← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

اليوم لغةً، لكن الظاهر عرفًا في قول القائل: يوم كذا؛ أنه يريد: من الفجر، وفائدةُ الخلاف في تحديد أول وقت الوجوب تظهر فيمن مات، أو (١) ولد، أو أسلم، أو بِيعَ فيما بين الحدَّين المختلَف فيهما. (وكان طعامُنَا الشعيرَ والزبيبَ والأقطَ والتمرَ): برفع الطعام، ونصب ما بعده، والعكس. * * * باب: صدقةِ الفطرِ على الحرِّ والمملوكِ ٨٩٢ - (١٥١١) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ - أوْ قَالَ: رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكرِ وَالأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونها، وَكَانوُا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. (فأعوزَ أهلُ المدينة): أي: فقدوا التمر، واحتاجوا إليه، يقال: أَعْوَزَ الرجلُ: إذا احتاج. (من التمر): الظاهر أنه يتخرج على مذهب (٢) الكوفيين في جواز

стр. 1472

ورود "مِنْ" للانتهاء (١)؛ نحو: تقربت منك؛ أي: إليك. وقد صرح في "التسهيل": بأن من (٢) جملة معاني "من": الانتهاء (٣). (حتى إن كان يعطي عن بَنِيَّ): هذا من كلام نافع، و"إن" فيه هي (٤) المخففة من الثقيلة. فإن قلت: فأين اللام الفارقة بينهما وبين النافية؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣]؟ قلت: إذا دلَّ على قصد الإثبات، جاز تركها؛ كقوله: إِنْ كُنْتُ قَاضِيَ نَحْبِي يَوْمَ بَيْنِكُمُ. . . لَوْ لَمْ تَمُنُّوا بِوَعْدٍ غَيْرِ تَوْدِيعِ (٥) إذ المعنى فيه لا يستقيم إلا على إرادة الإثبات، والدليلُ في الحديث موجود؛ لأنه قال: وكان ابنُ عمر يعطي عن الصغير والكبير، وعناه بقوله: "حتى إنْ كان يعطي عن بني"، ولا تتأتى الغايةُ فيه (٦) مع قصد النفي أصلًا، فتأمل. * * *

стр. 1473

كِتابُ الحّجِّ

стр. 1474

كِتابُ الحَجِّ (كِتابُ: الحَجِّ): بفتح الحاء وكسرها، وقد قرئ بهما في السبع، فقيل: لغتان، وقيل: هو بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقيل: عكسه. قال ابن السكيت: بالفتح: القصد، وبالكسر: القوم الحجاج (١). ومعناه لغة: القَصْد. وأما بحسب عرف أهل الشرع، فقال ابن هارون "شارح ابن الحاجب" من أصحابنا: لا يعرف؛ لأنه (٢) ضروري للحُكم بوجوبه ضرورةً، وتصورُ المحكومِ عليه ضرورةً ضروريٌّ، وقال (٣) ابن عبد السلام "شارح ابن الحاجب" أيضًا: لا يعرف؛ لعسره (٤). وردَّهما شيخنا أبو عبد الله بن عرفة: أما الأول: فبأن شرطَ الحكم تصوُّرُه بوجهٍ ما، والمطلوبُ معرفةُ حقيقته.

стр. 1475

وأما الثاني: فبأنه لم يعسر على الفقيه الحكمُ عليه (١) بالثبوت والنفي، والصحة والفساد، ولازمهُ إدراكُ فضله، أو خاصته كذلك؛ يعني: ﵀: من غير عسر. ثم قال: ويمكن رسمه بأنه (٢) عبادةٌ يلزمُها وقوفٌ بعرفةَ ليلةَ عاشرِ ذي الحجة. ويمكن - أيضا - حَدُّه بأن يزاد على ما تقدم شيءٌ آخر، فتقول: عبادةٌ يلزمُها وقوفٌ بعرفةَ ليلةَ عاشرِ ذي الحجة، وطوافُ ذي طهرِ اختصَّ بالبيت عن يساره سبعًا بعدَ [فجرِ يوم النحر، والسعيُ من الصفا للمروة، ومنها إليها سبعًا، وبعدَ] (٣) طوافٍ كذلك لا يقيد وقته بإحرام في الجميع (٤). * * * باب: وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. (وقول الله (٥) : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]: قال ابن هشام: زعم ابن السِّيد: أن "مَنْ" فاعلٌ بالمصدر (٦)، ويردُّه أن المعنى حينئذٍ: ولله على الناس أن يحج المستطيع،

стр. 1476

فيلزم تأثيم (١) جميع الناس إذا تخلف المستطيع (٢). قلت: بناه على أن الألف واللام لاستغراق الجنس، وهو ممنوع؛ لجواز كونها للعهد الذِّكْرِي، والمرادُ حينئذٍ بالناس: من جرى ذكرُه، وهم المستطيعون، [وذلك لأن ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] والخبر قوله: للهِ على الناس، والمبتدأ (٣) تقدم على الخبر رتبةً، وإن تأخر لفظًا، فإذا قدمت المبتدأ وما هو من متعلقاته، كان التقدير: حجُّ البيتِ المستطيعون] (٤) حق ثابت لله على الناس؛ أي: هؤلاء المذكورين. ويدل عليه: أنك لو أتيت بالضمير [في هذا التركيب، لصحَّ؛ أي: حقٌّ ثابتٌ لله عليهم، فقد سدَّ الضمير] (٥) مسدَّ أل ومصحوبها، وهو علامة الأداة التي للعهد الذكري، بل جعلُها كذلك مقدَّمٌ على جعلها للعموم، فقد صرح كثيرون بأنه إذا احتمل كونُ أل (٦) للعهد، وكونهُا لغيره؛ كالجنس، أو (٧) العموم، فإنها نحملها على العهد؛ للقرينة المرشدة إليه، وجمهورُ المعربين: على أن (٨) ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧] في محل جر على أنه بدلُ

стр. 1477

بعضِ من الناس، وحُذف الرابطُ لفهمه؛ أي: من استطاع منهم، ويلزم عليه (١) الفصلُ بين البدل والمبدَل منه بالمبتدأ، وفيه نظر. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]: قال الزمخشري: جعل ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] عوضًا عن ومن لم يحج؛ تغليظًا؛ كما قال ﵇: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًا، أَوْ نصرَانِيًا (٢) " (٣) (٤). واستشكله ابنُ المنير في "الانتصاف": بأن تاركه لا يكفر بمجرد تركِه، فتعين (٥) حملُه على تاركِه جاحدًا لوجوبه، فالكفر (٦) يرجع إلى الاعتقاد. قال: والزمخشري (٧) يسهل (٨) عليه ذلك؛ لأنه يعتقد أن تارك الحج يخرج عن الإيمان، ويخلد في النار، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] استئناف وعيد للكافرين. وقال في "شرحه للبخاري": مذهبُ مالكٍ في الصلاة والصيام والزكاة: أنه يُقاتَل من تركَها، ويُقتل إن أصرَّ، وأما الحجُّ: فإذا ظهر منه التركُ، قيل له: أبعدَكَ الله، وما ذاك - والله أعلم - إلا أن ظرفَه العمرُ، ولو قلنا: إنه

стр. 1478

على الفَوْر، فليس مُضَيَّقًا بوقت، ولهذا (١) لا يعدُّ فعلهُ بعد الترك قضاءً، بل أداءً، والنقضُ بتأخير الزكاة بعدَ الحول وإخراجِها بعد سنين (٢) - مثلًا - يندفع بأنها (٣) حق العباد، وهم المساكين، فغلظ فيه؛ بخلاف حقِّ الكريم (٤) ﷻ . * * * ٨٩٣ - (١٥١٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّق الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أفأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ. "رديف": يقال: رَدِفْتُهُ: إذا ركبتَ خلفَه، وأَرْدَفْتُهُ: إذا أركبتَه خلفَكَ. (من خثعم): قال الزركشي: مجرور (٥) بالفتحة؛ لأنه غير منصرف للعلمية، ووزن الفعل: حَيُّ من بَجيلَةَ، وبَجيلَةُ من قبائل اليمن (٦).

стр. 1479

قلت: إن لم يحمل هذا على سبق (١) القلم من المصنف، أو الغلط من الناسخ، فهو عجيب؛ إذ (٢) ليس فيه وزنُ الفعل المعتبرُ عندهم، ولو قيل: بأنه (٣) على وزن دحرجَ؛ للزم منعُ صرفِ جَعْفَرٍ، وهو باطل بالإجماع. * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨] (باب: قول الله : ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ﴾ [لحج: ٢٧ - ٢٨]: قال ابن المنير: أراد بهذه الترجمة: التنبيهَ على أن الحج من شعائره الراحلة تقريبًا؛ لقول من شرط في الاستطاعة "الزادَ (٤) والراحلةَ". فكأنه لما خشي أن يُضَجِّعَ أحدٌ في اعتبار الراحلة، ويحتجَّ بقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] بيَّنَ أن النبي ﷺ إنما حجَّ على راحلته. قلت: التضجيع في اعتبار الراحلة شرطًا (٥) في الاستطاعة متوجِّهٌ، وليس في حجه ﵇ على الراحلة ما يقتضي شرطيتَها في الاستطاعة أصلًا، والآية ظاهرة لمن (٦) لم يشترط الراحلة.

стр. 1480

قال ابن المنير: ثم ساق حديث عائشة - أيضًا - في الترجمة التي بعدها، وأراد أيضًا أن يَردَّ على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل؛ لأن الله تعالى قدَّمَ الرجالَ على (١) الركبان، فبين أنه لو كان أفضل، لفعله النبي ﷺ ، وإنما فعله ﵇ قاصدًا لذلك، ولهذا لم يُحْرِم حتى استوتْ به راحلتُه. * * * باب: الحجِّ على الرَّحْلِ ٨٩٤ - (١٥١٦) - وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيم، وَحَمَلَهَا عَلَى قتبٍ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الْحَجِّ؛ فَإِنَّهُ أَحَدُ الْجِهَاديْنِ. (وقال أبان): قال القرافي: المحدثون والنحاة على عدم صرفه، قال: ونقله ابنُ يعيشَ في "شرح المفصل" عن الجمهور، وقال: إنه بناء على أن وزنه أفعل، وأصله أَبْيَنُ، صيغة مبالغة في البيان الذي هو الظهور، فيقول: هذا أبينُ من هذا؛ أي (٢): أظهرُ (٣) منه وأوضحُ، فلوحظ أصلُه مع العلمية التي فيه، فلم يُصرف، هكذا في "شرح المنهاج الأصلي" للسبكي في فصل الخصوص (٤).

стр. 1481

قلت: وقد مر لنا نقلُ الخلاف في صرفِه ومنعِه في آخر (١) كتاب: الإيمان. وصرح ابن مالك في "التوضيح" بأنه منقول من أبانَ ماضي يُبين، ولو لم يكن منقولًا؛ لوجب أن يقال فيه: أَبْيَنُ، بالتصحيح (٢). وهو كلام متجه يتقرر به الردُّ على ما نقله القرافي، وأقره عليه السبكيُّ من كونه أفعل تفضيل، فتأمله. (فأعمرَها (٣)): أي: حملها إلى (٤) العمرة فاعتمرت، يقال: اعتمرتُ أنا، وأَعْمَرْتُ غيري. (على قَتَب (٥)): هو خشبُ الرَّحل (٦)، قيل: القتبُ للجمل بمنزلة الإكاف للحمار. (شُدُّوا الرحال): جمع رَحْل، وهو للبعير كالسَّرْج للفرس. (فإنه أحدُ الجهادين): إما على جهة التغليب، أو الحقيقة (٧). * * * ٨٩٥ - (١٥١٧) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ،

стр. 1482

حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنسٍ، قَالَ: حَجَّ أَنسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. (ولم يكن شحيحًا): أي: لم يُؤْثِرِ الرحلَ على المحمَل لشُحٍّ، بل فعلَ ذلك لطلبِ الأجر والاقتداء، ولما روي: حَجُّ الأَبْرَارِ عَلَى الرِّحَالِ (١). (وكانت زاملَتَه): أي: حاملَتَه وحاملةَ متاعِه، والزاملةُ: بعيرٌ (٢) يستظهر به (٣) لحمل (٤) المتاع. وفيه: تركُ الترفُّه حيث جعل متاعَه تحته، وركبَ فوقه. * * * ٨٩٦ - (١٥١٨) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيم". فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. (أيمن): بفتح الهمزة والميم، غير منصرف. (ابن نابل): بنون فألف فباء موحدة. (فأحقَبَها): أي: أردَفَها خلفَه على حقيبة الرحل.

стр. 1483

ويروى: "فأَعْقَبَها" - بالعين بدل الحاء -؛ أي: جعلَها خلفَه (١). * * * باب: فضلِ الحجِّ المبرورِ ٨٩٧ - (١٥١٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَان بِاللَّهِ وَرَسُولهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". (حج مبرور): قيل: هو ما لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: المتقبَّل، وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة، وكلها متقاربة، ومبرور: اسمُ مفعول من قولهم: برَّ الله حجتَك (٢)، فهو متعدٍّ بنفسه (٣)، ويبنى للمفعول، فيقال: بُرَّ حَجُّك، فهو مبرور (٤). * * * ٨٩٨ - (١٥٢٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 1484

- ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أفلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَا، لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". (نُرى الجهاد): بضم النون، ويروى بفتحها. (قال: لكُنَّ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرور): لَكُنَّ - بضم الكاف وتشديد النون - واللام حرف جر دخل على ضمير المخاطبات، هذه (١) رواية أبي ذر. قال (٢) الزركشي: والوجهُ حينئذٍ: رفعُ "أفضلُ" على أنه مبتدأ خبره "حج مبرور" (٣). قلت: ما صنعه الزركشي ها (٤) هنا من الطراز الأول، وكأنه ظن أن (٥) "لَكُنَّ" ظرفُ لغو متعلق بأفضل؛ أي: أفضلُ الجهادِ لَكُنَّ (٦) حج مبرور، [والضمير المحذوف عائد إلى أفضل الجهاد، ومبرور صفة لحج على كل تقدير. ويروى: "لَكِنْ" - بإسكان النونْ -، فأفضلُ مرفوع على أنه مبتدأ خبرُه حجٌّ مبرور] (٧)، و (٨) المانع من ذلك قائم، فالصواب: أن الخبر قوله: لكن،

стр. 1485

وأما حج مبرور، فهو خبر (١) مبتدأ محذوف؛ أي: هو حج مبرور، ويروى بتشديد نون "لَكِنَّ" وكسر الكاف، فأفضل منصوبٌ على أنه اسمها. قال المهلب: وهذا بَيَّنَ أن قولَه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ليس على الفرض لملازمة البيوت كما زعمَ من أرادَ تنقُّصَ عائشة ﵂ في خروجها إلى العراق (٢) للإصلاح بين المسلمين. * * * ٨٩٩ - (١٥٢١) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". (سيار): بسين مهملة مفتوحة فمثناة (٣) من تحت مشددة. (فلم يرفثْ): بفتح الفاء وضمها؛ لأنه يقال: رَفَثَ، بكسر الفاء وفتحها. قال (٤) الأزهري: الرَّفَثُ: كلمةٌ جامعة لكل ما يريده (٥) الرجلُ من المرأة (٦).

стр. 1486

(كيومَ ولدته أمه): بجر اليوم على الإعراب، وفتحه على البناء، وهو المختارُ في مثله؛ لأن صدرَ الجملة (١) المضافِ إليها مبني؛ أي: رجع مماثلًا لحالهِ (٢) يومَ ولدته أمه، يريد: أنه رجع (٣) بلا ذنب، وهذا يقتضي أنه يكفرُ الصغائرَ والكبائر (٤). * * * باب: فرضِ مواقيتِ الحجِّ والعمرةِ ٩٠٠ - (١٥٢٢) - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلهِ، وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَألْتُهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نجدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ. (فرضَها): أي: وَقَتَها وبَيَّنَها، وتوقيتُها متفقٌ عليه لأرباب هذه الأماكن، وأما إيجاب الدم بمجاوزتها (٥) عندَ الجمهور، فمن غير هذا الحديث. (لأهل نجد قَرْنًا): بسكون الراء، وغُلِّط الجوهري (٦) في فتحها؛ كما غُلِّط في (٧) قوله: إن أويسًا القَرنيَّ منسوب إليها (٨)، وإنما هو منسوبٌ إلى

стр. 1487

قَرَن -بفتح القاف والراء- بطنٍ من مُراد، كما بين في الحديث الذي (١) فيه طلبُ عمرَ له. وقال القابسي: من سَكَّن الراء (٢)، أراد: الجبل، ومن فتحها (٣)، أراد الطريق الذي يقرب منه (٤) (٥). (ذا الحُلَيفة): - بضم الحاء المهملة وفتح اللام، مصغر (٦) -، وهو أبعدُ المواقيت من مكة، وهو (٧) على عشر مراحل منها، أو تسعٍ. (الجحفة (٨)): -بضم الجيم وسكون الحاء -، قيل: سميت بذلك؛ لأن السيل اجْتَحَفَها في بعض الزمان، وهي على ثلاث مراحل من مكة. * * * باب: قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ٩٠١ - (١٥٢٣) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄،

стр. 1488

قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ، سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلًا. (شبابة): بشين معجمة مفتوحة فباء موحدة مخففة. (كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، فإذا قدموا مكة): ويروى: "بالمدينة". (فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]: سأل ابن المنير عن كيفية انطباق الآية على السبب الذي نزلت من أجله، والقومُ قد تركوا الزادَ بالأصالة، ولم يختاروا زادًا غيرَ التقوى؛ كالطعام والشراب؟ وأجاب: بأنهم قدَّروا (١) أنفسهم متزودين بالتوكل (٢) على الله بترك استصحاب (٣) الزاد، فقيل لهم: إذا أردتم (٤)، تزودوا بالأعمال (٥)، فخيرُها (٦) التقوى، والخوفُ على قلوب (٧) عباد الله من الأذى، فبهذا تنطبق الآية على السبب.

стр. 1489

باب: مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (باب: مُهَلِّ أهلِ المدينة (١)): المُهَلُّ: -بضم الميم-: موضعُ الإهلال؛ مُفْعَلٌ من أَهَل يُهِلُّ، وكذا هو فيما بعدَه. قال أبو البقاء: وهو مصدرٌ بمعنى الإهلال؛ كالمُدْخَل والمُخْرَج؛ بمعنى الإدخال والإخراج (٢). قلت: لكنَّ جعلَه هنا مصدرًا يحتاج إلى حذف، أو (٣) تأويل، ولا داعي إليه. ٩٠٢ - (١٥٢٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نجدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. (يَلَمْلَم): بفتح الياء واللام وسكون الميم بعدها، ويقال فيه: "أَلَمْلَم"، بهمزة بدل الياء، وهو على مرحلتين من مكة. (هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ): الضمير الأول والثالث والرابع كلٌّ منها عائد على المواقيت، وأما الثاني، وهو المجرور باللام من قوله:

стр. 1490

"لهن"، فكان مقتضى الظاهر أن يكون هاء وميمًا؛ لأن المراد: أهلُ المواقيت. وأجاب ابن مالك: بأن الأصل ذلك، ولكن عدل عن ضمير المذكَّرين (١) إلى ضمير المؤنثات؛ لقصد التشاكل (٢). وأجاب غيره: بأنه على حذف مضاف؛ أي: هن لأهلهن؛ أي: هذه المواقيت لأهل هذه البلدان؛ بدليل قوله في حديث آخر يأتي: "هُن لَهُنَّ وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ من غَيْرِ أَهْلِهِنَّ" (٣)، فصرح بالأهل ثانيًا. (حتى أهلُ مكةَ من مكةَ): "حتى" هذه ابتدائية، و"أهل مكة" مبتدأ، والخبرُ محذوف؛ أي: يُهِلُّون من مكة، والجملة لا محل لها من الإعراب. * * * باب: مُهَلِّ أهلِ نجدٍ ٩٠٣ - (١٥٢٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبيهِ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّأْمِ مَهْيَعَةُ - وَهِيَ الْجُحْفَةُ -، وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ: "وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ".

стр. 1491

(مَهْيَعَةٌ، وهي الجحفةُ): قيدها أكثرهم بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء، وقيدها بعضهم بفتح الميم وكسر الهاء وسكون الياء؛ فَعِيلَة؛ كجميلة (١). * * * باب: ذاتُ عرقٍ لأهل العراقِ ٩٠٤ - (١٥٣١) - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْزٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا، شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. (لما فُتِحَ هذان المصران، أتوا عمرَ): يروى بالبناء للمفعول، و"هذان (٢) " نائب عن الفاعل، و"المصران (٣) " صفة له، والمراد بهما: البصرة والكوفة، ويروى: "فَتَحَ" بالبناء للفاعل، و"هذين المصرين" بالنصب. واختلف في تخريجه، فقال القاضي: فاعلُ فَتَحَ ضمير يعود إلى (٤) الله تعالى (٥).

стр. 1492

وقد قال (١) ابن مالك: تنازعَ "فتحَ" و"أَتوا"، فأُعمل الثاني، وأُسند الأول إلى ضمير عمر (٢). (وهو جَوْرٌ عن طريقنا): أي: مائلٌ عنه، وليس على جادَّتِه. (فانظروا حَذْوَها): - بذال معجمة -؛ أي: ما يُحاذيها. (فحدّ لهم ذاتَ عرق): قال ابن المنير: فيه أصلان من أصول الفقه: أحدهما: تسويغ القياس في الحدود؛ خلافًا لمن أنكر ذلك. قلت: ليس هذا في شيء من الحدود المختلَف في إثبات القياس فيها، فتأمله. قال: الأصل الثاني: اعتبارُ الأشباه (٣) الخلقية؛ فإن نسبة (٤) الميقات إلى ميقات آخر بقياس المسافة لا يلوح فيه معنًى إلا الشبهُ الصوريُّ، وإنما الإشكال في أن (٥) المواقيت بالنسبة إلى مكة مختلفة، فإذا حددنا مكانًا بالقياس، فهل نلحقه بالأبعد، أو بالأقرب؟ لابد من شبه (٦) أخصَّ بذلك، وكان عمر ﵁ ألحقه بما يليه من المواقيت المنصوصة. * * *

стр. 1493

باب: خروج النبيِّ ﷺ على طريقِ الشَّجرةِ ٩٠٥ - (١٥٣٣) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إلَى مَكَّةَ، يُصَلِّي فِي مَسْجدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ، صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبحَ. (من طريق المُعَرَّس): - بميم مضمومة فعين مهملة مفتوحة فراء مفتوحة (١) مشددة فسين مهملة (٢) -: على ستة أميال من المدينة، وهو أقربُ إلى المدينة من الشجرة (٣). * * * باب: قول النبيِّ ﷺ : "العقيقُ وادٍ مُبارَك " ٩٠٦ - (١٥٣٤) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَليدُ، وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي كرمَةُ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ".

стр. 1494

(وقل عمرة في حجة): قال الخطابي: "في" بمعنى "مع"، فيكون القِران أفضلَ، وهو مذهب الكوفيين (١). ويحتمل أنه (٢) يريد عمرة مندرجةً (٣) في حجة؛ أي: عملُ العمرة مندرجٌ (٤) في عمل الحج، يجزئ لهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ. ويحتمل أن يريد الإحرامَ بها إذا فرغ من حجه؛ أي: إذا حججت، فقل: لبيكَ بعمرةٍ، وتكون في حجتك التي تحجُّ فيها، ويؤيده رواية البخاري في كتاب: الاعتصام: "وَقُلْ عُمْرَة وَحَجَّة" (٥)، ففصل بينهما بالواو، هكذا (٦) قيل (٧). قال الزركشي: والوجهُ: الرفعُ؛ يعني: رفعَ "عمرةٌ"، قال: ويجوز النصب على حكاية (٨) اللفظ؛ أي: قل (٩) جعلتُها عمرةً (١٠). قلت: إذا كان هذا هو (١١) التقدير، فعمرةً منصوب بـ: جعلَ، والكلامُ بأسره محكيٌّ بالقول، لا شيء من أجزائه من حيث هو جزء، ولعله يشير

стр. 1495

إلى أن فعلَ القول قد يعمل في المفرد الذي يراد به مجردُ اللفظ، وهاهنا ليسَ المرادُ هذا، وإنما المراد: اجعلْها عمرةً؛ كما (١) اعترف به، فالحكاية متسلطة على مجموع الجملة كما قررناه. * * * ٩٠٧ - (١٥٣٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسىَ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ، عَنْ أَبيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّه رُئيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي، قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَاركَةٍ. وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سالِمٌ، يَتَوَخَّى بِالْمُنَاخ الَّذِي كَانَ عَبْد اللهِ يُنِيخُ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. (يتوخَّى): أي: يقصِد. (المُناخ): - بضم الميم -: الموضع الذي يُنيخ فيه ناقتَه. (وسَط من ذلك): - بفتح السين -؛ أي: متوسِّط بين بطن الوادي وبين الطريق (٢). * * * باب: غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ (الخَلوق): - بفتح الخاء المعجمة - طيبٌ يُخلط بالزعفران، قاله القاضي (٣).

стр. 1496

٩٠٨ - (١٥٣٦) - قَال أَبُو عَاصِمِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ: أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ ﵁: أَرِني النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ محْمَرُّ الْوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ " فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: "اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كمَا تَصْنعُ فِي حَجَّتِكَ". قُلْتُ لِعَطَاءِ: أَرَادَ الإنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. (بالجِعْرانة): بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء، هكذا ضبطه جماعة من اللغويين ومحققي المحدثين، ومنهم من يكسر العين ويشدد الراء، وعليه أكثر المحدثين. قال صاحب "المطالع": أصحاب (١) الحديث يشددونها، وأهل الأدب يغلطونهم (٢)، ويخففونها، وكلاهما صواب (٣). (وهو متضمِّخٌ بطيب): أي: متلطِّخ به. (قد أُظِلَّ به): - بهمزة مضمومة وظاء معجمة مكسورة على البناء

стр. 1497

للمفعول -، والنائب عن الفاعل ضمير يعود على النبي ﷺ ؛ أي: جُعل الثوبُ له كالظُّلَّة يستظلُّ به. (وهو يغِطُّ): - بغين معجمة مكسورة وطاء مهملة مشددة - من الغطيط؛ كغطيط النائم. (ثم سُرِّي عنه): - بسين مهملة مضمومة وراء مشددة -؛ أي: كُشف عنه شيئًا بعد شيء. وروي بتخفيف الراء؛ أي (١): كُشف عنه ما يتغشاه من ثقل الوحي؛ يقال: سَرَرْتُ الثوبَ، وسَرَيْتُهُ: نَزَعْتُهُ (٢). (فقال: اغسلِ الطيبَ الذي بك ثلاثَ مرات): الظاهر أن العامل في ثلاث مرات أقربُ الفعلين (٣) إليه، وهو اغسلْ، وعليه: فيكون قوله: ثلاثَ مرات من جملة مقولِ النبي ﷺ ، وهو نص في تكرار الغسل. ويحتمل أن يكون العاملُ فيه "قال"؛ أي: قال له النبي ﷺ ثلاثَ مراتٍ: "اغسل الطِّيبَ"، فلا يكون فيه تنصيصٌ على أمره بثلاث غسلات؛ إذ ليس في قوله: "اغسل الطيب (٤) " تصريح بالغسلات الثلاث؛ لاحتمال كونِ (٥) المأمور به غسلةَ واحدة، لكنه آكدُ في شأنها. وعلى الأولى فهمَه ابن المنير؛ فإنه قال: في الحديث ما يدل على أن

стр. 1498

المعتبر في هذا الباب ذهابُ الجِزمِ الظاهر، لا الأثرِ بالكلية؛ لأن الصِّباغ لا يزول لونهُ ولا رائحتهُ بالكلية بغسله (١) ثلاث (٢) مرات، فعلى هذا مَنْ غسل الدمَ من ثوبه لم يضرَّه بقاءُ طبعه. قلت: لو كان في الحديث ما يدل على أن الخَلُوق كان (٣) في الثوب، أمكنَ ما قاله، ولكن ظاهره: أن الخلوقَ في بدنه (٤)، [لا في ثيابه؛ لقوله: وهو متضمِّخٌ بطيب، وإن كان الخلوقُ فى البدن] (٥)، أمكن أن تزول رائحته ولونه (٦) بالكلية بغسله ثلاث مرات؛ لأن عُلوق الطيبِ بالبدن أخفُّ من عُلوقه بالثوب، وانطباعَه في البدن أقلُّ من انطباعه (٧) في الثوب (٨)، هذا مما (٩) لا ينكر، وهو مدرَك بالمشاهدة. (واصنع في عُمرتك كما تصنع في حَجِّك): ويروى: "في (١٠) حَجتك" بالتاء، وقد جاء هذا اللفظ هكذا في أكثر الروايات غيرَ مبين. قال الزركشي: وقد تخبط فيه كثيرون، والذي يوضحه رواية أنه (١١) ﷺ

стр. 1499

قال (١) له: "ما كُنْتَ صَانِعًا في حَجِّكَ؟ "، فقال (٢): أنزعُ عني هذهِ الثيابَ، وأغسلُ عني هَذا (٣) الخلوقَ، فقال له النبي ﷺ : "ما كُنْتَ صَانِعًا في حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ" (٤). وهذا سياق حسنٌ حاصله: أن الرجل كان يعرفُ أن المحرِمَ بالحج يجتنبُ الطيبَ والمخيط (٥)، وظن أن حكم المعتمر يخالفه، ففعل، ثم ارتاب، فسأل (٦)، فأجيب بذلك (٧). (قلت لعطاء: أرادَ الإنقاءَ حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم): هذا مما يؤيد الاحتمالَ الأول، وهو أن ثلاثَ (٨) مراتٍ معمولٌ لـ: اغسل، وأنه من كلام النبي ﷺ . وأما تبويبُ البخاري عليه بقوله: "باب: غسل الخلوق ثلاثَ مراتٍ من الثياب"، فقال الإسماعيلي: ليس في الخبر أن الخلوق كان على الثوب، وإنما الرجلُ متضمِّخ (٩) بطيب، وقوله ﷺ : "اغسلِ الطيبَ الذي بكَ ثلاثَ

стр. 1500

مرات" (١) يبين أن الطيبَ لم يكن في ثوبه، وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة؛ لكان في نزعها كفايةٌ من جهة الإحرام (٢). قلت: يريد: وقد جمع ﵊ بين الأمرين، فأمره بغسل الطيب، ونزعِ الجبة؛ كما هو مصرَّحٌ به في الحديث. * * * باب: الطِّيبِ عِنْدَ الإحْرَامِ، وَمَا يَلْبسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُما -: يَشَمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيحَانَ، وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ، وَيَتَدَاوَى بمَا يأْكُلُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَتَخَتَّمُ، وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ. وَطَافَ ابْن عُمَرَ ﵄ وَهُوَ مُحْرِمُ، وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ﵂ بِالتُّبَّانِ بَأْسًا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا. (باب: الطيبِ عند الإحرام). سأل ابن المنير عن وجه إتيانه بهذه الترجمة، ثم استشهاده بشَمِّ المحرمِ الريحانَ، وإنما يريد: في صلب الإحرام، وهو لو شمَّ المسك ونحوه من الطيب المؤنث (٣) بعد الإحرام، افتدى إجماعًا، فكيف يقيس ما فيه الفدية على ما لا فدية فيه؟

стр. 1501

وأجاب: بأنه أراد الردَّ على من منعَ الطيبَ عند الإحرام، [وعلل ذلك: بأن الرفاهية تحصل بعد الإحرام بآثاره، فأراد أن يبين أن مطلقَ الرفاهية لا يمنع؛ بدليل أن الطيب المذكَّر يحصل (١) للرفاهية، ومع ذلك، فلا يمنع] (٢)، ولهذا ذكر الادهان بالزيت؛ لأنه رفاهية، فتنتقض (٣) العلة المذكورة. (ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن): قال الزركشي: المشهور فيهما (٤) النصب. وعن ابن مالك: الجر، وصُحِّح (٥) عليه، ووجهُه (٦) البدلُ من "ما" الموصولة؛ فإنها مجرورة، وليس المعنى على النصب، فإن الذي يأكل هو الآكل لا المأكول، هذا كلامه (٧) (٨). قلت: لم لا يجوز على النصب أن يكون بدلًا من العائد إلى ما الموصولة؛ أي: بما يأكله (٩) الزيتَ والسمنَ، والذي يأكله حينئذٍ هو المأكولُ لا الآكل. فإن قلت: يلزم عليه حذفُ المبدَل منه؟

стр. 1502

قلت: قد قيل به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ﴾ [النحل: ١١٦]، فقال قوم: إن الكذب بدلٌ من مفعول تصفُ المحذوف؛ أي: لما تصفه، وقيل به - أيضًا - في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] أي: كما أرسلناه (١)، ورسولًا بدل (٢) من الضمير المحذوف. والزركشي ﵀ ظن أن الزيت مفعولُ أكله (٣)، فقال: إن الذي يأكل الزيتَ مثلًا عبارة عن الآكل لا المأكول، والمطلوب هو جواز التداوي بالمأكول، فلا يتأتَّى المعنى المراد. وقد استبان لك تأتِّيه بما قلناه، والله الموفق. (الهميان): شبيه (٤) بتَكَّة (٥) السراويل يُشَدُّ على الوسط (٦). قال القزاز: وهو فارسي معرب (٧). (بالتُّبَّان): - بضم المثناة من فوق (٨) وتشديد (٩) الباء الموحدة بعدها -: سروال قصير.

стр. 1503

(الذين يرحلون): بحاء مهملة مكسورة مشددة (١). * * * باب: ما لا يَلْبَسُ المحرمُ من الثيابِ ٩٠٩ - (١٥٤٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَاّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْتقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ". (لا يلبس القميص (٢)): نبَّه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس، مخيطًا كان أو غيرَه، وبالخفاف على كلِّ ما يستر الرِّجْلَ مما يُلبس عليها. واللبس (٣) هنا عند الفقهاء محمولٌ على اللبس المعتاد في كل شيء مما ذكر، فلو ارتدى بالقميص، لم يمنع منه؛ لأن اللبسَ المعتادَ في القميص غير (٤) الارتداء.

стр. 1504

قال بعض العلماء: والسرُّ في تحريم المخيط وغيره مما ذكره (١) في هذا الباب (٢)؛ مخالفةُ العادة، والخروجُ عن المألوف؛ لإشعار النفس بأمرين: أحدهما: الخروج عن الدنيا، والتذكر للبس الأكفان عند نزع (٣) المخيط. و (٤) الثاني: تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة، والخروج (٥) عن معتادها، وذلك موجب للإقبال عليها، والمحافظة على قوانينها، أركانها، وشروطها، وآدابها (٦). (إلا أحدٌ لا يجد نعلين): قال ابن المنير: فيه ردٌّ على مَنْ زعم من النحاة أن "أحدًا" لا (٧) يستعمل في الإثبات إلا في ضرورة الشعر؛ كقوله: وَقَدْ ظَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. . . إِلَاّ عَلَى أكْمَهٍ لا يَعْرِفُ القَمَرَا قال: والذي يظهر لي أن "أحدًا" لا يستعمل في الإثبات، إلا أن يكون بعقب النفي، وكان الإثبات حينئذٍ في سياق النفي يشبه النفي (٨)، [ونظير

стр. 1505

هذا زيادة الباء (١)؛ فإنها لا تكون إلا في النفي] (٢)، ثم رأيناها زيدت في الإثبات الذي هو في (٣) سياق النفي؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. (مَسَّه زعفرانٌ): قال الزركشي: بالتنوين؛ لأنه ليس فيه إلا (٤) الألف والنون فقط، وهي لا تمنع (٥)، فلو سميتَ به (٦)، امتنعَ صرفُه (٧). قلت: هذا من الواضحات التي لا تحتاج إلى بيان. * * * باب: الرُّكوبِ والارتدافِ في الحجِّ ٩١٠ - (١٥٤٣ و ١٥٤٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ ابْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدلِفَةِ إِلَى مِنًى. قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

стр. 1506

(أن أسامة كان رِدْف (١) رسول الله ﷺ ): بكسر الراء من "رِدْفَ"، وسكون الدال؛ أي: رديفَه. قال ابن المنير: والظاهرُ أنه إنما أردفه؛ ليحدِّث عنه بما يتفق له (٢) في ركوبه من التشريع (٣) والعلم، ولهذا (٤) اختار أحداث (٥) الأسنان (٦) كما يختارون لتسميع الأحاديث. * * * باب: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ ﵂ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ، وَلَا تتبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْب الأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبدِلَ ثِيَابَهُ. (لا تَلْتَثِمْ): وروي: "لا تَلَثَّمْ" على أنه مضارع (٧) تَلثَّمَ، وحُذفت (٨)

стр. 1507

إحدى التاءين منه (١) مثل: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وكلاهما من اللثام، وهو ما يغطي الشفةَ من الثوب (٢). (ولا تتبرقع): وروي: "لا تَبَرْقَعْ" - بتاء واحدة - من البُرْقُع، وهو ما يغطَّى به الوجههُ (٣). (لا بأس أن يُبْدِل ثيابه): - بضم حرف المضارعة وإسكان الباء الموحدة - مضارعُ أبدلَ. * * * ٩١١ - (١٥٤٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ إِلَاّ الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ؛ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤوسهِمْ،

стр. 1508

ثُمَّ يحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَن لَم يَكُنْ مَعَهُ بَدَنةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ، فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ. (فلم ينهَ عن شيء من الأردية): جمع رداء. (والأزر): بضم الزاي وإسكانها. (إلا المزعفرةِ): - بالنصب على الاستثناء، والجرّ على حذف الجار -؛ أي: إلا عن المزعفرة. (التي تَردَع): - بفتح التاء والدال، وبضم التاء وكسر الدال -: أي (١): كَثُرَ فيها الزعفرانُ حتى تنفضه على مَنْ يلبسها. قال القاضي: وفتح التاء أوجَهُ، ومعنى الضم: أنها تبقي أثره على الجلد، والعين مهملة (٢). وذكر ابن بطال فيه روايتين: بالعين المهملة، وبالغين المعجمة؛ من قولهم: أَرْدَغَتِ (٣) الأرضُ: كَثُرَتْ رِداغُها (٤)، وهي مناقعُ الماء (٥). (على الجلد): قال الزركشي: قال أبو الفرج: كذا وقع في البخاري، [وصوابه: تردع الجلد؛ أي (٦): تصبغه] (٧) (٨).

стр. 1509

قلت: في "الصحاح": يقال: رَدَعْتُه (١) بالشيء، فارتَدَعَ؛ أي: لَطَّخْتُه به، فتلَطَّخَ (٢) (٣). وإذا (٤) كان كذلك: فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردعُ لابسهَا بأثرها، و"على الجلد" ظرف مستقر في محل نصب على الحال، وهو وجه حسنٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئةُ الرواية، ويحتمل أن يكون "تردع" قد ضُمّنَ (٥) معنى تَنْفُض؛ أي: تنفضُ (٦) أثرَها على الجلد. (وذلك لخمس بقين من ذي القَعْدةَ): بفتح القاف وكسرها، وفيه حجة لأحد قولي اللغويين: إنه لا حاجة إلى الإتيان بحرف الشرط، فيقال: إن بقين، وذلك لأن الغالبَ تمامُ الشهر، فيُحمل عليه، وصاحبُ القول الآخر راعى احتمال النقص (٧)، فاحتاط بالشرط (٨). (ولم يَحِل): بفتح أوله وكسر ثانيه. (من أجل بُدُنه): - بضم الباء والدال -، ويقال فيه أيضًا: "بُدْنه (٩) " - بإسكان الدال -: جمع بَدَنَة.

стр. 1510

(عند الحَجُون): - بحاء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة -: هو (١) الجبل المشرِفُ على المحصَّبِ حذاءَ مسجدِ العقبة. قال الزبير: الحجونُ مقبرةُ أهل مكة، كذا في "المشارق" (٢). (وأمر أصحابه أن يطَّوفوا): قيده بعضهم: بتشديد الطاء (٣). * * * باب: مَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب: من بات بذي الحليفة حتى يصبح (٤)): قال ابن المنير: ترجم بذلك؛ ليدفع وهم من لعله يتوهم أن التأخير (٥) بالميقات، والتراخي عن (٦) الإحرام، وهو به (٧)، يشبه (٨) تعدِّيه بدون إحرام، فبين أن ذلك غيرُ لازم حتى ينفصلَ عنه، ولهذا أورد الترجمة بصيغة العموم؛ ليبين أن الناس في ذلك شرع سواء.
следующие страницы →