← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

(عثمان بن غياث): بغين معجمة مكسورة فمثناة من تحت (١) فألف فثاء مثلثة. (فجمعوا نسْكين): بإسكان السين - تثنية نُسك - بإسكانها، وهي العبادة. * * * باب: الاغتسالِ عند دخولِ مكةَ ٩٢٨ - (١٥٧٣) - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا دَخَلَ أَدْنىَ الْحَرَمِ، أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَن نبَيَّ اللهِ ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. (ابن عُلَيَّة): [بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء] (٢). * * * باب: دُخُولِ مَكَّةَ نهارًا أَوْ لَيْلًا (باب: دخول مكة نهارًا وليلًا): ساق فيه حديث (٣) ابن عمر: أنه - عليه الصلاة السلام - باتَ بذي طُوًى حتى أصبحَ، ثم دخل مكة. قال (٤) ابن المنير: ترجم على الدخول نهارًا وليلًا (٥)، ولم يذكر إلا

стр. 1542

حديثًا يدل على الدخول نهارًا. وأجاب: بأنه أراد (١) أن يبين أنه (٢) مقصود (٣)، وأن الليل والنهار سواء، أو بنى على أن ذا طوى من مكة، وقد دخله عشية، وبات فيه (٤)، فدل على جواز الدخول ليلًا، وإذا (٥) جاز ليلًا، جاز نهارًا بطريق الأولى، وإنما نهى الرجلَ عن أن يطرق أهلَه من سفر ليلًا، وعلله في الحديث، وهذا غير ذاك. * * * باب: مِنْ أين يخرجُ مِنْ مَكَّةَ ٩٢٩ - (١٥٧٦) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءَ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. (من كَداء من الثنية العليا): قال القاضي: مفتوح الكاف ممدود، غيرُ منصرف؛ لتأنيثه والعلمية (٦)؛ جبلٌ بأعلى مكة، وأما كُديّ - بضم الكاف -، فمقصور منونٌ، وهو الجبل الذي بأسفل مكة (٧).

стр. 1543

٩٣٠ - (١٥٧٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدَيٍّ، وَأَكثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. (وأكثر ما يدخل من كداء): بضم الكاف والقصر للأصيلي، وبفتحها والمد لغيره (١). * * * ٩٣١ - (١٥٨١) - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ. وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَأَكثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. (وكان عروة يدخل منهما كلاهما (٢)): على لغة من أعربه بالحركات المقدرة على الألف في جميع الحالات. * * * باب: فَضلِ مَكةَ وبنيانِها ٩٣٢ - (١٥٨٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ

стр. 1544

عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: لَمَّا بُنيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: "أَرِنِي إِزَارِي"، فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. (يخر (١) إلى الأرض، فطمَحَتْ عيناه إلى السماء): قال ابن المنير: فيه دليل على أن النبي ﷺ كان متعبدًا قبل البعثة (٢) بالفروع التي بقيت محفوظة؛ كستر العورة؛ لأن سقوطه إلى الأرض عند سقوط الإزار قبل (٣) شده خشيةً من عدم الستر في تلك اللحظة. قلت: ورد ما يدفعه، فقد روى سِماكٌ في هذه القصة حديثًا فيه: "نُهِيتُ (٤) أَنْ أَمْشِيَ عُريانًا" (٥). وفي حديث آخر (٦) رواه الطبري (٧) في "التهذيب": "إِنّي لَمَعَ غِلْمَانٍ (٨)

стр. 1545

هُمْ أَسْنَانِي قَدْ جَعَلْنا (١) أُزْرَنَا عَلَى أَعْنَاقِنَا لِحِجَارَةٍ نَنْقُلُهَا، إِذْ لَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ (٢): اشْدُدْ عَلَيْكَ إِزَارَكَ" (٣). وعند السهيلي (٤) في (٥) خبر آخر: "لَمَّا سَقَطَ (٦)، ضَمَّهُ العَبَّاسُ إِلى نفسِه، وسألَه عن شأنه، فأخبره أَنَّه نُودِيَ من السماء: أَنِ (٧) اشْدُدْ عليكَ إزازكَ يا مُحَمَّدُ"، قال: وإنَّه (٨) لأولُ ما نودي (٩). ذكر ذلك مغلطاي في "شرح البخارى"، وفيه دلالة واضحة على أن استتاره لم يكن مستندًا إلى شرع متقدم، فتأمله. * * * ٩٣٣ - (١٥٨٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵃ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "ألمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْراهِيم؟ ".

стр. 1546

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَفَعَلْتُ". فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَاّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. (لولا حِدْثانُ قومِك بالكفر، لفعلت): فيه دليل على ارتكاب أيسرِ الضررين دفعًا لأكبرهما؛ لأن قصورَ البيت أيسرُ من افتتان طائفة من المسلمين، ورجوعِهم عن دينهم. (ترك (١) استسلامَ الركنينِ اللذينِ يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمَّ على قواعد إبراهيم): فيكون حينئذٍ الركنان اللذان يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما (٢) بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما (٣) النبي ﷺ . * * * ٩٣٤ - (١٥٨٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نعمْ". قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ

стр. 1547

شَاؤُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ". (عن الجَدْر): بجيم مفتوحة ودال ساكنة، وروي: "الجدار"، والمراد: جدار الحِجْر؛ لما فيه من أصول حائط البيت (١). (قصَّرت بهم النفقة): - بتشديد الصاد (٢) -؛ أي: لم يتسعوا لإتمام البيت لقصور النفقة، وقِلَّةِ ذاتِ يدهم. (فإن (٣) فعل ذلكِ قومكِ): بكسر الكاف فيهما (٤)؛ لأنه خطاب لعائشة ﵂. (ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا): يريد بني عبد الدار حَجَبَةَ البيت الذين يلون أمرَه وسدانته (٥). * * * ٩٣٥ - (١٥٨٥) - حَدَّثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثنا أَبُو أُسُامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا". قَالَ أَبو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفًا يَعْنِي: بَابًا.

стр. 1548

(وجعلَتْ له خلفًا): قال الزركشي: بفتح اللام وسكون التاء، يعني: إن جُعِل مسندًا (١) إلى ضمير المؤنث (٢)، فالتاء ساكنة؛ لأنها تاء التأنيث اللاحقة للفعل. ويروى بإسناده إلى ضمير المتكلم، فاللام ساكنة، والتاء مضمومة، وخَلْفًا - بخاء معجمة مفتوحة ولام ساكنة -؛ أي: بابًا من خلفه يقابلُ هذا البابَ الذي هو (٣) مقدم (٤). قلت: تفسير خلفًا بذلك وقع في متن البخاري، وعليه فيتعين كونُ جَعَلْتُ مسندًا إلى ضمير المتكلم، وهو النبي ﷺ ، لا إلى ضمير يعود إلى قريش كما قاله الزركشي أولًا، فتأمله. * * * ٩٣٦ - (١٥٨٦) - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ! لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَألزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ". فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ:

стр. 1549

وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإبِلِ. قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالَ: هَاهُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا. (يزيد بن رومان): يزيدُ: من الزيادة، ورُومان بضم الراء وفتح النون (١)، لا ينصرف. (لولا أن قومك حديثُ عهدٍ): قال الزركشي: كذا (٢) روي بالإضافة مع حذف الواو. قال (٣) المطرزي: وهو لحن، والصواب: "حديثو (٤) عهد" [بواو الجمع مع الإضافة (٥). قلت: لا لحن ولا خطأ، والروايةُ صواب، ويوجَّه] (٦) بنحو ما قالوه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] حيث قالوا: إن التقدير: ولا تكونوا (٧) أولَ فريقٍ كافر، أو فوجِ كافر، يعنون: أن مثل هذا

стр. 1550

من الألفاظ مفرد بحسب اللفظ، وجمعٌ بحسب المعنى، فيجوز لك (١) رعايةُ لفظه تارة، ومعناه أخرى، كيف شئت، فانقل ذلك إلى الحديث، تجده ظاهرًا لا خفاء بصوابه. (وقد رأيت أساسَ إبراهيم (٢)): قال ابن التين: لم يضبط أساس -بفتح الهمزة ولا بكسرها-، ويحتمل أن يكون بفتحها، ويكون واحدًا، وهو أصل البناء، كما قاله ابن فارس (٣). قلت: يعني: أن (٤) أساسًا ورد بفتح الهمزة، والمرادُ به الواحد كما قاله، وجمعه: أُسُسٌ، مثل: قَذال وقُذُل، وقد ورد (٥) بكسر الهمزة؛ جمعًا لإِسٍّ، مثل: عِسٍّ (٦) وعِساسٍ، ولم نجد من جهة الرواية ضبط هذه الكلمة كيف هو. (فحزرتُ): - بحاء مهملة فزاي فراء -؛ أي: قَدَّرْتُ. (من الحِجْر): بكسر الحاء وسكون الجيم. (ستة أذرع): - بالذال المعجمة -: جمعُ ذِراع. (أو نحوها): والسبب في كونه حرزَ ذلك، ولم يقطعْ به: أن المنقول أنه لم يكن حول البيت حائطٌ يحجر الحجر من سائر المسجد حتى حجرَهُ

стр. 1551

عمرُ (١) بالبنيان، ولم يبنه على الجَدْر (٢) الذي كان علامة أساس إبراهيم ﵊، بل (٣) زاد ووسَّعَ قطعًا للشك، وصار الجدْر في داخل التحجير، فلذلك حزر جريرٌ ولم يقطع، ثم الحِجْر هل هو من البيت قطعًا بالنسبة إلى [الطواف والصلاة جميعًا، أو بالنسبة إلى] (٤) الطواف فقط حتى لا يصح استقباله في الصلاة؟ فيه كلام للشافعية. ثم هنا مسألة مهمة ينبغي التنبيهُ عليها وقعت في رحلة الإمام العلامة الخطيب أبي عبد الله (٥) بن رُشَيد - بضم الراء وفتح الشين المعجمة -، وأنا أروي هذا الكتاب عن شيخنا قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون ﵀ إجازةً عن المحدِّث العلامة عبد المهيمن بن محمد بن عبد [الرحمن بن محمد بن محمد] (٦) [بن عبد] المهيمن الحضرمي إجازةً عن ابن رُشيد (٧) سماعًا، وأنا أورد كلامه في هذه المسألة برمته، وإن كان طويلًا؛ إيثارًا لحصول الفائدة. قال ﵀: اعلم أنه نشأ في الطواف مسألةٌ اللهُ أعلمُ بوقت نشأة الكلام فيها، وهو ما أحاط بالبيت ملتصقًا به أسفل الجدار ما بين الركنين

стр. 1552

اليمانيين، وهو الذي يسمى بالشاذروان، وكان بسيطًا، ثم زهق في هذا الوقت الأخير حتى صار كأنه مثلث احتياطًا فيما زعموا على الطائفين أن لا يفسدوا (١) طوافهم بكونهم إذا طافوا ماشين عليه حيث كان بسيطًا يكون طوافهم في جزء من البيت، وكان منتهاه إلى قريب من الركن، ولم يكن من هذه الزيادة الظاهرة تحت الحجر الأسود شيء (٢)، ثم زيدت بمقدار (٣) سائره في المدة الأخيرة. وهذا الاسم - أعني (٤): الشاذروان - لفظة عجمية، وهي بلسان الفرس بكسر الذال، ولا توجد هذه التسمية في حديث صحيح، ولا سقيم ولا عن أحد (٥) من السلف فيما علمت، ولا لها (٦) ذكر عند فقهاء المالكية المتقدمين والمتأخرين، إلا ما وقع في "الجواهر" لابن شاس، وتبعه أبو عمرو بن الحاجب (٧). و (٨) لا شك أن ذلك منقول من (٩) كتب الشافعية. وأقدمُ من ذكر ذلك منهم فيما وقعتُ عليه: المزني حسبما نقله صاحب

стр. 1553

"الشامل"، وذكره من أصحابنا القاضي أبو بكر بن العربي من غير تعرُّضٍ لبيان حكم، بل ذكر أنه شاهدها سنة تسع وثمانين وأربع مئة. قال: وقست خارجها والحِجْر والشاذروان. ولنرجع إلى الكلام في هذه المسالة، فنقول: انعقد إجماع المسلمين، قبل: طُرُوِّ هذا الاسم الفارسي على أن (١) البيت متمم على قواعد إبراهيم ﵇ من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي ﷺ دونَ الآخَرَين، وأن ابن الزبير لما نقضه وبناه إنما زاد (٢) فيه من جهة الحِجْر، وأقامه على الأسس الظاهرة التي عاينها العدولُ من الصحابة، وكبراء (٣) التابعين، وكذلك (٤) وقع الاتفاق على أن الحَجَّاج لما نقض البيت بأمر عبد الملك، لم ينقض إلا جهة الحِجْر خاصةً، وأقام قوسًا (٥) داخل الكعبة إلى ما كان عليه من الارتفاع، وأغلق الباب الغربي، وهو باقٍ مسدودٌ إلى الآن ظاهرٌ لكل أحد، وكان ابن الزبير فتح للبيت بابًا غربيًا، وترك الحجاج - أيضًا (٦) - ما زاده ابن الزبير من (٧) ارتفاع البيت على حاله، وليس للشاذروان في هذا العمل كله ذكر، ولنذكر كلام بعض أئمة الشافعية في ذلك،

стр. 1554

قال أبو نصر بن الصباغ الشافعي - محتجًا على أبي حنيفة ﵀ حيث قال في الركن اليماني: لا يُسْتَلَم (١)؛ لأنه لا يُقَبَّل، فلا يُستلم [كالركنين الآخرين -، قال ابن الصباغ: أما قياسهم على] (٢) الركنين الآخرين، فالجواب: أن الركن اليماني على قواعد إبراهيم ﵇؛ بخلاف الركن الآخر، فإنه لم يُبْنَ على قواعد [إبراهيم، فافترقا، فانظر كيف نصَّ (٣) ابنُ الصباغ في التفرقة بين اليمانيين وغيرهما: أن اليمانيين على قواعد] (٤) إبراهيم ﵇، فلو كان الشاذروان من البيت؛ لكان الركن الأسود داخلًا في البيت، ولم يكن متممًا (٥) على قواعد إبراهيم ﵇. [قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: الركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما: كونه بني على قواعد إبراهيم ﵊] (٦). والثانية: كونه فيه الحجر الأسود (٧). وأما اليماني: ففيه فضيلة واحدة: وهي كونه على قواعد إبراهيم (٨)،

стр. 1555

وأما الركنان الآخران، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خُصَّ (١) الحجرُ الأسود بشيئين: الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين (٢). وأما اليماني: فنستلمه ولا نقبله؛ لأن فيه فضيلةً واحدة، وأما الركنان الآخران: فلا يُقبلان ولا يُستلمان (٣). فهذا النووي صرح بأن اليمانيين متمَّمان على قواعد إبراهيم (٤)، فمن أين نشأ الشاذروان؟! قال القاضي عياض ﵀ في "الإكمال": وقوله: لم أر رسول الله ﷺ يمسح إلا (٥) الركنَ الأسودَ والذي يليه؛ لأن اليمانيين على أسس البيت، وركنان له، والآخَرَين بعضُ الحائط، وليسا بركنين صحيحين؛ لأن الحِجْر وراءهما، وما حُكي عن ابن الزبير من استلام الأربع، قال القابسي: لأنه كان بنى البيت على قواعده الأربع، وكانت أركانًا كلها. قال [القاضي: ولو بُني الآن على ما بناه ابن الزبير؛ لاستُلِمَتْ كلُّها كما فعل ابن الزبير (٦).

стр. 1556

وهذان الإمامان] (١) أبو الحسن القابسي، والقاضي عياض نصَّا على أن اليمانيين على قواعد إبراهيم ﵇. قال ابن رُشيد: وهذا عندي أمر لا يحتاج إلى نقل، والمشكِّك (٢) فيه كمن يشكِّك في قاعدة من قواعد الشريعة المعروفة عند جميع الأمة، واعلم أنه وقع في كلام أبي (٣) عمرو بن الصلاح الشافعي: أن قريشًا لما رفعوا الأساس بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض (٤) - وهو القدر الظاهر الآن من الشاذروان الأصلي قبل تزليقه - نقضوا عرضَ الجدار عن عرض الأساس الأول. وهذا الذي قاله لم يأت به حديث صحيح، ولا ورد من قول صاحبٍ يصحُّ سندُه، ولعل ذلك من نقل التأريخيين، ولو صحَّ هذا؛ لاشتُهر ونقُل، وهدمَ عبدُ الله بن الزبير الكعبة حتى بلغ بها الأرض، وأقامها (٥) على قواعد إبراهيم ﵇، وكونُ الحجاج لم يهدم مما بناه ابن الزبير إلا ناحيةَ الحِجْر؛ لكونه أدخلَه في البيت أمرٌ معلومٌ مقطوعٌ به، مجمَعٌ عليه، منقولٌ بالسند الصحيح في الكتب المعتمدة، لا يشك فيه أحد، فإذا ثبت هذا، فكيف يقال: إن هذا القدر الظاهر الآن مما نقضته قريش من عرض الجدار، وما (٦) بقي لبناء قريش أثر؟

стр. 1557

فالسهو والغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به، والعصمةُ للأنبياء ﵈ (١). والذي نقله أبو عُبيد في كتاب "المسالك والممالك": أن ابن الزبير لما هدم الكعبة، وألصقها كلَّها بالأرض من جوانبها جميعًا، وظهرت أُسُسُها، وأشهدَ الناسَ عليها، قال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم صنع البناء على الأساس (٢)، فهذا الذي تسميه (٣) الناس اليومَ الشاذروان اسمٌ حادث (٤) على شيء صُنع؛ ليُصان به الجدارُ خيفةَ إجحاف السيول. وذكر ابنُ عبدِ ربهِّ في كتاب "العقد" في صفة الكعبة ما فيه إشارة إلى أنه جعلَ حولَ البيت ما يقيه من السيول. وقال تقي الدين ابن تيمية (٥) في "منسكه الجديد (٦) ": وليس الشاذروان من البيت، بل جُعل عمادًا للبيت (٧). ومما يؤيد (٨) ذلك: أن داخل الحِجْر تحت حائط الكعبة شاذروانَ

стр. 1558

نظيرًا (١) للشاذوران (٢) الذي هو (٣) خارج البيت، ولم يقل أحد: إن هذا الذي في الحجر له حكمُ الشاذوران الخارج، ولا أنه عماد البيت، وأن الخارج (٤) شاذوران، فكونُ (٥) هذا الشاذوران مراعَى في الطواف لا دليلَ عليه، ومثلُ هذا لا يثبث إلا بالإجماع الصحيح المتواتر النقل، وقد ذكر أبو العباس، العُباب (٦) - أحدُ العلماء الأعلام بمدينة (٧) - فاس هذه المسألة في "شرحه لقواعد القاضي عياض"، واستبعد صحةَ ما حذروا منه في الشادروان. وقولُ بعض المتأخرين من الشافعية: "ينبغي أن يُتفطن لدقيقة" من العجب (٨)؛ فإن هذه الدقيقة كيف يمكن أن تغييب عن الصحابة والتابعين ومن بعدَهم هن أهل العلم، فلا (٩) يتنبَّهُ أحدٌ لها، مع تكرُّر الحج في كل عام؟! إن هذا لمن الأمر البعيد الذي لا تسكُنُ (١٠) إليه، نفسُ عاقل (١١)،

стр. 1559

والمصنَّفُ لا يحتاج إلى جميع ما ذكرناه من الإيضاح والبيان، والله أعلمُ (١) بالصواب (٢). * * * باب: فَضْلِ الْحَرَمِ وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]، وَقَوله - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]. (باب: فضل الحرم). ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]: تطرق جماعةٌ من الملحدة إلى الطعنِ في ذلك - والعياذ بالله - بقتلِ عبدِ الله بنِ الزبير وغيره ممن قُتل في الحرم، يشيرون (٣) إلى وقوع الخلف بزعمهم. قال (٤) القاضي أبو بكر الباقلاني: الخبر هنا مرادٌ به الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله ﵊: "مَنْ أَلْقَى سِلاحَهُ، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي

стр. 1560

سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ" (١)، إلى غير ذلك. قال ابن المنيِّر: والأوجَهُ في إبطال كلام الملحدة أن يُقال: إن الله تعالى خاطبَ العرب كما تَتخاطب، ولا شك أن لسانها يقتضي وصفَ المدنِ بأنها مآمِنُ، ووصفَ المَفَاوزِ بأنها مخاوفُ، ولا يُنْكِر هذا إلا (٢) متعنِّتٌ جاهل، ثم الأمرُ محمول فيه على الغالب (٣)، وإلا، فليس كل من كان بمدينة لا يهلك، ولا كلُّ من كان بمفازة هلك، فدل ذلك على أنهم يضيفون ذلك إلى الغلبة، ولا شك في الجاهلية وما تقدَّم عليها أن الحرمَ لم يزل متميزًا على غيره بمهابة تصد عن السَّفك فيه غالبًا، فهو بذلك (٤) كان في وصفه بالأمن، وحمل الكلام على الخبر أحسن، وهو الأصل. وأيضًا لو حمل على الأمر، لم يكن مزية؛ لأن السفك أينما كان باطل، فهو منهي عنه مطلقًا، في الحرم وغيره، وإن كان لحق؛ فالحكم عندنا أن يستوفي الحدود والحقوق (٥)، فأين المزية باعتبار الحكم إذن؟! وحملُ الأمر على حالة اختصَّ بها يومَ الفتح بعيدٌ؛ فإن أمان الفتح ما كان معروفًا بمكة؛ كمن أغلقَ عليه بابه، وكمن دخل دارَ فلان، ونحو ذلك، وأما من (٦) كان من الكفار في الطرقات والشِّعاب، فلم يكن حينئذٍ

стр. 1561

مؤمناً، والحرم أعمُّ من مكة بتناولهما، فظواهرُها إلى حدود معلومة، وسمي الحرمُ كلُّه مقامَ إبراهيم؛ لأن المقام فيه، هذا هو الأظهر، والله أعلم. * * * باب: تَوْريثُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا، وَأَنَّ النَّاسَ فِيْ مَسْجدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّة ٩٣٧ - (١٥٨٨) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِي بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ ". وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ ﵄ شَيْئاً؛ لأَنهمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآيَةَ. (باب: توريث دورِ مكة وبيعِها وشرائها). (أين تنزل في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟): قال السفاقسي في رواية ابن مِغْول: "غداً رَبعِ آبائك وأجدادك؟ ". وقال القرطبي: ظاهر هذه: أنها كانت مُلْكَه، يدل عليه قوله: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟ "، فأضافها إلى نفسه، فظاهرها الملك، فيحتمل أن

стр. 1562

عقيلاً تصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك. وقد فسر الداودي المراد بقوله: "وكان عقيلٌ ورثَ أبا طالب" إلى آخره؛ يعني: لاتفاقهما في الكفر حينئذٍ، ولم يرثه عليٌّ ولا جعفر؛ لإسلامهما؛ أي: ولو كانا وارثين، لنزل (١) ﵇ في دورهما، وكانت كأنها ملكه؛ إدلالاً عليهما؛ لعلمه بإيثارهما إياه على أنفسهما، فهذا وجهُ إضافةِ الرباع إليه على التقدير (٢). وقد اضطرب الناسُ في ملك دور مكة: قال ابن المنير: وسببه - والله أعلم - اختلافُ الأحكام الدالة، فثبت اختصاصُ قومٍ ببعض المواضع، والتصرفُ بإغلاق الأبواب، ونحو ذلك، وهو دليل الملك، وثبت منعُ إغلاقِ الأبواب في المواسمِ، وإباحتُها حينئذٍ بحيث لا يختص أحدٌ ألا بالسبق، وهذه علامة على (٣) عدم الملك، فيحتمل أن يقال: هي مملوكة، والتزام فتح الأبواب مواساة في اليوم؛ للضرورة، وهي بمثابة المضطر إلى أكل طعام الغير في المخمصة يلزمه أن يبيحه له، ولا يدل ذلك على عدم ملكه طعامه. ويحتمل أن يقال: هي مباحة في الأصل (٤)، والتخصيص إنما هو كما يعرض في المباحات؛ كالسابق إلى بقعة (٥) في المسجد تقدَّم فيها، ومعتادُ الجلوسِ بمكان منه كذلك، على خلاف فيه.

стр. 1563

قال: واحتجاج الطحاوي بجواز الأبنية فيها بخلاف عرفةَ، غيرُ مستقيم؛ لأن المقصود من عرفةَ ينافيه البنيان، وأما مكة، فمعدَّة للسكنى، فالبناء فيها من الأسباب المعينة على استيفاء الغرض منها. قال: لكن الأوجه بعد هذا: أنها مملوكة؛ إلحاقاً لهذا الطريق (١) بالغالب؛ لأنه إذا تعارضت فيه الدلالات، فإلحاقها بالأغلب يقوي أحدَ الطرفين؛ لأن الأرض كلها قابلةٌ للملك، ولا كراهة لمالك لبيعها - والله أعلم - لتعارض الأدلة فيها، واحتاط وغلَّب الكراهة، وظاهرُ الإضافة للملك فيما هو قابل له، لا الاختصاص خاصة. * * * باب: نزول النَّبيِّ ﷺ مكةَ ٩٣٨ - (١٥٨٩) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: "مَنْزِلُنَا غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ". (بخيف بني كنانة): هو المحصَّب، وقد فسر بذلك في المتن في الحديث الذي بعد هذا. (حيث تقاسموا على الكفر): أي: تحالفوا على الكفر، وهو (٢) تبرؤهم من بني هاشم وبني عبد المطلب، [وألا يقبلوا لهم صلحاً،

стр. 1564

ولا يدخلوا إليهم طعاماً، وكتبوا صحيفة بذلك، وعلقوها بالكعبة، فاشتد على بني هاشم وبني المطلب] (١) البلاء في الشعب الذي انحازوا إليه، فبعث الله الأَرضة على الصحيفة، فلحسَتْ كلَّ ما فيها من عهد وميثاق واسم الله تعالى، وبقي ما كان (٢) فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، فأطلعَ الله رسولَه على ذلك، فأخبرَ به عمَّه أبا طالب، فذهب عمه أبو طالب في عصابة من بني عبد (٣) المطلب حتى أتوا المسجد، فأخبر بما قاله النبي ﷺ ، وقال: إن كان الحديث كما تقول، فلا والله لا نسُلمه حتى نموت، وإن كان باطلاً، دفعنا إليكم صاحبكم، فقتلتم واستحييتم، فقالوا: رضينا، ففتحوا الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدق وقد أخبر بالحق، فسُقط في أيديهم. قال ابن المنير: وفي هذا دليل على إيجاب احترام أسماء الله تعالى، وإن كتبت في أثناء ما تجب إهانته كالتوراة والإنجيل بعد تحريفهما، فيجوز إحراقُهما وإتلافُهما، ولا يجوز إهانتُهما؛ لمكان تلك الأسماء؛ خلافاً لمن قال: يجوز الاستنجاء بهما؛ لأنهما باطل، وإنما هما (٤) باطل بما فيهما (٥) من التحريف، ولكن حرمة أسماء الله تعالى لا تتبدل على وجه (٦) ما.

стр. 1565

ألا ترى كيف أقام الله حرمةَ أسمائه بأن محاها، وأبقى ما عداها من الصحيفة، فلولا أن الأسماء متميزة عما هي فيه لحرمة، لما كان لتمييزها معنى، ولهذا يُمنع الكافر من كتب اللغة العربية؛ لما فيها من أسماء الله تعالى وآياته، وتلك حجةُ المازني حيث امتنع من إقراء كتاب سيبويه الكافرَ، وفيه دليل على احترام كتب التفاسير (١) بطريق الأولى؛ لأنها حق، ولكن لا يبلغ الأمر إلى إيجاب الطهارة لمسِّها، وإن كان الأولى ذلك، والله أعلم. * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧] الآيَةَ. (باب: قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ٣٥]): إلى آخره. * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ٩٣٩ - (١٥٩١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ

стр. 1566

ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ". (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة): يُخَرِّب - بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وكسرها -؛ من التخريب. والسويقتين: تثنية سُوَيْقَة، وهي تصغير ساق، والساقُ مؤنثة، ولذلك ألحق بها الهاء في التصغير، وفي سيقان الحبشة دقة (١)، فلذلك صغرها (٢). وإنما أدخلَ (٣) هذا الخبرَ تحت هذه الترجمة؛ ليبين أن الأمر المذكور مخصوصٌ بالزمن الذي شاء الله فيه الأمان، إذا شاء رفعه عند خروج ذي السويقتين، ثم إذا شاء أعاده. قال ابن المنير: وهذا يدل على أن البخاري ﵀ سبقَ إلى فهمه ما تأولنا عليه الآيةَ من حملها على الأمان المخصوص (٤) الغالب الذي لا ينافيه وجود خلافه في النادر (٥)، وقد تقدم قريباً. * * *

стр. 1567

باب: كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ (باب: كُسْوَة الكعبة): الكسوة: - بضم الكاف وكسرها -، ويجمع على (١) كُسًا. ٩٤٠ - (١٥٩٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَاّ قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا. (فقال): أي: عمر ﵁. (لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته): أي: ذهباً ولا فضة. قال الزركشي: وظن بعضهم أنه حلي الكعبة، وغلَّطه صاحب "المفهم": بأن ذلك محبَّس [كَحُصُرها] عليها وقناديلها، لا يجوز صرفه في غيرها، وإنما هو الكنز، وكأنه قصد ما يُهدى إليها خارجاً عما كانت تحتاج إليه مما يُنفق فيها، ولما افتتح النبي ﷺ مكة، تركه رعايةً لقلوب قريش، ثم بقي على ذلك في زمن الصديق وعمر، وقال: ولا أدري ما صنع به بعد ذلك، وينبغي أن يُبحث عنه (٢).

стр. 1568

فإن قلت: ما وجهُ تذكير الضمير من قوله: إلا قسمتُه، مع أن مرجعه مؤنث؟ قلت: ذَكَّرَه باعتبار المال. (قلت: إن صاحبيك لم يفعلا): يريد النبيَّ ﷺ ، وأبا بكر ﵁. (قال هما المرآن أقتدي بهما): وليس لكسوة الكعبة في هذا الحديث ذِكْر، فمن ثَمَّ (١) اعترض الإسماعيلي بسوق هذا الخبر في هذه الترجمة. قال ابن المنير: يحتمل أن يكون مقصودهُ التنبيهَ (٢) على أن كسوة الكعبة أمر مشروع وجمال؛ إعظاماً للإسلام، فالكسوةُ من هذا القبيل، ويحتمل أن يريد التنبيهَ (٣) على الكسوة وما يُصنع بها، وهل يجوز التصرفُ فيما عتق منها بالقسمة أو لا؟ فنبه على أنه موضع (٤) اجتهاد، وأن مقتضى رأي عمر ﵁ أن يقسم في المصالح، ويعارض رأيَه تركُ النبي ﷺ وأبي بكر القسمةَ، إلا أن التركَ ليس صريحاً في المنع. قال: والظاهر جوازُ قَسْمِ الكسوة العتيقة؛ إذ بقاؤها يعرض لإتلافها؛ بخلاف النقدين، وإذ لا جمال في كسوة مطوية عتيقة. ويؤخذ من قول عمر: أن صرف المال في المصالح؛ كالفقراء والمساكين آكدُ من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوةَ في هذه الأزمنة؛

стр. 1569

لأنسِ الناسِ بها أهمُّ: إذ الأمورُ المتقادمة تتأكدُ حرمتُها في النفوس. واستدلالُ من استدلَّ بترك النبي ﷺ أموالَ الكعبة وتوفيرها عن القسمة على إيجاب إبقاء الأجناس على ما سلب عليه، فيه نظر؛ لأنه إن كان المال المحبَّسُ على الكعبة عُني به الصرفُ في إقامة الكعبة بتقدير انهدامها - والعياذُ بالله -، فهذا ما لا يخطر بالبال؛ لأنا نعلم أن الذي يُهدي المال للكعبة لم يقصدْ ذلك، وإن كان هذا المال المحبَّسُ عليها أُريد بقاؤه لذاته، فهذا لا نظير له؛ فإن الأجناس إنما تراد لمنافعها، لا لذواتها، فلا يستدل بهذا الباب المستثنى على غيره، ألا ترى أنه لا يجوز أن يوقف داراً على أن تبقى ذاتُها غيرَ منتفَع بها؟ وإن كان المراد بالمال المذكور منفعةَ أهل الكعبة والحرم وسدنة (١) البيت، أو إرصاده لعامة المسلمين، فهذا لا يختلف في أن قسمَه على مستحقيه عملٌ بمقتضى الوفف، لا إبطالٌ له، فالحقُّ أن هذه الأموال أُريد بها بقاء ذواتها، أو تجمل الكعبة بها إقامة لأُبَّهة الإسلام، أو خرج عنها أصحابها على أن تبقى في الكعبة غير قاصدين لمعنى آخر. وعلى كل تقدير من هذه الثلاثة: فهو تحبيس لا نظيرَ له، فلا يُقاس عليه، وهذا هو الذي رجع إليه عمر ﵁. وعلى الجملة: فالمسألةُ اجتهادية، ومن هذه القاعدة الأموال التي تُهدى إلى المشاهد؛ كالشمع والزيت في قناديل الفضة التي يُعلم أنها لا يوقد فيها، يجري فيها هذا النوع من الاجتهاد، ويحتمل الخلاف.

стр. 1570

قلت: وقع لشيخنا الإمام أبي (١) عبد الله بن (٢) عرفة ﵀ في أواخر كتاب الأيمان والنذور في "مختصره" في الفقه ما نصه: ونُذر شيءٍ لميتٍ صالحٍ معظَّمٍ في نفس الناذر، [لا أعرف نصاً فيه، وروي (٣): إن قصدَ مجردَ كونِ الثواب للميت، تصدَّقَ به موضعَ الناذر] (٤)، وإن قصد الفقراء الملازمين لقبره، أو زاويته، تعين لهم إن أمكن وصولُه لهم، انتهى (٥). وبقي عليه ما لو أعلمنا نذرَه، وجهلْنا قصدَه، وتعذر استفسارُه، فعلى ماذا يحمل؟ والظاهر حمله على ما هو الغالب من أحوال الناس بموضع الناذر، والله أعلم. * * * باب: هَدْمِ الكعبةِ ٩٤١ - (١٥٩٥) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنسَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أبي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً".

стр. 1571

(كأني به أسودَ أَفْحَجَ): - بنصب كلٍّ من الموضعين على الحال -، والفَحَج: - بفاء فجيم - تباعُدُ ما بين الساقين، رجلٌ أَفْحَجُ، وامرأة فَحْجاءُ (١). (يقلعها حجراً حجراً): أي: يقلع الكعبة. فإن قلت: ما إعرابُ الألفاظ الواقعة في هذا التركيب، وهو قوله: "كأني به. . . " إلى آخره؟ قلت: هو نظير قولهم: كأنك بالدنيا لم تكن (٢)، وكأنك بالآخرة لم تزل (٣)، وكأنك بالليل قد أقبل (٤)، وفيه أعاريب مختلفة. قال بعض المحققين فيه (٥): الأولى أن نقول: "كأَنَّ" على معنى التشبيه، ولا يحكم بزيادة شيء، ونقول التقدير: كأنك تبصر بالدنيا (٦) وتشاهدها؛ من قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، والجملة بعد المجرور بالباء حال؛ أي: كأنك تبصر الدنيا وتشاهدها (٧) غيرَ كائنة. ألا ترى إلى قولهم: كأني بالليل وقد أقبل، وكأني بزيد وهو مالك، والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخباراً لهذه الحروف.

стр. 1572

قلت: ويؤيده ثبوتُ هذه الرواية بنصب أسودَ أفحجَ في الحديث، فالنصبُ على الحالية كما مر، و"يقلعها" في محل نصب على الصفة أو (١) الحال أيضاً. (عن ابن عباس (٢)): بباء موحدة. * * * باب: إغلاقِ البيتِ ٩٤٢ - (١٥٩٨) - حَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فتحُوا، كنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالاً، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُوديْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. (ولج): أي: دخل. (بين العمودين اليمانيين): فقوله في الترجمة: "ويصلي في أي نواحيه شاء" تنبيهٌ على أن (٣) صلاته بين العمودين ليست على معنى التحديد، وإنما هو اتفاق. * * *

стр. 1573

باب: مَنْ كبَّر في نواحي البيت ٩٤٣ - (١٦٠١) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! أَمَا وَاللَّهِ! قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ". فَدَخَلَ الْبَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. (في أيديهما الأزلام): هي القِداح التي كانوا يضربونها على الميسر، واحدها زَلمَ -بفتح الزاي وضمها-. (أم والله!): أصله: "أما" - بإثبات الألف -، لكنها حذفت تخفيفاً، وقد سمع، وهي حرف استفتاح. (لم يستقسما بها قَطُّ): - بفتح القاف وتشديد الطاء -، وفيه لغات أُخَر: مبني على الضم. قال الزركشي: ومعناه: أبداً (١). قلت: إنما هو ظرف (٢) لاستغراق ما مضى من الزمان، وأما أبد (٣)، فتستعمل في المستقبل؛ نحو: لا أفعله (٤) أبداً، نحو: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٥].

стр. 1574

(فدخل في البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصلِّ فيه): ساق البخاري هذا الحديث مبيناً به التكبيبر في نواحي البيت، ولم يثبت به معارضة الحديث المتقدم في الصلاة؛ لأن هذا نفى الصلاة، وذلك أثبتها، والمثبتُ أولى، وكذلك هذا - أيضاً - أثبتَ التكبيرَ في نواحيه، وسكتَ عنه الحديث الآخر، ولا تعارض بين السكوت والإثباث، فالجمعُ بينهما أن يكبر في نواحي البيت، ويصلِّي في أيها شاء. * * * باب: كيف كان بَدْءُ الرَّمَلِ ؟ ٩٤٤ - (١٦٠٢) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد - هُوَ ابْنُ زيدٍ -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَفْدٌ وَهَنَتْهُم حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلأَ الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. (يقدَم عليكم): - بفتح الدال -: مضارع قَدِم - بكسرها -: إذا ورد من سفره. (وفد): اسم جمع له واحد من لفظه، وهو وافِد (١)، مثل: صاحِب وصَحْب، وراكِب ورَكْب.

стр. 1575

(وَهنتهم): روي بتشديد الهاء؛ أي: أضعفَتْهم، وتخفيفها رباعياً وثلاثياً، وقال الفراء: يقال: وهنه الله، وأوهنه (١). (يثربَ): - بالفتح، غيرُ منصرف -: اسمُ المدينة في الجاهلية. (أن يرمُلوا) - بضم الميم -: مضارعُ رَمَل -بفتحها -: إذا مشى دون العَدْوِ، كذا في "المحكم" (٢). وقال الفراء: هو العَدْوُ الشديد. وفي "الجمهرة ": مشبهة بالهرولة (٣). وفي "الصحاح": الهرولة (٤). (أن يرملوا): أي: من أن يأمرهم (٥)، فحذف الجار إذ لا ليس، وهو قياس، وهو محل "أن" وصلتِها بعدَ حذفِه جر أو نصب، قولان. (الأشواط كلها): يحتمل أن يكون الأصل: "بأن يرملوا"، فحذفت (٦) الباء، فيأتي ما تقدم، ويحتمل أن لا يكون ثَمَّ حذفٌ أصلاً؛ لأنه يقال: أمرته بكذا، وأمرته كذا (٧)، والأشواط نصب على الظرف.

стр. 1576

(إلا الإبقاء): قال الزركشي: بالرفع، فاعل "لم يمنعه"، ويجوز النصب، على أنه مفعول لأجله، ويكون في "منعهم" ضميرٌ عائد إلى النبي ﷺ هو فاعله (١). قلت: تجويز النصب مبني على أن يكون في لفظ الحديث الواقع في البخاري "لم يمنعهم"، وليس كذلك، إنما فيه "لم يمنعه"، فرفعُ الإبقاء متعين؛ لأنه الفاعل، وهذا الذي قاله الزركشي، كلام وقع للقرطبي في "شرح مسلم"، وفي الحديث (٢): "ولم يمنعهم"، فجوَّز فيه الوجهين (٣)، وهو ظاهر، لكن نقله إلى ما في البخاري غيرُ متأتٍّ، فتأمله. والإبقاء: - بكسر الهمزة وبالباء الموحدة والمد - مصدرُ أَبقى عليه: إذا رَفَقَ به. وقال ابن المنير: وفيه (٤) لطيفة، وهي أن الأفعال لمَّا لم يكن لها صنع، جاز أن يستعمل منها ما يفهم الأمر على خلاف ما هو عليه، ولا يكون ذلك كالقول؛ فإن القول المحلف كذب، ولم يجوز النبي ﷺ لأصحابه أن يقولوا: ليس بهم حُمَّى، ولكن جوز لهم فعلاً يَفهم منه من لا يعلم الباطنَ أنهم ليسوا بهم حمى، وإن كان الفاهم مغالطاً في فهمه، دل ذلك لمصلحة إفحام الخصم المبطل في التعبير بما لا يسوغ التعبير به؛ لأن الحمى ليست (٥)

стр. 1577

عيباً ولا عاراً، بل هي كفارة وطهور، ولكن هم كانوا يفخرون إذا استشعروا (١) ضعف المسلمين، فحيل بينهم وبين ما يشتهون. قلت: هذا بناء على (٢) أن الصحابة ﵃ كانوا لما قدموا مكة محمومين (٣)، فلم يجوز النبي ﷺ أن يخبروا بأن لا حمى لهم؛ لئلا يكون ذلك كذباً، وأمرهم بالرمل ليوهم المشركين أنهم غير محمومين، ولا يكون في ارتكاب ذلك كذب، وهذا يحتاج إلى بينة تدل (٤) عليه، وليس في الحديث ما يقتضيه، ولعله ﵊ لم يأمرهم بأن يخبروا بأنهم (٥) ليس بهم حمى؛ لأن ذلك غير مفيد بالنسبة إلى المشركين؛ إذ يمكنهم التكذيبُ والمسارعة إليه على عادتهم وديدَنهم، فأمر الصحابة بأن يفعلوا فعلاً ممن وهنته الحمى، وهو الرمل؛ ليكون أقطعَ في تكذيب المشركين، وأبلغَ في نكايتهم، والله أعلم. * * * باب: استلامِ الحجرِ الأسودِ حين تقدَمُ مكةَ أولَ ما يطوفُ، يرمُلُ ثلاثاً ٩٤٥ - (١٦٠٣) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ

стр. 1578

يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبيهِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبع. (إذا استلم الركن الأسود): استلم (١) افْتَعَل؛ من السَّلام -بفتح السين-، وهو التحية، قاله الأزهري. أو من السِّلام - بكسرها -، وهي الحجارة؛ أي: لمسته، قاله ابن قتيبة (٢). وفي "الجامع": أنه استفعل (٣) من اللأمة (٤)، وهي الدرع؛ لأنه إذا لمسَ الحجرَ، يحصَّنُ من العذاب، كما يتحصن باللأمة (٥) من الأعداء (٦). فإن قلت: كأن القياس فيه على هذا أن يكون استلأم، لا استلم. قلت: يحتمل أن يكون خفف بنقل فتحة الهمزة إلى اللام الساكنة (٧) قبلها، ثم حذفت الهمزة ساكنة. (يَخُبُّ): - بخاء معجمة مضمومة -؛ أي يَرْمُل. قال الجوهري: والخَبَبُ: ضربٌ من العَدْو (٨).

стр. 1579

(من السَّبع): - بفتح السين -، وهو ظاهر، ويروى - أيضاً - بضمها. قال القاضي: والسُّبع؛ يعني: بضم السين، إنما هو جزءٌ من سبعة، والمعروفُ في اللغة أنك إذا جمعت (١)، أدخلت الواو، وهي جمع سبع؛ مثل: ضَرْب وضُروب (٢). * * * باب: الرَّمَلِ في الحجِّ والعُمرةِ ٩٤٦ - (١٦٠٤) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. (سريج بن النعمان): قال السفاقسي: بسين غير معجمة وبالجيم، وكذلك سريج ابن يونس، وما عداهما: بالحاء المهملة والشين المعجمة. * * * ٩٤٧ - (١٦٠٥) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أخبَرَيي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللَّهِ! إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ، مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ،

стр. 1580

ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ؟ إِنَّمَا كنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْركينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. (ما لنا والرَّمَل): -بفتح الميم -، وهو بالنصب؛ نحو: مالك وزيداً؟ وجواز الجر في مثله مذهب كوفي، ويروى بإعادة اللام: "ما لنا وللرمل؟ " (١). [(إنما كنا راءينا به المشركين): هو بالهمز: فاعَلْنا؛ من الرُّؤية؛ أي: أَريناهم بذلك] (٢) أنَّا أشداء، قاله القاضي (٣). وقال ابن مالك: معناه: أظهرنا لهم القوةَ ونحن ضعفاء، فجعل ذلك رياء؛ لأن المرائي يُظهر غيرَ ما هو عليه (٤). قلت: وهذا يعضد ما ذهب إليه ابن المنير فيما سبق، وفيه نظر إذا تأملت. قلت: وروي: "رايينا" -بياءين- حملاً له على رياء، والأصل: "راءى"، فقلبت الهمزة ياء لفتحها وكسر ما قبلها، وحمل الفعل على المصدر، وإن لم يوجد فيه الكسر؛ كما قالوا في آخيت: واخيت، حملاً على تواخي ومواخاة، والأصل: تآخي ومُؤاخاة، فقلبت الهمزة واواً لفتحها بعد ضمة (٥).
следующие страницы →