعول له، وهو -بفتح السين-، قال الزركشي: وروي (١٠): "سُخطة" بضمها (١١) (١٢). قال ابن المنير: سؤاله: هل يرتدُّ أحدٌ عن دينه سَخْطة له؟ سؤالٌ عن

стр. 194

مظنة، وارتداد من ارتدَّ من العرب بموته ﵇ إنما (١) كان؛ لأنهم لم يكن دخولهم في الإسلام دخولَ تمكُّن، إنما دخلوا قهرًا، وكانوا مؤلَّفة، ويحقِّق ذلك أنهم لما دخلوا (٢) بعدَ ذلك مستبصرين، لم يرتدَّ أحدٌ منهم إلى الآن (٣)، إلا شذوذٌ من الأشقياء. (ولم تمكِنِّي (٤) كلمة أُدخل فيها شيئًا غيرُ هذه الكلمة): برفع غيرُ صفة لكلمة. (قتالكم إياه): فيه انفصال ثاني الضميرين مع إمكان اتصاله. (سِجال، ينال منا، وننال منه): الجملة الفعلية تفسيرية (٥) لسِجال، لا محل لها من الإعراب. فإن قلت: فماذا يصنع الشَّلَوْبينُ القائلُ بأنها في حكم مفسرها، إن كان ذا محل، فهي كذلك، وإلا، فلا، وهي هنا مفسرة للخبر، فيلزم أن تكون ذاتَ محل، لكنها خالية من رابط يربطها بالمبتدأ. قلت: نقدره (٦)؛ أي: ينال فيها منا، وننال فيها منه. (ماذا يأمركم؟): يجوز فيه الوجهان، نحو: ماذا صنعت؟

стр. 195

(اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا): التفت فيه إلى أن الثانية كالتأكيد للأولى، ففصلت، وكثيرًا ما يترك (١) الالتفات إلى هذا المعنى، فتوصل الثانية بالأولى؛ لما بينهما من التوسط مع اتحاد المسند إليه فيهما، وحصول المناسبة الظاهرة بين مسنديهما. (سألتك عن نسبه): أي: عن (٢) حال نسبه؛ [لأنه قال أولًا: كيف نسبه] (٣) فيكم (٤)؟ أي: على أيِّ حال هو؟ أشريف (٥)، أم لا؟ (يأتسي): يقتدي، ويتبع، والأُسوة -بكسر الهمزة وضمها-: القدوة. (فذكرت أن ضعفاءَهُم اتبعوه، وهم أتباع الرسل): قال ابن المنير: واستشهادُه على النبوة بذلك صحيح، مصداقُه في قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، الصحيح أنهم أرادوا الضعفاء. (يخالط): فاعلُه ضمير يعود على الإيمان، ومفعولُه: "بشاشةَ القلوب"، ويروى: تخالط -بمثناة من فوق-، وبشاشتُه (٦) بالإضافة إلى ضمير الإيمان، ورفعُه: على أنه ضمير تخالط (٧)، والقلوبَ: -بالنصب- على أنه مفعوله، والمراد بالبشاشة: الانشراح.

стр. 196

(وسألتك بما يأمركم؟): قال الزركشي: إثبات الألف مع "ما" الاستفهامية قليل (١). قلت: يريد: إذا دخل عليها، جاز (٢)، ولا داعي هنا إلى التخريج على ذلك؛ إذ يجوز أن تكون الباء بمعنى عن، متعلقة بسأل؛ نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، و "ما" موصولة (٣)، والعائد، محذوف. فإن قلت: أمر يتعدى بالباء إلى المفعول الثاني، تقول: أمرتُك بكذا، فالعائد (٤) حينئذٍ مجرور بغير ما جر به الموصول معنى، فيمتنع حذفه. قلت: قد ثبت حذفُ حرف الجر من المفعول (٥) الثاني، فينتصب (٦) حينئذ؛ نحو: أمرتُك الخيرَ، وعليه حمل جماعة من المعربين قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣]، فجعلوا ماذا المفعولَ الثاني، وجعلوا الأول محذوفًا لفهم المعنى؛ أي: تأمريننا، وإذا كان كذلك، جعلنا العائد المحذوف منصوبًا ولا ضَيْر. (لتجشمتُ لقاءه): أي: تكلفت لقاءه على ما فيه من المشقة. قال ابن بطال: وهذا التجشُّم هو الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كل مسلم، وإنما تأخر النجاشي لمصلحة راجحة؛ وذلك أنه (٧) في أهل

стр. 197

مملكته أَغْنى عن الله وعن رسوله وعن جماعة المسلمين منه (١) لو (٢) هاجر بنفسه فردًا (٣)، مع أنه كان ملجأ مَنْ (٤) أُوذي من الصحابة، ورِدءًا للمسلمين، وحكم الرِّدْء في جميع أحوال الإسلام حكم المقاتل، وكذلك ردء المحاربين عند مالك والكوفيين، ويجب عليه ما يجب عليهم، وإن لم يحضر الفعل (٥). (دِحية): بفتح الدال المهملة (٦) وكسرها، والأشهر الفتح. (بُصرى): -بضم الباء- على زنة حُبْلى: هي (٧) مدينة حوران، قاله البكري (٨)، وقال (٩) ابن مكي: هي مدينة قيسارية (١٠). (عظيم الروم): أي: الذي تعظمه الروم، وعدل عن لفظ الملك إلى هذا اللفظ؛ لما فيه من الملاطفة [مع تحري الصدق، أما الملاطفة] (١١)، فظاهرة، وأما الصدق، فلأن الروم كانت تعظمه بلا شك، فهو إخبار

стр. 198

بالواقع بخلاف ما لو (١) قال: ملك الروم، فإنه يشعر بتسليم ملكه، وهو بحق الدين مسلوب لاستحقاق هذا الوصف. (بدِعاية الإسلام): -بكسر الدال المهملة-؛ أي: بدعوته (٢)، وهي مصدر من دعا؛ كالشكاية من شكا، والمراد: كلمة التوحيد. وفي البخاري في الجهاد (٣) (٤)، وفي مسلم هنا: "بداعية الإسلام" (٥)؛ أي: الكلمة الداعية إلى الإسلام (٦)، ويجوز أن يكون مصدرًا كالعافية (٧). (أسلم تسلم): من الكلام الجزل المشتمل على (٨) الإيجاز والاختصار، وقد انطوى على الدلالة على خيري (٩) الدنيا والآخرة، مع ما فيه من بديع التجنيس. (يؤتك الله أجرك مرتين): أي: إيمانك (١٠) بعيسى ﵇، وإيمانك بي (١١) بعده.

стр. 199

فإن قلت: على (١) ماذا جزم الفعل من قوله (٢): يؤتك؟ قلت: الظاهر أنه جواب بعد أمر مقدر حذف (٣) لدلالة المتقدم عليه، ويؤيده التصريح بذلك في رواية البخاري في: الجهاد، والتفسير؛ حيث قال هناك: "أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين" (٤)، فيجزم إما بإن مقدرة، أو بالأمر، على الخلاف. (الأريسيين (٥)): اختلف في ضبطها على أوجه: أريسيين -بياءين بعد السين-، وأَرِيسين -بياء واحدة بعدها-، وعليهما: -فالهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة-، وإِرِّيسين -بهمزة مكسورة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين-، ويَريسين -بياء مفتوحة-، وباقيها (٦) كالوجه الأول. وقال ابن فارس: الهمزة والراء والسين ليست عربية (٧). واختلف في المراد بذلك، فقيل: الأكَّارون؛ أي: عليك إثمُ رعاياك، ونبه بالزراع على مَنْ عداهم؛ لأنهم أغلبُ وألينُ عريكة، وقد صرح به في "دلائل النبوة" للبيهقي، والطبري (٨): "كان عليك إثم الأكَّارين" (٩).

стр. 200

وقيل: هم الخدم والخَوَل. وقيل: هم الملوك الذين يقودون (١) إلى رأيهم الفاسد. وقيل: هم المتجبرون؛ أي: عليك إثم من تكبر (٢) عن الحق. وقيل هم اليهود والنصارى أتباع عبد الله بن أريس (٣) رجلٍ كان في الزمن الأول خالفَ هو وأتباعه (نبيًّا بعث إليهم) (٤) (٥). ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤]: سقطت الواو في رواية الأصيلي وأبي ذر، والتلاوة هكذا (٦)، وثبت (٧) في رواية النسفي والقابسي، وغيرهما. وجعله القاضي من الوهم في التلاوة، قال: وقد اختلف المحدثون في مثله، فمنهم من أوجب الإصلاح، ومنهم من بَقَّى اللفظ، ونبه على صوابه (٨)، وحكى ابن الملقن كلامه، ولم يزد عليه (٩). قلت: يمكن ألَّا يكون هذا من الوهم في التلاوة، والأصل: وأَتلو عليك، أو وأَقرأ عليك: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤]، فلم يزد في

стр. 201

القرآن (١) شيئًا، والواو (٢) إنما هي من كلامه داخلًا على محذوف، ولا محذور فيه. فإن قلت: يلزم عليه حذفُ المعطوف وبقاءُ حرف العطف، وهو ممتنع؟ قلت: إنما ذاك إذا حذف المعطوف وجميع تعلقاته، أما إذا بقي من اللفظ (٣) شيء هو (٤) معمول للمحذوف، فلا نسلِّم امتناعَ ذلك؛ مثل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]؛ أي: وألفوا الإيمان، وزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالعُيُونا؛ أي (٥): وكَحَّلْنَ، وعَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا؛ أي: وَسَقَيْتُها، إلى غير ذلك. فإن قلت: العطفُ مشكل؛ لأنه يقتضي تقييدَ التلاوة بتوليهم، وليس كذلك. قلت: إنما هو معطوف على مجموع الجملة المشتملة على الشرط والجزاء، لا على الجزاء (٦) فقط. فإن قلت: ولنا في دفع ما قاله القاضي طريق أخرى؛ وذلك أنه (٧) يحتمل أن النبي ﷺ لم يرد التلاوة، بل أراد مخاطبتهم بذلك، وحينئذ فلا إشكال.

стр. 202

قلت: رد (١) أبو حامد السبكي بأمرين: أحدهما: أن العلماء استدلوا بهذا الحديث على جواز كتابة الآية والآيتين إلى أرض العدو، ولولا أن المراد التلاوة، لما صح الاستدلال، وهم (٢) أعلم، وفَهْمُهم أقوم. الثاني (٣): أنه لو كان كذلك، لقال ﷺ : "وإن (٤) توليتم". وفي الحديث: " ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] " (٥). قلت: يندفع الثاني بأنه من باب الالتفات، ولا مانع من ذلك. (الصخب): الصياح والجلبة، كذا في "الصحاح" (٦). وقال (٧) القاضي: اختلاط الأصوات وارتفاعه (٨) (٩). (أمِرَ): مثل شَرِبَ؛ أي: عَظُمَ. (أَمْرُ): على زنة فَلْس؛ بمعنى الشأن. (ابن أبي كبشة): يريد النبي ﷺ .

стр. 203

قال ابن جني: كبشة اسم مُرْتَجَلٌ، ليس بمؤنث (١) الكبش؛ لأن مؤنث الكبش من غير لفظه (٢). واختلف في المراد بأبي كبشة هذا، فقيل: هو (٣) رجل من خزاعة كان يعبد الشِّعْرَى العَبور. قال ابن ماكولا: واسمه وَجْز (٤) -بواو مفتوحة فجيم ساكنة فزاي- ابن غالب (٥)، فجاء العربَ بما لا تعرفه من عبادة الشِّعْرى، فلما جاءهم رسولُ الله ﷺ بما لا يعرفونه من دينهم ودين آبائهم، ودعا (٦) إلى عبادة الله وحده، نسبوه إلى أبي كبشة (٧) من حيث مشاركتُه له في مطلق الشذوذ عندهم (٨). وقيل: هو جدُّه لأُمه (٩)، كان وهبُ بنُ عبد (١٠) منافٍ يكنى: أبا كبشة (١١). وقيل: هو والدُ حليمةَ مرضعته.

стр. 204

وقيل: هو حاضنه زوجُ حليمة. وقيل غير ذلك (١). (إِنه ليخافه (٢)): -بكسر الهمزة- من إنَّ. قال القاضي: ضبطناه -بفتح الهمزة-؛ أي (٣): من أجل ذلك عظم الأمر عند أبي سفيان، والكسرُ هنا صحيح على ابتداء الكلام، والإخبارِ عما رآه (٤) من هرقل، لا سيما ولام التأكيد ثابتة في الخبر (٥). (ملك بني الأصفر): أي: الروم. (وكان ابن الناطور): -بطاء مهملة- عند الجماعة، -وبمعجمة- عند الحموي. (صاحبَ إيلياء): منصوب على أنه خبر كان، ومنع القاضي لذلك من حيث إن خبرها: سُقُفًّا، أو يحدث أن هرقل غير (٦) مستقيم؛ إذ لا مانع من تعدُّد الخبر (٧).

стр. 205

منع الزركشي رفعَ صاحب على الصفة لما قبله، قال: لأن ما قبله معرفة، وصاحب إيلياء نكرة، والإضافة لا تعرفه؛ لأنها في تقدير (١) الانفصال (٢). قلت: هذا وهم، فقد قال سيبويه: تقول: مررتُ بعبدِ الله ضاربك، كما تقول: مررت بعبدِ الله صاحبك؛ أي: المعروفِ بضربك (٣). قال الرضي: فإذا قصدت هذا المعنى، لم يعمل اسم الفاعل في محل المجرور به نصبًا كما في صاحبك، وإن كان أصله اسم فاعل من صحب يصحب، بل يقدره كأنه جامد (٤). و (هرقل) -بالعطف (٥) على إيلياءَ. (سُقِّف): -بضم السين وكسر (٦) القاف المشددة-: فعلٌ مبني للمجهول (٧)؛ أي: قدم، وروي: "سُقُفًّا (٨) " و "أُسْقُفًّا (٩) " - بهمزة مضمومة والقاف فيهما مضمومة، وكذا تشديد (١٠) الفاء فيهما-؛ أي: رئيس النصارى،

стр. 206

والجمع أساقفة (١) (٢). (حَزّاء): -بحاء مهملة مفتوحة وزاي مشددة وهمزة بعد الألف- معناه: المتكهن، يقال (٣): حزى يحزي، وحزا يحزو (٤). (ينظر في النجوم): جملة تفسيرية قصد بها شرح معنى الحزاء. قال القاضي: ويمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأن التكهن بوجوه، منها ذلك (٥). (ملك الختان): يروى: مَلَكَ على زنة فعل، ومَلِك واحد الملوك. (يُهِمَّنَّك): مضارع أهم؛ أي: أحزن. (مدائن): -بالهمز- أصح. (ملك غسان): هو الحارث بن أبي شمر الغساني. (هذا (٦) مُلْك هذه الأمة): بضم الميم وسكون اللام. قال القاضي (٧): كذا لعامة (٨) الرواة، وعند القابسي (٩): -بفتح الميم

стр. 207

وكسر (١) اللام-، وعند أبي ذر: "يملك" فعل مضارع، فأراها (٢) ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت (٣). قال الزركشي: ووجهها (٤) السهيلي في "أماليِّه": بأن هذا يملك مبتدأ وخبر؛ أي: هذا المذكور يملك هذه الأمة. وقوله: "قد ظهر" جملة مستأنفة، لا في موضع الصفة، ولا الخبر. قلت: أما الخبرية، فلا يظهر لمنعها وجه على القول بجواز تعدد الخبر، وهو الأصح، ولا على القول بمنعه؛ وذلك لأن صاحب هذا القول يجعل الثاني خبر مبتدأ مضمر، فليكن هذا مثله، ولا فرق. قال: ويجوز أن يكون "يملك" نعتًا؛ أي: هذا الرجل يملك هذه الأمة، وقد جاء النعت بعد النعت، ثم حذف (٥) المنعوت. قال (٦) الشاعر: [من الرجز] لَوْ قُلْتُ مَا في قَوْمِهَا لم تَيثَمِ ... يَفْضُلُهَا في حَسَبٍ وَمِيسَمِ (٧)

стр. 208

أي (١): ما (٢) في قومها (٣) أحدٌ يفضلها، وهذا إنما هو في الفعل المضارع، لا في الماضي، قاله ابن السراج، وحكاه عن الأخفش. انتهى (٤). قلت: استشهاده بالبيت على حذف المنعوت بنعت بعد نعت غير متأتٍّ (٥)؛ إذ ليس فيه إلا نعت واحد، ثم حذفُ المنعوتِ بجملة بابُه (٦) الشعرُ (٧) إلا إذا كان بعد (٨) مجرورٍ بفي؛ كما في البيت، أو بمن؛ كما (٩) في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. (إلى صاحب له برومية): يقال: هو (١٠) ضَغَاطِرُ الأسقفُ الروميُّ، وقيل: في اسمه: بَقَاطِرُ، ورُومِيَة -بتخفيف الياء-: مدينة رئاسة الروم وعِلْمهم. (إلى حمص): جزم (١١) الزركشي بمنع صرفه للعجمة والتأنيث والعلمية (١٢).

стр. 209

قلت: في "الصحاح": حمص بلد يذكر ويؤنث (١). انتهى. فعلى التذكير ليس إلا العجمة والعلمية، وهو ساكن الوسط كنوح فيصرف. (فلم يَرِمْ): أي: لم (٢) يفارق. (دَسْكَرَة): بناء كالقصر حوله بيوت، وجمعه دساكر. (والرشد): خلاف الغَيِّ، وفيه لغتان: كقُفْل (٣) وفَرَح. (فغلقت): -بتشديد اللام- ولا تخفف. (فتبايعوا): -[بمثناة من فوق فموحدة (٤) - من البيعة، وروي: "فتتابعوا"] (٥) -بمثناتين من فوق متواليتين فموحدة بعد الألف- من المتابعة بمعنى: الاقتداء (٦). (فحاصوا): -بحاء وصاد مهملتين-؛ أي نفروا وكَرُّوا راجعين، وقيل: جالوا، والمعنى قريب، وبمعناه (٧) جاض -بجيم وضاد معجمة-. (وأيس): وروي: "ويئس"، وهما بمعنى، وكان معناهما انقطاع الطمع، والأول مقلوب من الثاني.

стр. 210

(آنفًا): أي: قريبًا، وقيل: في أول وقت كنا فيه، وقيل: الساعة، قال القاضي: وكله من الاستئناف والقرب (١). قال ابن بطال: ولم يصح عندنا أن هرقل أسلم، وإنما آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق، ولم يثبت أنه أُكره (٢) حتى يُعذر، وأمره (٣) إلى الله (٤). قلت: وفي "السيرة": أن المسلمين مضوا في غزوة مؤتة، وكانت في سنة ثمان، حتى نزلوا معان (٥) من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل نزل في مئة ألف من الروم، ثم التقوا عند مؤتة، وقتل من قتل، إلى آخر القصة (٦) (٧)، فهذا فيه مجاهرته للمسلمين، ونصبُه لهم القتال، وذَبُّه عن الكفر وأهله، وهو مما يؤيد عدم إسلامه. قال ابن المنير: والصحيح أن هرقل لا يُعد مسلمًا، وأما قوله: "إني لأعلم (٨) أنه نبي"، وقوله: "لو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدميه"، وهذا (٩) وإن كان اعتقادًا ونطقًا، إلا أنه قد رجع عن ذلك لما أنكر عليه أهلُ مملكته،

стр. 211

وقال: "إني قلتُ مقالتي آنفًا أختبرُ بها شدتكم على دينكم"، فهذا بقاء منه على دينه، وليست خشيتُه على ذهاب ملكه (١) مما يُعد إكراهًا (٢)، ويكون عذرًا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] كما اتقى الله النجاشي، فحفظ عليه ملكه مع جهره بالإيمان (٣). * * *

стр. 212

كتابُ الإيمان

стр. 213

كتابُ الإيمان (كتاب الإيمان): قال الجوهري: الكَتْبُ: الجَمْعُ، والكتابُ معروف، والجمع: كُتُبٌ، وكُتْبٌ (١)، وقد كتبتُ كَتبًا وكِتابًا وكِتابة (٢). قال النووي: وهو في الاصطلاح: اسمٌ للمكتوب مجازًا، من باب تسمية المفعول بالمصدر (٣). زاد غيره: وفيه مجاز آخر إن جنحت بالكتب إلى المعنى المدلول عليه باللفظ. قال بعضهم: يطلق في اصطلاح العلماء والمصنفين على أمور، منها: مجموعُ عبارات دالةٍ على علم من العلوم، ومنها: مجموعُ مسائل ترجع إلى أصل واحد شاملٍ للشرائط والأحكام والأسباب والمقدمات واللواحق؛ ككتاب الطهارة، وكتاب الصلاة. والإيمان في اللغة: التصديق.

стр. 214

وفي "الكشاف": هو إِفْعال من الأَمْن. يقال: أمنته، وآمنته غيري (١)، ثم يقال: آمَنَهُ: إذا صَدَّقه، وحقيقته (٢): آمَنَهُ التكذيبَ والمخالفةَ، وأما تعديته (٣) بالباء، فلتضمينه معنى أقر وأعترف (٤). وقد يفهم من ظاهر هذا الكلام أن الإيمان بمعنى التصديق مجاز لغوي، والحق أنه حقيقة، وبه يشعر كلامه في "الأساس" (٥). وقصده (٦) في "الكشاف": زيادةُ التحقيق والتدقيق في الوضع واللغة على (٧) ما هو دأبُه، ومرادُه بقوله: ثم يقال: آمَنَهُ: إذا صدقه: أنه نقل إلى معنى التصديق، ووضع له لغة، ولما كنت إذا صدقت زيدًا [مثلًا، اعترفت به، عُدِّي بالباء على تضمين معنى الاعتراف، وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي] (٨) مع فعل آخر يناسبه، وهو كثير في كلام العرب، وسيأتي في تحقيق ذلك كلام بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما الإيمان في الشرع: فهو تصديق النبي ﷺ فيما علم مجيئه به بالضرورة، والأكثرون على أنه لا بد من (٩) الإقرار مع التمكن، وكثير من

стр. 215

السلف، ومنهم البخاري (١) على أنه التصديقُ والإقرارُ والعملُ، لكن لا يخرج بترك العمل من الإيمان؛ خلافًا للمعتزلة، ولا يدخل في الكفر؛ خلافًا (٢) للخوارج، فالفاسق عندنا مؤمن، وعند المعتزلة ليس بمؤمن ولا كافر. فإن قيل (٣): كيف لا ينتفي الكل بانتفاء الجزء؟ فالجواب: أن المراد أن الإيمان لا يطلق (٤) على (٥) أساس النجاة، وعلى الكامل المنجي بلا خلاف، والدليل على أنه عمل القلب قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الحجرات: ١٤]. وفي الحديث: "اللَّهُمَّ ثَبتْ قَلْبي عَلَى دِينكَ" (٦)، ومن كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من (٧) حبة من خردل (٨) من الإيمان، والاكتفاء
следующие страницы →