← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

(أن أسامة كان رِدْف (١) رسول الله ﷺ ): بكسر الراء من "رِدْفَ"، وسكون الدال؛ أي: رديفَه. قال ابن المنير: والظاهرُ أنه إنما أردفه؛ ليحدِّث عنه بما يتفق له (٢) في ركوبه من التشريع (٣) والعلم، ولهذا (٤) اختار أحداث (٥) الأسنان (٦) كما يختارون لتسميع الأحاديث. * * * باب: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ ﵂ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ، وَلَا تتبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْب الأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبدِلَ ثِيَابَهُ. (لا تَلْتَثِمْ): وروي: "لا تَلَثَّمْ" على أنه مضارع (٧) تَلثَّمَ، وحُذفت (٨)

стр. 1507

إحدى التاءين منه (١) مثل: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وكلاهما من اللثام، وهو ما يغطي الشفةَ من الثوب (٢). (ولا تتبرقع): وروي: "لا تَبَرْقَعْ" - بتاء واحدة - من البُرْقُع، وهو ما يغطَّى به الوجههُ (٣). (لا بأس أن يُبْدِل ثيابه): - بضم حرف المضارعة وإسكان الباء الموحدة - مضارعُ أبدلَ. * * * ٩١١ - (١٥٤٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ إِلَاّ الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ؛ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤوسهِمْ،

стр. 1508

ثُمَّ يحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَن لَم يَكُنْ مَعَهُ بَدَنةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ، فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ. (فلم ينهَ عن شيء من الأردية): جمع رداء. (والأزر): بضم الزاي وإسكانها. (إلا المزعفرةِ): - بالنصب على الاستثناء، والجرّ على حذف الجار -؛ أي: إلا عن المزعفرة. (التي تَردَع): - بفتح التاء والدال، وبضم التاء وكسر الدال -: أي (١): كَثُرَ فيها الزعفرانُ حتى تنفضه على مَنْ يلبسها. قال القاضي: وفتح التاء أوجَهُ، ومعنى الضم: أنها تبقي أثره على الجلد، والعين مهملة (٢). وذكر ابن بطال فيه روايتين: بالعين المهملة، وبالغين المعجمة؛ من قولهم: أَرْدَغَتِ (٣) الأرضُ: كَثُرَتْ رِداغُها (٤)، وهي مناقعُ الماء (٥). (على الجلد): قال الزركشي: قال أبو الفرج: كذا وقع في البخاري، [وصوابه: تردع الجلد؛ أي (٦): تصبغه] (٧) (٨).

стр. 1509

قلت: في "الصحاح": يقال: رَدَعْتُه (١) بالشيء، فارتَدَعَ؛ أي: لَطَّخْتُه به، فتلَطَّخَ (٢) (٣). وإذا (٤) كان كذلك: فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردعُ لابسهَا بأثرها، و"على الجلد" ظرف مستقر في محل نصب على الحال، وهو وجه حسنٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئةُ الرواية، ويحتمل أن يكون "تردع" قد ضُمّنَ (٥) معنى تَنْفُض؛ أي: تنفضُ (٦) أثرَها على الجلد. (وذلك لخمس بقين من ذي القَعْدةَ): بفتح القاف وكسرها، وفيه حجة لأحد قولي اللغويين: إنه لا حاجة إلى الإتيان بحرف الشرط، فيقال: إن بقين، وذلك لأن الغالبَ تمامُ الشهر، فيُحمل عليه، وصاحبُ القول الآخر راعى احتمال النقص (٧)، فاحتاط بالشرط (٨). (ولم يَحِل): بفتح أوله وكسر ثانيه. (من أجل بُدُنه): - بضم الباء والدال -، ويقال فيه أيضًا: "بُدْنه (٩) " - بإسكان الدال -: جمع بَدَنَة.

стр. 1510

(عند الحَجُون): - بحاء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة -: هو (١) الجبل المشرِفُ على المحصَّبِ حذاءَ مسجدِ العقبة. قال الزبير: الحجونُ مقبرةُ أهل مكة، كذا في "المشارق" (٢). (وأمر أصحابه أن يطَّوفوا): قيده بعضهم: بتشديد الطاء (٣). * * * باب: مَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب: من بات بذي الحليفة حتى يصبح (٤)): قال ابن المنير: ترجم بذلك؛ ليدفع وهم من لعله يتوهم أن التأخير (٥) بالميقات، والتراخي عن (٦) الإحرام، وهو به (٧)، يشبه (٨) تعدِّيه بدون إحرام، فبين أن ذلك غيرُ لازم حتى ينفصلَ عنه، ولهذا أورد الترجمة بصيغة العموم؛ ليبين أن الناس في ذلك شرع سواء.

стр. 1511

باب: رَفْعِ الصَوتِ بِالإِهْلَالِ (باب: رفع الصوت بالإهلال): قال القاضي: الإهلال بالحج: [رفعُ الصوتِ بالتلبية. قلت: تأمل كيف يلتئم قولهُ: بالإهلال (١)] (٢) مع قوله: رفع الصوت. ثم قال: واسْتَهَلَّ المولودُ: إذا (٣) رفعَ صوتَه، وكلُّ شيء ارتفعَ صوتُه فقد استهلَّ، وبه سُمي الهلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه (٤). واستبعد ابن المنير هذا الأخير (٥) من وجهين: أحدهما: أن العرب ما كانت تعتني بالأهلة؛ لأنها لا تؤرخ بها، والهلال مسمًّى بذلك قبل العناية بالتأريخ بالهلال (٦). الثاني: أن (٧) جعل الإهلال (٨) مأخوذاً (٩) من الهلال (١٠) أولى؛ لقاعدة تصريفية، وهي أنه إذا تعارض الأمر في اللفظين أيهما (١١) أُخذ من الآخر،

стр. 1512

جعلنا الألفاظ المتناوِلَة للذوات أصلًا للألفاظ المتناولة للمعاني، والهلالُ ذاتٌ، فهو الأصلُ، والإهلال معنى يتعلق به، فهو الفرع. * * * باب: التَّلبيةِ ٩١٢ - (١٥٤٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ". (لبيك إنَّ الحمدَ والنعمة لك): روي بكسر "إن" وفتحها (١)، والكسر أجود؛ لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غيرَ معللة، فإنَّ الحمدَ والنعمة لله على كل حال، والفتح يدل على التعليل؛ كأنه يقول: أجبتُك لهذا السبب، والأولُ أعمُّ. وقوله: "والنعمةَ": الأشهر (٢) فيه الفتح، ويجوز الرفع (٣) على الابتداء، وخبرُ إن محذوف (٤). * * *

стр. 1513

باب: التحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الإهْلَالِ عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ (باب: التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال): قصد به الرد على أبي حنيفة في قوله: إنَّ من سَبَّحَ أو كَبَّرَ أجزأه من إهلاله، فأثبت البخاري أن التحميد والتسبيح (١) من النبي ﷺ إنما كان قبل الإهلال (٢). ٩١٣ - (١٥٥١) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنحنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا، أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أَهَلُّوا بِالْحَجِّ؛ قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ. (ونحر النبي ﷺ بدنات بيده): يعني: الهَدْي (٣) بمكة. (وذبح بالمدينة كبشين أملحين): يعني: الأضحيةَ في عيد الأضحى. والأملحُ: الأبيضُ الذي يخالطه سواد. * * *

стр. 1514

باب: الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (باب: الإهلال مستقبلَ القبلة): بنصب "مستقبل" على الحال. قال الإسماعيلي: وليس في حديث فليح عن نافع استقبالُ القبلة (١). قال ابن المنير: ترجم علي استقبال القبلة، وذكره (٢) في الترجمة عن ابن عمر (٣)، فلما ذكر الحديث المسند عن ابن عمر، لم يذكر فيه إلا "استوت به (٤) راحلته"، ولم يذكر الاستقبال، وسببه - والله أعلم -: أن الاستقبال لم ينص عليه مَنْ شرطَه (٥)، فاقتصر (٦) على ذكره في الترجمة، واكتفى من المسند بقوله: "استوت به راحلته"، وإنما تستوي به (٧) عند الأخذ في السير مستقبلَ القبلة؛ لأن مكة أمامه، فهو مستقبل (٨) القبلة ضرورةَ. هذا كلامه، وقد انطوى على الجواب عن اعتراض الإسماعيلي. ٩١٤ - (١٥٥٣) - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ ركِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ، اسْتَقْبَلَ

стр. 1515

الْقِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الْمَحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى، بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبحَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ، اغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ. (حتى إذا جاء ذا طَوى): بفتح الطاء والواو (١)، مقصور، وكسر بعضهم الطاء، وضمها بعضهم. قال القاضي: والصواب الفتح، وهو وادٍ بمكة. قال أبو علي: هو منوَّن على فعل (٢)، وقال ثابت: ممدود (٣). * * * باب: التلبيةِ إذا انحدرَ في الوادي ٩١٥ - (١٥٥٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ قَالَ: "مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: "أَمَّا مُوسَى، كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي". (أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي): فيه حذف الفاء

стр. 1516

من (١) جواب أَمَّا، وابن مالك يُجوزه في السَّعة، وبعضُهم يخصُّه الضرورة. قال المهلب: هذا (٢) وهم من بعض الرواة، وإنما هو عيسى؛ فإنه حي (٣). قال ابن المنير: بل هو وهم من المهلب (٤)، فقد صحت أحاديث (٥) أنه ﵇ رأى موسى (٦) يصلي في قبره، ورآه (٧) - أيضًا - على (٨) غير ذلك، فإما أن يكون منامًا، وإما أن يجعل الله لروحه مثالًا يُرى في اليقظة كما يُرى في النوم، ولا فرق بين موسى وعيسى؛ لأن عيسى - أيضًا - رُفع إلى السماء، ومنذُ رُفع ما ورد أنه نزل إلى الآن (٩)، وسينزل (١٠) عند أشراط الساعة، ورؤيته ﵇ له (١١) في الأرض نؤمن بمعناها، والكيفيَّة اللهُ أعلم بها.

стр. 1517

باب: كيف تُهِلُّ الحائضُ والنُّفساءُ ؟ ٩١٦ - (١٥٥٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا"، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانوُا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. (انقُضي رأسك): - بقاف مضمومة وضاد معجمة -؛ أي: حُلِّي ظَفْرَه (١). (وأهلِّي بالحج، ودَعي العمرةِ): تأوله الشافعي ﵀ على أنه أمرها بأن تدع عمل العمرة، وتُدخل عليها الحجَّ، فتكونَ قارنة، لا أن تدعَ العمرةَ نفسَها. قال الخطابي: إلا أن قوله: "انقضي رأسَك وامتشطي" لا يشاكل هذه

стр. 1518

القضية، ولو تأوله متأول على الترخيص (١) في فسخ العمرة كما أذن لأصحابه (٢) في فسخ الحج؛ لكان (٣) له وجه (٤). قال الزركشي: ويشهد لتأويل الشافعي -﵁ (٥) - قولُه (٦) في الحديث الآخر: "طَوَافُكِ وَسَعْيُكِ كَافِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ" (٧) (٨). قلت: يدلُّ (٩) عليه قولها (١٠) [في كثير من الطرق: "ينطلقون بحجٍّ وعمرة، وأنطلق بحج؟! " (١١)؛ إذ هي قارنة بالفرض، فقد حصل لها حجٌّ وعمرة، وبعضهم يتأول (١٢) قولها] (١٣) على أن المراد: ينطلقون بحج مفردٍ عن

стр. 1519

عمرةٍ، وعمرةٍ (١) منفردةٍ (٢) عن حج، وأنطلقُ بحجٍّ غيرِ مفردٍ عن عمرة، وهذا التأويل كما تراه، فتأمله. (هذهِ مكانُّ عُمرتِك): وفي نسخة: "هذا (٣) ". ثم المشهور رفعُ "مكانُ" على الخبر؛ أي: عِوَضُ عمرتك التي تركتها (٤) لأجل حيضتك (٥)، وهو مما يشكل على تأويل الشافعي. ويروى بالنصب على الظرف، وقال بعضهم: لا يجوز غيره، العاملُ محذوف؛ أي: كائنةٌ مكانَ عمرتك، أو (٦) مجعولةٌ مكانَها. ورجح القاضي الرفعَ؛ لأنه (٧) لم يرد به الظرفَ (٨) والمكان، وإنما أراد به العوضَ (٩). [وقال السهيلي: الوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكانٍ لعمرةٍ أخرى، لكن إن جعلت المكان بمعنى العوض] (١٠) والبدلَ مجازًا؛ أي: هذه بدلُ عمرتك، جاز الرفعُ (١١).

стр. 1520

باب: مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب: من أهلَّ في زمن النبي ﷺ بإهلال النبي ﷺ (١)): قال الزركشي: أشار بهذه الترجمة إلى تنزيل الحديث (٢) على الخصوصية بذلك الزمن، وأنه (٣) يمتنع الإحرام كإحرام فلان؛ لقول (٤) مالك: ولنا أن الأصلَ عدمُ الخصوصية، وإنما أمر النبي ﷺ عليًا بالبقاء على إحرامه؛ لأنه (٥) ﵇ بقي على إحرامه؛ لأنه ساق الهدي، وكان قارنًا (٦)، وعلي (٧) ساق الهدي - أيضًا -، فبقي على إحرامه، وصار قارنًا كالنبي ﷺ ، وأما أبو موسى (٨): فلم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي ﷺ لو لم يكن معه هدي، وقد (٩) قال النبي ﷺ : "لَوْلا الهَدْيُ، لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَتَحَلَّلْتُ" (١٠)، فأمر أبا (١١) موسى بذلك (١٢).

стр. 1521

قلت: جزمه بأن مذهب مالك ﵁ امتناعُ أن يُحرم كإحرام فلان، فيه نظر. فقد قال ابن المنير في "تراجمه": كأن البخاري لما لم (١) ير إحرامَ التقليد، ولا الإحرام (٢) المطلق، ثم تعين بعد ذلك، أشار في الترجمة إلى أن (٣) هذا خاص بذلك الزمن، فليس لأحد أن يُحرم بما أحرم به فلان، بل لابد أن يُعين العبادةَ التي نواها، ودعت الحاجةُ إلى الإطلاقِ والحوالةِ على إحرامه ﵇؛ لأن عليًا وأبا موسى (٤) لم يكن عندهما أصلٌ يرجعان إليه في كيفية الإحرام، فأحالا على إحرام (٥) رسول الله ﷺ ، وأما الآن، فقد استقرت الأحكام، وعُرفت مراتبُ كيفيات الإحرام، ومذهبُ مالك - على الصحيح - جوازُ ذلك، وأنه ليس خاصًا (٦) بذلك الزمان (٧). * * * ٩١٧ - (١٥٥٨) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَاّلُ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَمَدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى

стр. 1522

النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ "، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ". وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ ". قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: "فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ". (الخَلَاّل): بخاء معجمة مفتوحة ولام مشددة. (سَليم بن حَيَّان): بفتح السين من سليم (١) والحاء من حيان، وبعدها مثناة من تحت مشددة. (بما أهللت؟): بإثبات ألف "ما" الاستفهامية مع دخول الجار عليها؛ وهو قليل، وفي نسخة: "بمَ أهللت؟ " - بحذف الألف - الكثير الشائع؛ نحو (٢): ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، و (٣) ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]. * * * ٩١٨ - (١٥٥٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ ابْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهْوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ "، قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ "، قُلْتُ: لَا. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِن قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ: إِنْ نأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا

стр. 1523

الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ. (إلى قوم باليمن): ويروى: "إلى قومي (١) "، قيل: وهو أصح. (وهو بالبطحاء): يعني: الأَبْطَحَ. (فمشطتني): بتخفيف الشين المعجمة، قال صاحب "الأفعال": مَشَطَ الشعرَ مَشْطًا (٢): سَرَّحَهُ وسَهَّلَهُ (٣). (إن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمرنا بالتمام، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإن نأخذ بسنة النبي ﷺ ، فإنه لم يحل حتى نحر الهدي): أراد عمر (٤) أن يُبطل وهمَ مَنْ يتوهم عنه أنه خالف السنة حيث منع من الفسخ، فبين أن الكتاب وفعلَ الرسول ﵇ تظافرا على الإتمام، وذلك يقتضي أن يكون النسخ الذي أمرهم به خاصًا به في تلك السنة (٥)؛ للرد على الجاهلية حيث زعموا أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وتأكد عنده ﵇ إحرامُ من ساقَ الهديَ (٦)، فلهذا لم يفسخْه (٧)، واكتفى في البيان (٨) بفسخِ إحرام مَنْ لم

стр. 1524

يتأكد إحرامه بالهدي؛ عدلًا بينهم منه (١) صلوات الله عليه وسلامه. * * * باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَاّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ، أَوْ كَرْمَانَ. (أو كِرْمان): بكسر الكاف، وقيل: بفتحها والراء ساكنة فيهما، وأنكر الكرماني شارحُ البخاريِّ فتح الكاف. * * * ٩١٩ - (١٥٦٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِي، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَلَا". قَالَتْ: فَالآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ.

стр. 1525

قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟ "، قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: "وَمَا شَأْنُكِ؟ "، قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: "فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا". قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى، فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا، ثُمَّ ائْتِيَا هَاهُنَا، فَإِنَّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي". قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ، فَقَالَ: "هَلْ فَرَغْتُمْ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. (وحُرُم الحج): بضم الحاء والراء معًا، كذا (١) وقع لهم، وضبطه الأصيلي بفتح الراء؛ كأنه (٢) يريد الأوقات والمواضع والحالات (٣). (بسَرِفَ): بفتح السين وكسر الراء وفتح الفاء، غيرُ منصرف للعلمية والتأنيث باعتبار إرادة (٤) البقعة: مكانُ مقيلٍ على عشرة أميال من مكة (٥).

стр. 1526

(ومن كان معه الهدي، فلا): أي: فلا يفعلْ، يعني (١): لا يجعلْها عمرةً، ففيه (٢) حذفُ الفعلِ المجزوم بلا الناهية. (يا هَنْتاهْ): بسكون النون وفتحها، والهاء الأخيرة تسكن وتضم، وأصله: من الهن يكنى به عن النكرة؛ كشيء (٣)، والأنثى هَنَة (٤)، فإذا وصلتها (٥) بالهاء، قلت: يا هَنْتاه، وأصل هائه: السكون؛ لأنها للسَّكْت، لكنهم قد (٦) شبهوها بالضمائر (٧)، وأثبتوها في الوصل (٨)، وضموها، ومعناها: يا هذه! وقيل: يا بلهاء عن مكائد (٩) النساء. (قال: وما شأنك؟ قلت: لا أصلي): قال ابن المنير: كنَّت ﵂ عن الحيض بالحكم الخاصِّ به، وهو امتناعُ الصلاة؛ تأدُّبًا منها [﵂ (١٠) - في الكناية] (١١) عما في التصريح به إخلالٌ ما بالأدب (١٢)،

стр. 1527

ولهذا - والله أعلم - استمرت (١) النساء إلى الآن على الكناية عن الحيض (٢) بحرمان الصلاة؛ أي: تحريمها (٣)، فظهر أدبها ﵂ في بناتها المؤمنات (٤). (فلا يضيرك (٥)): أي: لا يضرك (٦)، يقال: ضارَهُ يَضيرُه، وضَرَّهُ يَضُرُّهُ. (فعسى الله أن يرزقَكيها): بياء متولده (٧) من إشباع كسرة الكاف، وهي (٨) في (٩) لسان المصريين شائعة (١٠). (في النفر الآخرِ): النفْر - بإسكان الفاء -: القوم ينفرون من منى، ومعنى النَّفْر: الانطلاقُ والرجوعُ، والآخِر: بكسر الخاء (١١). (حتى نزل المُحَصَّب): - بميم مضمومة وحاء وصاد مهملتين والصاد مشددة -: موضع بقرب مكة.

стр. 1528

(فإني أَنْظُركما): - بضم الظاء المعجمة -؛ أي: أنتظركما؛ نحو (١): ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. (حتى تأتيانِ): بتخفيف النون، وأصلُه: "تأتياني" فحذفت الياء تخفيفًا، وكسرةُ (٢) النون تدل عليها (٣). (حتى إذا فرغتُ، وفرغتُ من الطواف): قال القاضي: كذا وقع في النسخ من كتاب البخاري، قال بعضهم: لعله (٤) فرغتُ، وفرغَ - يعني: أخاها -، وبعده: "هل فرغتم (٥)؟ "، وفي أول الحديث: "افرغا، ثم ائتيا" (٦). قلت: ليس ما في أول الحديث ولا ما في آخره بالذي يوجب أن يقول: حتى إذا فرغتُ وفرغ؛ إذ يجوز أن يكون قد عبرت عن حالتها هي، لا عن حالة أخيها؛ أي (٧): حتى إذا فرغتُ من الخروج (٨) إلى الحل الإحرام منه، وفرغتُ من الطواف، فكلُّ واحد من اللفظين مسلَّطٌ على غير ما تسلَّطَ

стр. 1529

عليه الآخَرُ، والمعنى مستقيم مريح من الهجوم على نسبة الراوي العدل إلى تحريف اللفظ، أو الغلط (١)، فتأمله. (ثم جئته بسَحَرَ): قال الزركشي: بفتح الراء، أي: من في ذلك اليوم، فلا ينصرف للعلمية والعدل؛ نحو: جئته يومَ الجمعةِ سَحَرَ (٢). قلت: حكى الرضيُّ خلافًا (٣) في صرفه مع إرادة التعيين، لكن حكى: أن القول المشهور كونهُ غير منصرف، وتحقيق العدل فيه هو أن (٤) كل (٥) لفظِ جنسٍ أُطلق وأُريد به فردٌ معين (٦) من أفراده، فلابدَّ فيه من لام العهد، سواء صار علمًا بالغلبة، كالصعق، والنجم (٧)، أولا؛ نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أخذًا (٨) من استقراء لغتهم، فثبت في سَحَرَ بذلك عدلٌ محقق (٩). وقال أبو حيان: تعيينه (١٠): أن يراد من يومٍ بعينه، سواء ذكرت ذلك!

стр. 1530

اليومَ معه؛ كجئتُك يومَ الجمعةِ سحرَ، أو لم تذكره (١)، وأنت تريد ذلك من يوم بعينه، وسواء عَرَّفْتَ ذلك اليوم (٢) كما مر، أو نكرته؛ نحو: جئتك يومًا (٣) سحر. (فآذن بالرحيل): آذن - بهمزة فألف فذال معجمة مفتوحة مخففة فنون -؛ أي (٤): أعلم يقال: آذَنْتُه؛ أي: أَعْلَمْتُه. قال الزركشي: وقيل: بالتشديد (٥)؛ يريد (٦): بدون ألف بعد الهمزة، وتشديد (٧) الذال. * * * باب: التَّمَتُّعِ والإِقْرانِ وَالإفْرَادِ بِالْحَجِّ، وَفَسْخِ الْحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ (باب: التمتع والإقران والإفراد): قال السفاقسي: الإقران غيرُ ظاهر؛ لأن فعله ثلاثي، وصوابه: "قرن".

стр. 1531

قال الزركشي: لم يُسمع في الحج أَقْرَنَ، ولا قَرَنٌ في المصدر منه، وإنما هو قِرانٌ مصدرُ قرنَ بين الحجِّ والعمرة: إذا جمعَ بينهما (١). قلت: أراد تخطئة البخاري [والسفاقسي جميعًا، ويحتمل أن يعتذر عن البخاري] (٢) بقصد المشاكلة بين الإقران والإفراد نحو: "ارجِعْن (٣) مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (٤). * * * ٩٢٠ - (١٥٦١) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا نُرَى إِلَاّ أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا، تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ، فَأَحْلَلْنَ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟! قَالَ: "وَمَا طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ "، قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا". قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَاّ حَابِسَتَهُمْ. قَالَ: "عَقْرَى حَلْقَى، أَوَمَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "لَا بَأْسَ، انْفِرِي".

стр. 1532

قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. (ولا نُرى إلا أنه الحج): - بضم النون -؛ أي: نظن. قال الزركشي: فيحتمل أن ذلك كان اعتقادها من قبل أن تُهِلَّ (١)، ثم أهلَّت بعمرة، ويحتمل أن يريد فعلَ غيرها من الصحابة؛ كأنهم كانوا لا يعرفون إلا الحج، ولم يكونوا يعرفون (٢) العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره (٣). قلت: الظاهرُ غيرُ الاحتمالين المذكورين، وهو أن مرادها: لا أظنُّ أنا ولا غيري من الصحابة إلا أنه الحجُّ، فأحرمنا به، هذا (٤) ظاهر اللفظ. (فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن (٥) يحل): وذلك هو فسخُ الحج إلى العمرة، وقد كان جائزًا بهذا الحديث، وقيل: إن عِلَّته حَسْمُ مادة الجاهلية في اعتقادها أن العمرة في أشهر الحج من أَفْجَر الفجور كما تقدم (٦)، واختلف الناس فيما بعد هذه الواقعة: هل يجوز فسخُ الحج إلى العمرة؛ كما في هذه الواقعة؟ فذهبت الظاهرية إلى جوازه، وأكثرُ الفقهاء المشهورين على المنع من ذلك.

стр. 1533

وقيل: إن هذا كان مخصوصًا بالصحابة (١). قال ابن دقيق: وفي هذا حديث عن أبي ذر، عن الحارث بن بلال، عن أبيه أيضًا، أعني: في كونه مخصوصًا (٢). (فلما كانت ليلةُ الحَصْبة): - بحاء مهملة مفتوحة (٣) فصاد مهملة ساكنة فباء موحدة -؛ أي: ليلةُ المبيت بالمحصَّب. (فأهلِّي بعمرة): الإهلال هنا: التلبية، وأصلُه رفع الصوت، كما تقدم، والمرأةُ لا ترفع صوتها. (ما أُراني): بضم الهمزة. (إلا حابِسَتَهم): أي: مانِعَتَهم من الخروج، فإنهم متوقفون بسببي. (عقرى (٤) حلقى): الرواية فيه بغير تنوين بألف مقصورة؛ أي: مشؤومة مذمومة، ومنهم من نوَّنَ، وصوبه (٥) أبو عبيدة، وهو على هذا مصدرُ عقرَها الله وحلَقَها؛ أي: أهلكها وأصابها تَوَجُّع في حلقها. قال ابن الأنباري: لفظه الدعاء [ومعناه غير الدعاء] (٦). وقال الزمخشري: وهما (٧) صفتان للمرأة المشؤومة؛ أي: أنها تعقر

стр. 1534

قومَها، وتحلقهم (١)؛ أي: تستأصلهم من شؤمها عليهم، وهما خبران لمبتدأ محذوف؛ أي: هي عقرى (٢). * * * ٩٢١ - (١٥٦٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَم، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵄، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ، أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ. (وعثمان ينهى عن المتعة وقد (٣) يُجمع بينهما): ببناء (٤) يُجْمَع للمفعول، وضميرُ الاثنين من "بينهما (٥) " عائد على الحج والعمرة. * * * ٩٢٢ - (١٥٦٤) - حَدَّثَنَا مُوسىَ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُس، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ

стр. 1535

الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: "حِلٌّ كُلُّهُ". (كانوا): أي: أهل الجاهلية. (يُرون): - بضم أوله -؛ أي: يظنون. (أن العمرة في أشهر الحج من أَفْجَر الفُجور): وذلك من تحكُّماتهم المبتدَعَة، وأفجر الفجور من باب: جد جده، وشعر شاعر. (ويجعلون المحرم صفرًا): بالتنوين، و (١) في بعض النسخ بحذفه، والمعروف الأول، لأنه منصرف. وفي "المحكم": كان أبو عبيدة لا يصرفه (٢). وهو المراد بالنسيء، ومعنى يجعلونه: يسمونه، وينسبون تحريمه إليه؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم، فيضيق بذلك أحوالهم (٣). (ويقولون إذا بَرَأ): - بفتحتين فهمزة -؛ أي: أفاق، يقال: بَرَأْت من المرض، وبَرِئتْ أيضًا (٤)، بكسر الراء. (الدَّبَر): - بدال مهملة وياء موحدة مفتوحتين -؛ أي: الجرحُ الذي يكون

стр. 1536

في (١) ظهر الدابة، يريدون: أن الإبل كانت تَدْبَر بالسير عليها (٢) إلى الحج. (وعفا الأثر): أي: دَرَسَ أثرُ الحاج من الطريق، والمجيء بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها؛ لطول الأيام. (وانسلخ صفر): أي: انقضى وانفصل. (فقد (٣) حلَّت العمرةُ لمن اعتمر): الظاهر أنهم قصدوا بذلك السجع، فينبغي أن تقرأ الراء (٤) التي (٥) تواطأت الفواصل عليها بالسكون؛ إذ لو حركت، فات الغرضُ المطلوبُ من السجع. (أَيُّ (٦) الحِلِّ؟ قال: حِلٌّ كُلُّه): أي: حِلٌّ يَحِلُّ فيه جميعُ ما يحرم على المحرم، حتى غشيان النساء، وذلك تمام الحل، وانظر هل قوله: كلُّه تأكيد لـ: حِلُّ على مذهب الكوفيين، أو (٧) لا؟ * * * ٩٢٣ - (١٥٦٦) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ

стр. 1537

- ﵃ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرتِكَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِيِ، فَلَا أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ". (ولم تحلِلْ أنت): - بكسر اللام -؛ أي: لم تحلَّ، وإظهار التضعيف لغة (١). * * * ٩٢٤ - (١٥٦٧) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: تَمَتَّعْتُ، فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ. (فأخبرت ابن عباس): أي: بما رأيته في المنام من قول الرجل (٢): حج مبرور، وعمرة متقبلة. (فقال سنةَ النبي ﷺ ): قال الزركشي: بالنصب على الاختصاص، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف (٣) (٤).

стр. 1538

قلت: النصب بتقدير فعلتَ السنةَ (١)، أو أتيتَ، أو نحو (٢) ذلك، ولا وجهه لجعل هذا من الاختصاص، فتأمله. (فقال لي: أقم عندي): قال المهلب: إنما قال له أبن عباس ذلك؛ ليقص على الناس هذه الرؤيا المثبِتَةَ لحال التمتُّع (٣)، ففي هذا دليل على أن الرؤيا الصادقة شاهد على أمور اليقظة. وفيه نظر؛ لأن الرؤيا الحسنة من غير الأنبياء ينتفع بها للتأسيس (٤) والتأكيد، لا للتأسيس والتحديد، فلا يسوغ لأحد (٥) أن يسند فتياه إلى منام، ولا يتلقى من غير الأدلة الشرعية حكمًا من الأحكام. (وأجعل لك سهمًا من مالي): قال المهلب: فيه: أنه (٦) يجوز للعالم أخذُ الأجرة على العلم. وفيه نظر؛ إذ الظاهر أنه إنما عرض عليه ماله؛ رغبةٌ في الإحسان إليه؛ لما ظهر له من أن عمله (٧) متقبل، وحجه مبرور، وإنما يتقبل الله من المتقين، * * *

стр. 1539

٩٢٥ - (١٥٦٨) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً. فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً". فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟! فَقَالَ: "افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ". فَفَعَلُوا. (ولكنه لا يحِلُّ مني حرام): - بكسر الحاء - من يَحِلُّ؛ أي: لا يحلُّ مني شيء حَرُمَ عليَّ حتى أنحر الهدي. * * * باب: التمتُّع على عهد رسولِ الله ﷺ - ٩٢٦ - (١٥٧١) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ ﵁، قَالَ: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. (قال رجل برأيه ما شاء): يعني: عمر ﵁. * * *

стр. 1540

باب: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ٩٢٧ - (١٥٧٢) - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً، إِلَاّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ"، فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأتيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: "مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ". ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إِلَى أَمْصَارِكُمْ. الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسْكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَسَنَّهُ نبَيُّهُ ﷺ ، وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، أَوْ صَوْمٌ، وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ، وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي، وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ. (أبو معشر البراء (١)). بتشديد الراء.

стр. 1541

(عثمان بن غياث): بغين معجمة مكسورة فمثناة من تحت (١) فألف فثاء مثلثة. (فجمعوا نسْكين): بإسكان السين - تثنية نُسك - بإسكانها، وهي العبادة. * * * باب: الاغتسالِ عند دخولِ مكةَ ٩٢٨ - (١٥٧٣) - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا دَخَلَ أَدْنىَ الْحَرَمِ، أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَن نبَيَّ اللهِ ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. (ابن عُلَيَّة): [بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء] (٢). * * * باب: دُخُولِ مَكَّةَ نهارًا أَوْ لَيْلًا (باب: دخول مكة نهارًا وليلًا): ساق فيه حديث (٣) ابن عمر: أنه - عليه الصلاة السلام - باتَ بذي طُوًى حتى أصبحَ، ثم دخل مكة. قال (٤) ابن المنير: ترجم على الدخول نهارًا وليلًا (٥)، ولم يذكر إلا

стр. 1542

حديثًا يدل على الدخول نهارًا. وأجاب: بأنه أراد (١) أن يبين أنه (٢) مقصود (٣)، وأن الليل والنهار سواء، أو بنى على أن ذا طوى من مكة، وقد دخله عشية، وبات فيه (٤)، فدل على جواز الدخول ليلًا، وإذا (٥) جاز ليلًا، جاز نهارًا بطريق الأولى، وإنما نهى الرجلَ عن أن يطرق أهلَه من سفر ليلًا، وعلله في الحديث، وهذا غير ذاك. * * * باب: مِنْ أين يخرجُ مِنْ مَكَّةَ ٩٢٩ - (١٥٧٦) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءَ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. (من كَداء من الثنية العليا): قال القاضي: مفتوح الكاف ممدود، غيرُ منصرف؛ لتأنيثه والعلمية (٦)؛ جبلٌ بأعلى مكة، وأما كُديّ - بضم الكاف -، فمقصور منونٌ، وهو الجبل الذي بأسفل مكة (٧).

стр. 1543

٩٣٠ - (١٥٧٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدَيٍّ، وَأَكثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. (وأكثر ما يدخل من كداء): بضم الكاف والقصر للأصيلي، وبفتحها والمد لغيره (١). * * * ٩٣١ - (١٥٨١) - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ. وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَأَكثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. (وكان عروة يدخل منهما كلاهما (٢)): على لغة من أعربه بالحركات المقدرة على الألف في جميع الحالات. * * * باب: فَضلِ مَكةَ وبنيانِها ٩٣٢ - (١٥٨٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ

стр. 1544

عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: لَمَّا بُنيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: "أَرِنِي إِزَارِي"، فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. (يخر (١) إلى الأرض، فطمَحَتْ عيناه إلى السماء): قال ابن المنير: فيه دليل على أن النبي ﷺ كان متعبدًا قبل البعثة (٢) بالفروع التي بقيت محفوظة؛ كستر العورة؛ لأن سقوطه إلى الأرض عند سقوط الإزار قبل (٣) شده خشيةً من عدم الستر في تلك اللحظة. قلت: ورد ما يدفعه، فقد روى سِماكٌ في هذه القصة حديثًا فيه: "نُهِيتُ (٤) أَنْ أَمْشِيَ عُريانًا" (٥). وفي حديث آخر (٦) رواه الطبري (٧) في "التهذيب": "إِنّي لَمَعَ غِلْمَانٍ (٨)

стр. 1545

هُمْ أَسْنَانِي قَدْ جَعَلْنا (١) أُزْرَنَا عَلَى أَعْنَاقِنَا لِحِجَارَةٍ نَنْقُلُهَا، إِذْ لَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ (٢): اشْدُدْ عَلَيْكَ إِزَارَكَ" (٣). وعند السهيلي (٤) في (٥) خبر آخر: "لَمَّا سَقَطَ (٦)، ضَمَّهُ العَبَّاسُ إِلى نفسِه، وسألَه عن شأنه، فأخبره أَنَّه نُودِيَ من السماء: أَنِ (٧) اشْدُدْ عليكَ إزازكَ يا مُحَمَّدُ"، قال: وإنَّه (٨) لأولُ ما نودي (٩). ذكر ذلك مغلطاي في "شرح البخارى"، وفيه دلالة واضحة على أن استتاره لم يكن مستندًا إلى شرع متقدم، فتأمله. * * * ٩٣٣ - (١٥٨٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵃ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "ألمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْراهِيم؟ ".
следующие страницы →