(إلا الإبقاء): قال الزركشي: بالرفع، فاعل "لم يمنعه"، ويجوز النصب، على أنه مفعول لأجله، ويكون في "منعهم" ضميرٌ عائد إلى النبي ﷺ هو فاعله (١).
قلت: تجويز النصب مبني على أن يكون في لفظ الحديث الواقع في البخاري "لم يمنعهم"، وليس كذلك، إنما فيه "لم يمنعه"، فرفعُ الإبقاء متعين؛ لأنه الفاعل، وهذا الذي قاله الزركشي، كلام وقع للقرطبي في "شرح مسلم"، وفي الحديث (٢): "ولم يمنعهم"، فجوَّز فيه الوجهين (٣)، وهو ظاهر، لكن نقله إلى ما في البخاري غيرُ متأتٍّ، فتأمله.
والإبقاء: - بكسر الهمزة وبالباء الموحدة والمد - مصدرُ أَبقى عليه: إذا رَفَقَ به.
وقال ابن المنير: وفيه (٤) لطيفة، وهي أن الأفعال لمَّا لم يكن لها صنع، جاز أن يستعمل منها ما يفهم الأمر على خلاف ما هو عليه، ولا يكون ذلك كالقول؛ فإن القول المحلف كذب، ولم يجوز النبي ﷺ لأصحابه أن يقولوا: ليس بهم حُمَّى، ولكن جوز لهم فعلاً يَفهم منه من لا يعلم الباطنَ أنهم ليسوا بهم حمى، وإن كان الفاهم مغالطاً في فهمه، دل ذلك لمصلحة إفحام الخصم المبطل في التعبير بما لا يسوغ التعبير به؛ لأن الحمى ليست (٥)
стр. 1577
عيباً ولا عاراً، بل هي كفارة وطهور، ولكن هم كانوا يفخرون إذا استشعروا (١) ضعف المسلمين، فحيل بينهم وبين ما يشتهون.
قلت: هذا بناء على (٢) أن الصحابة ﵃ كانوا لما قدموا مكة محمومين (٣)، فلم يجوز النبي ﷺ أن يخبروا بأن لا حمى لهم؛ لئلا يكون ذلك كذباً، وأمرهم بالرمل ليوهم المشركين أنهم غير محمومين، ولا يكون في ارتكاب ذلك كذب، وهذا يحتاج إلى بينة تدل (٤) عليه، وليس في الحديث ما يقتضيه، ولعله ﵊ لم يأمرهم بأن يخبروا بأنهم (٥) ليس بهم حمى؛ لأن ذلك غير مفيد بالنسبة إلى المشركين؛ إذ يمكنهم التكذيبُ والمسارعة إليه على عادتهم وديدَنهم، فأمر الصحابة بأن يفعلوا فعلاً ممن وهنته الحمى، وهو الرمل؛ ليكون أقطعَ في تكذيب المشركين، وأبلغَ في نكايتهم، والله أعلم.
* * *
باب: استلامِ الحجرِ الأسودِ حين تقدَمُ مكةَ أولَ ما يطوفُ، يرمُلُ ثلاثاً
٩٤٥ - (١٦٠٣) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ
стр. 1578
يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبيهِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبع.
(إذا استلم الركن الأسود): استلم (١) افْتَعَل؛ من السَّلام -بفتح السين-، وهو التحية، قاله الأزهري.
أو من السِّلام - بكسرها -، وهي الحجارة؛ أي: لمسته، قاله ابن قتيبة (٢).
وفي "الجامع": أنه استفعل (٣) من اللأمة (٤)، وهي الدرع؛ لأنه إذا لمسَ الحجرَ، يحصَّنُ من العذاب، كما يتحصن باللأمة (٥) من الأعداء (٦).
فإن قلت: كأن القياس فيه على هذا أن يكون استلأم، لا استلم.
قلت: يحتمل أن يكون خفف بنقل فتحة الهمزة إلى اللام الساكنة (٧) قبلها، ثم حذفت الهمزة ساكنة.
(يَخُبُّ): - بخاء معجمة مضمومة -؛ أي يَرْمُل.
قال الجوهري: والخَبَبُ: ضربٌ من العَدْو (٨).
стр. 1579
(من السَّبع): - بفتح السين -، وهو ظاهر، ويروى - أيضاً - بضمها.
قال القاضي: والسُّبع؛ يعني: بضم السين، إنما هو جزءٌ من سبعة، والمعروفُ في اللغة أنك إذا جمعت (١)، أدخلت الواو، وهي جمع سبع؛ مثل: ضَرْب وضُروب (٢).
* * *
باب: الرَّمَلِ في الحجِّ والعُمرةِ
٩٤٦ - (١٦٠٤) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
(سريج بن النعمان): قال السفاقسي: بسين غير معجمة وبالجيم، وكذلك سريج ابن يونس، وما عداهما: بالحاء المهملة والشين المعجمة.
* * *
٩٤٧ - (١٦٠٥) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أخبَرَيي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللَّهِ! إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ، مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ،
стр. 1580
ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ؟ إِنَّمَا كنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْركينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ.
(ما لنا والرَّمَل): -بفتح الميم -، وهو بالنصب؛ نحو: مالك وزيداً؟ وجواز الجر في مثله مذهب كوفي، ويروى بإعادة اللام: "ما لنا وللرمل؟ " (١).
[(إنما كنا راءينا به المشركين): هو بالهمز: فاعَلْنا؛ من الرُّؤية؛ أي: أَريناهم بذلك] (٢) أنَّا أشداء، قاله القاضي (٣).
وقال ابن مالك: معناه: أظهرنا لهم القوةَ ونحن ضعفاء، فجعل ذلك رياء؛ لأن المرائي يُظهر غيرَ ما هو عليه (٤).
قلت: وهذا يعضد ما ذهب إليه ابن المنير فيما سبق، وفيه نظر إذا تأملت.
قلت: وروي: "رايينا" -بياءين- حملاً له على رياء، والأصل: "راءى"، فقلبت الهمزة ياء لفتحها وكسر ما قبلها، وحمل الفعل على المصدر، وإن لم يوجد فيه الكسر؛ كما قالوا في آخيت: واخيت، حملاً على تواخي ومواخاة، والأصل: تآخي ومُؤاخاة، فقلبت الهمزة واواً لفتحها بعد ضمة (٥).
стр. 1581
٩٤٨ - (١٦٠٦) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ، مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا. قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لاِسْتِلَامِهِ.
(أكان ابن عمر يمشي بين الركنين؟ قال: إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه): قال الإسماعيلي: ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء. يريد: لأن الباب معقود للرَّمَل في الحج والعمرة، ولم يذكر الرمل في هذا الحديث أصلاً.
وأجيب: بأن قوله: إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه يدلُّ على أن الباقي من البيت كان بخلاف المشي، وهو الرمل.
* * *
باب: استلامِ الرُّكنِ بالمِحْجنِ
٩٤٩ - (١٦٠٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ.
(يستلم الركن بمحجن): قال الزركشي: أي: يصيبه السلم، وهي
стр. 1582
الحجارة، ويستلم: يفتعل منه، فالمعنى: أنه يومئ بمحجنه إلى الركن حتى يصيبه (١).
قلت: هو أحد المعاني المتقدمة.
والمِحْجَن - بميم مكسورة فحاء مهملة ساكنة فجيم مفتوحة فنون - عَصًا معوجَّة الرأس.
وفي "مجمع الغرائب"؟: شبيه الصولجان (٢).
* * *
باب: مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إلَاّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ
٩٥٠ - (١٦٠٨) - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبي الشَّعْثَاءِ: أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شيْئاً مِنَ الْبَيْتِ؟! وَكَانَ مُعَاويَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُوراً، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَسْتَلِمهُنَّ كُلَّهُنَّ.
(باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين).
(ومن يتقي من البيت شيئاً (٣)؟!): استفهام على جهة التوبيخ (٤)؛ أي: ينبغي لكل أحد أن لا يُبقي شيئاً من البيت.
стр. 1583
(وكان معاوية يستلم الأركان): أي: الأربعة، ولا يخص اليمانيين بالاستلام.
(فقال له ابن عباس: إنه لا يُستلم (١) هذان الركنان): أي: اللذان يليان الحِجْر؛ لأنهما لم يتما على قواعد إبراهيم ﵊، و"يُستلم": مبني للمفعول، و"هذان" نائب عن الفاعل، و"الركنان" صفة له.
وروي (٢) ببناء الفعل للفاعل (٣)، و"هذين الركنين" بالنصب، والضمير من قوله: "أنه" عائد على النبي ﷺ ، وكذا فاعل "لا يستلم" عائد عليه (٤) ﵊، وأما ضمير "أنه" على الأول، فضمير الشأن.
(فقال: ليس شيء من البيت مهجوراً): والبخاري ﵀ رجَّحَ اختصاص اليمانيين بالاستلام، فلهذا ترجم على اختصاصهما، وساق القولين المتعارضين عن الصحابة في التعميم والاختصاص، فنبه بالترجمة على أن [الاختصاص مرجَّح؛ لأن مستنده السنَّةُ، ومستند التعميم الرأيُ، وقياسُ بعضها على] (٥) بعض في التعظيم، وهو معنى قول معاوية ﵁: ليس شيء من البيت مهجوراً، وهذا يقال بموجبه: وليس ترك الاستلام
стр. 1584
هجراناً، وكيف يهجرها وهو يطوف بها؟ فحُجة (١) ابنِ عباس ﵄ أظهرُ.
(وكان ابن الزبير يستلمهن كلَّهن): لعله - والله أعلم - بعد هدمه للبيت، وبنائه على قواعد إبراهيم ﵇، وقد مر.
* * *
باب: تقبيلِ الحَجرِ
٩٥١ - (١٦١١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ، ويُقَبِّلُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ.
(عن الزُّبير): بضم الزاي بعدها باء موحدة على التصغير.
(ابن عربيٍّ): - بعين وراء مهملتين فباء موحدة فمثناة من تحت مشددة -، قال البخاري: هو بصري، والزبيرُ بنُ عَدِيٍّ - بالدال - كوفي (٢).
(أرأيت): بمعنى: أخبرني.
(إن زُحمت): بضم الزاي، بلا إشباع، ويروى بالواو.
стр. 1585
(أرأيت إن غُلِبْتُ؟): بغين معجمة (١) مضمومة، على البناء للمفعول.
فإن قلت: قد تقرر أنه لابد بعد أرأيت بمعنى أخبرني من استفهام نحو: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأنعام: ٤٧].
قلت: هو مقدر، والتقدير: هل لابد من استلامي له في هذه الحالة؟
(قال: اجعل أرأيت باليمن): هذا على جهة الإنكار على السائل؛ لأنه فهم عنه من كثرة السؤال التذرع إلى الترك، والتضجيع (٢) في الاحترام والتعظيم المطلوب شرعاً.
* * *
باب: مَنْ طَافَ بالبيتِ إذا قدِمَ مكةَ قبلَ أن يرجعَ إلى بيته، ثم صلَّى ركعتين، ثم خرجَ إلى الصَّفا
٩٥٢ - (١٦١٤ و ١٦١٥) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁، فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي: أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ، حَلُّوا.
стр. 1586
(أن توضأ وطاف): وفي نسخة: "أنه (١) توضأ وطاف"، وهو في محل رفع على أنه خبر "أن" من قولها: أن أول شيء بدأ به.
(ثم لم تكن عمرةً): - بالنصب على أنه خبر "كان" -، واسمها ضمير عائدٌ على الأفعال التي فعلَها حهين قدم من الطواف وغيره.
قال الزركشي: ويجوز الرفع على أن "كان" تامة (٢).
(ثم حججت مع ابن الزبير): يعني: أيامَ ابنِ أخيه الزبيرِ بنِ العوام.
ويروى: "مع أبي الزبير"؛ يعني: أباه هو، وهو (٣) الزبير بن العوام، وقيل: إنه الصواب (٤).
(وقد (٥) أخبرتني أمي: أنها أهلت هي وأختها): هذا مقول لعروة (٦)، وأمه أسماء، وأختها عائشة ﵂.
* * *
٩٥٣ - (١٦١٧) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ويَمْشِي أَرْبَعَةً،
стр. 1587
وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(يسعى بطن المسيل): أي: يسرع.
وبَطْنَ - منصوب على الظرف -، ولا شك أنه ظرف مكان مجرد، فليس نصبه على الظرفية بقياس، فهو مثل قوله:
كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
وقد تثبت كلمته في بعض النسخ، وهو ظاهر.
والمسيل: يعني: الوادي الذي بين الصفا والمروة.
(إذا طاف بين الصفا والمروة): يعني: سعى.
* * *
باب: طواف النساءِ مع الرِّجال
٩٥٤ - (١٦١٨) - وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا -، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ، أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْركْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ. وَأَبَتْ. وَكُنَّ يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّراتٍ بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ، قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ، وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ
стр. 1588
ابْنُ عُمَيْرٍ، وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ. قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكيَّهٍ لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعاً مُوَرَّداً.
(قال: إِيْ لعمري): - بكسر الهمزة وسكون الياء -: حرفُ جوابٍ بمعنى: نعم، لكن يشترط فيه أن يكون بعد الاستفهام، على رأي ابن الحاجب، وأن يكون سابقاً لقسم على رأي الجميع.
قال بعض المحققين: ولا يكون المقسم به بعدها إلا الرب، ولعمري.
وعلى الجملة: فقد توفرت الشرائط في الحديث.
(تطوف حَجْرةً): - بفتح الحاء وسكون الجيم وراء بعدها هاء تأنيث -؛ أي: ناحية محجورة من (١) الرجال، و"من" حينئذ بمعنى: "عن"؛ مثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وهو منصوب على الظرفية، ويروى بالزاي؛ أي: في ناحية محجوزة عن الرجال بحيث يُضرب بينهم وبينها حاجزٌ يسترها عنهم.
(وكنت آتي عائشة): قائل هذا عطاء.
(في جوف ثبير): - بمثلثة وموحدة -: جبل عند مكة معروف.
(في قبة): أي: خيمة (٢).
(تركية): قال ابن بطال: هي قبة صغيرة من لبود (٣).
стр. 1589
قال صاحب "المفهم": هي التي لها باب، ويعبر عنها بالخيمة (١).
(وما بيننا وبينها غيرُ ذلك): أي (٢): كانت محجوبة عنا بهذه (٣) الخيمة.
(دِرْعاً): - بدال مهملة مكسورة فراء ساكنة فعين مهملة -:هو القميص، وهو مذكَّر، ويجمع على أَدْرُع؛ بخلاف درع الحديد؛ فإنها مؤنثة.
وحكى أبو عبيدة أنها تذكر وتؤنث، وجمعُها في القلة (٤) أَدرُع وأَدْراع، وفي الكثرهّ دُروع، كذا في "الصحاح" (٥).
(مورَّداً): أي: أحمر.
* * *
باب: الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ
٩٥٥ - (١٦٢٠) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ: أَنَّ طَاوُساً أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ
стр. 1590
رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ، أَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ , فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "قُدْهُ بِيَدِهِ".
(باب: الكلام في الطواف).
(مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بسيرٍ): في "أسد الغابة" بشير أخو خليفة (١)، له صحبة، عداده في أهل البصرة، تفرد بالرواية عنه ابنه خليفة: أنه أسلم، فردَّ النبي ﷺ مالَه وولدَه، ثم لقيه النبي ﷺ ، فرآه هو وابنه مقرونين، فقال: "ما هذا يا بشير؟ "، قال: حلفتُ لئن رد الله مالي وولدي، لأحجَّنَّ البيت مقروناً، فأخذ النبي ﷺ الحبل (٢) فقطعه، وقال لهما: "حُجَّا، هذا من (٣) الشيطان" أخرجه ابن منده، وأبو نعيم، وقال ابن منده: هذا حديث غريب (٤).
فيحتمل أن يفسر الإنسانان المبهمان في البخاري ببشر (٥) وابنه خليفةَ المذكورين.
(ثم قال: قدهُ بيده): قال الزركشي: وليس في هذا الحديث التصريحُ بكلام آخر (٦) كما ترجم عليه، وقوله: "ثم قال" إنما هو مجاز،
стр. 1591
وقد شاع في كلامهم إجراءُ (قال) مجرى (فَعَلَ).
قلت: هذا غلط؛ لأنه صرف اللفظ عن الحقيقة وهي الأصل بلا قرينة، وأين القرينة وقد سلط القول على كلام ينطق به، وهو قوله: "قده بيده"، وكأنه ظن أنه (١) مثل قوله فقال: "قده (٢) بيده"، هكذا، وفرق أصابعه، وليس كذلك؛ لوجود القرينة هنا دون ما تقدم.
ثم قال: نعم روى ابنُ جريح، عن سليمان (٣) الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ مر وهو يطوف بالبيت بإنسان يقود إنساناً بخزام في أنفه، فقطعه عليه، وأمره أن يقوده بيده (٤)(٥).
قلت: وإذا فتح الباب الذي فتحه، فليس في هذا تصريح بالكلام، إذ يجوز أن يكون قطع الخزام، وجعل يد المقود في يد القائد، ففهم من ذلك الفعل أنه أمره أن يقوده بيده، ولم يكن ثم لقوله صريح في ذلك، فتأمله.
* * *
باب: لا يطوفُ بالبيت عُريان، ولا يحجُّ مشرك
٩٥٦ - (١٦٢٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ:
стр. 1592
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: "أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
(أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أَمَّره عليها (١) رسول الله ﷺ ): قال ابن المنير: الصحيح أن حجة أبي بكر لم تكن حجة الإسلام، إنما كان المقصود منها التمهيد لما سيأتي، والتقدير لما يكون في المستقبل.
وقيل: إنها كانت في ذي القعدة، ذكره ابن أبي زيد، وصوب أصحابنا في ذلك، واستبعدوا (٢) أن يتقدم أحد في قاعدة من قواعد (٣) الإسلام يقيمها الله على يديه قبل نبيه ﵊، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] في حجة الوداع يدل على أن الحج لم يقم في الإسلام إلا حينئذ، والله أعلم.
(يؤذن أَنْ: لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت عريان): قال الزركشي: بنصب "يحج"، ويجوز رفعه على أن (٤) "أَنْ" مخففة من الثقيلة (٥)؛ أي: الأمر والشأن لا يحجُّ، "ولا يطوفُ" عطف عليه، ويجوز أن
стр. 1593
يكون "لا يحج" نهياً، وحينئذ يكون: "ولا يطوَّف" - بتشديد الواو - وبجزم الفاء عطفاً عليه (١).
قلت: لم يتحرر لي هل الرواياتُ موافقة لما ذكره، أولا، ولا أدري هل قصد ذكر ما يجوز [في هذا التركيب من الإعراب، مع قطع النظر عن الرواية، أو لا؟
وإذا كانت المقصود ذكر ما يجوز] (٢)، فتحرير (٣) القول فيه أن يقول: يجوز في "أَنْ" أن تكون الناصبة، أو (٤) المخففة من الثقيلة، أو التفسيرية، فإن كانت الناصبة، فـ "لا" نافية خاصة، و"يحتجَّ" منصوب، وكذا "يطوفَ" معطوف عليه، [وإن كانت المخففة، فلا نافية، ويحجَّ" مرفوع، ويطوف كذلك مرفوع بالعطف عليه] (٥)، وإن كانت تفسيرية، فـ "لا" يحتمل أن تكون نافية وناهية، وعلى كونها نافية، فرفعُ الفعلين كما سبق، وعلى كونها ناهية، فتحجَّ مجزوم قطعاً، لكن يجوز تحريكُ آخره بالفتح كغيره من المضاعف (٦)؛ نحو: لا تَسُبَّ فلاناً - بالفتح -، ولك الضمُّ فيه إتباعاً، ويطوف حينئذ يجب جزمه (٧) بالعطف، ولابد من تشديد الطاء والواو معاً، لكن الشأن في الرواية، فينبغي السعيُ في تحريرها، وأنا أعتذر بقلة الكتب
стр. 1594
في بلاد الغربة، وعدم من يتأهل من أهل القطر (١) اليمني للمراجعة في ذلك، وإفراط العجلة المفضية للرحلة من هذا البلاء (٢)، ويسر الله ذلك، وأصحبنا لظنه الجميل ذهاباً وغياباً في خير وسلامة.
* * *
باب: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكعَتَيْنِ
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ: تُجْزِئُهُ الْمَكْتُوبَةُ مِنْ ركْعَتَيِ الطَّوَافِ. فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ سُبُوعاً قَطُّ إِلَاّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
(لسُبوعه ركعتين): - بضم السين -، وقد سبق نقلاً عن القاضي، قيل (٣): وهذه لغة قليلة، والأكثرُ أسبوعٌ.
قال الزركشي: وكلام ابن الأثير يقتضي أنه - بضم السين -؛ فإنه قال: قيل: هو جمع سُبعْ، أو سَبعْ؛ كبُرْد وبرود (٤)، وضَرْب وضُروب (٥)، قال الزركشي: وقد وقع في "حاشية الصحاح" مضبوطاً بفتح السين (٦).
стр. 1595
(لم يطف النبي ﷺ أسبوعاً (١) قط إلا صلَّى ركعتين): الظاهر أن الجملة الواقعة بعد "إلا" حالية، فانظر توجيه ذلك.
قال ابن المنير: وساق البخاري هذا (٢) في ترجمة الوقوف في الطواف تنبيهاً (٣) على أن الوقوف غيرُ مشروع؛ لأنه ﵇ كان يصلُ طوافه بصلاته، والوقوفُ لا يسمى طوافاً، فإذا كان النبي ﷺ لا يفرق بين الصلاة والطواف، وهما نوعان، فكيف يفرق بين أجزاء الطواف بالوقوف؟
* * *
٩٥٧ - (١٦٢٤) - قَالَ: وَسَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، فَقَالَ: لَا يَقْرَبِ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(فقال: لا يقرب امرأته): "لا" ناهية، و"يقرب": بفتح الياء وضم الراء، وكسر الباء لالتقاء الساكنين.
* * *
باب: مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ، وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّلِ
(باب: من لم يقرب الكعبة، ولم يطف): أي: طوافاً آخر تطوعاً بعدَ طواف القدوم، ومشى على مذهب الإمام مالك ﵁ في
стр. 1596
أنه لا يتنفَّل بطواف بعد طواف القدوم حتى يُتم حجَّه (١).
* * *
باب: الطَّوافِ بعد الصُّبح والعصرِ
٩٥٨ - (١٦٣٠) - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ -، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيع، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَطُوفُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكعَتَيْنِ.
(عَبِيدة بن حميد): بفتح العين وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة من تحت وبدال مهملة بعدها هاء تأنيث، وحُميد على التصغير.
(ابن رُفَيعْ): براء مضمومة ففاء مفتوحة فياء تصغير فعين مهملة.
* * *
باب: المريضِ يطوفُ راكباً
٩٥٩ - (١٦٣٢) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَهْوَ عَلَى بَعِيرٍ، كلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ.
(ثنا خالد، عن خالد الحذاء): الأول هو: خالدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الرحمنِ بن يزيدَ (٢).
стр. 1597
باب: سقايةِ الحاجِّ
٩٦٠ - (١٦٣٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ! اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: "اسْقِنِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: "اسْقِنِي". فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: "اعْمَلُوا، فَإِنَّكمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ - ثُمَّ قَالَ - لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا، لنزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذه". - يَعْنِي: عَاتِقَهُ - وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ.
(فقال: اسقني، قال: يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه): فيه دليل على أن الأصل الطهارة والنظافة حتى يُتحقق، أو يُظن ما يخالف الأصل.
وفيه دليل على أن غسل اليد قبل إدخالها الإناءَ في الوضوء تعبُّد؛ لأنه لو كان لاحتمال مخالطة ما على الأيدي من وسخ أو نجس لماء الوضوء، لاطَّرد في كل حالٍ مساويةٍ لحال الوضوء، فكان يتحرز من الشراب الذي غُمست (١) فيه الأيدي بعين ذلك المعنى، فلمَّا لم يشرع التحري هنا، علم أن الغسل هناك تعبد (٢)؛ لأن الفرق بين المتماثلات هو التعبد بعينه (٣)، وهو قولُ ابن القاسم؛ خلافاً لأشهب. كذا قال ابن المنير، وفيه نظر.
стр. 1598
(ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلْتُ): فيه إشعارة أنه لو فعل، لاقتدى به الأئمةُ في مباشرة السقاية، فيذهب فخرُ بني العباس بالخصوصية.
وفي (١) ذلك دليل على أن النبي ﷺ علم أن الناس يعتقدون في أفعاله أنها قُرْبة، وأقرَّهم على ذلك.
وفي هذا الحديث - أيضاً - دليل على أن السقايات العامة؛ كالصهاريج والآبار يتناول منها الغني والفقير، إلا أن ينص على إخراج الغني؛ لأن النبي ﷺ يتناول من ذلك الشراب العام، وهو لا يحل له الصدقة، فيحمل الأمر في هذه السقايات على أنها موقوفة للنفع (٢) العام، فهي للغني هدية، وللفقير صدقة.
* * *
باب: ما جاءَ في زمزمَ
٩٦١ - (١٦٣٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ -: أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ: مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَاّ عَلَى بَعِيرٍ.
(سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم): صرح المهلب: بأن شرب ماء زمزم من سنن الحج، ولا يعرف هذا في مذهب مالك، نعم
стр. 1599
هو (١) من شعائر الإسلام في الجملة.
قال ابن المنير: وكأنه عنوان على حسن العهد، وكمال الشوق؛ فإن العرب اعتادت الحنين إلى مناهل الأحبة، وموارد أهل المودة، وزمزم هو منهل البيت، فالمخترف إليها، والمتعطش إليها قد قام بشعائر (٢) المحبة، وأحسنَ العهد للمحبة، ولهذا جُعل التضَلُّعُ منها علامة فارقة بين الإيمان والنفاق.
ولله در القائل:
وما شَرَقي بِالماءِ إِلَاّ تَفَكُّراً ... بِماءٍ بِهِ أَهْلُ الحَبِيبِ نُزُولُ
وقال الآخر (٣):
يَقُولُونَ مِلْحٌ ماءُ فَلْجَةَ آجِنٌ. . . أَجَلْ هُوَ مَمْلُوحٌ إِلَى القَلْبِ طَيِّبُ
* * *
باب: طَوَاف القارنِ
٩٦٢ - (١٦٣٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهِلَّ
стр. 1600
بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا". فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا، أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ : "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً.
(وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، طافوا طوافاً واحداً): فيه حذفُ الفاء من جواب "أَمَّا"، وخصه بعضهم بالضرورة، وخالف في ذلك ابنُ مالك مستنداً (١) إلى هذا الحديث، وأحاديث أخر مثلِه على عادته في الاستدلال على الأحكام النحوية بالألفاظ الحديثية، وفيه كلام قررناه في "حاشية المغني"، فليراجَع من هناك.
وفي الحديث دليل على أن القارِنَ يجزئه طوافٌ واحد، وهو مذهبُ مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة، وكذا يجزئه عندهم سعيٌ واحد.
وقال أبو حنيفة وجماعة: على القارن طوافان وسعيان.
قال ابن القصار: وهو ينتقض بالخلاف.
ورده ابن المنير بأنه معارض بقياسه على الأحكام، فقول من قال: إحرام واحد يجزئ عنهما لا يتحقق, لأنه لا يكون حتى يحرم بالحج والعمرة؛ أي: يقصدهما معاً، ومتى كانا منويين، لزم أن يتعلق بكل منهما؛ لأن قصد العبد يتعدد بتعدد المقصود كما أن علمه يتعدد بحسب المعلوم، وقد تقرر أنه لا يجوز تعلق (٢) علم حادث بمعلومين، فإذن لابد من تعدد الإحرام، فالمسلكُ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلَاّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ، كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كنَّا نطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ، ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
(فوالله! ما على أحد جُناحٌ أن يطوف بالصفا والمروة): هذا من كلام عروة ﵁، وذلك أنه رأى دلالة الآية على إباحة السعي، لا وجوبه.
ووجهُ الاحتجاج: أنه اقتصر في الآية على رفع الإثم والسعي، فلو كان واجباً، لما اكتفى بذلك، بل كان بذكر أخص منه، وهو إثبات الآخر (١)، فإذا كان للحقيقة اعتباران: أحدهما: عام يشملها وغيرها.
والآخر: خاصٌّ بها، فالبلاغة أن يعبر عنها بما هو خاصُّ بها، كذا قال ابن المنير (٢).
стр. 1604
(لو (١) كانت كما أولتها عليه, كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف): هذا من بديع فقه عائشة ﵂، وذلك أن النص على الوجوب أن يقال (٢): فلا جناح عليه أن لا يطوف؛ لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف بهما، وحيث لم يقل ذلك، ووردت الآية على ما هي عليه، لم يكن نصاً على انتفاء الوجوب، ثم بينت له ﵂ أن الاقتصار هنا على نفي الإثم له سبب خاص، وهو أنهم توقعوا الإثم، فجاء الكلام منطبقاً على سؤالهم، فقيل فيه: لا إثم فيه؛ خلافاً (٣) لما توقعتموه، ثم لم ترد عائشة الاكتفاء في إيجاب الإثبات بما ذكرته، وإنما أرادت (٤) نفي دلالة الآية على كونه مباحاً (٥).
(لمناةَ الطاغيةِ): مناة عَلَمٌ على (٦) صنم كان نصبه عَمْرُو بنْ لُحَي (٧) بالمُشَلَّلِ مما يلي قُديداً فتُجَرُّ بالفتحة؛ لأنه لا ينصرف، والطاغيةِ صفةٌ له.
قال الزركشي: ولو روي بكسر الهاء والإضافةِ، لجاز، ويكون الطاغية صفة للفرقة الكفار (٨).
стр. 1605
(عند المُشَلَّل): - بميم مضمومة فشين معجمة مفتوحة فلام مشددة مفتوحة فلام مخففة -: هو الجبل الذي يُهبط منه إلى قُدَيد من ناحية البحر.
وقال البكري: هو ثنيةٌ مشرفةٌ على قُدَيْد (١).
وقال ابن التين (٢): هي عند الجُحْفَة (٣).
(مَنْ أَهَلَّ يتحرَّج): أي: يخافُ الحرجَ والإثم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام في تلك البقعة، فتحرجوا أن يتخذوها متعبَّداً لله تعالى.
* * *
باب: ما جاء في السَّعي بين الصَّفا والمروةِ
٩٦٦ - (١٦٤٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ لأَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
(قلت لأَنَسٍ: أكنتم تكرهون السعيَ بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية): قال الطحاوي: وقد كان ما سواهما من الوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف بالبيت من شعائر الحج في الإسلام.
بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَهِ! تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟! فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
(لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت): فيه استعمال "لو" في بعض المواضع، وإن كان قد ورد فيها ما يقتضي خلاف ذلك، وهو قوله ﷺ : "فإنَّ لَوْ تفتح عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (١).
قال ابن دقيق العيد في الجمع بينهما: إن كراهتها في استعمالها في التلهُّف على أمور الدنيا، إما طالباً؛ كما يقال: لو فعلتُ كذا، حصلَ لي كذا، وإما هرباً؛ كقوله: لو كان كذا وكذا، لما في ذلك من صورةِ عدم التوكل، ونسبة الأفعال إلى القضاء والقدر، وأما على القربات؛ كما في هذا الحديث، فلا كراهة (٢).
* * *
٩٦٩ - (١٦٥٢) - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتِ امْرَأةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ أَنْ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. فَسَأَلَتْ أختِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا،
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْج لاِبْنِ عُمَرَ ﵄: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهِل أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ فَقَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
(فأحللنا حتى كان يوم التروية): وهو ثامنُ ذي الحجة، سُمي به؛ لأنهم كانوا يَرْوون فيه من الماء لما بعدها؛ أي: يسقون ويستقون، وقيل: لأن الأيام تروى فيه الناس من أمر المناسك.
(وجعلنا مكة بظهر): أي: خلف ظهرنا.
(ولم تهل أنت حتى يوم التروية): بجرَّ اليوم بـ "حتى" التي بمعنى: إلى.
* * *
باب: الصَّلاةِ بمِنى
٩٧٠ - (١٦٥٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيِّ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ، وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ.
(أبو إسحاق الهَمْداني): بميم ساكنة ودال مهملة.
(صلَّى بنا النبيُّ ﷺ ونحن أكثرُ ما كنا قَطُّ وآمَنُه بمنًى ركعتين): فيه استعمال قَطُّ غيرَ مسبوقة بنفي، قال ابن مالك: وهو مما خفي على كثير من النحويين؛ لأن المعهود استعمالُها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي، ولما في الحديث نظائر.
стр. 1610
قال ابن المنير: السرُّ في القَصْر في هذه المواضع المتقاربة: إظهارُ الله تعالى تفضُّلَه على عباده؛ حيث اعتد لهم بالحركة القريبة اعتدادَه بالسفر البعيد، فجعل الوافدينَ من عرفة إلى مكة (١) كأنهم سافروا إليها ثلاثةَ أسفار: سفراً إلى المزدلفة، ولهذا يقصر أهل عرفة بالمزدلفة، وسفراً إلى منى، ولهذا يقصر أهل المزدلفة بمنى، وسفراً إلى مكة، ولهذا يقصر أهل مكة بمنى، فهي على قربها من عرفة معدودةٌ بثلاث مسافات، فكل مسافة منها سفر طويل، وسر ذلك - والله أعلم -: أنهم وفد كلهم، وأن البعيد كالقريب في إسباغ الفضل.
* * *
٩٧١ - (١٦٥٧) - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ركْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبي بَكْرٍ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
(فيا ليت حظي من أربع ركعات): معناه (٢): فأنا أُتِمُّ متابعة لعثمان ﵁، وليت الله قَبِل من أربع ركعات ركعتين، وقد سبق.
* * *
الحاء المهملة -: هو ابن يوسفَ الثقفيُّ.
(فخرج وعليه مِلْحَفة): - بميم مكسورة -، وهي الإزار الكبير.
(معصفرة): أي: مصبوغة بالعصفر.
قال الطحاوي: وفي خروج الحجاج وهو محرمٌ وعليه ملحفةٌ معصفرة، ولم ينكر عليه ذلك ابن عمر، حجةٌ لمن أجاز المعصفر.
قال ابن المنير: أيُّ منكر اتقاه الحجاج حتى يتقيَ المعصفر؟! وإنما لم ينهه ابن عمر ﵄؛ لأنه علم أن الناس لا يعتقدون في الحجاج ما يقتضي عندهم أن يقتدوا به، فاقتصر منكره عليه، ولم يتجاوزه إلى غير ذلك، ثم كان غيرَ أهلٍ لأَنْ يُنكر عليه في ذاته؛ لكثرة منكراته.
قلت: كثرة المنكرات لا تُسْقِطُ بوجهٍ الإنكارَ بطريقه.
(وقال: الرواح): - منصوب بفعل مضمر -؛ أي: عَجَّل عجل الرواح.
(قال: فأَنْظِرني): - بهمزة قطع وطاء مكسورة -؛ من الإنظار، وفي نسخة: "فانظُرني (١) " - بهمزة وصل وظاء مضمومة (٢) -؛ من نظرته: إذا أنظرته، وكلاهما وارد في القرآن.
(فقلت: إن كنت تريد السنة، فاقْصُر الخطبة): قائل هذا هو سالم بنُ عبد الله بن عمر، واقصُر: بهمزة وصل وصاد مضمومة.
(فجعل ينظر إلى عبد الله): أي: فجعل الحجاجُ ينظر إلى عبد الله بن
стр. 1613
عمر؛ كأنه يستدعي معرفة ما عنده فيما قاله سالم، هل هو كذلك، أولا (١)؟
(فلما رأى ذلك عبدُ الله، قال: صدق): قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه من جواز تأمير الأدْوَنِ على الأفضل.
وفيه: أن إقامة الحج إلى الخلفاء، أو من جعلوا ذلك إليه.
وفيه: أن الأمير يجب أن يعمل بما يقوله أهل العلم.
وفيه: مداخلة (٢) العلماء للسلاطين، وغيره.
وفيه: ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يُسأل.
وفيه: الفهم بالإشارة والنظر.
وفيه: أن اتباعَ أفعال النبي ﷺ هي السنة، وإن كان في المسألة أوجه جائزة (٣) وغيرها.
قال ابن المنير: [قوله]: فيه جوازُ تأمير الأدون على الأفضل: غلطٌ بَيِّنٌ؛ فإن صاحب الأمر في هذا هو عبدُ الملك بن مروان، وليس بحجة، ولاسيما في تأميره [للحجاج, وأما الحجاج بن عمر بحيث التفاضل (٤)، ولا يقول أحد من المسلمين: إن تولية مثل الحجاج جائزة] (٥) على أحد من
стр. 1614
المسلمين، بل ولا (١) من الكافرين، وإذا وصل الاحتجاج إلى ولاية الحجاج، فذلك العجزُ بعينه.
قال: وكذلك قوله: وفيه (٢): ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يُسأل: ليس بانتزاع مستقيم؛ لأن كلام ابن عمر هاهنا ليس على معنى الفتوى، ولكن على معنى الولاية؛ لأن عبد الملك وَلَاّه على ذلك، وأمر الحجاجَ أن يكون في إقامة المناسك تحتَ أمره.
قلت: لم يرد المهلب بابتداء العالم بالفتوى إلا لأن سالم بن عبد الله كان الذي ابتدأ بقوله للحجاج: إن كنت تريد السنة، فاقصر الخطبة، والذي أمر الخليفةُ الحجاجَ باتباعه في مناسك الحج، وعدمِ مخالفته إياه فيها، هو عبدُ الله بنُ عمر، لا ولدُه سالم.
وكلام المهلب في هذا مستقيم.
قال: وكذلك قوله: وفيه مداخلة العلماء للسلاطين [وَهْمٌ منه، وإنما السلاطينُ] (٣) هنا داخلوا العلماء؛ فإن عبدَ الملك هو الخاطب؛ لأن ابن عمر هو المبتدئ له بالمداخلة (٤) والمؤامرة.
* * *
باب: الجمعِ بين الصَّلاتين بعرفةَ
٩٧٤ - (١٦٦٢) - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،