← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية؛ فإن إقامة السنة توجب الأجرَ وزيادته. ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ لقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إجحاف. قال ابن دقيق العيد: والبركةُ محتملة لأن تضاف إلى كلٍّ من الفعلِ، والشيءِ المستجدِّ به، وليس ذلك من حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، بل من باب استعمال المجاز في لفظة "في"، وعلى هذا يجوز أن يقال: فإن في السَّحور -بفتح السين-، وهو الأكثر، وفي السُّحور (١) - بضمها - (٢). باب: الصَّائم يُصْبحُ جُنُبًا ١١٠٦ - (١٩٢٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ: أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَارِثِ: أُقسِمُ بِاللَّهِ لتقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قُدِّرَ لنا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَتْ لأَبي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ، لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ، فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُنَّ أَعْلَمُ. وَقَالَ هَمَّامٌ وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 1787

ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ، وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. (لتُفْزِعَنَّ): - بالفاء -؛ من الإفزاع، وهو التخويف (١)، ويروى: "لَتُقَرِّعَنَّ": - بالقاف والراء المكسورة المشددة -؛ من التقريع، وهو التعنيف. (كذلك حدثني الفضل): وفي النسائي: حدثني أسامةُ بنُ زيد، فيحمل على أنه سمعه منهما (٢). (وهنَّ أعلمُ): يريد: أزواجَ النبي ﷺ , وقد صرح مسلم في روايته لما حدَّثَ عن عائشةَ وأُمِّ سلمةَ، قال: "هما أعلمُ"، وذكر أن أبا هريرة رجع عن ذلك، وقال: لم أسمعه من (٣) النبي ﷺ (٤). و (٥) إذا استقر أن حكم الجنابة لا ينافي الصوم، فكذلك حكمُ الحيض، فمن طَهُرت ليلًا، فأخرت اغتسالها حتى أصبحت، اغتسلت، وصامت، وأجزأها. وقيل: يشترط أن تطهر وقد بقي من الليل ما يسعُ الاغتسال. وقيل: يشترط أن تغتسل قبل الفجر. قال ابن المنير: ولا نعلم خلافًا عندنا في الجنب يصبح صائمًا أنه يصح صومه، والفرق أن الحيض أغلظُ منافاةً، ولهذا أبطل الحيضُ الطارئ الصومَ، ولم يبطله الاحتلامُ الطارئ".

стр. 1788

باب: المُبَاشرةِ للصَّائمِ ١١٠٧ - (١٩٢٧) - حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبِ، قالَ: عَن شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَم، عنْ إبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَت: كانَ النبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَآرِبُ﴾ [طه: ١٨]: حَاجَةٌ. قَالَ طَاوُسٌ: ﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]: الأَحْمَقُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ. (وكان أملككم لإرْبه): - بكسر الهمزة وسكون الراء -؛ أي: لحاجته، وقيل: لعقله، وقيل: لعضوه. قال الخطابي وأبو عبيدة: وأكثرُ الرواة يروونه -بفتح الهمزة والراء- يعنون: الحاجة، والأولُ أظهرُ (١) (٢). باب: اغْتِسَالِ الصَّائِم وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ثَوْبًا، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ. وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوِ الشَّيءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِم. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلْيُصْبحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلًا. وَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ. وَيُذْكرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَسْتَاكُ أَوَلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَلَا يَبْلَعُ رِيقَهُ. وَقَالَ

стр. 1789

عَطَاءٌ: إِنِ ازْدَرَدَ رِيقَهُ، لَا أَقُولُ: يُفْطِرُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ، قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ، قَالَ: وَالْمَاءُ لَهُ طَعْمٌ، وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ. وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا. (وقال أنس: إن لي أَبْزَن): قال القاضي: ضبطناه بفتح الألف وكسرها والباء ساكنة بعدها زاي مفتوحة ونون، وهي كلمة فارسية، وهو شبه (١) الحوض الصغير، ومراده: أنه شئ يتبرد فيه وهو صائم، يستعين به على صومه من الحر والعطش (٢). قال الزركشي: ويجوز في "أبزن" النصبُ، على أنه اسم إن (٣)، والرفعُ، على أن اسمها ضمير الشأن، ويكون الجملة بعدها مبتدأ وخبره (٤) في موضع رفع على أنه خبر إن (٥). قلت: الثانى ضعيف. (أتقحَّم فيه): أي: أُلقي نفسي فيه. (ولم ير أنسٌ والحسنُ وإبراهيمُ بالكحل للصائم بأسًا": قال ابن المنير: رد البخاري على مَنْ كرهَ اغتسال (٦) الصائم؛ لأنه إن (٧) كرهه خشيةَ وصول

стр. 1790

الماء إلى حلقه، فالعلة باطلة بالمضمضةِ، وبذوْقِ القدر، ونحو ذلك، فإن كرهه للرفاهية؛ فقد استحب السلف للصائم الترفُّه والتجمُّل بالترجُّل والادِّهان والكحلِ، وغيرِ ذلك، فلهذا (١) ساق البخاري هذه الأفعال تحتَ ترجمة الاغتسال، ومن (٢) حذقِهِ ﵀ أنه قدم للخصم في الكراهية (٣) علتين، وأبطل كلَّ واحدة منهما. * * * ١١٠٨ - (١٩٣١) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبحُ جُنُبًا، مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُهُ. (إن كان ليصبح جنبًا من جماع (٤) غير احتلام (٥)): وفي نسخة: "من غير حُلُم (٦) " (٧) - بضمتين -، وفائدة ذكره هناك رفعُ وهمِ مَنْ يتوهم أنه كان يحتلم، وهو ﷺ معصوم من ذلك، فإن الحلم من الشيطان (٨).

стр. 1791

باب: الصَّائِم إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ اسْتَنْثَرَ، فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ، لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّباب، فَلَا شَيءَ عَلَيهِ. وَقَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِدٌ: إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (لا بأس إن لم يملك): أي: دَفْعَه، بل دخل الماء في حلقه غلبةً. باب: سِوَاكِ الرَّطبِ وَالْيَابِسِ - لِلصَّائِم ويذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ، مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ". وَيُرْوَى نحوُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَزَيْدِ ابْنِ خَالِدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَطْهَرَةٌ لِلْفَم، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ". وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَهُ. (السواك (١) مطهرة للفم): المِطْهَرة - بكسر الميم وفتحها -: كل ما يُتطهَّرُ به. * * * ١١٠٩ - (١٩٣٤) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ:

стр. 1792

حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكعَتَيْن لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشئٍ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". (رأيت عثمان توضأ): وهذا ليس فيه شيء من أحكام الصيام، لكن أدخله في هذا الباب لمعنى لطيف، وذلك لأنه (١) أخذ شرعية السواك للصائم بالدليل (٢) الخاص، ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك، وأحوال عود السواك (٣)؛ من رطوبة ويبوسة، ثم انتزع ذلك من أعمَّ من السواك (٤)، وهو المضمضة، إذ [هي] أبلغُ من السواك الرطب، وأصل هذا الانتزاع لابن سيرين حين قال محتجًا على السواك الأخضر: والماءُ له طعمٌ. باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ"، وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِد لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ،

стр. 1793

وَيَكْتَحِلُ. وَقَالَ عَطَاء: إِنْ تَمَضْمَضَ، ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، لَا يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ، وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ، لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، فَإِنِ اسْتَنْثَرَ، فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ، لَا بَأْسَ، لَمْ يَمْلِكْ. (باب: قول النبي ﷺ : إذا توضأ، فليستنشق بمنخره الماء، ولم يميز بين الصائم وغيره، وقال الحسن: لا بأسَ بالسعوط للصائم إن لم يصلْ إلى حلقه): ظاهر الأمر أن مذهبه في السعوط أنه إذا (١) ازدرد (٢) منه شيئًا، أفطر؛ لأنه ذكر قول الحسن: لا بأسَ بالسعوط إذا لم يصل إلى حلقه، ويكون الفرقُ عنده بين السعوط والاستنشاق [ندورَ السعوط، وكونهَ ليس مما تعمُّ البلوى، ولا يستوفيه القضاء؛ بخلاف الاستنشاق] (٣). والمَنْخِر: بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تكسر الميم إتباعًا لكسرة (٤) الخاء. والسَّعوط: -بفتح السين-: الدواء الذي يُصَبَّ في الأنف. باب: إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَيُذْكَرُ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَإِنْ صَامَهُ". وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

стр. 1794

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ: يَقضِي يَوْمًا مَكَانَهُ. (ويذكر عن أبي هريرة، رفعه: من أفطر (١) يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيامُ الدهر): هذا التعليق عن أبي هريرة رواه الترمذي من طريق أبي المطوس (٢)، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، لكن بلفظ: "من غيرِ رخصةٍ ولا مرضٍ، لم يقضه عنه صومُ الدهر كله، وإن صامه"، وقال: حديث أبو هريرة (٣) لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٤)، ورواه الدارقطني يرفعه (٥) مثلَه (٦). قال ابن بطال: وهذا حديث ضعيف لا يحتج بمثله. قال ابن المنير: وعلى تقدير صحته، فمعناه المتبادرُ للأفهام: أن القضاء لا يقوم مقام الأداء (٧) ولو صام عوض اليوم دهرًا، ويقال بموجبه: فإن الإثم لا يسقط بالقضاء، ولا سبيل إلى اشتراك الأداء والقضاء في كمال الفضيلة، فقوله: لم يقضه صيام الدهر؛ أي: في (٨) وصفه الخاص به، وهو الكمال، وإن كان يقضي عنه في وصفه العام المنحطِّ من كمال الأداء، هذا هو اللائق

стр. 1795

بمعنى (١) الحديث، ولا يحمل على نفي القضاء بالكلية؛ لأن الكتاب العزيز نصَّ على أن الصوم قابل للقضاء بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قلت: هذا مع وجود العذر، وحديثُ أبي هريرة: عند عدمِه. ثم قال: ولا يعهد عبادةٌ واجبةٌ مؤقتةٌ لا تقبل القضاء إلا الجمعة؛ لأنها (٢) لا تجتمع (٣) بشروطها إلا في يومها، وقد فات، أو في مثله، وقد اشتغلت (٤) الذمة بالحاضرة، ولا يسع الماضية، والحج وإن كان لا يقضى إلا في قابل، ليس مثل (٥) الجمعة؛ لأن الحج (٦) إنما يجب مرة في العمر، بخلاف الجمعة الواجبة على الدوام، نعم لو أخل الإمام بشرط في الجمعة، أعادها في وقتها، وأعاد الناس بإعادته، إلا أن يكون شرطًا لا يفسد على (٧) المأمومين صلاتهم، كما لو صلى بهم محدثًا ناسيًا، فهاهنا يعيد وحده ظهرًا أربعًا، وهو مما يدخل في المحاجاة (٨)، وموضع التعجب فيه: أنها جمعةٌ صحَّت بلا إمام؛ لأن صلاة الإمام باطلة باعتباره، لا باعتبارهم، وهو فقه غريب، فتأمله.

стр. 1796

باب: إذا جَامَعَ في رمضانَ، ولَمْ يكُنْ لَهُ شيءٌ، فَتُصُدِّقَ عليهِ، فَلْيُكَفِّرْ ١١١٠ - (١٩٣٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَ أَلَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُل، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ، قَالَ: "مَا لَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، فَقَالَ: "فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ . فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ -، قَالَ: "أَينَ السَّائِلُ؟ "، فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: "خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَوَاللَّهِ! مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ: الحَرَّتَيْنِ، - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِن أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ " ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". (قال (١) يا رسول الله! هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم): استدل به على أن من ارتكب معصية لا حدَّ فيها، وجاء مستفتيًا: أنه لا يُعاقب؛ لأن النبي ﷺ لم يعاقبه، مع اعترافه بالمعصية. قلت: هو (٢) مبني على أنه كان متعمدًا، وهو الظاهر.

стр. 1797

قالوا: ومن جهة المعنى: أن مجيئه مستفتيًا يقتضي (١) الندمَ والتوبةَ، والتعزيزُ استصلاح، ولا استصلاحَ (٢) مع الصلاح (٣)، ولأن معاقبة المستفتي يكون سببًا لترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في ذلك، وهذه (٤) مفسدة عظيمة يجب دفعُها، والمشهورُ من مذهبنا أن جماعَ الناسي في نهار رمضان لا كفارةَ عليه. والقائلُ بوجوبها مع النسيان احتجَّ بأن النبي ﷺ أوجبها عند السؤال من غير استفصال، وذلك يتنزل منزلة العموم، فيدخل العامد والناسي. وجوابه: أن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع ومحاولة مقدماته وطول زمانه وعدم اعتياده في كل وقت مما يُعد جريانُه في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال بناء على الظاهر، لاسيما وقد قال الأعرابي: هلكتُ، فإنه يُشعر ظاهرًا (٥) تعمُّدَه، ومعرفتَهُ بالتحريم. (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال. لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا): هذا ليس صريحًا في الترتيب، وإنما أمره بخصلة من خصال، وهَلُمَّ جَرًّا، ولو استفتى أحد وقد حنث في يمين، فقال له المفتي (٦) مثل هذا، لم يكن مخالفًا

стр. 1798

لحقيقة التخيير، وكأن المراد بإرشاده إلى العتق أولًا هو تنجيز الكفارة (١) بسرعة؛ فإن العتق لمالك الردتبة أسرعُ في خلاص الذمة من غيره. قال ابن المنير: وتعقَّبَ بعضهم مسلمَ بن الحجاج؛ فإنه ذكرَ حديثَ ابن عُيينة، [وحديثَ مالك، وأحالَ حديثَ مالك على ابن عُيينة، فقال: هو بمعناه، قال: وحديث ابن عيينة] (٢) بصيغة (٣): هل تجد؟ هل تستطيع؟ وهذه صيغة (٤) الترتيب، وحديث مالك بصيغة (٥): أو، وهي للتخيير، فمنهم من أجاب بأن مالكًا صحَّت عنه طريقٌ أخرى بصيغة الترتيب في غير "الموطأ"، فلعل مسلمًا إنما أرادها، ومنهم من أجاب بأن صيغة: هل تجد؟ ليست للترتيب، بل للأولوية (٦)، وهي بمعنى التخيير، أو قريب منه. (بعَرَق): - بفتح العين المهملة والراء -: هو الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا إلى عشرين. قال القاضي: وضبطُه بالسكون، وصحَّحه بعضُهم، والأشهر: - الفتح - جمع عَرَقَة، وهي الضفيرة التي يخاط منها القُفَّة (٧). (والعَرَقُ: المِكتل (٨)): بكسر الميم.

стр. 1799

(خُذْ هذا، فتصدَّقْ به (١)): قال ابن المنير: فيه حجة على جواز التمليك المقيَّد، وتنفيذِه (٢) بشرطه، وقد اختلف المذهب فيمن أوصى بدنانير ونحوها لزيد على أن يصرفها في التزويج، فقيل: يصح، وقيل: يصح الملك، ويبطل الشرط، وقيل: يبطلان. وظاهر الحديث صحتُهما؛ فإنه ﵇ مَلَّكَه الطعامَ بشرط (٣) أن يُكَفِّر به، فيجب تصحيحُ الملكِ والشرط، وإنما يحذر التحجير في المعاوضة للغرر، لا في العطية. (على أفقر مني؟): هو (٤) على حذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلق به الجار؛ أي: أتصدق به على أحدٍ أفقرَ مني؟ وكذا قوله بعد هذا: على أحوج منا؟ (فوالله! ما بين لابتيها - يريد: الحرتين - أهلُ بيت أفقرَ من أهل بيتي): قال الزركشي: أهلُ: مرفوعٌ على أنه اسمها، وأفقرَ: - بالنصب - إن (٥) جعلتَها (٦) حجازية، وبالرفع، إن جعلتها تميمية (٧). قلت: وكذا إن جعلناها حجازية ملغاةً من عمل (٨) النصب بناء على أن

стр. 1800

قوله: "بين (١) لابتيها" خبر مقدم، و"أهلُ بيتٍ" خبر مبتدأ خبره مؤخر، و"أفقرُ" صفة له. باب: المجامع في رمضان، هل يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكفَّارة إِذا كانوا مَحَاوِيجَ ١١١١ - (١٩٣٧) - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الإِخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: "أتجِدُ مَا تحَرِّرُ رَقَبَةً؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فتسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَهُوَ الزَّبِيلُ -، قَالَ: "أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ". قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا؟! قَالَ: "فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". (فقال: إن الإِخِر): - بكسر الهمزة وكسر الخاء - هنا؛ أي: الأبعد (٢)، وضبطه بعضهم: بمد الهمزة، واستُنكر. (وهو الزَّبِيل): بفتح الزاي وكسر الباء. ويروى: "الزَّنْبيل" بكسر الزاي وزيادة نون ساكنة على الزاي. حكى صاحب "المفهم" فتح الزاي فيه أيضًا، وقال: سمي به؛ لأنه

стр. 1801

يحمل الزبل، ذكره ابن دريد (١). (قال: أطعِمْه أهلَكَ): قال ابن المنير: من لطيف فقه البخاري: أنه ترجم على هذا الحديث بترجمتين يكاد ظاهرُهما يتناقض؛ لأنه ترجم عليه: باب: من تُصُدِّقَ عليه، فليكفِّرْ. وظاهر هذا: أنه يقدم (٢) الكفارة على إطعام أهله. وترجم عليه - أيضًا -: باب: المجامع في رمضان، هل يطعم أهله من الكفارة؟ وظاهر هذا: أنه يطعمهم. ولا تناقض (٣) في ذلك، وإنما أراد أن ينبه على أنه إنما أطعمه أهله على أنه كفارة، وقدَّرَهم كالأجانب المحاويج، وكأنه ﵇ جمع له بين المصلحتين: أَدَّى عنه الكفارة، وسَدَّ خَلَّةَ أهلِه. فإن قلت: فتقوم الحجة إذن على مذهب مالك ﵀؛ فإنه منع أن يعطي الرجل زكاته مَنْ تلزمه النفقةُ، ولو فعل، لم تجزه. قلت: هذا في حق الزكاة؛ لأنه يؤديها، ويوفِّر بها عن نفسه النفقةَ الواجبةَ عليه لغناه، والفرض هنا: أن المكفِّر فقير لا تجبُ عليه نفقة، فما وفَّر بها (٤) عن نفسه واجبًا، نعم، لو فرضنا أنه عزل زكاته، فعدم المال، وافتقر، والزكاةُ باقية عنده، جاز حينئذ أن (٥) يعطيها زوجتَه الفقيرة ونحوَها؛ لأنها من

стр. 1802

المحاويج، ويحتمل - أيضًا (١) - أن يأكل منها هو، فظاهر الحديث: أنه أكلَ مع أهله، ولم ينفردوا عنه. وانظر لو حَبَّسَ على المساكين، فصار مسكينًا، هل يتناولُ من حبسِ نفسِه أو لا؟ والظاهر (٢): أنه يتناول. وفيه دليل على قبول قول مدعي (٣) الفقر في الزكاة، وأنه يستحقها ويعطاها بقوله من غير إثبات؛ خلافًا لمن يحوج إلى الإثبات في ذلك، وربما يشدد، ويستظهر بزيادة البينة (٤). قال شيخنا قاضي القضاة شيخُ الإسلام (٥) جلالُ الدين البلقيني - ذكره الله بالصالحات (٦) -: الرجلُ المحترفُ المذكور أولًا (٧)، وفيما بعد ذلك من هذه الأحاديث، هو الأعرابي الذي جامعَ في نهار رمضان، ولم يَثْبُتْ تعيينه. ووقع في "المبهمات" لعبد الغني بن سعيد الأزدي (٨): أنه سَلَمَةُ بنُ صخرٍ (٩) البياضىُّ.

стр. 1803

وهذا متعقَّب، فسلمةُ إنما ظاهرَ عن زوجته شهرَ رمضان، ورأى خَلخالها في القمر، فوطئها ليلًا. ولا حجة فيما أورده عبد الغني مما (١) زعم أنه يدل على ذلك، فليراجع من كلامه. باب: الحِجَامَةِ والقَيءِ للصَّائِمِ ١١١٢ - وَقَالَ لِي يَحْيىَ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَاّمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَم بْنِ ثَوْبَانَ: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: إِذَا قَاءَ، فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولجُ. (معاوية بن سلَاّم): بتشديد اللام. باب: الصَّومِ في السَّفَر والإفَطارِ ١١١٣ - (١٩٤١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ: سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ. "انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الشَّمْسُ؟ قَالَ: "انْزِلْ فَاجْدَح لِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الشَّمْسُ؟، قَالَ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي"، فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَاهُنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". تَابَعَهُ جَرِيرٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ

стр. 1804

عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّيبَانِيَ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كنتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ. (انزلْ فاجْدَح): - بجيم ساكنة فدال مفتوحة فحاء مهملة -؛ أي: حَرِّكِ السَّويقَ أو اللبنَ بالماء، واخلطه لنفطرَ عليه، والجَدْحُ: خَلْطُ الشيء بغيره، والمِجْدَحُ: العُودُ الذي يُجْدَحُ به، في طرفه عودان. وقال الداودي: اجْدَحْ: احلُبْ، قال القاضي: وليس كما قال (١). (فقال: يا رسول الله! الشمسُ): - بالرفع - على أنه مبتدأ (٢)، والخبر محذوف؛ أي: باقيةٌ، يريد: نورَها، وبالنصب؛ أي: انظر الشمسَ؛ يعني: نورها، ظن أن بقاء النور وإن غاب القرصُ مانعٌ من الإفطار، فأجاب ﵇ بأن ذلك لا يضر، وأعرضَ (٣) عن الضوء، واعتبر غيبوبةَ الجرم. (ثم رمى بيده هاهنا): أي: وأشار إلى جهة المشرق، وإنما أشار إليه؛ لأن أول الظلمة لا تقبل منه إلا وقد سقط القُرْصُ. باب: إذا صَامَ أيامًا مِنْ رمضانَ ثمَّ سافرَ ١١١٤ - (١٩٤٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ

стр. 1805

شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَالْكَدِيدُ: مَاء بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. (الكَديد): - بفتح الكاف -: ما بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا، وقد قال البخاري في المتن: والكديد: ماء بين عُسْفانَ وقُدَيْدٍ. * * * ١١١٥ - (١٩٤٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". (فرأى زحامًا، ورجلًا (١) قد ظُلل عليه): هذا الرجل هو أبو إسرائيل العامريُّ، كذا قاله مغلطاي نقلًا عن الخطيب، وفيه نظر. وفيه وقوع النكرة مبتدأ، والمسوِّغ هنا كونُها بعد واو الحال. (ليس من البر الصومُ في السفر): قال الزركشي: "من" زائدة لتأكيد النفي، وقيل: للتبعيض، وليس بشيء. قلت: هذا عجيب، أجازَ ما المانعُ منه قائم، ومنعَ ما لا مانعَ منه،

стр. 1806

وذلك أن من شروط زيادة "من" أن يكون مجرورها نكرة، وهو في الحديث معرفة، هذا المذهب المعوَّلُ عليه، وهو مذهب البصريين؛ خلافًا للأخفش والكوفيين، وأما كونها للتبعيض، فلا يظهر لمنعه وجه؛ إذ المعنى: أن الصوم في السفر ليس معدودًا من أنواع البر. ثم قال: وروى أهل اليمن "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الْصِيَامُ فِي الْسَفَرِ"، فأبدلوا من اللام ميمًا، وهي قليلة (١). قلت: هذا يوهم أن في البخاري في هذا المتن رواية لأهل اليمن بما قاله، وليس كذلك. قال ابن دقيق العيد (٢) وأُخذ من هذا أن كراهة الصوم في السفر لمن (٣) هو في مثل هذه الحالة ممن يُجهده الصومُ، ويشقُّ عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القُربات، وكان قوله: "ليسَ منَ البرِّ الصيامُ في السفر" منزلًا على مثل هذه الحالة (٤). [قلت: فيكون اللام للعهد؛ أي: هذا الصوم الواقع في هذه الحالة] (٥)، لا لاستغراق الجنس، وإلى هذا المعنى يشير تبويب البخاري، قال:

стр. 1807

باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، وَاشْتَدَّ الْحَرُّ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ " (باب: قول النبي ﷺ لمن ظُلِّلَ عليه). (ليس من البر الصيام (١) في السفر): قال ابن دقيق العيد: والظاهرية المانعون من الصوم في السفر، يقولون: إن اللفظ عام، والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢). قال: ويجب أن يُتنبَّه للفرق بين دلالة السياق، والقرائنِ الدالة (٣) على مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على [سبب، ولا يُجريهما مجرى واحدًا؛ فإن مجرد ورود العام على] (٤) السبب لا يقتضي التخصيص به؛ كنزول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بسبب سرقة رداء صفوان؛ فإنه لا يقتضي التخصيص به (٥) بالضرورة لإجماع. أما السياق والقرائن، فإنها (٦) الدالة (٧) على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجمَلات، وتعيين المحتملات (٨)، فاضبطْ هذه

стр. 1808

القاعدة؛ فإنها مفيدة (١) في مواضع لا تُحصى، وانظر في قوله ﵊: "ليسَ من البِرِّ الصيامُ في السفرِ" مع (٢) حكاية هذه الحالة من أي قَبيل هو، فنزله عليه (٣). باب: مَنْ أَفْطَرَ في السَّفَر لِيَراهُ النَّاسُ ١١١٦ - (١٩٤٨) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. (أبو عَوانة): بفتح العين المهملة. (ثم دعا بماء، فرفعه إلى يده (٤) ليراه (٥) الناس): قال الزركشي: كذا

стр. 1809

لأكثرهم: إلى يده، وعند ابن السكن: إلى (١) فيه، وهو أظهر، إلا أن تؤول "إلى" في رواية الأكثرين بمعنى "على"؛ ليستقيم الكلام (٢). قلت: لا أعرف أحدًا ذكر أنَّ "إلى" ترد (٣) بمعنى "على"، والكلام مستقيم بدون هذا التأويل، وذلك أن "إلى" لانتهاء (٤) الغاية على بابها، والمعنى: فرفع الماء ممن أتى به إلى يده رفعًا قصدَ به رؤية الناس له، فلابد أن يقع ذلك على وجه يتمكن فيه الناس من رؤيته، ولا حاجة مع ذلك إلى إخراج "إلى" عن بابها أصلًا، وقوله: ["ليَراه الناسُ": - بفتح الياء -، و"الناسُ" فاعله. وسأل ابن المنير: لمَ لم تكن صيغة الترجمة: باب: إفطار النبي ﷺ ] (٥) ليراه الناس: [وكان ذلك أقعد؛ لأنه ﵇ خاصٌّ معيَّنٌ، وقال البخاري: من أفطر عامٌّ غيرُ معين؟ وأجاب: بأنه أراد التنبيه على أن هذا الحكم غيرُ خاصٍّ بالنبي ﷺ ] (٦)، وأن لكل مسافر أن يفطر في أثناء اليوم كما كان مخيرًا في أصل الصوم، وهو المناسب لأحد القولين عندنا في إسقاط الكفارة، ولكن يحتمل أن يكون سقوطها عندنا؛ لأن الفطر جائز، أو لأن المفطِر غيرُ منتهك (٧)، وإن

стр. 1810

كان مخالفًا، وهذا الثاني هو الأصح في النقل. باب: مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانٌ آخَرُ، يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُطْعِمُ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الإطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. (حتى جاء رمضانٌ آخرُ): بتنوين رمضان؛ لأنه نكرة، فبقي على سبب واحد، ولذلك وصف (١) بالنكرة. * * * ١١١٧ - (١٩٥٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَاّ فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . (قال يحيى: الشغلُ من النبي ﷺ ): أي: أوجبَ ذلك الشغلُ من أجل النبي ﷺ ، إذ الشغلُ من أجله، وهذا من البخاري بيان أن هذا الظاهر ليس

стр. 1811

من قول عائشة بل هو مُدْرَجٌ من قولِ غيرها. قال ابن المنير في تأخير عائشةَ القضاءَ: هل كانت تصومُ يومَ عرفةَ وعاشوراءَ ونحوها من التطوعات؟ الظاهرُ ذلك، فينتظم (١) من هذا جوازُ صوم التطوع، وبقاء الفرض في الذمة من غير كراهة؛ خلاف ما نقله أول الترجمة عن ابن المسيب. باب: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ ١١١٨ - (١٩٥٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ - قَالَ: - فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى". قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ - قَالَا: - سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: إن أمي ماتت, وعليها صومُ شهر): حكى البخاري فيه اختلافًا، ففي رواية: "قالت امرأة (٢): إن أختي ماتت"، وفي

стр. 1812

رواية: "قالت امرأة (١): إن أمي ماتت"، [وفي رواية: "إن أمي ماتت، وعليها صومُ نذر"، وفي رواية: "قالت امرأة: إن أمي ماتت] (٢) وعليها صومُ خمسةَ عشرَ يومًا"، وهذا اختلاف إن لم يحمل على اختلاف وقائع، وهو الظاهر (٣). * * * ١١١٩ - (١٩٥٣/ م) - وَيُذْكَرُ عَنْ أَبي خَالِدٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْحَكَم وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءً وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأة لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ يَحْيىَ وَأَبُو مُعَاوِيةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأةٌ لِلنَّبِي ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللِه، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأة لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأة لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَاتَتْ أُمِّي، وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (وقال أبو حَريز): - بحاء مهملة مفتوحة فراء فمثناة من تحت فزاي - اسمه عبد الله بن حسين (٤).

стр. 1813

باب: مَتَى فِطْرُ الصَّائم ١١٢٠ - (١٩٥٤) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". (إذا أقبل الليل من هاهنا (١)، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم): أي: وإن لم يفعل شيئًا مما (٢) أبيح للمفطر، بل بمجرد غروب الشمس انقضى (٣) وقتُ الصوم، وقد قيل فيمن حلف: لا يفطر وهو صائم: إنه يحنث بدخول الليل، أكل أو لا، وفيه نظر على مذهبنا إذا فرعنا على رعاية (٤) المقاصد لا الألفاظ. باب: إذا أَفْطَرَ في رمضانَ، ثمَّ طلعتِ الشَّمسُ ١١٢١ - (١٩٥٩) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: أفطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قِيلَ لِهِشَامٍ:

стр. 1814

فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا: لَا أَدْرِي أَقْضَوْا أَمْ لَا؟ (أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ يومَ غيمٍ، ثم طلعتِ الشمسُ): قال ابن المنير: والحكمة في اتفاق هذا في زمنه ﵇ أن لا يكون للشيطان على الناس سبيل في تقنيطهم من رحمة الله، وتغييرهم لأحكام الله، وظنهم أنهم مخاطبون بالباطن (١) لا بالظاهر، فأعلم الله (٢) بذلك أنهم إنما (٣) خوطبوا بالظن، والظاهر، فإذا اجتهدوا وأخطؤوا، فلا حرج عليهم، وعلى هذا البيان فليست العامة إلا أتباعًا للشياطين (٤)، تراهم إذا أُغْمي عليهم، ثم ثبتَ في أثناء اليوم أنه من الشهر، أحالوا العيبَ على الحكام، وكلَّفوهم الشَّطَطَ، ونسبوهم إلى التقصير، فإنهم فَطَّروا الناسَ يومًا من رمضان، وهذه وسوسةٌ من الشيطان، نعوذُ بالله منها. باب: صَوْمِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ! وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ؟! فَضَرَبَهُ. (وقال عمر لنشوان): قال الزركشي: بالصرف وتركه (٥).

стр. 1815

قلت: ووجهه أن الزمخشري حكى في مؤنثه: نَشْوانَةٌ، وابن سيده حكى: نشْوَى (١)، فمن اعتبر في منع الصرف انتفاء فعلانة، صرفه، ومن اعتبر وجود فَعْلى، منعه، والمراد به هنا: السكران. قال الجوهري: ورجل نشيانُ للأخبار بَيِّنُ النِّشوة - بالكسر -، وإنما قالوا بالياء؛ للفرق بينه وبين نشوان؛ أي: سكران بين النَّشوة، بالفتح (٢). * * * ١١٢٢ - (١٩٦٠) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: "مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيَصُمْ". قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ، أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإفْطَارِ. (ونصوِّمُ صبياننا؟!): وهذا من تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم العبادات. وقال القرطبي: هذا أمر فعلَه النساءُ بأولادهن، ولم يثبت علمُه ﵇ بذلك، وبعيد أن يأمر بتعذيب صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السنة (٣).

стр. 1816

والمشهورُ عند المالكية الفرقُ بين الصلاة والصيام، فيدَرَّبون على الصلاة، ولا يكلَّفون الصيام، هذا مذهب (١) "المدونة". قال ابن المنير: وكأن العادة (٢) شهدت بأن الصوم محروس؛ لندوره في العام (٣)، فلا يحتاج إلى تدريب، ولهذا لا يفرِّطُ فيه غالبًا [مَنْ يفرط (٤) في الصلاة غالبًا] (٥). (اللُّعْبة): - بضم اللام وإسكان العين المهملة وبالباء الموحدة -: صورةٌ تُتَّخَذُ للصغار يلعبون بها، قال الجوهري: وكلُّ ملعوبٍ به فهو (٦) لعبةٌ (٧). باب: التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ (باب: التنكيل لمن أكثر الوصال): وفي نسخة: "التنكير"، بالراء لا باللام. ١١٢٣ - (١٩٦٥) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁،

стр. 1817

قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟! إِنِّي أَبيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ". فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ، لَزِدْتُكُمْ"؟ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصلَ بهم يومًا، [ثم] يومًا): هذا مما يدل على أن النهي عن الوصال لم يكن للتحريم، وإنما هو للكراهة. قال ابن المنير: وإذا كان الوصال مكروهًا، فلو نذر، لكان الظاهر أن لا يلزمُه؛ لأن الذي (١) فيه من شائبة العبادة يَرجع إلى معنى التقليل من الشهوات، والتخلق بالرياضات والمجاهدات، ومثلُ هذا لا يلزم بالنذر، ولو نذر لا يأكلُ لحمًا، ولا يطأ امرأته تقللًا وتزهدًا، لم يلزمه ذلك. * * * ١١٢٤ - (١٩٦٦) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ"، مَرَّتَيْنِ، قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: "إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ". (فاكلَفوا): - بهمزة وصل وفتح اللام -، كذا رواه الجمهور، وهو الصواب، يقال: كَلِفْتُ بالشيء: أُولِعْتُ به، ولبعضهم: بهمزة قطع ولام

стр. 1818

مكسورة، ولا يصح عند اللغويين، قاله القاضي (١). باب: مَنْ أَقْسَمَ على أخيهِ ليُفْطِر في التَّطوعِ، ولم يرَ عليهِ قضاءً إذا كانَ أوفقَ لَهُ ١١٢٥ - (١٩٦٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ ابْنِ أَبي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءَ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِن لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلْمَانُ". (فرأى أُمَّ الدرداء مبتذلَةً): - بذال معجمة -؛ من ثياب البذلة، وهي المهنة، وروي: بتقديم المثناة على الموحدة، على صيغة مُتفعلة بالتثقيل، وعكسه على صيغة مُفْتَعِلَة بالتخفيف، وأُمُّ الدرداء [هذه هي الكبرى، واسمها خيرةُ بنتُ أبي حَدْرَدٍ الأسلميِّ (٢) في قول أحمد، ويحيى، وأُمُّ

стр. 1819

الدرداء] (١) الصغرى اسمُها هُجَيْمَةُ، والصحبةُ للكبرى (٢)، وتُوفيت بالشام في خلافة عثمان قبل أبي الدرداء، ولم يرو عنها شيء في الكتب الستة، وروت الصغرى عنه فيها (٣). (فقال: كُلْ، [قال]: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل): وفي آخر الحديث: فأتى النبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك كلَّه، فقال النبي ﷺ : "صَدَقَ سَلْمانُ". قال ابن المنير: لا تجد المالكيةُ ما يدل على تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، إلا أن الخاص يقدم على العام؛ كحديث سلمانَ ونحوه، فمذهب الشافعي في هذه المسألة أظهر، والله أعلم (٤). وفي حكايات أهل الطريق: أن بعض الشيوخ حضر دعوة، فعرضَ الطعام على تلميذه، فقال: إني على نية، وأبى أن يأكل، فقال له الشيخ: كل، وأنا أضمنُ لك أجر سنة، فأبى، فقال الشيخ: دعوه؛ فإنه سقط من عين الله. وترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: باب: من أقسم على أخيه، ولم يذكر في حديث أبي الدرداء هذا قَسَمًا (٥) من سلمان، فإما لأنه في (٦)

стр. 1820

طريق آخر، وإما لأنه تأول عليه: وأقسم، وقدر كلامَ سلمانَ جوابَ قسم محذوف؛ كما تُؤُوِّلَ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وذلك كله تضجيع من البخاري في الفطر، لا العذر من قَسَم وضرورةٍ ونحوِها، فتأمله. قلت: يحتاج إلى إثبات الطريق التي (١) وقع فيها القَسَم، والاحتمالُ ليس كافيًا في ذلك، وتقديرُ قسم هنا تقديرُ ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. باب: صومِ شعبانَ ١١٢٦ - (١٩٦٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. (وما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبان): بنصب "صيامًا". قال الزركشي: ورُوي بالخفض. قال السهيلي: وهو وهم، وربما بُني اللفظ على الخط؛ مثل أن يكون رآه مكتوبًا بميم مطلقة، على مذهب من يرى الوقفَ على الميم المنصوب بغير ألف، فتوهمه (٢) مخفوضًا، لاسيما وصيغةُ أفعلَ تضاف كثيرًا، فتوهمها

стр. 1821

مضافة، وإضافتُه هنا لا تجوز قطعًا (١). * * * ١١٢٧ - (١٩٧٠) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ، قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، داوَمَ عَلَيهَا. (فإنه كان يصوم شعبانَ كلَّه): يحتاج إلى الجمع بين هذا وبين روايتها الأولى: "ما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ"، فقيل: الأولُ مفسِّرٌ للثاني، ومبينٌ (٢) بأن المراد بالكل الأكثر. وقيل: كان يصوم مرة كله، ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه. وقيل: في قولها (٣): "كلَّه" أنه يصوم في أوله، وفي وسطه، وفي آخره، ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمه بصيامه، كذا في الزركشي (٤). قلت: الثلاثة كلها ضعيفة: أما الأول: فلأن إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غيرُ معهود.

стр. 1822

وأما الثاني: فلأن قولها: "كان يصوم شعبان كله" يقتضي تكرر (١) الفعل، وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل (٢) هذه العبارة. وأما الثالث: فلأن أسماء الشهور إذا ذكرت غيرَ مضافٍ إليها لفظُ (٣) شهر، كان العمل عامًا لجميعها، لا تقول: سرتُ المحرمَ، وقد سرتَ بعضًا منه، ولا تقول: صمتُ رمضانَ وإنما صمتَ بعضَه، فإن أضفت الشهر إليه، لم يلزم التعميم، هذا مذهب سيبويه، وتبعه عليه غيرُ واحد. قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجَّاجُ، فينبغي أن يُفكر في وجه الجمع بغير هذه (٤) الطرق. ويمكن أن يقال: إن قولها: "وما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبان" لا ينفي صيامَه بجميعه، فإن المراد: أكثريةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشهور التي لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله؛ لأنه إذا صامه جميعه، صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثرُ من الصوم الذي أوقعه في (٥) غيره ضرورةَ (٦) أنه لم يصم غيره مما (٧) عدا رمضان كاملًا. فإن قلت: فماذا تصنع بقولها في هذا الحديث: "لم يستكمل صيامَ شهرٍ إلا رمضان"؟

стр. 1823

قلت: يُحمل على الحذف؛ أي (١): إلا رمضان وشعبان؛ بدليل قولها في الطريق الأخرى: "فإنه كان يصوم شعبانَ كلَّه"، وحذفُ المعطوفِ والعاطفِ جميعًا ليس بعزيز (٢) في كلامهم. ففي التنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]؛ أي: ومَنْ أنفقَ من بعدِه، وفيه (٣): ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد، وفيه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: فإن أحصرتم فحللتم، وفيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛أي: فحلقَ. ويمكن الجمع بطريق أخرى (٤)، وهي أن يكون قولها: "وكان يصوم شعبان كله" محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى؛ أي (٥): إلا قليلًا منه. ويدل عليه ما حكاه ابن بطال عن عبد الرزاق: أنه روى من طريق أبي سلمة، قال: "سألتُ عائشةَ عن صيامِ رسولِ الله ﷺ ، [فذكرتِ الحديثَ، وقالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ (٦) أكثرَ صيامًا منه في شعبان؛ فإنه كان يصومه كله إلا قليلًا" (٧).

стр. 1824

فإن قلت: من ذا الذي من أئمة العربية أجاز مثلَ هذا الحذف (١)؟ قلت: قال ابن هشام في "مغنيه": والله لا أعلم أحدًا أجازه إلا أن السهيلي قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ [الكهف: ٢٣]: إن الأصل: إلا قليلًا إلا أن يشاء الله، فتضمن كلامُه حذفَ أداة الاستثناء والمستثنى جميعًا (٢). فإن قلت: فهذا مثلُ الوجه الذي أنكرتَه من كونِ الكلِّ بمعنى الأكثر. قلت: هو في المعنى مثله، إلا أن هذا مستنِدٌ (٣) إلى تنزيل اللفظ على المقصود بطريقٍ قال بها بعضُ النحاة، وليس الأولُ كذلك، وقد استبان لك وجهُ الجمع على تقدير أن يكون الواقع صيامه لشعبان كله، أو لأكثره (٤)، فتأمله. باب: ما يُذْكرُ مِنْ صَومِ النَّبيِّ ﷺ وإفطارَهُ ١١٢٨ - (١٩٧٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁، عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مُفْطِرًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً

стр. 1825

وَلَا حَرِيرَةً أليَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (ولا مَمسِسْت): - بكسر السين الأولى - على الأفصح. (خَزِّة): هي القطعةُ من الخز، والحريرةُ: واحدة الحرير، وكذا القول في مِسكة، وعبيرة (١). (ولا شمِمت): بكسر الميم الأولى. قال ابن درستويه: والعامة تخطئ في فتحها. وليس كما قال، بل هي لغة حكاها الفراء. ومضارع الأول أَشَمُّ، بفتح الشين، والثاني: أَشُمُّ، بضمها (٢). باب: حَقِّ الضَّيف في الصَّومِ ١١٢٩ - (١٩٧٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو ابْنِ الْعاصِ ﵄، قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ يَعْنِي: "إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ داوُدَ؟ قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ". (وإن لزَورك عليك حقًا): - بفتح الزاي - بمعنى: الزائر (٣) والضيف،
следующие страницы →