← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". (امرأة من خَثْعَمَ): قال الزركشي: بالفتح، لا ينصرف (١). قلت: لكن للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة (٢)، لا للعلمية والوزن كما سبق عنه. * * * باب: حجِّ الصِّبيانِ ١٠٦٠ - (١٨٥٦) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبي يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. (قدمني في الثَّقَل): -بفتحتين -: آلاتُ السفر ومتاعُه. * * * ١٠٦١ - (١٨٥٧) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الْحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا، فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ ﷺ . وقالَ يُوْنُسُ، عنِ ابِنِ شِهَابٍ: بِمنِىً في حَجَّةِ الوَدَاعِ.

стр. 1717

(وقد ناهزت الحُلُم): أي: قاربتُ البلوغَ بالاحتلام، والحُلُم: بضمتين. قال ابن الأثير: و (١) قد تسكن اللام: ما يراه النائم في نومه (٢). قلت: التسكين (٣) فيه على جهة التخفيف، وهو جارٍ في هذا اللفظ ونظائرِه قياساً؛ نحو: عُنُق (٤). * * * ١٠٦٢ - (١٨٥٩) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ ابْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ . (عن الجُعَيد): بضم الجيم وفتح العين على التصغير، آخره دال مهملة. * * * باب: حجِّ النِّساءِ ١٠٦٣ - (١٨٦١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ: الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ:

стр. 1718

فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (لكُنَّ): -بضم الكاف وتشديد النون، بلام الجر داخلة على ضمير المخاطبات (١) -، وهو ظرف مستقر [على أنه خبرٌ مقدَّم. (أفضلُ (٢) الجهَاد): -بالرفع على أنه مبتدأ-. (وأجملُه): عطف عليه. (الحَجُّ): -بالرفع] (٣) - على أنه بدل. (حجٌّ مبرور): خبر مبتدأ محذوف؛ أي (٤): هو حجٌّ مبرور. * * * ١٠٦٤ - (١٨٦٢) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَاّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟، فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا". (عن أبي مَعْبَد): بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فباء موحدة مفتوحة فدال مهملة. (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم): قال ابن دقيق العيد: لفظُ المرأة

стр. 1719

عامٌّ بالنسبة إلى سائر النساء (١). وقال بعض المالكية: هذا عندي في الشابة، فأما الكبيرةُ غيرُ المشتهاة (٢)، فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم. وخالفه بعض المتأخرين من الشافعية من حيث إن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطةٍ لاقطةٌ. قلت: متى مالت (٣) شهوةٌ (٤) لاقطةٍ لهذه الساقطة، خرجتْ عن فرض المسألة؛ لأنها تكون (٥) حينئذ مشتهاةً في الجملة، وليس الكلام فيه، إنما الكلام فيمن لا يُشتهى أصلاً ورأساً، ولا نسلم أن مَنْ هي بهذه الصفة (٦) مظنةُ الطمع والميل إليها بوجه. قال ابن دقيق العيد: والذي قاله المالكي تخصيصُ العموم بالنظر إلى المعنى، وقد اختار هذا الشافعي أن المرأة تسافر في الأمن، ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير (٧) وحدَها في جملة القافلة، وتكون آمنة. قال: وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث، ثم ذو المحرم عامٌّ في مَحرم النسب؛

стр. 1720

كأبيها (١) وأخيها، وابن أخيها وابن أختها (٢)، ومَحرمِ الرضاع، ومحرمِ المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، واستثنى بعضهم ابنَ الزوج، فقال: يكره سفرها معه؛ لغلبة الفساد في الناس بعدَ العصر الأول، ولأن كثيراً من الناس لا يُنْزِلُ زوجةَ الأب في النفر (٣) عنها منزلةَ محارم النسب، والحديثُ عامٌّ، فإن عنى بالكراهة التحريم، فهو مخالف لظاهر الحديث، وإن عنى كراهة التنزيه (٤)، فهو أقرب (٥). * * * ١٠٦٥ - (١٨٦٤) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ ثِنْثيْ عَشْرَةَ- غَزْوَةً، -قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجدِ الْحَرَامِ، وَمَسجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى".

стр. 1721

(فأَعْجَبْنَني وآنَقْنَنِي): يعني: الكلمات الأربع، وآنقني الشيءُ يؤنقني: أعجبني، وهو من عطف الشيء على مرادفه، نحو: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، ونحو: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، ونحو: ﴿عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، وقوله ﵊: "ليلني مِنْكُم (١) ذَوُو (٢) الأَحْلامِ وَالنُّهَى" (٣). وقول الشاعر: فَأَلْفَى قَوْلَهَا (٤) كَذِباً وَمَيْنا * * * باب: مَنْ نَذَرَ المشْيَ إلى الكعبةِ ١٠٦٦ - (١٨٦٥) - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخاً يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ "، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: "إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ"، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. (أخبرنا الفزاريُّ): قال ابن حزم: هو أبو إسحاقَ، أو إبراهيمُ بنُ معاويةَ، وكلاهما ثقةٌ إمام (٥).

стр. 1722

(رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه): نقل مغلطاي عن الخطيب: أن هذا الشيخ هو أبو إسرائيل. وينبغي تحريرُ هذا النقل، فقد قيل: إن "مبهمات" الخطيب كشفت، ولم يوجد فيها ما نقله عنه (١). وفي "مختصر الاستيعاب": اسمه يُسَيْر، وقيل: قُشَيْر (٢). * * *

стр. 1723

كِتابُ فَضَائلُ المدينَةِ

стр. 1724

كِتابُ فَضَائلُ المدينَةِ باب: حرمِ المدينةِ ١٠٦٧ - (١٨٦٧) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". (المدينة حرم (١) من كَذَا إلى كَذَا): -بفتح الكاف والذال المعجمة-: كناية عن اسمي مكانين، وسيأتي الكلام عليها قريباً. * * * ١٠٦٨ - (١٨٦٨) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ ﵁: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجدِ، فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي"، فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى اللهِ، فَأَمَرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجدِ.

стр. 1725

(يا بني النجار! ثامنوني): أي: بايعوني بالثمن، والمخاطَب بهذا مَنْ يستحقُّ الحائطَ. ويقال: كان لسهل وسهيل يتيمين في حَجْر أسعدَ بنِ زُرارةَ. قال (١) أهل السير: بركت ناقة (٢) رسول الله ﷺ عند موضع مسجدِه، وهو يومئذ يصلِّي فيه رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً لسهلٍ وسهيلٍ غلامينِ يتيمين من الأنصار، وكانا (٣) في حَجْرِ أبي أمامةَ أسعدَ بنِ زُرارة، فدعا رسول الله ﷺ [بالغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ ] (٤) حتى ابتاعه منهما (٥) بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك. وفي "سيرة ابن هشام": أنهما كانا (٦) في حَجْر مُعاذِ بنِ عَفْراء (٧). ووقع لابن مَنْدَه في كتاب "الصحابة" أن (٨) أخرجَ في ترجمة سَهْل بنِ بيضاء عن أبي إسحاق، قال: كان موضعُ المسجدِ لغلامين يتيمين: سهلٍ، وسهيل (٩)، [وكانا (١٠) في حجر أسعدَ بنِ زُرارة.

стр. 1726

قال ابن الأثير: ظن أن ابني بيضاء (١) هما الغلامان اللذان كان لهما موضعُ المسجد] (٢)، وإنما كانا من الأنصار، وأما ابنا بيضاء، فمن بني فِهْر، وإنما دخل الوهمُ على ابن منده حيث لم ينسب إلى أب ولا قبيلة. ثم قال: سهلُ بنُ عمرٍو الأنصاريُّ النجاريُّ أخو سهيلٍ، وهما صاحبا المربد الذي بنى فيه (٣) رسول الله ﷺ مسجده، وساقَ ما تقدم عن أبي إسحاق، ثم قال: وذكر ابنُ عبدِ البر: أن المربدَ كانَ لسهلٍ وسهيلٍ ابني رافع (٤). (ثم بالخِرَب): -بالخاء المعجمة- على وزن القِرَب، وعلى وزن (٥) النَّبْقِ، و (٦) بالحاء المهملة ومثلثة -، يراد به: الموضع الذي يُحرث للزراعة، وقد سبق ذلك في أول الكتاب. * * * ١٠٦٩ - (١٨٦٩) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي". قَالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي حَارِثَةَ، فَقَالَ: "أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الْحَرَمِ"، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ".

стр. 1727

(لابتي المدينة): تثنيةُ لابَة، وهي الحَرَّة: الأرضُ ذاتُ الحجارة السود، والمدينةُ ما بين حَرَّتين عظيمتين. (أراكم يا بني حارثة (قد خرجتم من الحرم) (١)، ثم التفت فقال: بل (٢) أنتم فيه): قال المهلب: فيه من الفقه أن للعالم أن يقول على غلبة الظن، ثم ينظر فيصحح النظر. قال ابن المنير: والأمورُ الوجودية هي التي تحتملُ ذلك في حقه ﵇، وأما إذا اجتهد ﵇، فحكمَ بمقتضى اجتهاده من أول وَهْلَة، فهو صوابٌ مقطوعٌ به، وإن (٣) اتفقَ بعد ذلك حكمٌ على خلافه، فهو نسخ، وقوله لبني حارثة إنما يتعلق بأمر وجودي محسوس، لا يقتضيه شريعة نظرية. * * * ١٠٧٠ - (١٨٧٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبَيهِ، عَنْ عَلِيِّ ﵁، قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَاّ كتَابُ اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أَوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". وَقَالَ: "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.

стр. 1728

وَمَنْ تَوَلَّى قَوْماً بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". (المدينة حرم ما بين عائرٍ إلى كذا": يعني: إلى ثور، كما في رواية مسلم (١). وفي رواية في (٢) البخاري: "عَيْر" (٣) -بحذف الألف-. قال مصعبٌ الزبيري وغيره: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وإنما هما بمكة. وقال أبو عُبيد: كأَنَّ الحديثَ: من عَيْر إلى أُحد (٤)، وأكثرُ رواة (٥) البخاري ذكروا عَيْراً، وأما ثَوْرٌ، فمنهم من كنى عنه، ومنهم من ترك مكانه بياضاً؛ لاعتقادهم الخطأ في ذكره. قاله (٦) القاضي (٧). قلت: الذي ينبغي للراوي إذا سمع لفظاً في الرواية، وظن (٨) خطأه ألَاّ يكني عنه، ولا يُسقطه، بل يذكر الروايةَ على وجهها، وينبه (٩) على ما ظهر له؛ لينظر فيه، لاسيما فيما لا يقطع فيه بالخطأ، هكذا الذي نحن فيه.

стр. 1729

قال مغلطاي: وذكر الإمامُ أبو محمدٍ عبدُ السلام بنُ مزروعٍ البصريُّ أنه لما خرج رسولاً من صاحب المدينة إلى العراق، كان (١) معه دليلٌ يذكر له الأماكن والأجْبُلَ، فلما وصل إلى أُحد، إذا (٢) بقربه جبلٌ صغير، فسأله (٣): ما اسمُ هذا الجبل؟ قال: هذا (٤) يسمَّى ثوراً؟ قال: ولما ذكر ياقوت قولَ عياض: قال بعضُهم: ليس بالمدينة، ولا على مَقْرَبة منها جبلٌ يعرف بأحد هذين الاسمين، قال: وهذا من قائله وهم؛ فإن عيراً جبلٌ مشهور بالمدينة. [ونقل مغلطاي -أيضاً- عن المحبِّ الطبري: أنه قال: ثورٌ: جبلٌ بالمدينة] (٥) رأيتُه غيرَ مرة، وحَدَّدته. ولما ذكر الزركشي ما قدمناه من كلام القاضي، قال بإثره: قلت: والله أعلم إن لم يكن بالمدينة عيرٌ وعائرٌ ولا ثورٌ، فيحمل على مسافة ما بينهما (٦). [قلت: أوهمَ أن هذا الكلام من قاب فكره، وقد حكى مغلطاي عن ابن قدامة ما نصُّه:] (٧) يحتمل أن يكون ﷺ أراد قدرَ ما بين ثورٍ وعيرٍ اللذين (٨) بمكة.

стр. 1730

وكذا نقله ابنُ الملقن (١)، وابنُ مغلطاي أخذه، والغالب على الظن وقوفُ الزركشي على كلٍّ من هذين الكتابين. * * * باب: فضلِ المدينةِ وأنَّها تَنْفِي النَّاسَ ١٠٧١ - (١٨٧١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيىَ ابْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرى، يَقُولُونَ: يَثْربُ، وَهْيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". (أُمرت بقرية): أي: بالهجرة إلى قرية إن كان قاله بمكة، أو بسكنى قرية إن كان قاله بالمدينة. (تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة): قال ابن المنير: وذكر أهلُ السير أن اسمها في التوراة طَيْبَةُ وطابَةُ (٢). وقال السهيلي: في التوراة: يقول الله: يا طابة يا مسكينة (٣)! لا تقبلي (٤) الكنوز؛ فإني سأرفع أجاجيرك على أجاجير (٥) القرى (٦).

стр. 1731

وهو قريب من قوله ﵇: "أُمرت بقرية تأكل القرى"؛ لأنها إذا عَلَتْ (١) عليها علوَّ الغَلَبة، أكلتْها، أو يكون المراد: يأكل فضلُها الفضائل [أن يغلبَ فضلُها الفضائل] (٢)، حتى إذا قيست بفضلها، تلاشَت بالنسبة إليها (٣)، فهو المراد بالأكل. ومنه قولُ أبي الطيب: عَلِيُّ شَرُوبٌ لِلْجُيُوشِ أَكُولُ يريد: عليٌّ غالبٌ للجيوش، فهم له كالطعمة. وهو -أيضاً- دليل على فضل المدينة. وقد جاء في مكة: أنها أم القرى، كما جاء فيم المدينة: تأكل القرى، لكن المذكور للمدينة أبلغُ من المذكور لمكة؛ لأن الأمومة لا يُمحى بوجودها (٤) وجودُ ما هي أُم له، لكن يكون حقُّ الأم (٥) أظهر، وأما قوله: تأكل القرى، فمعناه: أن الفضائل تضمحلُّ في جنب عظيمٍ فضلِها حتى يكاد يكونُ عدماً، وما يضمحلُّ له الفضائلُ أفضلُ وأعظمُ مما تبقى معه الفضائل، ولكن يتضاءل عنه. * * *

стр. 1732

باب: لَابَتَيِ المَدينةِ ١٠٧٢ - (١٨٧٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبيِ هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظّبَاءَ بِالمَدِينَة تَرْتَعُ، مَا ذِعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ". (ترتع): أي: ترعَى. (ما ذعرتُها): أي: أفزعْتُها. * * * باب: مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدينةِ ١٠٧٣ - (١٨٧٤) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَتْركُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَاّ الْعَوَافِ -يُرِيدُ: عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطّيْرِ-، وَآخرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة، يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجدَانِهَا وَحْشاً، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّهَ الْوَدَاعِ، خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا". (تتركون المدينة): قال الزركشي: بتاء الخطاب، ومرادُه غيرُ المخاطَبين، لكن من أهل المدينة، أو نسلِهم (١). [قلت: هذا كلام القرطبي؛ فإنه قال: روايةُ مسلم -بتاء الخطاب-،

стр. 1733

ومراده غيرُ المخاطَبين، لكن قد عمم من أهل المدينة ونسلِهم] (١)، وإذا كان كذلك، فنقلُ هذا إلى كلام (٢) البخاري إنما يحسُن بعد ثبوت الرواية فيه موافقةً لرواية (٣) مسلم، وفي (٤) كلام القرطبي إشعارٌ ما بأن رواية البخاري ليست بتاء الخطاب، فتأملْه، والذي رأيته في نسخة من البخاري: "يتركون": بياء الغائب. (على خير ما كانت): أي: من العمارة، وكثرةِ الثمارِ وحُسْنِها. (لا يغشاها إلا العوافي (٥)): أي: لا يسكنُها ولا ينزل بها إلا العوافي، واحدُها عافيةٌ، وهي التي تطلب (٦) أقواتها، والمذكَّرُ عافٍ. قال بعضهم: الظاهر (٧) أن ترك المدينة على هذه الحالة يكون آخر الزمان. قال القاضي عياض: هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى، وهو من أعلام نبوته ﷺ (٨).

стр. 1734

(وآخر مَنْ يُحشر): أي (١): بعدَ الموت، وهذا أمر لا بدَّ منه قطعاً، فترك التصريح به؛ لفهمه. ويحتمل أن يكون المراد: آخرُ من يحشر إلى المدينة؛ كما في لفظ رواه مسلم (٢). (راعيان من مُزَينة): وفي "أخبار المدينة" لابن شبة من حديث أبي هريرة: "آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وآخَرُ مِنْ جُهَيْنَةَ" (٣). (ينعِقان): -بكسر العين المهملة- ماضي نعَق -بفتحها-؛ أي: يصيحان بغنمهما (٤). (فيجدانها وُحوشاً): -بضم الواو-؛ [أي: فيجدان المدينةَ ذاتَ وحوش. وقال ابن الجوزي: الوَحوش -بفتح الواو] (٥) -، والمعنى: أنها خالية (٦). ويروى: "وَحْشاً"؛ أي: كثيرةَ الوحش لَمَّا خلت من سكانها (٧). وعن (٨) ابن المرابط: أن الضمير عائدٌ على (٩) الغنم، والمعنى: أن غنمها

стр. 1735

تصير (١) وحوشاً، إما بأن تنقلب ذاتُها، أو تنفرَ وتتوحَّشَ، وأنكره القاضي (٢). * * * ١٠٧٤ - (١٨٧٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁: أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانوُا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". (فيأتي قوم يُبِسُّون): -بمثناة مضمومة فموحدة مكسورة فسين مهملة مشددة-، وبفتح المثناة وضم الموحدة ثلاثياً-، ضبطه القاضي بالوجهين (٣)، وفسره ابن مالك (٤) بالسَّير. وقال الداودي: يزجُرون الدوابَّ إلى المدينة (٥)، فَيُبِسُّون ما يَطَؤونه

стр. 1736

من الأرض، فَيَفُتُّونَهُ (١) فيصير غباراً من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]. قال ابن قُرقُول: قال لي التميمي عن أبي مروان: بَسَّ يَبِسُّ، يُقال في زَجْرِ الإبل: بسٍ -بكسر السين، منوناً وغير منون-، ويقال: بإسكانها. قال النووي: والصواب: والذي عليه المحققون: أن معناه الإخبار عمن خرج (٢) من المدينة متحملاً بأهله باسًّا في سيره مُسرعاً إلى الرخاء (٣) في الأمصار التي أخبر ﷺ بفتحها، وهو من أعلام نبوته (٤). * * * باب: الإيمانِ يَأْرِزُ إِلى المَدينةِ ١٠٧٥ - (١٨٧٦) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ ابْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الإيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا". (إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة): -بهمزة فراء مكسورة فزاي-؛ أي (٥): ينضم إليها، ويجتمع بعضُه (٦) إلى بعض فيها.

стр. 1737

قال القاضي: كذا لأكثر الرواة بكسر الراء، وكذا قيدناه عن شيوخنا. وزادني (١) ابن (٢) سرَّاج: [ليأرُزُ -بضم الراء -. وعن القابسي فتحها (٣). قال الداودي: كان هذا في حياة النبي ﷺ ] (٤)، والقَرْن الذي يليه، ومن يليه -أيضاً- حيث كان الأمر مستقيماً. * * * باب: إثمِ مَنْ كادَ أهلَ المدينةِ ١٠٧٦ - (١٨٧٧) - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْداً ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَاّ انْمَاعَ، كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ". (حُسين بنُ حُريث): كلاهما مصغر مبدوء (٥) بحاء مهملة، وآخر الثاني ثاء مثلثة. (لا يكيد): أي: يفعل كيداً من مكرٍ وحربٍ وغيرِ ذلك من وجوه الضرر بغيرِ حقّ. (إلا انماعَ): أي: ذابَ.

стр. 1738

باب: آطَامِ المدينةِ ١٠٧٧ - (١٨٧٨) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁، قَالَ: أشرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ". (آطام المدينة): جمع قِلَّة على زِنة أَفْعال؛ كأَبْيات، والواحد أُطُم -بضمتين-. قال القاضي: ويقال: إِطام -بالكسر-، يعني: على زِنَة جِمال، وهي الأبنيةُ المرتفعة كالحصون (١). * * * باب: لا يَدخُلُ الدَّجَّالُ المدينةَ ١٠٧٨ - (١٨٧٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيح الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ". (رُعْبُ الدَّجالِ): أي: ذُعْرُه وخَوْفُه. * * * ١٠٧٩ - (١٨٨٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ

стр. 1739

عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ". (على أنقاب المدينة): وسيأتي أيضاً: نقاب المدينة. قال القاضي: وكلاهما جمع نَقْب؛ يعني: بفتح النون وسكون القاف، وإن كان فَعْلٌ لا يجمع على أَفْعالٍ إلا نادراً. قال ابن وهب: يعني: مداخلَ المدينة، وهي أبوابها وفُوَّهاتُ طرقها التي يُدْخَل إليها منها، كما جاء في الحديث الآخر: "عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ" (١). وقيل: طرقها، والنَّقْب: -بفتح النون وضمها وسكون القاف-: الطريق بين الجبلين (٢). * * * ١٠٨٠ - (١٨٨١) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثنَي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَاّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَاّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَاّ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ". (ثم ترجُفُ المدينة بأهلها ثلاثَ رَجَفات): قال المهلب: لا يعارضَ هذا قولُه فيما تقدم: "لا يدخلُ المدينةَ رعبُ الدجال"؛ لأن الرجفات

стр. 1740

المذكورة هنا تكون من أهل المدينة على مَنْ بها من المنافقين والكافرين، فيخرجونهم من المدينة [بإخافتهم إياهم؛ ليخرج المنافقُ فراراً من أهل المدينة] (١)، ومن قوتهم عليهم. * * * باب: المدينةُ تَنْفِي الخَبَثَ ١٠٨١ - (١٨٨٣) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بنَ عَبَّاسِ، حَدَّنَثَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: جَاءَ أعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَايَعَهُ عَلَى الإسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوماً، فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: "الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا". (عمرو بن عباس): بباء موحدة وسين مهملة. (فقال: أقلني): الظاهر أنه لم يرد الارتدادَ عن الإسلام. قال (٢) ابن بطال: بدليل أنه لم يرد ما عقده إلا بموافقة النبي ﷺ على ذلك، ولو أراد الردة، ووقع فيها، لقتله إذ ذاك (٣). وحمله بعضُهم على أنه أراد الإقالةَ من المقام بالمدينة. (المدينة كالكير): هذا تشبيه حسن؛ لأن الكير بشدةِ نفخِه ينفي عن النار السخامَ والدخانَ والرمادَ، حتى لا يبقى إلا خالصُ الجمر، هذا إذا

стр. 1741

أُريد بالكير: المنفخ الذي يُنفخ به النار، وإن (١) أريد: الموضعُ المشتملُ على النار، وهو المعروف في اللغة، فيكون معناه: إن ذلك الموضعَ لشدة حرارته ينزع خبثَ الحديدِ والفضةِ والذهبِ، ويُخرج خلاصةَ ذلك، والمدينةُ كذلك؛ لما فيها من شدة العيش، وضيق الحال التي تخلص (٢) النفس من الاسترسال في الشهوات. (وينصع طيّبها): بمثناة من تحت مشددة. الزركشي: ويروى: "طِيّبها" -بكسر الطاء وتسكين الياء-. قال القزاز: وقوله: ينصَعُ لم أجدْ له في الطيب وَجْهاً، وإنما الكلام (٣): يَتَضَوَّعُ؛ أي: يفوحُ. قال: وروي: "يَنْضَخُ": -بضاد وخاء معجمتين، وبحاء مهملة-. انتهى (٤). قال مغلطاي: وفيما قاله القزاز نظر من حيث إن الرواية: "طيّبها" -بتشديد الياء- أختِ الواو، ومقتضاه: أن الطِّيب -بكسر الطاء- ليس بمروي، وليس كذلك، فقد روي الوجهان جميعاً. ثم قال: وقد ذكر ابنُ سيدَه: نَصَعَ الشيء: خَلص، فيشبه أن يكون الطَّيِّب والطِّيبُ من هذا، ومقتضاه ثبوتُ اللفظين معاً، وهو خلاف كلامه أولاً.

стр. 1742

وفي "الفائق" للزمخشري: "يُبْضَعُ": بمثناة من تحت مضمومة فباء موحدة فضاد معجمة (١). قال الصغاني (٢): وخالفه (٣) بهذا القول جميعُ الرواة (٤). * * * ١٠٨٢ - (١٨٨٤) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ ابْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أحُدٍ، رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". (إنها تنفي الرجال): -بالراء (٥) -، وروي بالدال. * * * باب ١٠٨٣ - (١٨٨٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁،

стр. 1743

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ". تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ. (اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَيْ ما جعلتَ بمكةَ من البركة): استدل به (١) بعضُهم على أن المدينة أفضلُ من مكة. واعتُرض بمنع (٢) دلالةِ تضعيفِ الدعاء للمدينة على فضلها على مكة، إذ لو كان كذلك، لكانت اليمنُ والشامُ أفضلَ من مكة، فهو باطل؛ لأنه كرر الدعاء للشام واليمن حيث قال: "اللَّهُمَّ بَاِركْ لَنَا في شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا (٣) في يَمَنِنَا"، قالوا: وفي نَجْدِنا، قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا، قالَها ثلاثاً" (٤). وردَّه ابنُ بطال: بأن اللازم في هذا الحديث تفضيلُ الشام واليمن على نجد، لا على مكة، نعم، لو قرن بالدعاء (٥) لهما ثلاثاً، الدعاء لمكة أقل، لأمكن، مع أن (٦) الإجماع (٧) يرده (٨). قال ابن المنير: وجهُ غلطِ المعترضِ أنه ظنَّ التكرارَ (٩) تضعيفاً في

стр. 1744

المقدار المدعُوِّ به، وليس كذلك، إنما التكرارُ تأكيد، والمعنى واحد، وأما حديثُ المدينة، فقد نص فيه على زيادة المقدار، فقال: "ضِعْفَي ما جعلتَ بمكةَ من البركة"، فهذا نصٌّ في عين المسألة. ثم قال: ومن أعظم فضائل (١) المدينة (٢) عندي: أن النبي ﷺ كان يستعيذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْر؛ أي: من النقصان بعدَ الزيادة، فلو كانت مكة أفضلَ من المدينة، والمدينةُ آخرَ المسكنين؛ للزم النقصانُ بعدَ الزيادة، والأمرُ على الضد، إنما كان ﵇ يزيدُ فضلُه عند الله، ولا ينقص، فدل على أن المدينة أزيدُ فضلاً. * * * باب: كراهيةِ النبيِّ ﷺ أَنْ تَعْرى المدينةُ ١٠٨٤ - (١٨٨٧) - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، وَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ! أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟ "، فَأَقَامُوا. (أن تُعْرَى المدينة): بسكون العين المهملة وتخفيف الراء. قال القاضي: ورواه المستملي في كتاب: الصلاة: "تُعَرَّى" -بفتح العين وتشديد الراء-، والصواب الأول، ومعناه تُخَلَّى فَتُترك، والعراء: الفضاء من الأرض الخالي الذي لا يستره شيء، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ

стр. 1745

بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]. انتهى (١). قلت: ورواية المستملي -أيضاً- صوابٌ لا خطأ، جُعل سكانُ المدينة بمثابة اللباس الساتر لها، وإخلاؤهم إياها (٢) بمثابة التعرية من لباسها على سبيل الاستعارة، والرواية ثابتة، ولها هذا الوجه الحسن، فلا سبيلَ إلى الإعراض عنها، ورميها بالخطأ، فتأمله. (يا بني سلِمة!): بكسر اللام. (ألا تحتسبون أثاركم؟)؛ أي: في الخطأ إلى المسجد. قال ابن بطال: إنما أراد ﵇ أن يعمر المدينة كلَّها؛ ليعظم المسلمون في أعين المنافقين والمشركين (٣)؛ إرهاباً لهم (٤). فيقال عليه: فلم ترك (٥) ﵇ التعليلَ بذلك، وعلل بطلب مزيد الثواب لبني سلمة؟ [وأجاب ابن المنير بأنه معلل بشيئين: أحدهما: مصلحة خاصة لبني سلمة] (٦). والآخر: مصلحة عامة للمسلمين، فذكَرَ لهم الخاصَّ بهم؛ ليكونَ ذلك أبعثَ على نشاطهم إلى البقاء في ديارهم، وعلى هذا فهمه البخاري،

стр. 1746

ولذلك ترجم عليه ترجمتين: إحداهما: كراهة الرسول ﵇ أن تعرى (١) المدينة. والأخرى: باب: احتساب الآثار. * * * باب ١٠٨٥ - (١٨٨٩) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى، يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبيتَنَّ لَيْلَةً. . . بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْماً مِيَاهَ مَجَنَّةٍ. . . وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَهَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلاً، تَعْنِي: مَاءً آجِناً. (كل امرئ مصبحٌ في أهله): يحتمل أن يراد: يُجعل في أهله صباحاً،

стр. 1747

ولذلك ترجم عليه ترجمتين: إحداهما: كراهة الرسول ﵇ أن تعرى (١) المدينة. والأخرى: باب: احتساب الآثار. * * * باب ١٠٨٥ - (١٨٨٩) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى، يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبيتَنَّ لَيْلَةً. . . بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْماً مِيَاهَ مَجَنَّةٍ. . . وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَهَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلاً، تَعْنِي: مَاءً آجِناً. (كل امرئ مصبحٌ في أهله): يحتمل أن يراد: يُجعل في أهله صباحاً،

стр. 1748

وفي "المحكم": عَقيرةُ الرجل: صوتُه إذا غَنَّى، أو قرأ، أو بكى (١). (بوَادٍ): ويروى: بِفَجٍّ. (وحولي إذخرٌ): جملة اسمية مصدَّرَة بواو (٢) الحال، وأنشده الجوهري في مادة: حلل: بمكة حولي (٣) إِذْخِرٌ بحذف الواو. والإِذْخر: -بكسر الهمزة والخاء المعجمة وسكون الذال المعجمة بينهما-: حشيشة معلومة طيبة الريح. أوردها القاضي في حرف الهمزة: فأقرهن، فاقتضى ذلك أن همزته [أصلية، وأوردها الجوهري في مادة: ذخر، فاقتضى ذلك أن همزته] (٤) زائدة. (وجليل): نَبْتٌ، وهو الثُّمام، [وقيل: إذا عَظُمَ الثُّمامُ] (٥) وجَلَّ، فهو جَليلٌ، والواحدةُ جليلةٌ. (مياه): -بالهاء- كجِباه، وهو جمعُ ماء، والهمزة في المفرد بدلٌ عن (٦) هاء؛ بدليل الجمع، وبدليل التصغير كمُوَيْهٍ، إلى غير ذلك.

стр. 1749

(مِجَنة): -بفتح الميم وكسرها، وفتح الجيم، وميمه زائدة-، وهي سوقُ هَجَرَ بقرب مكةَ. (شامة وطفيل): جبلان على نحو ثلاثين ميلاً من مكة، قاله الفاكهي (١). وقال مالك: هما جبلان بمكةَ وجُدَّةَ. قال الخطابي في كتاب "الأعلام": كنت أحسب أنهما جبلان [حتى أُثبت لي أنهما عينان (٢). وقال الأزرقي والخطابي في "الغريب": هما جبلان] (٣) مشرفان على بريد من مكة (٤). هذا كله كلام القاضي في "المشارق" (٥). (فكان بُطحانُ يجري نجلاً): -بضم الباء الموحدة- من بُطحان، ونَجْلاً: -بفتح النون وسكون الجيم-، كذا لأكثرهم؛ أي: يبدي ماء قليلاً حتى يظهر ويتسع. وقال ابنُ السِّكِّيتِ: النَّجْلُ: النَّزُّ حين يظهر (٦)، وقيل: الغدير الذي لا يزال فيه الماء. قال الزركشي: وضبطه الأصيلي -[بفتح الجيم-، وهو وهم.

стр. 1750

قلت: نقل القاضي هذا الضبط عن الأصيلي] (١)، ولم يتعرض إلى توهيمه (٢). وقد حكي عن الحربي: أنه قال: نجلاً؛ أي: واسعاً، ومنه عينٌ نَجْلاء؛ أي: واسعة (٣). وذكر عينه الزركشي -أيضاً-، وأقره، وإذا كان كذلك، لم يكن للتوهم (٤) وجهٌ، فقد قال الجوهري: والنَّجَل -بالتحريك-: سَعَةُ شِقِّ العين، والرجلُ أَنْجَلُ، والعينُ نجلاء، وطعنة نجلاء: واسعةٌ بينةُ النَّجَل (٥). (يعني: ماءً آجِناً): -بالهمز (٦) والمد وكسر الجيم-، وهذا من كلام البخاري. قال القاضي: هو خطأ في التفسير، وإنما الآجِن: الماء (٧) المتغير، كذا في الزركشي (٨). قلت: ولم أتحققْ وجهَ الخطأ، بل قولُها: "قدمنا المدينة وهي أوبأُ أرضِ الله" يناسبُ تغيرَ الماء وكراهتَه.

стр. 1751

كِتَابُ الصَّوْمِ

стр. 1752

كِتَابُ الصَّوْمِ باب: وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (كتاب: الصوم). (﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾). قيل: وجه التشبيه فيه: موافقةُ الخطاب للشهر، وكان رمضان -أيضاً- واجباً على الأمة المتقدمة، لكنهم بدَّلوه، وشقَّ عليهم مصادفَتُه لحمَّارةِ (١) القَيْظ، فأجمعوا رأيهم إلى أن حولوه إلى الزمان المعتدل (٢)، وأحالوا الحسابَ على الشمس، حتى لا يتبدل، وزادوا (٣) في الأيام عوضاً عما خففوه (٤) من حرج الصيام في الحر، فأخبر الله تعالى أن صيامنا مثلُ صيامهم باعتبار تعلقه بالشهر المخصوص، وإنما هم غيروا وتصرفوا بالرأي على مضادة (٥) النص، وهذا

стр. 1753

فساد الوضع، وعناد الشرع (١)، نعوذ بالله من ذلك. * * * ١٠٨٦ - (١٨٩١) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا". فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: "شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا". فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإسْلَامِ، قَالَ: وَالَّذِي أكرَمَكَ! لَا أَتطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ: دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ". (فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا)،: تقدم في كتاب الصلاة (٢). ولكن ابن المنير ﵀ أغرب حيث قال في كتاب: الحج، في باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة: تطوع بمعنى: أطاع، وهو أعمُّ من كونه واجبًا أو نفلًا، والمراد بقوله: "إلا أَنْ تَطَوَّعَ" إلا أن تشرعَ في طاعة لا تلزمُك، فتلزمُك (٣) بالشروع، ويدل على إطلاق التطوُّع على الواجب قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي

стр. 1754

الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩]؛ فإنه في الصدقة الواجبة، وأما غلبة العرف في التطوع، فأمر حادث. (قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام): هذه الزيادة الواقعة في هذا الحديث يزول بها استشكال الإخبار بفلاحه، مع أن للإسلام (١) فروضًا غيرَ المذكورة في الحديث، فلما قال (٢) هنا: بشرائع الإسلام، تناول الجميع. باب: فَضْلِ الصَّومِ ١٠٨٧ - (١٨٩٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْتقُلْ: إِنِّي صَائِم - مَرَّتَيْنِ -، وَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيح الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي يِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا". (الصيام جُنَّة): - بضم الجيم -؛ أي: وِقاية، قيل: جُنَّةٌ من النار، وقيل: من المعاصي، وذلك لأنه يكسر الشهوة، ويضعف القوة. (فلا يرفُث): - بتثليث الفاء -، يقال: رفَث -بفتح الفاء - يرفُث -[بضمها وكسرها -، ورفِث - بكسرها - يرفَث -بفتحها -] (٣).

стр. 1755

(ولا يجهل): هو العمل فيه بخلاف ما يقتضيه العلم. (وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم): الظاهر أنه علة (١) لتأكيد (٢) المنع، فكأنه يذكِّرُ نفسَه تشديد (٣) المنع المعلل بالصوم، ويكون إطلاقُ القول على الكلام النفسي. ويحتمل أن يكون مرادًا به اللفظي، والمعنى: فليقل لخصمه: إني صائم؛ تحذيرًا وتهديدًا بالوعيد الموجه على من انتهكَ حرمةَ الصائم، وتذرَّعَ (٤) إلى تنقيص أجره لإيقاعه في المشاتمة، وهو ظاهرُ كونِ الصومِ (٥) جنةً؛ أي: يقي صاحبه من أن يُؤذِي؛ كما يقيه أن يُؤذَى. (لخُلوف فم الصائم): قال القاضي: - بضم الخاء - قيدناه من المتقنين، وهو ما يخلُفُ بعدَ الطعام في الفم من ريح كريهة لخلاء المعدة من الطعام، وأكثر المحدثين (٦) يروونه -بفتح الخاء-، وهو خطأ عند أهل العربية، وبالوجهين جميعًا ضبطناهُ (٧) عن القابسي (٨). (أطيب عند الله من ريح المسك): قال ابن بطال: أي: أزكى عند الله (٩)؛
следующие страницы →