الحاء المهملة -: هو ابن يوسفَ الثقفيُّ.
(فخرج وعليه مِلْحَفة): - بميم مكسورة -، وهي الإزار الكبير.
(معصفرة): أي: مصبوغة بالعصفر.
قال الطحاوي: وفي خروج الحجاج وهو محرمٌ وعليه ملحفةٌ معصفرة، ولم ينكر عليه ذلك ابن عمر، حجةٌ لمن أجاز المعصفر.
قال ابن المنير: أيُّ منكر اتقاه الحجاج حتى يتقيَ المعصفر؟! وإنما لم ينهه ابن عمر ﵄؛ لأنه علم أن الناس لا يعتقدون في الحجاج ما يقتضي عندهم أن يقتدوا به، فاقتصر منكره عليه، ولم يتجاوزه إلى غير ذلك، ثم كان غيرَ أهلٍ لأَنْ يُنكر عليه في ذاته؛ لكثرة منكراته.
قلت: كثرة المنكرات لا تُسْقِطُ بوجهٍ الإنكارَ بطريقه.
(وقال: الرواح): - منصوب بفعل مضمر -؛ أي: عَجَّل عجل الرواح.
(قال: فأَنْظِرني): - بهمزة قطع وطاء مكسورة -؛ من الإنظار، وفي نسخة: "فانظُرني (١) " - بهمزة وصل وظاء مضمومة (٢) -؛ من نظرته: إذا أنظرته، وكلاهما وارد في القرآن.
(فقلت: إن كنت تريد السنة، فاقْصُر الخطبة): قائل هذا هو سالم بنُ عبد الله بن عمر، واقصُر: بهمزة وصل وصاد مضمومة.
(فجعل ينظر إلى عبد الله): أي: فجعل الحجاجُ ينظر إلى عبد الله بن
стр. 1613
عمر؛ كأنه يستدعي معرفة ما عنده فيما قاله سالم، هل هو كذلك، أولا (١)؟
(فلما رأى ذلك عبدُ الله، قال: صدق): قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه من جواز تأمير الأدْوَنِ على الأفضل.
وفيه: أن إقامة الحج إلى الخلفاء، أو من جعلوا ذلك إليه.
وفيه: أن الأمير يجب أن يعمل بما يقوله أهل العلم.
وفيه: مداخلة (٢) العلماء للسلاطين، وغيره.
وفيه: ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يُسأل.
وفيه: الفهم بالإشارة والنظر.
وفيه: أن اتباعَ أفعال النبي ﷺ هي السنة، وإن كان في المسألة أوجه جائزة (٣) وغيرها.
قال ابن المنير: [قوله]: فيه جوازُ تأمير الأدون على الأفضل: غلطٌ بَيِّنٌ؛ فإن صاحب الأمر في هذا هو عبدُ الملك بن مروان، وليس بحجة، ولاسيما في تأميره [للحجاج, وأما الحجاج بن عمر بحيث التفاضل (٤)، ولا يقول أحد من المسلمين: إن تولية مثل الحجاج جائزة] (٥) على أحد من
стр. 1614
المسلمين، بل ولا (١) من الكافرين، وإذا وصل الاحتجاج إلى ولاية الحجاج، فذلك العجزُ بعينه.
قال: وكذلك قوله: وفيه (٢): ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يُسأل: ليس بانتزاع مستقيم؛ لأن كلام ابن عمر هاهنا ليس على معنى الفتوى، ولكن على معنى الولاية؛ لأن عبد الملك وَلَاّه على ذلك، وأمر الحجاجَ أن يكون في إقامة المناسك تحتَ أمره.
قلت: لم يرد المهلب بابتداء العالم بالفتوى إلا لأن سالم بن عبد الله كان الذي ابتدأ بقوله للحجاج: إن كنت تريد السنة، فاقصر الخطبة، والذي أمر الخليفةُ الحجاجَ باتباعه في مناسك الحج، وعدمِ مخالفته إياه فيها، هو عبدُ الله بنُ عمر، لا ولدُه سالم.
وكلام المهلب في هذا مستقيم.
قال: وكذلك قوله: وفيه مداخلة العلماء للسلاطين [وَهْمٌ منه، وإنما السلاطينُ] (٣) هنا داخلوا العلماء؛ فإن عبدَ الملك هو الخاطب؛ لأن ابن عمر هو المبتدئ له بالمداخلة (٤) والمؤامرة.
* * *
باب: الجمعِ بين الصَّلاتين بعرفةَ
٩٧٤ - (١٦٦٢) - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
وغيرِها سنَّة، وقد أخرج مسلم في "صحيحه" من طريق أبي وائل، عن عمار: أن النبي ﷺ قال: "طُولُ صَلاةِ الرَّجُلِ، وقِصَرُ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ" (١).
قال ابن المنير: وما علمتُ الاشتقاقَ، ولا مما ذا هو مشتق، واحتمل عندي أن يكون مَفْعِلَةٌ من أَنَّ التي للتوكيد؛ كما اشتُق (٢) التسويفُ من سوف، والمراد: أن ذلك آكدُ لفقهه.
* * *
باب: الوقوفِ بِعرفةَ
٩٧٦ - (١٦٦٤) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيراً لِي. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيراً لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفاً بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ! مِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟
(أضللت بعيراً لي): أي: ضلَّ مني بعير لي.
(فقلت: هذا والله! من الحُمْس): - بحاء مهملة مضمومة وميم ساكنة - هو في الأصل جمع أَحْمَسَ، وهو الشديدُ (٣) الصُّلب، سميت قريش وكنانة بذلك؛ لتصلُّبهم فيما كانوا عليه (٤).
فتوجه هنا سؤال عن وجه إدخال "ثم" في هذا المحل؛ حيث كانت الإفاضة المذكورة [بعدها، هي بعينها الإفاضة المذكورة] (١) قبلها، فما معنى عطف الأمر بها (٢) بكلمة "ثم" الدالة على التراخي على الأمر بالذكر المتأخر عنها، وكيف موقع "ثم" من كلام البلغاء؟
فأجاب الزمخشري بما معناه: أن (٣) موقعَها موقعُ "ثم" في قولك: أحسنْ إلى الناس، ثم لا تحسنْ إلى غيرِ كريم؛ لأن قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] دالٌّ على وجوب الإفاضة من عرفات، ومعنى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] لتكن إفاضتكم منه، لا من المزدلفة [فصار كأنه قيل: أفيضوا من عرفات، ثم أفيضوا من المزدلفة] (٤)، ومعنى "ثم": الدلالة على بعد ما بين الإفاضتين؛ أعني: الإفاضة من عرفات، والإفاضة من المزدلفة؛ لأن الأولى صواب، والثانية خطأ، وبينهما بَون عظيم، وهذا النوع من التباين لا ينافي تفاوتَ المرتبة وتباعدَها (٥).
كذا قرره العلامة سعد الدين التفتازاني، قال: وعليه سؤال ظاهر، وهو أن التفاوت والبعد في المرتبة إنما يعتبر (٦) بين المعطوف والمعطوف عليه،
стр. 1619
وهو هنا عدمُ الإحسان إلى غير الكريم، وعدمُ الإفاضة من المزدلفة، لكن جرت عادته في هذا الكتاب: أنه (١) يعتبر في أمثال هذه المواضع التفاوت والبعد بين المعطوفين، وبين ما دخله النفيُ من المعطوف عليه، لا بينه وبين النفي، ذكره (٢) في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]: إن ثُمَّ للدلالة على بُعد ما بين توليتهم الأدبار، وكونهم يُنْصرون.
وأما الاعتراض بأن التفاوت بينهم من كون أحد الفعلين من توليتهم مأموراً به، والآخر منهياً عنه، سواء كان العطف بثم، أو بالفاء، أو بالواو، فليس بشيء؛ لأن المراد أن في ثم إشعاراً بذلك، ودلالةً عليه من حيث كونُها في الأصل (٣) للتراخي، ولا كذلك الفاء والواو، والأمر والنهي حتى لو علم بدلالة الفعل، ثم يرد أن هذا مما يطابق المثال لو أريد: أفيضوا إلى منى من غير تعيين عرفات، أو أريد في المثال: أحسن إلى الناس الكرام.
وأما إذا جرى الناس على الإطلاق، وقد تقرر أن: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يدل على وجوب الإفاضة من عرفات، فلا مطابقة، إلا أن هذا لا يضر بالمقصود، وهو التطابق في موضع "ثم"، وفي الدلالة على تفاوت ما بين الفعلين، وذهب بعضهم إلى أن مراده: أن ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] عطفٌ على ﴿فَاذْكُرُوا (٤) اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨]
стр. 1620
قصداً إلى التفاوت بينه وبين ما يتعلق بما ذكروا؛ أعني: الإفاضة المذكورة في ضمن شرط الذي هو: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهو حاصل ما ذكرنا إلى هنا كلامه ﵀.
ثم أشار الزمخشري إلى وجه يكون على بابها، فقال: وقيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وهم الحمس؛ [أي: من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. انتهى (١).
فيكون المراد بالناس هنا: المعهودين، وهم الحمس] (٢)، ويكون هذا الأمر أمراً بالإفاضة (٣) من مزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، وفي قوله: بعد الإفاضة من عرفات دون أن يقول: بعد الذكر بالمشعر الحرام، إشعارٌ بأنه (٤) عطف على أفيضوا من عرفات المدلولِ عليه بقوله: فإذا أفضتم، لا على: اذكروا الله، لكنه يحمل على الأمر (٥) الحاصل محافظة على (٦) ما هو الظاهر من عطف الأمر على الأمر.
قال التفتازاني: فإن قيل: لا حاجة في هذا المعنى إلى حمل الناس على الحمس؛ لجواز أن يراد: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس إليه.
قلنا: الظاهر من قوله: حيث أفاض الناس (٧): من حيث أفاضوا عنه،
стр. 1621
لا من حيث أفاضوا إليه.
(كانوا يقتصون (١) من جَمْع): - بفتح الجيم -: هو المزدلفة، وهو المشعر الحرام، وسميت جَمْعاً، لجمع العشاءين فيها، كذا في "المشارق" (٢).
قال الجوهري: لاجتماع الناس (٣).
قلت: وهو الظاهر؛ لوجود هذا الاسم لها في الجاهلية، ولم يكونوا يجمعون بين العشاءين فيها، ولا يعرفون ذلك أصلاً.
(فدُفِعوا إلى عرفات): بضم الدال المهملة، ويروى بالراء.
وعرفات: اسم للموقف، سمي بجمعٍ (٤)؛ مثلَ أذرعات - اسم بلدة بالشام - في أنه لا واحد له؛ إذ لم يوجد أذرعة، ولا عَرَفة.
قال الفراء: لا واحد له، وقول الناس: نزلنا بعرفةَ شبه بمولد، وليس بعربي محض.
قال بعض المحققين: ولو سلم، فعرفة وعرفات مدلولُهما واحد، ليس ثَمَّ أماكنُ متعددة كلٌّ منهما عرفةُ جُمعت على عرفات.
ثم لا كلام في استعماله منوناً، وإن حكى سيبويه عن بعض العرب عدمَ التنوين؛ مثل هذه أذرعاتُ - بالضم -، ورأيت أذرعاتِ - بكسر التاء من غير تنوين -، وإنما الكلام في الصرف وعدمه، فعند بعضهم غيرُ
стр. 1622
منصرف للعلمية والتأنيث، والتنوين (١) للمقابلة، لا للتمكن؛ يعني: جيء به ليكون في جمع المؤنث السالم؛ مقابلاً للنون في جمع المذكر السالم كمسلمون، ومع هذا يكسر في موضع الجر؛ للأمن بهذا التنوين من تنوين المتمكن، كما حصل الأمن باللام والإضافة.
واختار (٢) الزمخشري أنه منصرف؛ لعدم الاعتداد بالتأنيث، أما لفظاً، فلأن هذه التاء ليست للتأنيث، وهو ظاهر، وأما تقديراً، فلأن اختصاصها بجمع المؤنث يأتي تقديراً لها؛ لكونه كالجمع بين علامتي التأنيث، وهذه كتأنيث ليست للتأنيث، واختصت فمنعت تقديراً؛ لئلَاّ ينافي كون الاسم مؤنثاً بحسب الاستعمال؛ مثل: وقفت بعرفات، ثم أفضتُ منها؛ لأن تاء الجمع، وإن لم تكن لمحض التأنيث على ما هو المعتبر في موضع الصرف، لكنها للتأنيث في الجملة.
وقالوا: سُميت بذلك؛ لأنها وُصفت لإبراهيم ﵇، فعرفها لما أبصرها.
وقيل: إن جبريل كان يدور به في المشاعر، فأراه إياها، فقال: قد عرفتُ.
وقيل: التقى آدم وحواء فيها، فتعارَفا.
وقيل: لأن الناس يتعارفون فيها.
واختيار الزمخشري أنها من الأعلام المرتجلة.
(فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعَشاء بينهما): يقع في بعض النسخ مقيداً بكسر العين، والصواب فتحها، ومعناه: أنه يتعشَّى بين الصلاتين.
وقد وقع ذلك مبيناً في الباب الذي قبله، فقال (١): لما صلى المغرب، دعا بعشائه (٢) فتعشى، ثم ذكر صلاة العتمة بعدَ ذلك، قاله في "المشارق" (٣).
وفعل ذلك؛ لينبه على أن الفصل بينهما مغتفَر (٤).
(إن هاتينِ الصلاتينِ حولها (٥) عن وقتهما): قد أسلفنا أن المراد: أُخرتا عن الوقت المستحبِّ؛ لأنهما توقعان قبل دخول الوقت.
(المغربَ): قال الزركشي: بالنصب بدلٌ من اسم "إن"، وكذا "وصلاةَ الفجر" (٦).
قلت: المبدَلُ منه مثنى، فلا يُبدل منه كلّ إلا ما يصدق عليه المثنى، وهو اثنان، فحينئذ المغرب وصلاة الفجر مجموعهما هو البدلُ، ويحتمل أن يكون نصبهما بفعل محذوف؛ أي: أعني: المغربَ وصلاةَ الفجر.
* * *
стр. 1631
باب: متى يدفعُ من جمعٍ
٩٨٩ - (١٦٨٤) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
(أَشرقْ ثَبير): - بالضم على النداء - وحرفُه محذوف؛ أي: لتطلعْ عليكَ الشمسُ، يقال: أشرق الرجل: إذا دخلَ وقتَ الشروق.
(كيما نُغير) (١): أي نُذهب سريعاً، يقال: أغار يغير: إذا أسرع في العَدْو.
وقيل: نغير على لحوم الأضاحي؛ أي: ننهبها.
وقيل: ندخل في الغور، وهو المنخفض من الأرض على لغة من قال: أغار: إذا أتى الغَوْر (٢).
* * *
باب: التَّلبيةِ والتَّكبير غداةَ النحر حين يرمي الجمرةَ
٩٩٠ - (١٦٨٥) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
(فقيل له: إن الناس كائنٌ بينهم، فقال): القائل له ذلك: أولادُه: عبدُ الله، وعُبيدُ الله، وسالم، ذكر ذلك البخاري نفسُه؛ ففي (١) باب: من اشترى الهدي من الطريق عن نافع، قال عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ لأبيه، وفي باب: إذا أُحْصِر المتمتع: عن نافع: عبيدُ الله بنُ عبد الله، وسالمُ بنُ عبد الله أخبراه: أنهما كَلَّما عبدَ الله بنَ عمر ليالَي نزل الجيش بابن الزبير.
* * *
باب: من نحر هديَه بيدِه
٩٩٥ - (١٧١٢) - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ -، قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبع بُدْنٍ قِيَاماً، وَضَحَّى بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنينِ. مُخْتَصَراً.
(ونحر النبي ﷺ بيده سبعة بُدْن): قيل: أراد: أَبْعره (٢)، فلذلك أدخل عليها (٣) الهاء، وفي نسخة: "سبعَ بُدْن" بدونها، فلا حاجة إلى التأويل (٤).
(قياماً): صفةٌ لـ "سبعَ" أو حال منه، والمسوغُ لوقوع الحال من النكرة مع تأخرها هو تخصيصُ النكرة بالإضافة.
* * *
стр. 1638
باب: نحرِ الإبلِ مقيَّدةً
٩٩٦ - (١٧١٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونسَ، عَنِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَتَى عَلَى رَجُلٍ، قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ.
(ابعثها قياماً مقيدةً): أي: معقولةَ اليد الواحدة قائمة على ما بقي من قوائمها.
* * *
باب: نحرِ البُدن قائمةً
٩٩٧ - (١٧١٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكعَتَيْنِ. وَعَنْ أيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ ركِبَ رَاحِلَتَهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءَ، أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ.
(وعن أيوب، عن رجل، عن أنس): هذا الرجل هو أبو قِلابة؛ لأنه ساق الحديث قبل ذلك من طريق سَهْل بن بكار، عن وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وفيه كما في هذا من أنه بات بها، فلما أصبح، ركب راحلته، فجعل يهلل ويسبح، فلما علا البيداء، لبَّى بهما جميعاً. هكذا قيل، وفيه نظر.
وقال الداودي: آخره ليس بمسند؛ لأن بين أيوب وأنس رجلاً
стр. 1639
مجهولاً، ولو كان محفوظاً عن أبي قلابة، لم يَكْنِ عنه, لجلالته ونعته، وإنما يُكنى عَمَّن فيه نظر.
قال: قال ابن التين: يحتمل أن يكون أيوب نسبه، وهو ثقة، بل هو أولى أن يُحمل عليه؛ لأنه لو علم أن فيه نظراً؛ لوجب عليه أن يذكر اسمه، ويسقط حديثه، ولا يرويه ألبتة (١).
* * *
باب: لَا يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنَ الْهَدْيِ شَيْئاً
(باب: لا يُعطى الجزار): يروى بالبناء للفاعل، فالجزار منصوب، والفاعل ضمير يعود على صاحب الهدي، ويروى بالبناء للمفعول، فالجزار مرفوع.
٩٩٨ - (١٧١٦) - قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أقومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئاً فِي جِزَارَتِهَا.
(ولا أعطيَ عليها في جِزارتها): قال السفاقسي: الصحيحُ أن الجِزارة - بكسر الجيم - اسمٌ للفعل؛ يعني: عمل الجزار، والجُزارة - بضمها (٢) -: اسمٌ للسواقط التي (٣) يأخذها الجزار، فيكون المعنى:
стр. 1640
ولا أعطي شيئاً منها في أجرة الجزار عن عمله (١).
* * *
باب: ما يأكُلُ من البُدْنِ وما يَتصدَّقُ
٩٩٩ - (١٧١٩) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ: سَمِعِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: كنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "كُلُوا وَتَزَوَّدُوا"، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَدْنَا. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أقالَ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.
(فوق ثلاثِ مِنىً): بإضافة ثلاثِ إلى مِنى، والأصل: ثلاثِ ليال منى؛ كما هو في قولهم: حَبُّ رُمَّانِ زيدٍ، فإن القصد إضافةُ الحبِّ المختصِّ بكونه للرمَّانِ، لا إلى زيد، ومثله: ابنُ قيسِ الرقياتِ؛ فإن الملتبسَ بالرقيات ابنُ قيسٍ، لا قيسٌ.
قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: وتحقيقُه أن مطلق الحبِّ مضافٌ إلى الرمان، والحبُّ المقيدُ بالإضافة إلى الرمان مضافٌ إلى زيد.
قلت: فيه نظر، فتأمله.
* * *
باب: الذَّبح قبلَ الحَلْقِ
١٠٠٠ - (١٧٢٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ
(ففَلَتْ رأسي): بفاء ولام مخففة مفتوحتين.
(أُفتي به الناس حتى خلافة عمرَ): "حتى" هنا حرف جر؛ أي: إلى خلافة عصره
* * *
باب: الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإحْلَالِ
(باب: الحلق والتقصير عند الإحلال): تعجَّب ابن المنيِّر من دقة نظر البخاري ولطفِ تراجمه حيث ترجم بهذه الترجمة، فأَفهم أن الحلقَ والتقصيرَ نسكٌ، ولكنه نسكٌ يُصنع عندَ الإحلال، ولو كان هو في نفسه إحلالاً، لم تحسن هذه الترجمة، وكأنه استدل على أنه نسك بدعاء النبي ﷺ لفاعله، والدعاءُ ثواب، والثوابُ إنما يكون على العبادات، لا على المباحات، ثم تفرقته ﵇ بين الحلق والتقصير، وتفضيل الحلق على التقصير دليلٌ على أنه نسك؛ إذ المباحاتُ لا تتفاضل.
١٠٠٢ - (١٧٢٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ". وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: "رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ" مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ".
(قالوا: والمقصرين): وبعد هذا في حديث آخر:
стр. 1643
١٠٠٣ - (١٧٢٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
(حلقَ النبي ﷺ وطائفة من أصحابه، وقَصَّر بعضهم): ذكر ابن سعد في "الطبقات" في غزوة الحديبية عن عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا هشام الدَّسْتوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد الخدري: أَنَّ رسولَ ﷺ رأى أصحابه حَلَقوا رؤوسَهم عامَ الحديبية غيرَ عثمانَ وأبي قتادةَ، فاستغفرَ رسولُ الله ﷺ للمحلقين ثلاثَ مرات، وللمقصِّرين مرةً (١).
قال شيخنا قاضي القضاة جلال الدين (٢) - ذكره الله بالصالحات (٣) -: ففي هذا بيان البعض الذي قصر، ويحتمل أن يكونا هما اللذان قالا: والمقصرين.
قلت: إن ثبت أن ما (٤) أورده البخاري في هذا الباب كان في عام الحديبية، حَسُنَ التفسيرُ بذلك، وإلا، فلا؛ إذ لا يلزم من كون عثمانَ وأبي قتادة في عام الحديبية أن يكونا قصرا في غيره.
* * *
стр. 1644
١٠٠٤ - (١٧٣٠) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ - رصْي الله عنهم - قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ.
(قَصَّرْتُ عن رسول الله ﷺ بمِشْمقَصٍ): - بكسر الميم -: نَصْل السهم إذا كان طويلاً، ومرادُه: قصَّرتُ عنه في بعض عُمَرِه (١).
* * *
باب: الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ
وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَخَّرَ النَّبِي ﷺ الزِّيارَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَيُذْكرُ عَنْ أَبي حَسَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَزُورُ الْبَيْتَ أَيَّامَ مِنًى.
(ويُذكر عن أبي حسان): بالصرف وتركِه (٢).
* * *
باب: الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى
(باب: الخطبة أيامَ مِنى): الأحاديث التي ذكرها في هذه الترجمة كلُّها مطابقة لها، إلا (٣) حديث جابر عن ابن عباس: سمعتُ النبيَّ ﷺ
стр. 1645
يخطبُ بعرفات (١).
قال ابن المنير: فما ساقها - والله أعلم - إلا ليردَّ على من زعم أن يومَ النحر لا خطبةَ فيه للحجاج، وأن الذي ذكره النبي ﷺ فيه من قبيل الوصايا العامة، لا على أنه خطبة، [وشعيرة من شعائر الحج؛ كما ذهب إليه قوم، فردَّ البخاري على من أنكر كونها خطبة] (٢) بأن الراوي سماها خطبة، كما سمى التذكيرَ يومَ عرفةَ خطبة، وقد اتفقوا على خطبة يوم عرفة، فألحق المختلَف فيه بالمتفق عليه.
* * *
١٠٠٥ - (١٧٣٩) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْر، فَقَالَ: "يَا أَيُهَا النَّاسُ! أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُم عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذا". فَأَعَادَهَا مِرَاراً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ -: "فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
стр. 1646
(كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا): قال ابن المنير: قد استقر في القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر: تحريمُ أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فما معنى إذن تشبيه الشيء بنفسه؟
وأجاب: بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذه البلدة، وهذا الشهر، وهذا اليوم مُغلَّظة الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونَه تعدَّى في غير البلد الحرام، والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوفَ من فعل ذلك في البلد الحرام (١)، وإن كان فعلُ العدوان في البلد الحرام أغلظَ، فلا ينبغي كونُ ذلك في غيره غليظاً أيضاً، وتفاوتُ ما بينهما في الغلظ لا ينفعُ المعتدي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدَّى في البلد الحرام، فلا يستسهل حرمة البلد، بل ينبغي أن يعتقد أنَّ فعله أقبحُ الأفعال، وأن (٢) عقوبته بحسب ذلك، فيراعي الحالتين؛ كما قيل عن ابن عباس ﵄: أنه كان إذا سُئل: هل للقاتل توبة؟ يسأل: هل قتل أولاً؟ فإن قال: إنه قتل، قال: نعم، له التوبة، فإن قال: لم أقتل بعد، قال: لا توبة لقاتل (٣).
(لا ترجعوا بعدي كفاراً): أي: لا تصيروا، ففيه استعمالُ رجعَ كصار؛ معنًى وعملاً.