← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

كِتابُ المُحصَر

стр. 1682

كِتابُ المُحصَر باب: الإحصارِ في الحجِّ ١٠٣٣ - (١٨١٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عبد الله، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَاماً قَابِلاً، فَيُهْدِي، أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجدْ هَدْياً. (أليس حَسْبُكُم سنةَ رسولِ الله ﷺ ؟ إن حُبس أحدكم عن الحج، طاف): قال القاضي: ضبطناه بنصب "سنةَ" على الاختصاص، أو على إضمار فعل (١). قلت: لا مانع من جعل "سنةَ" رسول الله ﷺ خبرَ ليس، والجملة الشرطية تفسيرٌ للسنة، وهل لها حينئذ محل أو لا؟ قولان. وأما على إعراب القاضي، فيكون (٢) في محل نصب على أنها خبر

стр. 1683

ليس، وما بينهما جملة اعتراضية. وفي هذا الذي قاله ابن عمر ﵁ إثباتُ القياس؛ إذ أن (١) النبي ﷺ صُدَّ في عمرةٍ (٢)، فقاس الحجَّ على العمرة، وكأنه من الإلحاق بنفي الفارق، وليس كالأقيسة الضعيفة، ولهذا ذكره بصيغة النقل، وعدَّه من السنة. * * * باب: النَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ فِي الْحَصْرِ (باب: النحر قبل الحلق في الحَصْر): استعمله من الثلاثي، يقال: حَصَرَ، وأَحْصَرَ؛ أي: منعَ، فقيل: هما بمعنى. وقال القاضي إسماعيل (٣): الظاهرُ: الإحصارُ بالمرض، والحَصْرُ بالعدوِّ. وكذا قال أبو عُبيد، وغيره (٤). * * * باب: مَنْ قَالَ: ليسَ على المُحْصَرِ بَدَلٌ ١٠٣٤ - (١٨١٣) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ:

стр. 1684

أَنَّ عبد الله بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِراً فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ، صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عبد الله بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَاّ وَاحِدٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَاّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافاً وَاحِداً، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِياً عَنْهُ، وَأَهْدَى. (ورأى أن ذلك مُجزياً عنه): كذا بنصب "مجزياً" على أن "أَنَّ" تنصب (١) الجزأين. قلت: أو على أن مجزياً خبر "يكون" (٢) محذوفة؛ أي: ورأى أن ذلك يكون مجزياً عنه. ووجهُ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ في هذا الباب استغناؤه بشهرة قصةِ صدِّ النبي ﷺ بالحديبية، وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذلك (٣). * * *

стр. 1685

باب: قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ١٠٣٥ - (١٨١٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ". (هوامُّك): -بتشديد الميم-: جمع هامَّة -بتشديدها- يعني بها: القمل. قال القاضي: وأصله كلُّ ما يدب (١). وفي "الصحاح" خلافه، قال: لا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأجناس (٢). * * * باب: قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ١٠٣٦ - (١٨١٥) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: أَن كعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً، فَقَالَ: "يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، أَوْ قَالَ: احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ

стр. 1686

هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ". (يؤذيك هوامك؟ قال: نعم): فيه حذف همزة الاستفهام، وقد روي بإثباتها. (أو تَصَدَّق بفَرَق): -بفتحتين-، وقد -تسكن الراء-: ثلاثة آصُعٍ، قاله ابنُ فارس. وقال الأزهري: هو -بالفتح- في كلام العرب، والمحدثون يسكنونه (١)، والمنقول جوازُ كل من -الفتح والسكون-، لكن الفتحَ أشهر، قاله القاضي (٢). * * * باب: الإطعامُ في الفِدْيةِ نصفُ صاعٍ ١٠٣٧ - (١٨١٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبِهَانِيِّ، عَنْ عبد الله بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ، فَقَالَ: نزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أَوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجدُ شَاةً؟ "، فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ

стр. 1687

مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ". (عبد الله بن معْقِل): بإسكان العين المهملة وكسر القاف. (فقال: نزلت فيَّ خاصّةً، وهي لكم عامّةً): فيه دليل على أن العامَّ إذا ورد على سبب خاصٍّ، فهو على عمومه لا يخص السببَ، ويدل -أيضاً- على تأكده (١) في السبب حتى (٢) لا يسوغ إخراجُه بالتخصيص، ولهذا قال: نزلت فيَّ خاصة. (ما كنت أُرى): -بضم الهمزة-؛ أي: أظن. (بلغ بك ما أَرى): -بفتح الهمزة- بمعنى أُشاهدُ، وهو من رؤية العين. (أو ما كنت أُرى الجَهْدَ): -بفتح الجيم- من المشقة، وهذا هو المناسب هنا، وأما الجُهد -بالضم-، فهو الطاقة، ولا معنى لها هنا، إلا أن يجعل الصيغتان (٣) بمعنى واحد، كما قيل. * * * باب: النُّسُك شاةٌ ١٠٣٨ - (١٨١٧) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ

стр. 1688

بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّام. (أن النبي ﷺ رآه، وأنه يسقط على وجهه): كذا لأكثرهم (١)، وضمير النصب من قوله: "رآه" عائد على كعب بن عجرة، ومن "أنه" يعود على القمل، وكذا ضمير الرفع المستتر في قوله: "يسقط"، يعود أيضاً على القمل، و (٢) الضمير من "وجهه" عائد على كعب. ولابن السكن: رأى دوابه (٣) تسقط (٤). * * * باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٠٣٩ - (١٨١٩) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". (سمعت أبا حازم (٥): -بحاء مهملة وزاي-، وكذا قوله بعدُ: "عن أبي حازم".

стр. 1689

كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ

стр. 1690

كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ باب: إذا صَادَ الحلالُ فَأَهْدَى للمُحْرِمِ أَكَلَهُ ١٠٤٠ - (١٨٢١) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عبد الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ، تَضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، أُرَفِّعُ فَرَسِي شَأْواً، وَأَسِيرُ شَأْواً، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَايِلٌ السُّقْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَؤُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ؟ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: "كُلُوا"، وَهُمْ مُحْرِمُونَ. (فأحرم (١) أصحاُبه ولم يُحرم): يعني: أبا قتادة.

стр. 1691

وقد تكلموا في كونه لم يكن محرماً، مع كونهم خرجوا للحج، ومروا بالميقات، وذلك موجبٌ للإحرام: بأنه كان أُرسل إلى جهة أخرى؛ لكشفها على ما دل عليه بعض الأحاديث، وكان الالتقاء معه بعد تجاوز الميقات، وبأنه لم يكن مريداً لحج ولا عمرة، وهو ضعيف، وبأن ذلك قبل توقيت المواقيت، ويحتاج إلى ثبت. (فطعنته (١) فأثبتُّه): يعني: أسقَطْتُه، يقال: رماه فَأثْبَتَهُ؛ أي: حبستُه مكانَه. (وخشينا أن نُقتطَع): -بضم أوله- على البناء للمفعول؛ أي: خشينا أن يَقْتَطِعَنا العدوُّ عن النبي ﷺ . (أرفّع فرسي): -بتشديد الفاء من أُرَفِّع، وكسرِها-؛ أي: أُكلِّفُه السيرَ السريعَ. (شَأواً): -بشين معجمة مفتوحة فهمزة ساكنة فواو-؛ أي: قدرَ عَدْوَةٍ. (تركته بتَعْهِنَ (٢): -بفتح المثناة من فوق وسكون العين المهملة وكسر الهاء- على المشهور. وقال القاضي: ضبطناه بكسر الأول والثالث عن شيوخنا، وكذا قيده البكري، وحكى الضبطَ الأولَ عن بعضهم (٣).

стр. 1692

ونقل الزركشي عن أبي ذر: أنه قال: وسمعنا (١) أهلَ ذلك الماء يفتحون الهاء. ونقل عن غيره: أن من العرب من يضم التاء ويفتح العين ويكسر الهاء. وعن أبي موسى المدني: بضم التاء والعين وتشديد الهاء، وهي عين ماء على ثلائة أميال من السقيا طريق مكة، كذا قال القاضي (٢). (وهو قائل): اسم فاعل من القول، ومن القائلة أيضاً. (السُّقيا) -بضم السين-، قال القاضي: قريةٌ جامعةٌ من عمل الفرع، بينهما مما يلي الجحفة سبعة عشر ميلاً (٣). قال الزركشي: وهو مفعول بفعل مضمر؛ أي: اقصدوا السقيا، وكذا (٤) قال: إن قائلاً اسم فاعل من القول (٥)، لا من القيلولة (٦). قلت: يصح كلٌّ من الوجهين، وإذا جعل قائل من قالَ يقيلُ، كان السقيا مفعولاً بمضمر؛ أي: يريد السقيا، كأنه أدركه في وقت قيلولته، وهو (٧) عازم على (٨) المسير إلى السقيا، إما بقرينة حالية، أو مقالية، لا مانع من ذلك أصلاً.

стр. 1693

(إن أهلك): كذا للكثير (١)، ولابن السكن: "إن أصحابك"، قيل: وهو أوجه (٢). (وعندي منه فاضلة): أي: قطعةٌ فاضلة، يريد: فضلةً. * * * باب: إِذَا رَأَى المُحْرِمون صيداً فَضَحِكُوا، فَفَطِنَ الحَلالُ ١٠٤١ - (١٨٢٢) - حدثنا سَعِيدُ بنُ الرَّبِيعِ، حدّثنا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عبد الله بْنِ أَبِي قَتَاَدَةَ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ، فتوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونَي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، أُرَفِّعُ فَرَسِي شَأْواً، وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْواً، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟، فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَؤونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ الْعُدُوُّ دُونَكَ فَانْظُرْهُمْ، فَفَعَلَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا فَاضِلَةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "كُلُوا"، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.

стр. 1694

(فأُنبئنا بعدوٍّ بغَيْقَةَ): -بغين معجمة مفتوحة (١) فمثناة من تحت فقاف فهاء تأنيث-: موضع بين مكة والمدينة من بلاد غفار، وقيل: هو قَليب ماءٍ لبني ثعلبة. (فبصُر): بضم الصاد المهملة. (فانظُرْهم): -بهمزة وصل وظاء معجمة مضمومة-؛ أي: انتظرْهُم. (إنا صِدْنا): يقال: صادَ يصيد، وفي نسخة: "أُصِدْنا": -[بهمزة قطع مضمومة وصاد مكسورة -، وفي أخرى: "اصَّدْنا"] (٢) -بهمزة وصل وصاد مشددة-، كان أصله: اصْطَدْنا، فقُلبت الطاء صاداً، وأدغم، لكن هذا على خلاف القياس (٣). * * * باب: لا يُعِينُ المُحرِمُ الحلالَ في قَتْل الصَّيدِ ١٠٤٢ - (١٨٢٣) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبي مُحَمَّدٍ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ: سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَاحَةِ، مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ، (ح) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْفَاحَةِ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي

стр. 1695

يَتَرَاءَوْنَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ -يَعْنِي: وَقَعَ سَوْطُهُ-، فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ. فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأُكُلُوا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ أَمَامَنَا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "كُلُوهُ، حَلَالٌ". قَالَ لَنَا عَمْرٌو: اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ فَسَلُوهُ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَاهُنَا. (بالقاحة): -بقاف وحاء مهملة خفيفة-: موضع على ثلاث مراحل من المدينة قبل السقيا بميل. وفي أصل القابسي: بالفاء. قال القاضي: والصواب الأول (١). (وهو أَمامَنا): -بفتح الهمزة- ظرف مكان. * * * باب: لا يُشِيرُ المُحْرِمُ إلى الصَّيدِ لكي يَصْطَادَهُ الحَلالُ ١٠٤٣ - (١٨٢٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ-، قَالَ: أَخْبَرَنِي عبد الله بْنُ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ". فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَاّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ

стр. 1696

يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْم الأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا". (ابن مَوهَب): بفتح الميم والهاء معاً (١). (أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة لم يحرم): ويروى: "أبو قتادة" -بالرفع- على أن "إلا" بمعنى"لكن" على الاسم المنقطع. قلت: وهذا من الجمل التي لها محل من الإعراب (٢)، ولم يعدها مع تلك الجملة إلا قليل. (فأكلوا من لحمها): ثم سألوا النبي ﷺ بعد ذلك عن الحكم. فيه دليل على جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ ، فإنهم أكلوا باجتهاد، ووجب الرجوعُ إلى النصوص (٣) عند تعارض الأشياء والاحتمالات. (منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟): فيه دليل على أنهم لو فعلوا ذلك، لكان سبباً للمنع.

стр. 1697

(قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها): فيه دليل على جواز أكل المحرم لحمَ الصيد إذا لم يكن منه دلالةٌ ولا إشارة. * * * باب: إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَاراً وَحْشِيًّا حَيًّا، لَمْ يَقْبَلْ (باب: إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً، لم يقبل): هذه الترجمة تدل على أن البخاري فهمَ من حديثها أن الحمار كان حياً، وأكثرُ الروايات مصرحةٌ بأنه كان ميتاً، وأنه أتاه بعضو منه (١)، فيحتمل أنه أتاه به حياً، فلما ردَّ عليه، وأقره بيده، ذَكَّاه، ثم أرسل إليه بعضو منه، فردَّه إعلاماً بأن حكمَ الجزءِ حكمُ الكلِّ. ١٠٤٤ - (١٨٢٥) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عبيد الله بْنِ عبد الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَاراً وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَاّ أَنَّا حُرُمٌ". (الصَّعْب بن جَثَّامَةَ): بصاد مهملة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فباء موحدة، وجَثّامة: بجيم مفتوحة فثاء مثلثة مشددة. (وهو بالأبواء): -بفتح الهمزة والمد-: جبل من عمل (٢) الفرع، بينه

стр. 1698

وبين الجحفة (١) مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، قيل: سمي الموضعُ بذلك؛ لوبائه، وكان حَقُّه أوباء، لكنه على القلب، وقيل: لأن السيول تَتَبَوَّؤُهُ (٢)؛ أي: تحلُّه، وهناك توفيت آمنةُ أمُّ رسول الله ﷺ . (بودَّان): -بفتح الواو وتشديد الدال المهملة-: موضع بقرب الجحفة. (إنا لم نردّه عليك إلا أَنَّا حرم): "إنَّ" الأولى مكسورة؛ لوقوعها في ابتداء الكلام، والثانية مفتوحة؛ لدخول لام التعليل عليها تقديراً؛ إذ الأصلُ: إلا لأَنَّا، وحُرُم: -بضم الحاء (٣) المهملة والراء -؛ أي: محرمون، والمشهورُ عندَ المحدِّثين: فتحُ الدال، من "نردَّه"، ومحققو النحاة على خلافه، وذلك أن المختار عندهم الضمُّ، وإن كان الفتح و (٤) الكسر جائزين في مثله من المضاعف المجزوم أو (٥) الموقوف؛ إيثاراً للاتباع. * * * باب: ما يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوابِّ ١٠٤٥ - (١٨٢٩) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ

стр. 1699

فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ". (خمسٌ من الدواب كلُّهن فاسق يُقْتَلْنَ (١) في الحرم): قال الزركشي: "فاسق" صفة لكل، ولفظ الكل (٢) مذكر، و"يُقتلن" فيه ضمير راجع إلى معنى كُل، وهو جمعٌ، وهو تأكيد خمس (٣). قلت: الصوابُ أن يقال: "خمسٌ" مبتدأ، وسَوَّغ الابتداءَ به مع كونه نكرة وصفُه، و"منَ الدواب (٤) " [في محل رفع على أنه صفةٌ بخمس، وقوله: "كلُّهن فاسقٌ" جملة اسمية] (٥) في محل رفع -أيضاً- على أنه صفةٌ أخرى لخمس، وقوله: "يُقتلن" جملةٌ فعلية في محل رفع على أنها خبر المبتدأ الذي هو خمسٌ، وأما جعلُ "كلُّهن" تأكيداً لخمس، فمما يأباه البصريون، وجعلُ "فاسقٌ" صفة لكل، خطأ ظاهر، والضمير من "يُقتلن" عائد على خمس، لا على كل؛ إذ هو خبرُه، ولو جعل خبر كل، امتنع الإتيان بضمير الجمع؛ لأنه لا يعود عليها (٦) الضمير من خبرها إلا مفرداً مذكراً على لفظها (٧)، على ما صرح به ابن هشام في "المغني" (٨).

стр. 1700

وعلى الجملة: فلست على وثوق من نسخة الزركشي، فلعله من أغلاط النساخ. (الحِدَأة): -بكسر الحاء مهموز (١) -: واحد (٢)، والحِدَاءِ: بالهمزة مع القصر، و (٣) كذا في بعض الروايات هو؛ أعني: بصيغة الجمع. * * * ١٠٤٦ - (١٨٣٠) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عبد الله ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]، وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اقْتُلُوهَا"، فَابْتَدَرْنَاهَا، فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا". (وإني لأتلقاها من فيه): أي أَتَلَقَّفُها وآخذها. (وإن فاه لَرَطْبٌ بها): الرَّطْبُ: عبارهٌ عن الغَضِّ (٤) الطَّرِيِّ، كأَنَّ معناه: لم يجفَّ ريقُه بها. (وُقِيَت شَرَّكم): -بالنصب- على أنه مفعول ثان، وكذلك: (كما وقيتم شَرَّها): أي: لم يلحقْكم ضررُها، ولم يلحقْها ضررُكم،

стр. 1701

وهو من مجاز المقابلة (١). * * * ١٠٤٧ - (١٨٣١) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغ: "فُوَيْسِقٌ". وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. (قال: للوزغ: فُوَيْسِق): تصغير فاسق. قال الزركشي: وهو تصغيرُ تَحقير، ويقتضي (٢) زيادةَ الذَّمِّ (٣). وقال الخطابي: أصلُ الفسقِ: الخروجُ عن الشيء، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ أي: خرج (٤). قال ابن قتيبة: لا أرى الغرابَ سُمي (٥) فاسقاً إلا بخروجه عن أمرِ نوحٍ حين أرسله، ووقوعِه على الجِيفَة (٦). وحكي عن الفراء: أنه قال: ما أحسبُ الفأرةَ سُميت فويسقةً إلا لخروجها من جُحْرِ على الناس. ولم يُعجب (٧) الخطابيَّ واحدٌ من القولين، قال: وإنما أراد بالفسق (٨):

стр. 1702

الخروجَ عن الحرمة، يقول: خمسٌ لا بُقْيا عليهن، ولا حرمةَ لهن على المحرم إذا أصابهن (١). قال ابن المنير: إذا تعارض الأمرُ في إطلاق اسم الفسق باعتبار (٢) أفعال الفاسق، أو باعتبار استباحته، فإطلاقُه (٣) باعتبار أفعالهِ؛ لأنه أشبه بالحقيقة، فالأحسنُ أنه سماهن فواسقَ؛ لعدوانهن (٤)، وتشبههن (٥) بالفُسَّاق من المكلَّفين، ويكون فيه ذكرُ السبب الموجب لقتلهن؛ لأنا إذا استبحنا قتلَ فُسّاق المكلَّفين كالمقتولين بالحرابة ونحوِها من وجوه الفساد في الأرض، فلأن نستبيحَ ذلك من الحشرات والحيوانات أولى. قال أبو عبد الله: إنما أردنا بهذا: أَنَّ مِنَى من الحرم، وأنهم لم يروا بقتل الحية بأساً، ليس في حديث الأمر بقتل الحية (٦) ما يدلُّ على أنه أمرهم بقتلها وهم محرمون؛ لأنه قال: بينا نحن بمنى، فلعل ذلك كان بعد طواف الإفاضة وإحلال المحرمين، إلا أن يكون البخاري يأنس من التواريخ بشيء لم يصح على شرطه، يقتضي أن ذلك كان وهم (٧) بمنى يومَ التروية، أو يومَ النحر قبل الطواف.

стр. 1703

باب: لا يُعْضَدُ شجرُ الحرمِ ١٠٤٨ - (١٨٣٢) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ العَدَوِيِّ: أنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولهِ ﷺ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْروٌ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِياً، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. خَرْبَة: بَلِيَّةٌ. (عن أبي شُريح): بشين معجمة وحاء مهملة على التصغير. (فلا يحل لامرئ يؤمنُ بالله واليوم الآخر): قد يتوهم أن هذا يدلُّ على أن الكفار ليسوا [مخاطَبين بفروع الشريعة، والصحيحُ عند أكثر الأصوليين أنهم] (١) مخاطبون (٢). وأجيب عن هذا (٣) التوهم: بأن المؤمن هو الذي ينقاد (٤) لأحكامنا،

стр. 1704

وينزجر عن محرمات شرعنا، وتستمر (١) أحكامه، فجعل الكلام فيه، وليس فيه أن غير (٢) المؤمن ليس مخاطباً بالفروع، واختيار ابن دقيق العيد أن يكون هذا من باب التهييج والإلهاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] (٣). وهو مَهْيَعٌ مسلوكٌ لأهل البلاغة. * * * باب: لا يُنَفَّر صيدُ الحرمِ ١٠٤٩ - (١٨٣٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَاّ لِمُعَرِّفٍ". وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَاّ الإِذْخِرَ، لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: "إِلَاّ الإذْخِرَ". وَعَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا: لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ يَنْزِلُ مَكَانَهُ. (فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخرَ لصاغتنا وقبورنا؟ فقال: إلا الإذخرَ) قال المهلب: يحتمل أن يكون تحريمُ مكةَ خاصّةً من تحريم الله ، وغير ذلك مما ذُكر في الحديث من تحريمه ﵇،

стр. 1705

وإلا، فلو كان من تحريم الله، ما استُبيح (١) منه إِذْخِرٌ ولا غيرُه (٢). وردَّه ابن المنير: بأن الحديث دالٌّ على أن التفصيلَ المذكورَ منعطفٌ على أول الكلام، ومُفَسِّرٌ، وذلك أنه لما قال: إن الله حَرَّمَ مكةَ، وعلمنا أن التحريمَ إنما يتعلق بأفعال المكلفين، بيَّن ﵇ تلكَ الأفعال، وهي: تنفيرُ الصيد، وقطعُ الشجر (٣)، واختلاءُ الخلاء، وانساقَ ذلك كلُّه مساقَ البيان، من غير عطف ولا حرف استثناء، فهو نص في أن الكلَّ محرم بتحريم الله. وأيضاً: فكلُّ تحريمٍ أو تحليل، فإلى الله حقيقتُه، والنبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، فلا فرقَ بين إضافة التحريم إلى الله، وإضافتِه إلى رسوله؛ لأنه المبلغ، [والتحريم إلى الله حكماً، وإلى الرسول بلاغاً، وسؤالُ العباس على معنى الضراعة، وترخيصُ النبي] (٤) ﷺ تبليغ عن (٥) الله، إما بطريق أن الله نفث في رُوعه، وإما لأن جبريل نزل بذلك في طرفة عين (٦)، واعتقادُ أن نزولَ جبريل يحتاج إلى أمدٍ (٧) مُتَّسِعٍ وَهْمٌ وزَلَلٌ. ثم قال المهلب: ويحتمل أن الكُلَّ بتحريم الله، ووجهُ استثنائه ﵇ دون استعلام علمُه بتحليل المحرَّمات عندَ الضرورة، كما تقرر عندَه فيما أُنزل عليه قبلُ؛ من أكلِ المضطرِّ الميتةَ، وغيرها مما ينطق به القرآن.

стр. 1706

وردَّه ابنُ المنير -أيضاً-: بأن القاعدةَ فيما يباح للضرورة، والمانعُ فيه قائم: أن يعتبر تحققُ الضرورةِ في كل صورة، فلو كان الإذخرُ مثلَ الميتة، لوجب أن لا يجوزُ استعمالُه إلا لمن تحققت ضرورته كاستعمال الميتة، والإجماعُ على خلافه. وفيه ما يدل على تمهيد القبور بالحشيش وما في معناه. * * * باب: الحِجَامَةِ للمُحْرِمِ ١٠٥٠ - (١٨٣٦) - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁، قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ، بِلَحْيِ جَمَلٍ، فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. (بلَحْي جمل): يقال: بفتح اللام من "لَحْي (١) "، وكسرها مفرَداً. قال القاضي: كذا عند ابن عتاب، وابن عيسى من شيوخنا، وهما لغتان في اللَّحْي، وكان في هذا الحرف عند بعض شيوخنا -الفتحُ- لا غير. قال شيخنا أبو علي الحافظ: وهي روايتنا، وكذا وجدته أنا بخط الأصيلي في البخاري. قال ابن وضاح: هي عَقَبَةُ الجُحْفَة، وقال غيره: هي على سبعة أميال من السقيا.

стр. 1707

ورواه بعض رواة البخاري: "لَحْيَيْ جمل" مثنى. انتهى (١). (في وسَط رأسه): -بفتح السين- من وَسَط؛ أي: الموضع المتوسط من الرأس. * * * باب: تزويجِ المُحْرِمِ ١٠٥١ - (١٨٣٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. (عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونةَ وهو محرِمٌ): ثبت (٢) عن أبي رافع: أنه ﵇ نكحها وهو حلال، ورُجِّحت روايتُه على رواية ابن عباس؛ لأن أبا رافع كان السفير. وروايةُ مَنْ كان له في الواقعة مدخلٌ من مباشرة أو نحوها، أرجحُ من الأجنبي، ورجحت أيضاً بأنها مشتملةٌ على إثبات النكاح لمدة متقدمة على زمن الإحرام، والأخرى نافية لذلك، والمثبتُ مقدَّم على النافي. * * * باب: ما يُنْهى مِنَ الطِّيْبِ للمُحْرِمِ والمُحْرِمَةِ ١٠٥٢ - (١٨٣٨) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ،

стр. 1708

عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَاّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَينِ". تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عبيد الله: وَلَا وَرْسٌ. وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازينِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمِ. (القُفّازين): تثنية قُفَّاز. قال الجوهري: هو بالضم والتشديد: شيء يُعمل لليدين يُحشى بقطن، ويكون له أزرار تُزَرُّ على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها (١). * * * باب: الاِغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْساً. (ولم ير ابنُ عمرَ وعائشةُ بالحكِّ بأساً): يعني: حكّ المحرِم بجلده إذا أكلَه.

стр. 1709

١٠٥٣ - (١٨٤٠) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عبد الله بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّ عبد الله بْنَ الْعَبَّاسِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عبد الله بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي عبد الله بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبي أَيُوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عبد الله بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عبد الله بْنُ الْعَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ. (يغتسل بين القَرْنين): أي: قَرْنيَ البئر، وهما حائطان على جنبي البئر، يجعل عليهما خشبة تعلَّق بها البكرة. * * * باب: لُبْسِ السِّلاحِ للمُحْرِمِ ١٠٥٤ - (١٨٤٤) - حَدَّثَنَا عبيد الله، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءَ ﵁: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحاً إِلَاّ فِي الْقِرَابِ. (حتى قاضاهم): من القضاء بمعنى: الفصل والحكم. (إلا في القِراب): قال القاضي: هو وعاء يَجعل فيه راكبُ البعير سيفَه

стр. 1710

مغَمداً، فيعلق على بعيره، وقد يجعل فيه بعضُهم زاده، أو سوطه وهراوته (١)، وهو (٢) بكسر القاف (٣). * * * باب: دُخُولِ الحرمِ ومكةَ بغيرِ إحْرامٍ ١٠٥٥ - (١٨٤٥) - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. (ولأهل اليمن أَلَمْلَمَ): -بالهمزة-، كذا قيده الأصيليُّ في هذا الباب، وهو باب: دخول الحرم ومكة بغير إحرام. ولابن السكن: "يَلَمْلَم": بالياء (٤). * * * ١٠٥٦ - (١٨٤٦) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ

стр. 1711

بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". (المِغْفَر): قال ابن سيدَهْ: هو زَرَدٌ يُنسج من الدروع على قَدْر الرأس يُلبس تحتَ القلنسوة (١). وقال ابن عبد البر: هو ما يُغطي الرأسَ من السلاح؛ كالبيضةِ وشبهِها، من حديدٍ كان ذلك (٢) أو غيرِه (٣). (فقال: إن (٤) ابن خَطَل): -بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة-، واسمُه هلالُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ مناف. وقيل: عبد الله. وقيل: عبد العزى. وقيل: غالب. وقيل: إن هلالاً أخوه، ويقال لهما: الخطلان. وقال الحافظ الدمياطي: اسمه هلال، وخطلٌ لقبُ جدِّه عبدِ مناف، وفي كتاب الزبير: أن عبد الله هو الذي يُقال [له]: خطلٌ، وقيل له ذلك: لأن أحد لَحييه كان أنقصَ من الآخر (٥) (٦).

стр. 1712

قلت: وقد استبان لك بما ذكرناه أن خطلاً مصروف، وإنما نبهت (١) على ذلك؛ لأنه بلغني أن شخصاً بمصرَ زعم أنه غيرُ مصروف، وأنه اسمُ أمه، فتأملْه. (متعلقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه): قال بعض الشارحين: فيه أن من سب النبي ﷺ يُقتل، ولا يُستتاب؛ كابن خطل. وقال ابن المنير: للمسألة صورتان: إحداهما: أن يَسبَّ المسلمُ. والأخرى: أن يسبَّ الكافرُ، فإذا أُخذ ليُقتل، أسلمَ. وفي قبول التوبة في كلتيهما خلاف، أما إذا سبَّ الكافرُ ولم يسلمْ، فلا خلافَ في قتله، وليس في حديث ابنِ خطل ما يدلُّ على أنه أسلم، وإنما فيه أنه (٢) تحسب بالكعبة (٣) على عادة العرب، فلا تدل مسألته على شيء من مسألتي الخلاف جميعاً. والحقُّ: القتلُ (٤) في الصور كلِّها، وإن زعمَ التوبةَ؛ لأنه حدٌّ من الحدود. * * * باب: سُنَّةِ المُحرمِ إذا ماتَ ١٠٥٧ - (١٨٥١) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو

стр. 1713

بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً". (فإنه يبعث يومَ القيامة ملبياً: قال المهلب في حديث المحرم: هذا دليل على أنه لا يحج أحدٌ عن أحد؛ لأن الحجَّ من أعمال الأبدان كالصلاة، ولو صحت فيه النيابةُ، لأمر (١) ﵇ بإتمام الحجِّ عن هذا، مع أنه قد كان يمكن أن لا يتبع بما بقي عليه في الآخرة؛ لبلوغه الطاقة. قال ابن المنير: ما جعله ممكناً متعينٌ قطعاً؛ لأن حجة الوداع أولُ حجة (٢) في الإسلام، فلم يتراخ هذا الميتُ عن واجب، وماتَ قبل التمكُّن من أداء بقية الحج، فهو غيرُ مخاطب به؛ كمن شرع في الصلاة أولَ الوقت، فمات في أثنائها، فلا تبعة عليها إجماعاً (٣). ولا ينبغي أن يختلف -أيضاً- في أنه لا يُحج عنه؛ لأن الحج عنه يستدعي تقرر الحج أصالةً، والغرض أنه مات غيرَ مكلَّف به. وكذا لا ينبغي أن يختلف القائلون بأن الميت عن حجة الإسلام يُحج عنه من ماله، فإن (٤) مات بعد البلوغ، ولم يأت زمنُ الحج، أو أتى وأحرم

стр. 1714

بالحج أولَ سنة بلوغه، ثم مات في أثناء الحج، فإن هذا غيرُ مكلف بما استبان من حاله. * * * باب: الْحَجِّ وَالنَّذر عَنِ الْمَيِّتِ، وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ الْمَرْأَةِ (باب: الحج، والنذر عن الميت، والرجل يحج عن المرأة): قيل: كان ينبغي أن يقول: والمرأة تحج عن المرأة؛ ليطابق حديث الباب. قال الزركشي: استنبط منه ذلك، فإنه خاطبها بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، وهو قوله: "اقضوا الله" (١). ١٠٥٨ - (١٨٥٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ يَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟. قالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". (أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحجَّ ولم تحج، أَوَأَحُجُّ عنها؟ قال: حُجِّي عن أمك (٢)): هذه المرأة هي عمةُ سنانِ بنِ عبد الله الجهنيِّ. ففي "مختصر الاستيعاب"، وفي "أسد الغابة" ما يدلُّ عليه.

стр. 1715

لكن ذكر في "أسد الغابة" -أيضاً- في أول حرف الغين المعجمة -: غائثة. وقيل: غائية، أتت النبىَّ ﷺ ، فقالت: إن أُمي ماتت وعليها نذرٌ أن تمشيَ إلى الكعبة، فقال: "اقضي عنها"، رواه عثمانُ بنُ عطاء عن أبيه مرسلاً، أخرجَه ابن منَدهْ، وأبو نعيم. انتهى (١). وفي النسائي: أَمرت امرأةُ سنانِ بنِ سلمةَ الجهنيِّ أن يُسأل (٢) النبيُّ ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج، فذكره (٣). قال شيخنا قاضي القضاة جلالُ الدين -أمتع الله بعلومه (٤) -: فهذا مخالف لما تقدم من أنه سنان بن عبد الله. قلت: يُحتمل حملُه على التعدد. * * * باب: الحجِّ عمَّنْ لا يستطيعُ الثُّبوتَ على الرَّاحِلَةِ ١٠٥٩ - (١٨٥٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ

стр. 1716

أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". (امرأة من خَثْعَمَ): قال الزركشي: بالفتح، لا ينصرف (١). قلت: لكن للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة (٢)، لا للعلمية والوزن كما سبق عنه. * * * باب: حجِّ الصِّبيانِ ١٠٦٠ - (١٨٥٦) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبي يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. (قدمني في الثَّقَل): -بفتحتين -: آلاتُ السفر ومتاعُه. * * * ١٠٦١ - (١٨٥٧) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الْحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا، فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ ﷺ . وقالَ يُوْنُسُ، عنِ ابِنِ شِهَابٍ: بِمنِىً في حَجَّةِ الوَدَاعِ.

стр. 1717

(وقد ناهزت الحُلُم): أي: قاربتُ البلوغَ بالاحتلام، والحُلُم: بضمتين. قال ابن الأثير: و (١) قد تسكن اللام: ما يراه النائم في نومه (٢). قلت: التسكين (٣) فيه على جهة التخفيف، وهو جارٍ في هذا اللفظ ونظائرِه قياساً؛ نحو: عُنُق (٤). * * * ١٠٦٢ - (١٨٥٩) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ ابْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ . (عن الجُعَيد): بضم الجيم وفتح العين على التصغير، آخره دال مهملة. * * * باب: حجِّ النِّساءِ ١٠٦٣ - (١٨٦١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ: الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ:

стр. 1718

فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (لكُنَّ): -بضم الكاف وتشديد النون، بلام الجر داخلة على ضمير المخاطبات (١) -، وهو ظرف مستقر [على أنه خبرٌ مقدَّم. (أفضلُ (٢) الجهَاد): -بالرفع على أنه مبتدأ-. (وأجملُه): عطف عليه. (الحَجُّ): -بالرفع] (٣) - على أنه بدل. (حجٌّ مبرور): خبر مبتدأ محذوف؛ أي (٤): هو حجٌّ مبرور. * * * ١٠٦٤ - (١٨٦٢) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَاّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟، فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا". (عن أبي مَعْبَد): بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فباء موحدة مفتوحة فدال مهملة. (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم): قال ابن دقيق العيد: لفظُ المرأة

стр. 1719

عامٌّ بالنسبة إلى سائر النساء (١). وقال بعض المالكية: هذا عندي في الشابة، فأما الكبيرةُ غيرُ المشتهاة (٢)، فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم. وخالفه بعض المتأخرين من الشافعية من حيث إن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطةٍ لاقطةٌ. قلت: متى مالت (٣) شهوةٌ (٤) لاقطةٍ لهذه الساقطة، خرجتْ عن فرض المسألة؛ لأنها تكون (٥) حينئذ مشتهاةً في الجملة، وليس الكلام فيه، إنما الكلام فيمن لا يُشتهى أصلاً ورأساً، ولا نسلم أن مَنْ هي بهذه الصفة (٦) مظنةُ الطمع والميل إليها بوجه. قال ابن دقيق العيد: والذي قاله المالكي تخصيصُ العموم بالنظر إلى المعنى، وقد اختار هذا الشافعي أن المرأة تسافر في الأمن، ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير (٧) وحدَها في جملة القافلة، وتكون آمنة. قال: وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث، ثم ذو المحرم عامٌّ في مَحرم النسب؛

стр. 1720

كأبيها (١) وأخيها، وابن أخيها وابن أختها (٢)، ومَحرمِ الرضاع، ومحرمِ المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، واستثنى بعضهم ابنَ الزوج، فقال: يكره سفرها معه؛ لغلبة الفساد في الناس بعدَ العصر الأول، ولأن كثيراً من الناس لا يُنْزِلُ زوجةَ الأب في النفر (٣) عنها منزلةَ محارم النسب، والحديثُ عامٌّ، فإن عنى بالكراهة التحريم، فهو مخالف لظاهر الحديث، وإن عنى كراهة التنزيه (٤)، فهو أقرب (٥). * * * ١٠٦٥ - (١٨٦٤) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ ثِنْثيْ عَشْرَةَ- غَزْوَةً، -قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجدِ الْحَرَامِ، وَمَسجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى".
следующие страницы →