← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

(كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا): قال ابن المنير: قد استقر في القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر: تحريمُ أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فما معنى إذن تشبيه الشيء بنفسه؟ وأجاب: بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذه البلدة، وهذا الشهر، وهذا اليوم مُغلَّظة الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونَه تعدَّى في غير البلد الحرام، والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوفَ من فعل ذلك في البلد الحرام (١)، وإن كان فعلُ العدوان في البلد الحرام أغلظَ، فلا ينبغي كونُ ذلك في غيره غليظاً أيضاً، وتفاوتُ ما بينهما في الغلظ لا ينفعُ المعتدي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدَّى في البلد الحرام، فلا يستسهل حرمة البلد، بل ينبغي أن يعتقد أنَّ فعله أقبحُ الأفعال، وأن (٢) عقوبته بحسب ذلك، فيراعي الحالتين؛ كما قيل عن ابن عباس ﵄: أنه كان إذا سُئل: هل للقاتل توبة؟ يسأل: هل قتل أولاً؟ فإن قال: إنه قتل، قال: نعم، له التوبة، فإن قال: لم أقتل بعد، قال: لا توبة لقاتل (٣). (لا ترجعوا بعدي كفاراً): أي: لا تصيروا، ففيه استعمالُ رجعَ كصار؛ معنًى وعملاً.

стр. 1647

قال ابن مالك: وهو مما خفي على أكثر النحويين (١) (٢). (يضربُ بعضكم): برفع الفعل وجزمه، وقد مر. * * * ١٠٠٦ - (١٧٤١) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرَةَ، عَن أَبي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: "أتدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: "أليْسَ ذُو الْحَجَّةِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: "أليْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، قَالُوا: نعمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".

стр. 1648

(أليس يومَ النحر؟): - بالنصب - على أنه خبر "ليس"؟ أي (١): أليس اليومُ يومَ النحر؟ ويجوز الرفع على أنه اسمها، والخبر محذوف؛ أي: أليس يومُ النحر هذا اليومَ، وعلى هذا التقدير قال: (أليس ذو الحجة؟): يعني: أليس ذو الحجة هذا الشهرَ. (قال. أليست البلدة؟): فيه الوجهان السابقان، والمراد بالبلدة: مكة، وقيل: إنها اسم خاص بها (٢)، وساق الزركشي الاستشهاد على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] (٣). قلت: لا دلالة في الآية على ما ادعوه من الاختصاص. * * * باب: رميِ الجمارِ ١٠٠٧ - (١٧٤٦) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعرٌ، عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄: مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ، فَارْمِهْ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْألةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، رَمَيْنَا. (مِسْعَر): بميم مكسورة فسين مهملة ساكنة، فعين مهملة (٤) مفتوحة فراء.

стр. 1649

(عن وَبَرَة): - بواو فموحدة فراء -؛ أي: على وزن شَجَرَة. (فارمِهْ): بهاء ساكنة للسكت. (نتحين): نتفعل من الحين، وهو (١) الزمان؛ أي: نراقب الوقت. * * * باب: رميِ الجمارِ مِنْ بَطْنِ الوادي ١٠٠٨ - (١٧٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنَّ نَاساً يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ! هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَليدِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا. (هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة): المقام -بفتح الميم- اسمُ مكان من قامَ يقومُ؛ أي: هذا موضعُ قيامِ (٢) النبيِّ ﷺ . وفيه دليل على جواز إضافة (٣) السورة إلى البقرة على معنى التسمية بها؛ لأنها ذكرت فيها؛ خلافاً (٤) لمن أنكر ذلك، وخص سورة البقرة؛

стр. 1650

لمناسبتها للحال؛ فإنها التى ذكر فيها الرمي، وهي من باب التلميح؛ كقوله: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلامُ (١) نَائِمٍ ... أَلمَّتْ بِنَا أَمْ كانَ في الرَّكْبِ يُوشَعُ * * * باب: يكبِّر مع كلِّ حَصَاةٍ ١٠٠٩ - (١٧٥٠) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكرْتُ ذَلِكَ لإبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ، اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ . (فاستبطنَ الواديَ): أي: أتى بطنَ الوادي. (حتى إذا حاذى الشجرةِ): أي: قابلَها، * * *

стр. 1651

باب: إذا رمى الجمرتين يقومُ مُستقبلَ القبلة ويُسهِلُ ١٠١٠ - (١٧٥١) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلاً، وَيَدْعُو وَيَرْفعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَتقُومُ طَوِيلاً، وَيَدْعُو، وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يفْعَلُهُ. (ثم يتقدم حتى يُسهل): مضارع أَسْهَلَ: إذا أتى السَّهْلَ من الأرض، وهو خلافُ الجبل. (ثم يرمي الجمرة ذات العقبة): يعني: جمرة العقبة، وهي أقربُ الجمار إلى مكة. * * * باب: الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ ١٠١١ - (١٧٥٣) - وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجدَ مِنًى، يَرْمِيهَا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعاً يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ

стр. 1652

يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعاً يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصرِفُ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ. سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا عَنْ أَبَيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. (باب: الدعاء محند الجمرتين). (قال عثمان بن عمر): ولابن السكن: قال محمد بن بشار: حدثنا عثمان بن عمر (١). (ثُمَّ ينحدر ذاتَ اليسار): أي: في الناحية التي هي ذات اليسار. * * * باب: طوافِ الوداعِ ١٠١٢ - (١٧٥٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبَيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄، قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَاّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ. (إلا أنه خفف عن الحائض): أي: ما أُمر الناسُ به من أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، يريد: طوافَ الوداع. * * *

стр. 1653

باب: إذا حاضتِ المرأةُ بعد ما أفاضَتْ ١٠١٣ - (١٧٦٢) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا نُرَى إِلَاّ الْحَجَّ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ، وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَطَافَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي؟ قَالَ: "مَا كنْتِ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟ "، قُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: "فَلَا بَأْسَ، انْفِرِي". فَلَقِيتُهُ مُصْعِداً عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أَوْ أَنَا مُصْعِدةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْتُ: لَا. تَابَعَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ: لَا. (فلما كان ليلةُ الحصبة ليلةُ النفر): أي: من منى إلى مكة، برفعهما جميعاً على أن "كان" تامة (١)، وليلةُ الحصبة فاعلُها، وليلةُ النفر بدل، أو خبر مبتدأ مضمر. قال الزركشي: وجوز رفع الأولى، ونصب الثانية، وعكسه (٢).

стр. 1654

قلت (١): لم يبين وجهه. قلت (٢): ولا يمكن أن يكون نصب ليلة النفر على أنها خبر كان؛ إذ لا معنى له، وإنما كان تامة - كما مر -، وليلةُ الحصبة فاعلُها، وليلةُ النفر (٣) منصوب بمحذوف؛ أي: أعني ليلةَ النفر، وأما نصب الأولى ورفع الثانية، فوجهه أن تجعل "كان (٤) " ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الرحيل المفهوم من السياق، وليلة الحصبة خبرها، وليلة النفر خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي ليلة النفر. (عقرى حلقى): سبق ضبطه. قال الزركشي: وفيه توبيخُ الرجلِ أهلَه على ما يدخل على الناس بسببها، كما وبَّخَ الصدِّيقُ عائشة (٥) في قصة العِقْد (٦). قلت: تبع ابنَ بطال، بل أخذ كلامه برُمَّته (٧)، ورده ابن المنير بأنه لا يمكن أن يحمل على التوبيخ؛ لأن الحيض ليس من صنعها (٨)، وقد جاء في الحديث الآخر: "إنَّ هَذَا الأَمرَ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَنَاتِ آدَمَ" (٩).

стр. 1655

وإنما هذا القول يجري على سبيل التعجب، ودعامة لكلام العرب من غير قصدٍ. قال: وتأملت من ذلك أنه لابدَّ لإمامِ الحاجِّ وأميرِهم أن يحسب حسابَ الحُيَّضِ من حواجِّ أهلِ الآفاق؛ لأنه إن (١) لم يفعل ذلك، وقع أحد أمرين: إما تفويتهن (٢) طوافَ الإفاضة، وإما تركهن بمضيعة، فرأيت أن النبي ﷺ عمل على سلامة المسلمين من ذلك؛ لأنه أقام من (٣) يوم النحر سبعة أيام، ثم ارتحل. وفي قوله: "لا يُقِيمَنَّ مُهَاجِرٌ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ" (٤) دليلٌ على ذلك؛ لأن النسك ينقضي بانقضاء أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام منضمة إلى يوم النحر، يكون أربعة وثلاثة بعدها، فالمجموعُ سبعة، وغالبُ حيضِ النساء ست أو (٥) سبع، فأضيق (٦) ما يفرض للحائض أن تحيض يوم النحر قبل طواف الإفاضة، فما يقع الرحيل إلا وقد طهرت غالباً، أو أمكنها الطواف ناجزاً، فعلى هذا - والله أعلم - ترتب الأمر حينئذٍ. (فلقيه (٧) مصعداً على أهل مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مصعدة وهو

стр. 1656

منهبط): جمعت بين جعل أول الحالين للأخير من صاحبي الحال، وثانيهما (١) للأول، وبين العكس، وصرح قوم بأولية (٢) الوجه الأول؛ لاشتماله [على فصل واحد؛ بخلاف الثاني، لاشتماله] (٣) على فصلين. وأَصْعَدَ: لغة في صَعِدَ. * * * باب: المُحَصَّب ١٠١٤ - (١٧٦٥) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. يَعْنِي: بِالأَبْطَحِ. (عن عائشة، قالت: إنما كان): أي: المُحَصَّب. (منزلاً نزله النبي ﷺ ): بالنصب على أنه خبر "كان"، وهو واضح، ويروى بالرفع. قال أبن مالك: في رفعه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجعل "ما" بمعنى: الذي، واسم "كان" ضمير يعود على المحصَّب، وخبرُها محذوف، والتقدير: إن الذي كان (٤) هو؛ يعني: أن

стр. 1657

المنزل الذي كان المحصَّب إياه منزلٌ ينزله النبي ﷺ ، فمنزلٌ خبرُ إن. والثاني: أن تكون "ما" كافة، ومنزلٌ اسم كان، وخبرها ضمير محذوف عائد على المحصَّب، وفي هذا الوجه تعريف الخبر وتنكير الاسم، إلا أنه نكرة مخصصة بصفتها، فسهل ذلك. الثالث: أن يكون أنه "منزل" منصوباً في اللفظ، إلا (١) أنه كتب بالألف على لغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنصوب المنون بالسكون (٢). قلت: ليس الثالث توجيهاً للرفع بوجه، وقد قال أولاً: في رفعه - أي: رفع "منزل" - ثلاثةُ أوجه، وعدَّ الثالث، وهو مقتضٍ للنصب لا للرفع، ثم (٣) كيف يتجه هذا مع ثبوت الرواية بالرفع (٤)، وهل هذا إلا مقتض؛ لأن الراوي اعتمد على صورة الخط، فظنه مرفوعاً، فظن به كذلك، ولم يستند فيه إلى رواية، فما هذا الكلام؟! * * * ١٠١٥ - (١٧٦٦) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ التَّحْصيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (ليس التحصيبُ): أي: النزول في المحصب، وهو الأَبْطَح.

стр. 1658

(بشيء): أي: من مناسك الحج. (إنما هو منزل نزله رسولُ الله ﷺ ): أي: للاستراحة، فالنزول به إنما هو للاقتداء به، والتبرك بمنازله ﵇، وليس من المناسك المشروعة في الحج، ولهذا كان مالكٌ يوسع في تركه لمن لا يقتدي به، وكان يُفتى به سراً. قال ابن المنير: كأنه خشي أن يفعل ذلك أهلُ القدوة، فيتبعهم الناس، فيبطل التحصيب بالكلية، مع احتمال أن يكون مقصودَ النبيِّ ﷺ ، أو لئلا يشيع في العامة أن نسكاً من مناسك الحج معطل، فهذا الذي كان يتوخاه من أعلان الفتيا بتبركه. * * * باب: التِّجَارَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِم، وَالْبَيع فِي أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ (باب: التجارة أيام الموسم، والبيعِ في أسواق الجاهلية): كأنه ﵀ توقع أنه ربما يُتحرَّج من أسواق الجاهلية كما يُتحرج من دخول الكنائس، فبين أن الله فسحَ في ذلك؛ أي: في المواسم، ولما أطلق الله الإباحة، ولم يقيدها، حلَّت أسواق الجاهلية كغيرها. ١٠١٦ - (١٧٧٠) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ ذُو الْمَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ، كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِم الْحَجِّ.

стр. 1659

(فلما جاء الإسلام، كأنهم كرهوا ذلك): فإن قلت: أتى جواب "لَمَّا" هنا جملة (١) اسمية، وإنما أجازه الجماعة إذا كانت مصدَّرة بـ "إذا" الفجائية، وابنُ مالك زادَ جواز وقوعها جواباً إذا تصدَّرت بالفاء؟ نحو: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]، والغرض أن ليس هنا إذا، ولا الفاء. قلت: الجواب محذوف؛ لدلالة الجملة الواقعة بعده عليه؛ أي: فلما جاء الإسلام، تركوا التجارة فيها، كأنهم كرهوا ذلك. * * * باب: الإدْلَاجِ مِنَ الْمُحَصَّبِ (باب: الإدلاج من المحصب): الإدلاج - بهمزة قطع مكسورة على صيغة (٢) الإفعال -: مصدر أَدْلَجَ؛ كأخرج إخراجاً، ويقال (٣): الادِّلاج بصيغة الافتعال - بالتاء - إلا أنها قلبت دالاً مثل: ادَّخر ادّخاراً، قيل: إن كلاً من الفعلين يستعمل في مسير الليل كيف كان، والأكثرون على أن تحققه من أول الليل. ١٠١٧ - (١٧٧٢) - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَادَنِي مُحَمَّد: حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَاّ الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا،

стр. 1660

أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّفْرِ، حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَلْقَى عَقْرَى، مَا أُرَاهَا إِلَاّ حَابِسَتكُمْ". ثُمَّ قَالَ: "كنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَانْفِرِي". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَمْ أكُنْ حَلَلْتُ، قَالَ: "فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيم"، فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا، فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجاً. فَقَالَ: "مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". (لا نذكر إلا الحج): بالنون، ونصب الحج. قال الزركشي: ويروى بياء مضمومة، يعني: بالبناء للمفعول، والصواب الأول (١). قلت: تخطئة الثاني إن كان المستند فيه عن الأئمة، فصحيح، وإلا، فالمعنى لا يأباها، والثاني في الرواية. * * *

стр. 1661

كِتَابُ العُمْرَةِ

стр. 1662

كِتابُ العُمْرة

стр. 1663

كِتابُ العُمْرة باب: العمرة، وُجُوب الْعُمْرَةِ وَفَضْلهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَاّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كتَابِ اللهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (إنها لقرينتها في كتاب الله تعالى): الضمير الأول عائد على العمرة، والثاني على فريضة الحج، والأصل: لَقرينَتُه؛ بجعلِ الضميرِ للحج، لكن قصد التشاكل، فأخرج على هذا الوجه بالتأويل. * * * باب: مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ (باب: من اعتمر قبل الحج): قال ابن بطال: جوابُ ابنِ عمرَ بجواز الاعتمار قبل الحج يدلُّ على أن مذهبه (١) أن فرض الحج كان (٢) قد نزل

стр. 1664

على النبي ﷺ قبل اعتماره، وذلك يدل على أن الحج على التراخي؛ إذ لو كان مُضَيَّقاً، لوجب إذا أخره إلى سنة أخرى أن يكون قضاء، واللازم باطل (١). وردَّه ابن المنيِّر: بأن القضاء خاصٌّ بما وُقِّت بوقت معين مضيَّقٍ؛ كالصلاة والصوم، وأما ما ليس كذلك، فلا يعد تأخيرُه قضاء، سواء كان على الفور، أو على (٢) التراخي؛ كما تقدم في الزكاة يؤخرها ما شاء الله بعد تمكنه من أدائها على الفور، فإن المؤخِّر على هذا الوجه يأثم، ولا يُعد أداؤه بعد ذلك قضاء، بل هو أداء، ومن ذلك الإسلامُ واجبٌ على الكفار على الفور، فلو تراخى عنه الكافر (٣) ما شاء الله، ثم أسلم، لم يعد ذلك قضاء. * * * باب: كم اعتمرَ النبيُّ ﷺ - ١٠١٨ - (١٧٧٥) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عبد الله بْنُ عُمَرَ ﵄ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجدِ صَلَاةَ الضُّحَى. قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ. فَقَالَ: بِدْعَةٌ. ثمَّ قَالَ لَهُ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعاً، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ.

стр. 1665

(كم اعتمر رسول الله ﷺ عمرة (١)؟ قال: أربعاً، إحداهن في رجب): هذا القائل هو عبد الله بن عمر، وحكى مغلطاي عن الإسماعيلي أنه قال: هذا الحديث لا يدخل في باب: كم اعتمر (٢)؟ وإنما يدخل في باب: متى اعتمر؟ قلت: رده أوضحُ من الشمس، فانظره. * * * ١٠١٩ - (١٧٧٨) - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ: سَأَلْتُ أَنسًا ﵁: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعٌ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ؛ حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ؛ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ؛ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنٍ. قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً. (سألت أنساً: كم اعتمر النبي ﷺ ؟ قال: أربع): كذا بالرفع خبر مبتدأ مضمر؛ أي: عُمَرُه أربعٌ (٣)، ووقع النصب في رواية أخرى. قال ابن مالك: فالرفعُ على الاكتفاء في جواب الاستفهام (٤) بمطابقة المعنى دونَ اللفظ، [والأقيسُ الأكثر النصب، ويجوز أن يكون مَنْ قالَ:

стр. 1666

أربع، كتبه على لغة ربيعة، وهو في اللفظ] (١) منصوب (٢). قلت: هو مثل ما سبق له آنفاً، وفيه ما فيه. قال الزركشي: وفي قول أنس: إنها أربع نظرٌ. أما عمرة الحديبية، فلا تحسب؛ لأنه ما دخل مكة، بل صدر عنها وأُحْصِر، وأما التي مع حجته، فهو مبني على أنه كان قارناً في حجته، وفيه خلاف طويل، وقول البراء: اعتمر عمرتين أشبهُ (٣) (٤). قلت: هذه عبارة لا يليق أن تذكر في حق أنس ﵁ (٥) -، وحاصلُها اعتراضٌ عليه في أمرٍ أخبرَ به عن النبي ﷺ بأن الأمر في الواقع على خلافِ ما أخبر به، واستناده في ذلك مجردُ ما ذكره غير منقدح إذا تأملت، وما أحسنَ الأدبَ مع آحاد العلماء، فضلاً عن كبراء (٦) الصحابة ﵃، وحشرنا معهم (٧) بمنه وكرمه. * * * ١٠٢٠ - (١٧٨٠) - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، وَقَالَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَاّ الَّتِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَتَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمِنَ

стр. 1667

الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَمِنَ الْجِعْرَانةِ؛ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. (حدثنا هدبة ثنا همامٌ (١)، قال: اعتمر أربعَ عُمَرٍ في ذي القعدة، إلا التي اعتمر مع حجته): قال القابسي: هذا الاستئناء كلامٌ زائد، وصوابه: أربع (٢) في ذي القعدة: عمرته من الحديبية. . . إلى آخره، وقد عدها (٣) في آخر الحديث، فكيف يستثنيها أولاً؟ قال القاضي: والرواية عندي هي (٤) الصواب، وقد عدَّها بعد في الأربع، فكأنه قال: في ذي القعدة منها ثلاث، والرابعة (٥) عمرته في حجته، [أو يكون صوابه: كلُّها في ذي القعدة، منها ثلاث والرابعة عمرته في حجته، أو يكون صوابه: كلُّها في ذي القعدة، إلا التي اعتمر في حجته، ثم فسرها بعد ذلك؛ لأن عمرته التي مع حجته] (٦) إنما أوقعها في ذي الحجة إذا قلنا: إنه كان قارناً، أو متمتعاً (٧). * * *

стр. 1668

باب: عمرةٍ في رمضانَ ١٠٢١ - (١٧٨٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ ". قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضحُ، فَرَكبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا-، وَتَرَكَ نَاضِحاً نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ، اعْتَمِرِي فِيهِ؛ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ". أَوْ نَحْواً مِمَّا قَالَ. (قال النبي ﷺ لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس، فنسيت اسمها): هي أم سنان، كذا جاء مفسراً في "صحيح مسلم"، وفي "البخاري" أيضاً في باب: حج النساء (١). وقال الزركشي: هي أم معقل (٢)، وأم طليق، لها كنيتان (٣). قلت: ذكره ابن بشكوال (٤)، وفي "الطبراني" اسم أُم معقل زينب (٥). (أن تحجي): بحذف النون، ويروى: بإثباتها، فالأول: على إعمال "أن"، وهو المشهور، والثاني: على إهمالها، وهو قليل، وبعضهم ينقل أنها لغةٌ لبعض العرب.

стр. 1669

(فإن عُمرةً في رمضان كحجة): أي: في الفضل. قال الزركشي: وفيه: أن الحج الذي ندبها إليه كان تطوُّعاً؛ لأن العمرةَ لا تُجزئ من حجة الفريضة (١). قلت: تبعَ في ذلك ابنَ بطال أيضاً. قال ابن المنير: وهو وهمٌ منه، وذلك أن حجة الوداع أولُ حجٍّ أُقيم بالإِسلام، وقد تقدَّم أن حَجَّ أبي بكر كان إنذاراً، ولم يكن فرضَ الإسلام، قال: فعلى هذا: استحيل أن تكون تلك المرأة قامت بوظيفة الحج بعد، لأنَّ أول حجّ لم تحضره هي، ولم يأت زمان حج ثان عند قوله ﵇، وما جاء الحج الثاني إلا والرسول ﵇ قد توفي، فإنما أراد ﵊ أن يستحثها على استدراك ما فاتها من النذر، ولا سيما الحج معه ﵇؛ لأن فيه مزية على غيره. (فأظلني يوم عرفة)، أي: قرب مني، يقال: أظلني فلان، وإنما يقال ذلك؛ لأنه ظله كأنه وقع عليك لقربه منك. (فأهللت بعمرة مكان عمرتي) بنصب "مكان" على الظرفية، وجره حينئذ على البدل من عمرة. * * * باب: عمرة التنعيم ١٠٢٢ - (١٧٨٥) - حَدَّثَنا محمدُ بن المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ

стр. 1670

ابن عبد المجيد، عن حبيب المعلِّم، عن عطاء قال: حدثني جابرُ بن عبد الله: أنَّ النبيَّ ﷺ أهلَّ وأصحابه بالحجِّ، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، وكان عليُّ قدم من اليمن، ومعه هدي فقال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ، وأن النبي ﷺ أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة، يطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا، إلا من معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر؟! فبلغ النبي ﷺ فقال: "لو استقبلتُ مِنْ أمرِي ما استدبرتُ ما أَهْدَيتُ، ولولا أنَّ معي الهَدْيَ لأَحلَلْتُ". وأن عائشة حاضت، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف. قال: فلما طهرت وطافت قالت: يا رسول الله! أتنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة: وإن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصةً يا رسول الله؟ قال: "لَا، بَلْ لِلأَبَد". (باب: عمرة التنعيم): أي التي يكون إحرامها مواقعاً من التنعيم. (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)، أي: لو علمت من أمري في الأول ما علمته في الآخر. (وإن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: لكم هذه خاصة يا رسول الله! فقال: لا بل للأبد). قال ابن المنير: ترجم على أن العمرة من التنعيم، ثم ذكر حديث سراقة، وليس فيه تعرض لميقات، ولكن الأصل العمرة في أشهر الحج، وأجاب: بأن وجه ذكره في الترجمة هو الرد على من لعله يزعم أن التنعيم كان خاصاً باعتمار عائشة حينئذ، فتقرر لحديث سراقة أنه غير خاص، وأنه عام أبداً.

стр. 1671

باب: يفعل بالعمرة ما يفعل بالحجِّ ١٠٢٣ - (١٧٨٩) - حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا همام قال: حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه: أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرَّانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخَلُوق -أو قال صُفْرة-، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي ﷺ ، فستر بثوب، وددت أني قد رأيت النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي. فقال عمر: تعالَ، أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ قلت: نعم فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه، له غطيط -وأحسبه قال: كغطيط البكر- فلما سرِّي عنه قال: "أَينَ السَّائلُ عَنِ العُمْرَة؟ اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، واغْسِلْ أثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وأَنْقِ الصُّفْرةَ، واصْنَعْ في عُمْرتِكَ كمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ". (وأنقِ الصُّفرة) بهمزة قطع مفتوحة ونون ساكنة، ويروى: "واتَّق" بهمزة وصل ومثناة من فوق مشددة. * * * باب: متى يَحِلُّ المعتمرُ ١٠٢٤ - (١٧٩١) - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن إسماعيل، عن عبد الله بن أبي أوفى: اعتمر رسول الله ﷺ واعتمرنا معه، فلما دخل مكة طاف فطفنا معه، وأتى الصفا والمروة وأتيناها معه، وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد، فقال له صاحب لي: أكان دخل الكعبة؟ قال لا. قَالَ: فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ. قَالَ: "بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ".

стр. 1672

(بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب) قال القاضي: وفيه حديث ابن وهب: قلت: يا رسول الله! وما بيت من قصب؟ قال: هو بيت من لؤلؤة مجوفة، ويروى، مجوبة، وكله بمعنى. قال: هو اللؤلؤ المجوف الواسع، كالقصر المنيف، قال الخليل: القصر ما كان من الجوهر مستطيلاً، ويؤيد تفسيرهم "قباب اللؤلؤ" وفي رواية: قصر من درة مجوفة، انتهى (١). والصخب: ارتفاع الأصوات، كما مر في بدء الوحي. والنَّصَبُ: التعب. وأبدى السهيلي حكمةً للتعبير بالبيت دون القصر، وبالقَصَب دون الجوهر، ولنفي الصَّخَب والنَّصَب (٢) على الخصوص، فقال ما معناه: جرت عادة البلغاء أن يعبروا عن إجزاء الفعل بلفظ ذلك الفعل، وإن كان الجزاء أشرفَ منه؛ قصداً للمشاكلة، ومقابلة اللفظ باللفظ (٣)؛ كما ورد: "مَنْ سَقَى مُسْلِماً عَلَى ظَمَأٍ (٤)، سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ" (٥)، و"مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِداً، بَنَى اللهُ (٦) لَهُ مِثْلَهُ في الجَنَّةِ" (٧).

стр. 1673

ولا يخفى أن خديجة ﵂ أولُ من بنى بيتاً في الإِسلام بوصيتها في النبي ﷺ ، وتزويجها إياه، وأنها حازت قصَبَ السبق إلى الإسلام، وأجابتْ إلى الإيمان لما دعاها ﵊ من غير أَن تُحْوِجَه ألى صَخَب كما يصخَب البعلُ على حليلته إذا نَغَّصَتْ عليه ولا أن توقعه في نَصَب، بل لم تألُ جهداً في جلب كلِّ راحة إليه، وإيناسه من كل وحشة، فاقتضت البلاغةُ أن يُعبر بالعبارة المشاكلةِ لعملها في جميع ألفاظ الحديث، فتأمله (١). * * * ١٠٢٥ - (١٧٩٦) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ: أَنَّ عبد الله مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ: صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ، أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ. (فلما مسحنا البيت) أي: مسحنا بركن البيت، عبرت بذلك عن الطواف كناية؛ إذ هو من لوازم المسح عليه عادة. * * *

стр. 1674

باب: ما يقولُ إذا رجَعَ من الحجِّ أو العمرةِ أو الغزوِ ؟ ١٠٢٦ - (١٧٩٧) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". (على كل شَرَف): -بفتحتين-؛ أي: مكان مُشْرِف مرتفع. * * * باب: استقبالِ الحاجِّ القادمينَ، والثلاثةِ على الدَّابةِ ١٠٢٧ - (١٧٩٨) - حدثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدِ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حدثنا خَالدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قال: لَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ مكَّةَ، اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ. (لما قدم النبي ﷺ استقبله أُغيلمة بني عبد المطلب): قال ابن بطال: فيه من الفقه جوازُ تلقي القادمين من الحج تكرمةً لهم؛ لأنه ﵊ لم ينكر ذلك، بل سره؛ لحمله لهم بين يديه وخلفه (١). قال ابن المنير: وهذا ليس تلقياً للقادم من الحج، ولكنه تلقِّي القادمِ

стр. 1675

(يا بني النجار! ثامنوني): أي: بايعوني بالثمن، والمخاطَب بهذا مَنْ يستحقُّ الحائطَ. ويقال: كان لسهل وسهيل يتيمين في حَجْر أسعدَ بنِ زُرارةَ. قال (١) أهل السير: بركت ناقة (٢) رسول الله ﷺ عند موضع مسجدِه، وهو يومئذ يصلِّي فيه رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً لسهلٍ وسهيلٍ غلامينِ يتيمين من الأنصار، وكانا (٣) في حَجْرِ أبي أمامةَ أسعدَ بنِ زُرارة، فدعا رسول الله ﷺ [بالغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ ] (٤) حتى ابتاعه منهما (٥) بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك. وفي "سيرة ابن هشام": أنهما كانا (٦) في حَجْر مُعاذِ بنِ عَفْراء (٧). ووقع لابن مَنْدَه في كتاب "الصحابة" أن (٨) أخرجَ في ترجمة سَهْل بنِ بيضاء عن أبي إسحاق، قال: كان موضعُ المسجدِ لغلامين يتيمين: سهلٍ، وسهيل (٩)، [وكانا (١٠) في حجر أسعدَ بنِ زُرارة.

стр. 1676

حملَ ثلاثة أو أربعة، جاز ركوبهم عليها، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب: الزينة إن شاء الله تعالى. * * * باب: الدخولِ بالعشِيِّ ١٠٢٨ - (١٨٠٠) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبد الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَاّ غُدْوَةً، أَوْ عَشِيَّةً. (لا يَطرُق أهله): -بفتح حرف المضارعة وضم الراء -؛ أي: لا يأتيهم ليلاً إذا رجع من سفره. * * * باب: مَنْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ إِذَا بَلَغَ الْمَدِينَةَ (باب: من أسرعَ ناقتَه): أنكر عليه (١) الإسماعيلي تعديتَه بنفسه، قال: وإنما يُقال: أسرع بناقته. قال الزركشي: وليس كما قال. وفي "المحكم": أسرعَ: يتعدى بحرف وبغير حرف (٢).

стр. 1677

للحج، إلا أن يُبنى على قياس مَنْ قدمَ من الحج على مَنْ قدم للحج، وتلك العادة إلى الآن (١)، يتلقى المجاورون (٢) وأهلُ مكة القادمين من الركبان، ثم يتلقى الركبانَ عندَ قدومهم (٣) من الحج أهلوهم ومعارفهم، عادةٌ منهم، وسُنَّةٌ مستقرة. (وأغيلمة): تصغيرُ غِلْمَة على غير مُكَبَّرِهِ (٤)، كأنهم صغروا أغلمةً، وإن كانوا لم يقولوه، كما قالوا: أَصَيْبِيَة في تصغير صِبْيَة (٥). كذا في "الصحاح" (٦). (فحمل واحداً بين يديه، وآخرَ خلفه): قال المهلب: فيه ردٌّ لقول (٧) من يقول: إنه لا يجوز ركوبُ ثلاثةٍ على دابة، وإنما أصل هذا أن لا تُكَلَّف (٨) الدابةُ حملَ ما لا تطيقه (٩)، أو ما تطيقه (١٠) بمشقة، فإذا أطاقت (١١)

стр. 1678

(باب: قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]). (فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قِبَلِ بابِه): هو رفاعةُ بنُ التابوت، ذكره المفسرون، ومنهم البغوي، ووقع -أيضاً- في "أسد الغابة" (١). ووقع في مسلم: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قدمَ من سفر، فلما كان (٢) قربَ المدينة، هاجت ريحٌ تكادُ أن تدفنَ الراكبَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ"، فَلَمَّا (٣) قَدِمَ المَدِينَةَ، فَإِذَا (٤) مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ المنافقينَ قد ماتَ (٥). قال ابن (٦) بشكوال: هذا المنافق هو رفاعةُ بنُ التابوت (٧). ومُحال أن يكون منافقاً ويُعد في الصحابة، فيظهر أنهما شخصان اشتركا في الاسمِ واسمِ الأب (٨). وقال القسطلاني (٩) في اسم المنافق: رفاعةُ بنُ زيدِ بنِ التابوت.

стр. 1679

وفي "أسباب النزول" للواحدي: أن الرجل الأنصاري هو قُطبة (١) بنُ عامر. وفي "مسند عبد بنِ حُميد"، في مسند جابرٍ: تسميةُ المنافق برافعِ بنِ التابوت، وهذا يزيل الإشكال (٢). * * * باب: السَّفَرِ قطعةٌ من العذابِ ١٠٣١ - (١٨٠٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ". (يمنع): بإسناده إلى ضمير مذكر غائب؛ أي: السفرُ. (أحدَكم طعامَه وشرابَه ونومَه): [بنصب الجميع؛ لأن "منع" يتعدى إلى مفعولين (٣)، فأحدَكم أحدُهما، وطعامَه المفعولُ الآخر، وشرابَه معطوفٌ عليه، ونومَه إما على طعامه، أو على شرابه، على الخلاف (٤).

стр. 1680

(فإذا قضى نَهْمته)] (١): -بفتح النون وإسكان الهاء (٢) -؛ أي: رغبته وشهوته. * * * باب: المسافرِ إذا جَدَّ به السيرُ يعجِّلُ إلى أهلِهِ ١٠٣٢ - (١٨٠٥) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عبد الله بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نزَلَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ : إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا. (أسرع السير): فيه تعدي "أسرعَ" إلى المفعول بنفسِه، فيردٌّ على الإسماعيلي، وقد سبق التنبيهُ عليه قريباً. * * *

стр. 1681

كِتابُ المُحصَر

стр. 1682

كِتابُ المُحصَر باب: الإحصارِ في الحجِّ ١٠٣٣ - (١٨١٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عبد الله، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَاماً قَابِلاً، فَيُهْدِي، أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجدْ هَدْياً. (أليس حَسْبُكُم سنةَ رسولِ الله ﷺ ؟ إن حُبس أحدكم عن الحج، طاف): قال القاضي: ضبطناه بنصب "سنةَ" على الاختصاص، أو على إضمار فعل (١). قلت: لا مانع من جعل "سنةَ" رسول الله ﷺ خبرَ ليس، والجملة الشرطية تفسيرٌ للسنة، وهل لها حينئذ محل أو لا؟ قولان. وأما على إعراب القاضي، فيكون (٢) في محل نصب على أنها خبر

стр. 1683

ليس، وما بينهما جملة اعتراضية. وفي هذا الذي قاله ابن عمر ﵁ إثباتُ القياس؛ إذ أن (١) النبي ﷺ صُدَّ في عمرةٍ (٢)، فقاس الحجَّ على العمرة، وكأنه من الإلحاق بنفي الفارق، وليس كالأقيسة الضعيفة، ولهذا ذكره بصيغة النقل، وعدَّه من السنة. * * * باب: النَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ فِي الْحَصْرِ (باب: النحر قبل الحلق في الحَصْر): استعمله من الثلاثي، يقال: حَصَرَ، وأَحْصَرَ؛ أي: منعَ، فقيل: هما بمعنى. وقال القاضي إسماعيل (٣): الظاهرُ: الإحصارُ بالمرض، والحَصْرُ بالعدوِّ. وكذا قال أبو عُبيد، وغيره (٤). * * * باب: مَنْ قَالَ: ليسَ على المُحْصَرِ بَدَلٌ ١٠٣٤ - (١٨١٣) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ:

стр. 1684

أَنَّ عبد الله بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِراً فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ، صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عبد الله بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَاّ وَاحِدٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَاّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافاً وَاحِداً، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِياً عَنْهُ، وَأَهْدَى. (ورأى أن ذلك مُجزياً عنه): كذا بنصب "مجزياً" على أن "أَنَّ" تنصب (١) الجزأين. قلت: أو على أن مجزياً خبر "يكون" (٢) محذوفة؛ أي: ورأى أن ذلك يكون مجزياً عنه. ووجهُ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ في هذا الباب استغناؤه بشهرة قصةِ صدِّ النبي ﷺ بالحديبية، وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذلك (٣). * * *

стр. 1685

باب: قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ١٠٣٥ - (١٨١٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ". (هوامُّك): -بتشديد الميم-: جمع هامَّة -بتشديدها- يعني بها: القمل. قال القاضي: وأصله كلُّ ما يدب (١). وفي "الصحاح" خلافه، قال: لا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأجناس (٢). * * * باب: قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ١٠٣٦ - (١٨١٥) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: أَن كعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً، فَقَالَ: "يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، أَوْ قَالَ: احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ
следующие страницы →