مضافة، وإضافتُه هنا لا تجوز قطعًا (١).
* * *
١١٢٧ - (١٩٧٠) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ، قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، داوَمَ عَلَيهَا.
(فإنه كان يصوم شعبانَ كلَّه): يحتاج إلى الجمع بين هذا وبين روايتها الأولى: "ما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ"، فقيل: الأولُ مفسِّرٌ للثاني، ومبينٌ (٢) بأن المراد بالكل الأكثر.
وقيل: كان يصوم مرة كله، ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه.
وقيل: في قولها (٣): "كلَّه" أنه يصوم في أوله، وفي وسطه، وفي آخره، ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمه بصيامه، كذا في الزركشي (٤).
قلت: الثلاثة كلها ضعيفة:
أما الأول: فلأن إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غيرُ معهود.
стр. 1822
وأما الثاني: فلأن قولها: "كان يصوم شعبان كله" يقتضي تكرر (١) الفعل، وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل (٢) هذه العبارة.
وأما الثالث: فلأن أسماء الشهور إذا ذكرت غيرَ مضافٍ إليها لفظُ (٣) شهر، كان العمل عامًا لجميعها، لا تقول: سرتُ المحرمَ، وقد سرتَ بعضًا منه، ولا تقول: صمتُ رمضانَ وإنما صمتَ بعضَه، فإن أضفت الشهر إليه، لم يلزم التعميم، هذا مذهب سيبويه، وتبعه عليه غيرُ واحد.
قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجَّاجُ، فينبغي أن يُفكر في وجه الجمع بغير هذه (٤) الطرق.
ويمكن أن يقال: إن قولها: "وما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبان" لا ينفي صيامَه بجميعه، فإن المراد: أكثريةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشهور التي لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله؛ لأنه إذا صامه جميعه، صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثرُ من الصوم الذي أوقعه في (٥) غيره ضرورةَ (٦) أنه لم يصم غيره مما (٧) عدا رمضان كاملًا.
فإن قلت: فماذا تصنع بقولها في هذا الحديث: "لم يستكمل صيامَ شهرٍ إلا رمضان"؟
стр. 1823
قلت: يُحمل على الحذف؛ أي (١): إلا رمضان وشعبان؛ بدليل قولها في الطريق الأخرى: "فإنه كان يصوم شعبانَ كلَّه"، وحذفُ المعطوفِ والعاطفِ جميعًا ليس بعزيز (٢) في كلامهم.
ففي التنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]؛ أي: ومَنْ أنفقَ من بعدِه، وفيه (٣): ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد، وفيه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: فإن أحصرتم فحللتم، وفيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛أي: فحلقَ.
ويمكن الجمع بطريق أخرى (٤)، وهي أن يكون قولها: "وكان يصوم شعبان كله" محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى؛ أي (٥): إلا قليلًا منه.
ويدل عليه ما حكاه ابن بطال عن عبد الرزاق: أنه روى من طريق أبي سلمة، قال: "سألتُ عائشةَ عن صيامِ رسولِ الله ﷺ ، [فذكرتِ الحديثَ، وقالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ (٦) أكثرَ صيامًا منه في شعبان؛ فإنه كان يصومه كله إلا قليلًا" (٧).
стр. 1824
فإن قلت: من ذا الذي من أئمة العربية أجاز مثلَ هذا الحذف (١)؟
قلت: قال ابن هشام في "مغنيه": والله لا أعلم أحدًا أجازه إلا أن السهيلي قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ [الكهف: ٢٣]: إن الأصل: إلا قليلًا إلا أن يشاء الله، فتضمن كلامُه حذفَ أداة الاستثناء والمستثنى جميعًا (٢).
فإن قلت: فهذا مثلُ الوجه الذي أنكرتَه من كونِ الكلِّ بمعنى الأكثر.
قلت: هو في المعنى مثله، إلا أن هذا مستنِدٌ (٣) إلى تنزيل اللفظ على المقصود بطريقٍ قال بها بعضُ النحاة، وليس الأولُ كذلك، وقد استبان لك وجهُ الجمع على تقدير أن يكون الواقع صيامه لشعبان كله، أو لأكثره (٤)، فتأمله.
باب: ما يُذْكرُ مِنْ صَومِ النَّبيِّ ﷺ وإفطارَهُ
١١٢٨ - (١٩٧٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁، عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مُفْطِرًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً
стр. 1825
وَلَا حَرِيرَةً أليَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(ولا مَمسِسْت): - بكسر السين الأولى - على الأفصح.
(خَزِّة): هي القطعةُ من الخز، والحريرةُ: واحدة الحرير، وكذا القول في مِسكة، وعبيرة (١).
(ولا شمِمت): بكسر الميم الأولى.
قال ابن درستويه: والعامة تخطئ في فتحها.
وليس كما قال، بل هي لغة حكاها الفراء.
ومضارع الأول أَشَمُّ، بفتح الشين، والثاني: أَشُمُّ، بضمها (٢).
باب: حَقِّ الضَّيف في الصَّومِ
١١٢٩ - (١٩٧٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو ابْنِ الْعاصِ ﵄، قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ يَعْنِي: "إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ داوُدَ؟ قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ".
(وإن لزَورك عليك حقًا): - بفتح الزاي - بمعنى: الزائر (٣) والضيف،
стр. 1826
قالوا (١): وهو مصدر وضع موضعَ الاسم؛ كصوم ونوم؛ بمعنى: صائم ونائم، وقد يكون اسمَ جمع له واحدٌ من اللفظ، وهو زائر؛ كراكب ورَكْب.
وإنما ذكر هذه الحقوق؛ لأن القيام والصيام يمنعانها، وإذا تعارضت، قدم الأولى.
باب: حَقِّ الجسْمِ في الصَّومِ
١١٣٠ - (١٩٧٥) - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيىَ بْنُ أبي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كلِّهِ". فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً؟ قَالَ: "فَصُمْ صِيَامَ نبَيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇، وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ". قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نبَيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: "نِصْفَ الدَّهْرِ". فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
(وإن بحسْبك): - بإسكان السين - اسم إنَّ، والباء فيه زائدة.
стр. 1827
وانظر هل يجوز أن يكون خبرًا مقدمًا؛ لأنه جار ومجرور، وان كان حرف الجر زائدًا، وهو عندي بعيد، أو ممتنع، فتأمله.
(أن تصوم): في محل رفع على أنه خبر "إن"، وينبغي (١) أن يكون هذا الإعراب متعينًا، ويؤخذ منه صحة ما ذهب إليه ابنُ مالك في قولك (٢): بحسبك زيدٌ: إن حسبك مبتدأ، وزيدٌ خبره، وإنه من باب الإخبار بالمعرفة (٣) عن النكرة؛ لأن (٤) حسبك لا يتعرف بالإضافة.
(قال: نصفَ الدَّهر): - بالنصب - على أنه خبر "كان" محذوف؛ أي (٥): كان صيامُه نصفَ الدهر.
باب: حقَّ الأهلِ في الصَّومِ
١١٣١ - (١٩٧٧) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَطَاءً: أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَمْرٍو ﵄: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّى اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُوم وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي وَلَا تَنَامُ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ
стр. 1828
حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا". قَالَ: إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇". قَالَ: وَكيْفَ؟. قَالَ: "كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". قَالَ: مَنْ لِي بِهَذ يَا نبَيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كيْفَ ذَكرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ"، مَرَّتَيْنِ.
(أَسْرُدُ الصومَ): أي: دائمًا.
(قال: مَنْ لي بهذه): أي: من (١) يتكفل لي بهذه الخصلة؟
(لا صام مَنْ صام الأبدَ (٢)): هذا دعاء، وإلَاّ وجبَ تكرارُ "لا".
وأما قوله ﵇ في حديث المرأة التي صامت حتى ماتت (٣): "لا صَامَتْ وَلا أَفْطَرَتْ" (٤)، فالظاهرُ أنه خبرٌ لا دعاء، وما يدعى على الميت بأن لا يصوم، وإنما معناه: لا هي حَصَّلَتْ مقصودَ الصوم من الأجر، ولا هي حصلت مقصودَ الفطر من الرخصة والتوسعة؛ كقوله: "فَإِنَّ المُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ، وَلا ظَهْرًا أَبْقَى" (٥).
(لا صومَ فوق صوم داودَ شطرَ الدهر): برفع (١) الشطر ونصبه وجره.
باب: صِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ
(باب: صيام البيض): ليس في حديث أبي هريرة أن في الثلاثة التي أوصاه بصيامها في كل شهر هي الأيام البيض، لكن ثبت ذلك في السنن، فلما لم يكن على شرطه، أشار إليه في الترجمة.
وقال ابن المنير: ترجم على الأيام البيض، و (٢) ذكر حديثًا في صوم ثلاثة من كل شهر مطلقًا، وقد وردت أحاديث بالتخصيص (٣) لم يرتضها (٤)، فنبه بالترجمة على أن الأحوط للمتطوع أن يخص الثلاث بهذه الأيام البيض، [فيجمع بين ما صحَّ وما احتمل أن يكون صحيحًا، وأنكر بعض اللغويين أن يقال: الأيام البيض] (٥)، وقال: إنما هي الليالي البيض، وإلا فالأيام كلُّها بِيض، وهذا وهم منه، والحديث يرد عليه.
قلت: يريد ما ذكره ابن بطال عن شعبة، من طريق عبد الملك ابن المنهال، عن أبيه، قال: أمرني النبيُّ ﷺ بالأيام البيض، و (٦) قال:
стр. 1832
"هو (١) صَوْمُ الدَّهْرِ" (٢).
ثم (٣) قال: واليومُ اسمٌ يدخل فيه الليل والنهار، وما كلُّ يوم أبيض بجملته إلا هذه الأيام؛ فإن نهارها أبيض، وليلها - أيضًا - أبيض، فصارت كلها بيضاء، وأظنه سبق إلى وهمه أن اليوم هو النهار خاصة.
قلت: الظاهر أن مثل هذا ليس بوهم؛ فإن اليوم وإن كان عبارة عن الليل والنهار جميعًا، لكنه بالنسبة إلى الصوم إنما هو النهار خاصة، وعليه: فكل يوم يُصام هو (٤) أبيض؛ لعموم (٥) الضوء له من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فينبغي أن يقال: أيام البيض؛ أي: أيام الليالي البيض، وإليه تشير ترجمة البخاري؛ حيث فسر البيض "بثلاث (٦) عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة"، وهي البِيض، حكاه مغلطاي.
وفي لفظ الترمذي: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ صَائِمًا، فَلْيَصُمِ الثَّلاثَةَ (٧) البِيضَ" (٨)، وهذا مما يشهد لابن المنير.
(وحدثتني ابتتي أُمَينة): بهمزة مضمومة فميم مفتوحة فياء تصغير فنون فهاء تأنيث.
باب: الصَّومِ من آخِرِ الشَّهرِ
١١٣٦ - (١٩٨٣) - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا -، وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا فُلَانٍ! أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ ". قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ". لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي: رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ثَابِثٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ".
(أما صمتَ من سَرَرَ هذا الشهر؟): - بفتح السين المهملة والراء -، كذا لأكثرهم؛ أي: آخر ليلة منه حيث (١) يستتر (٢) القمرُ فيه.
(أظنه يعني: رمضان): وقد جاء بعد هذا: "من سرر شعبان".
قال ابن المنير: وهما راجعان لمعنى واحد؛ إذ المراد: آخر شعبان حيث سرر الهلال لم يظهر، فيكون هلال رمضان، [فصحت إضافته إلى كل منهما.
стр. 1835
قلت: لا أدري معنى قوله: سرر الهلال (١)، مع تفسيرهم السررَ بآخر ليلة من الشهر، وإلا كيف يكون المراد: هلالَ رمضان، (٢)] سواء أضفته إلى شعبان، [أو رمضان، فتأمله.
(فإذا أفطرت، فصم يومين): حمله الخطابي: على أن الرجل كان أوجبَ اليومين على نفسه نَذْرًا (٣).
وحمله القرطبي على أنه أمره بصيام يومين عن اليوم الذي تركه؛ لمزية شعبان، فكأن صيامَ يوم منه] (٤) كصوم يومين في غيره (٥)، ولذلك كان رسول الله ﷺ يصوم منه ما لا يصوم من غيره (٦).
باب: صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ
(باب: صوم يوم الجمعة): قال ابن المنير: ترجم على صوم (٧) [يوم الجمعة، وعلى أنه إذا صامه، فعليه أن يفطر في أثنائه، وذكر أحاديث النهي
стр. 1836
عن صوم يوم الجمعة)] (١) منفردًا، وليس فيها أنه إذا (٢) وقع و (٣) قطعه وأفطر إلا الحديث الأخير، فقدره البخاري بيانًا لما قبله (٤) وقاضيًا بتفسيره على إجمال غيره، وهو فقه حسن.
باب: هَلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ
(باب: هل يخصُّ شيئًا): بفتح أوله ونصب شيء، وبضمه ورفع شيء.
١١٣٧ - (١٩٨٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْتَصُّ مِنَ الأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَت: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم - يُطِيقُ؟!
(كان عمله دِيمةً): أي: دائمًا متصلًا، والدِّيمةُ: المطرُ الدائم في سكون، وأصله الواو، لأنه (٥) من الدوام، فانقلبت الواو ياء (٦)؛ لسكونها وانكسار ما قبلها.
عَمْرُو بْنُ يَحْيىَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
(وعن الصمَّاء): وهي أن يتجلَّلَ بالثوب لا يرفعُ منه جانبًا، سميت به؛ لأنها تشد على يديه ورجليه المنافذ كلَّها، وقد سبق.
باب: صومِ يومِ النَّحْرِ
١١٤١ - (١٩٩٣) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: يُنْهَى عَنْ صِيَامَيْنِ، وَبَيْعَتَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ.
(وبِيعتين): بكسر الباء، وقد مر (١) أيضًا.
(عن عطاءِ بنِ ميناءَ): كلاهما ممدود، إلا أن الأول منصرف حذف تنوينه تخفيفًا (٢)؛ لوقوع الابن بين علمين صفة متصلة على القاعدة، والثاني غير منصرف، وميمه مكسورة.
* * *
١١٤٢ - (١٩٩٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
стр. 1839
عَوْنٍ، عَن زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄، فَقَالَ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الاِثْنَيْنِ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ.
(فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي ﷺ عن هذا اليوم): قد يفهم ظاهر (١) هذا أنه وقف عن الجواب بذكر دليلين متعارضين كما ظنه الزركشىي (٢)، وليس كذلك، بل نبه على أن أحدهما - وهو الوفاء بالنذر - عامٌّ، والآخر - وهو المنع من صوم العيد - خاصٌ، فكأنه أفهمه (٣) أنه يُقضى بالخاص على العام.
باب: صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
(باب: صيام التشريق): قال ابن المنير: أيام التشريق ذُكرت بصيغة واحدة يستوي فيه الثلاثة، ومالك ﵀ خصَّ ثالثَها، وهو رابعُ يوم النحر بالتخفيف، فأجاز صومَه بالنذر، وذلك لأن الاجماع على جواز النفر في اليوم الثاني للمتعجِّلين، فلا يكونون في الثالث بمنى (٤)، ولا يعد حينئذٍ من أيَّامها؛ لأنهم انصرفوا قبله، فذلك مما يخفف الأمر فيه دون اليومين الآخرين.
стр. 1840
باب: صيامِ يومِ عاشوراءَ
١١٤٣ - (٢٠٠١) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
(أمر بصيام يوم عاشوراء): قال صاحب "العين": هو اليوم العاشر من المحرم، وقيل: هو اليوم التاسع منه (١)(٢).
قلت: و (٣) الأول هو مذهب مالك ﵁.
قال بعض العلماء: ووجهُ حملهِ على التاسع إلحاقُه بالمعروف في الظِّمْء (٤)؛ فإن الخِمس: عندهم أن تُظْمَأَ الإبل أربعةَ أيام، والرِّبعْ: أن تُظْمَأَ ثلاثةَ أيام، فيضعه أبدًا على نقصان يوم.
قال ابن المنير: وعندي أنه على الأصل، حسبت (٥) العربُ الأربعةَ وبعضَ الخامس خمسةً؛ لأن الإبل لا تَرِدُ [في غالب الحال إلا] (٦) في أثناء اليوم، فحسبوا بعض اليوم يومًا؛ كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فاعتد بالعشر شهرًا إن قلنا: إن أشهر الحج شهران وعشرة أيام، وإن قلنا: إلى
стр. 1841
آخر ذي (١) الحجة، جرى على الأصل بكل وجه (٢).
* * *
١١٤٤ - (٢٠٠٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبي سُفْيَانَ ﵄ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ، عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ".
(يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟): هذا من (٣) معاوية ﵁ يدل على أنه سمع شيئًا أنكره، فإما قول من (٤) لا يرى لصومه فضلًا، وإما قول من يراه فرضًا (٥)، وسمع الأمرين جميعًا، ويحتمل أنه استدعاهم؛ ليسمعوا هذا الحديث منه، ويأخذوه عنه.
* * *
١١٤٥ - (٢٠٠٤) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ إلَيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ
стр. 1842
عَنْهُما -، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -صلي الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
(قال: فأنا أحقُّ بموسى منكم): وليس هذا تصديقًا لليهود بمجرد قولهم، ولكن لعله يوحي أن الأمر كذلك، وهذا يدل على أنه حين شُرع لم يكن فرضًا، ولذلك لم يأمر بقضائه لمن أكل فيه، وأمر بالإمساك خاصة، هكذا قيل، وفيه نظر.
* * *
١١٤٦ - (٢٠٠٧) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: أَمَرَ النَّبِي ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: "أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ".
(أمر النبي ﷺ رجلًا من أسلمَ أَنْ أذِّنْ في الناس: من كان أكلَ، فليتم (١) بقيةَ يومه): الرجل هو هندُ بنُ أسماءَ الأسلميُّ، قاله ابن بشكوال (٢).
وقيل: أسماءُ ابنُ حارثة، وهندٌ هو أخو أسماء، لكن اتفقوا في أسماء على أنه ابنُ حارثة، واختلفوا في هندٌ، فقيل: هو (٣) ابنُ أسماء، وقيل: هو ابنُ حارثة، وسيأتي فيه كلام بعد هذا في: خبر الواحد، إن شاء الله تعالى.
لأن الأوزاع الجماعات المتفرقة.
وقال ابن فارس: الأوزاع: الجماعات (١)، وكذا الجوهري (٢)، فعلى هذا تكون الصفة للتخصيص.
* * *
١١٤٨ - (٢٠١٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى في المَسْجِدِ، وصَلَّى رِجالٌ بِصَلاتِهِ، فأصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فأصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ، عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْح، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فتشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا". فتوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم - وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
(ولكن (٣) خشيت أن تُفترض عليكم): قال القاضي: يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنه (٤) إن واصل هذه الصلاة معهم، فُرضت، أو ظن
стр. 1846
أنها ستُفرض، أو خاف ظَنَّ أحدٍ من أمته بعده إذا داوم عليها أنها واجبة، وقيل غير هذا.
(فتعجِزوا عنها): بجيم مكسورة.
стр. 1847
كِتابُ فَضْلِ لَيْلَة القَدِرِ
стр. 1848
كِتابُ فَضْلِ لَيْلَةِ القَدِرِ
باب: التماسِ ليلةِ القدرِ في السَّبعِ الأواخرِ
١١٤٩ - (٢٥١٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ في السَّبعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَى رُؤْيَاكمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ".
(أرى رؤياكم): قال القاضي: كذا جاء بالإفراد، والمراد به: رُؤَاكُم (١)؛ لأنها لم تكن رؤيا واحدة (٢).
قلت: فهو مما عاقب الإفراد فيه (٣) الجمع، لأمن اللبس، وهو مسموع.
قال السفاقسي: كذا يرويه المحدثون بتوحيد الرؤيا، وهو جائز؛ لأنها مصدر، وأفصحُ منه رُؤَاكُم جمع رُؤْيا؛ ليكون جمعًا (٤) في مقابلة جمع (٥)،
стр. 1849
ولم يبدل ذلك؛ أن كان أشبهَ بكلام (١) النبي ﷺ كراهةَ تغيير ما أَدَّته الرواة.
(قد تواطت): توافقت، وأصله: تواطأت - بالهمز -، ويجوز تركه.
(في السبع الأواخر): جمع آخِرة - بكسر الخاء -، ولا يجوز أُخَر؛ لأنه جمعٌ لأُخرى، وهي لا (٢) دلالة لها على المقصود، وهو التأخير في الوجود، وإنما يقتضي المغايرة، تقول: مررت بامرأة حسنة، وامرأةٍ أخرى؛ أي (٣): مغايرةٍ لها، ويصح هذا التركيب سواء كان المرورُ بهذه المرأة المغايِرَةِ سابقًا أو (٤) لاحقًا، وهذا (٥) عكسُ العَشْرِ الأُوَل؛ فإنه يصح؛ لأنه جمع أُولى، ولا يصحُّ الأوائل؛ لأنه جمع أَوَّل الذي هو للمذكر، وواحد العشر ليلة، وهي مؤنثة، فلا توصف بمذكر.
* * *
١١٥٠ - (٢٠١٦) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحيْىَ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ، وَكَانَ لِي صَدِيقًا، فَقَالَ: اعْتكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا، وَقَالَ: "إِنَّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، أَوْ: نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِيقٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلْيَرْجِعْ". فَرَجَعْنَا، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً،
стр. 1850
فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءَ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
(العشر الأوسط): جاء هذا على لفظ العشر من غير نظر إلى مفرداته، ولفظهُ مذكر، فيصح وصفُه بالأوسط، وإلا، فلو أُريد وصفه باعتبار آحاده، لقيل: الوُسْطي، والوُسَط - بضم الواو وفتح السين -؛ ككُبرى وكُبَر، وقد رُوي به في بعض الطرق.
وروي أيضًا: "الوُسُط" - بضمتين - جمع واسط؛ كنازل ونُزُل، كذا في الزركشي (١).
قلت: واسط هذا مذكر، وواحدُ العشر مؤنث، وكان قياسه أَواسِط جمع واسطة؛ كأواخِر جمع آخِرة.
(ثم أنُسيتُها أو نُسِّيتُها): - بضم النون وتشديد السين -، والمراد: نسيانُ تعيينها في تلك السنة.
* * *
باب: تَحرِّي ليلةِ القَدْرِ في الوِترِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ
١١٥١ - (٢٠٢١) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي
стр. 1851
سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى".
(في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى (١)، في خامسة تبقى): الأولى هي ليلة إحدى وعشرين، والثانية: هي ليلة ثلاث وعشرين (٢)، والثالثة: ليلة خمس وعشرين، هكذا قال مالك.
وقال بعضهم: إنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وترًا من الليالي إذا كان الشهر ناقصًا، فلا يكون إلا في شفع، فيكون السابعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره البخاري بعدُ عن (٣) ابن عباس، ولا تصادف واحدة منهن وترًا، وهذا على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوزوا (٤) نصف الشهر، فإنما يؤرخون بالباقي منه، لا بالماضي (٥).
قال الطبري: وفي دلالته (٦) ﵇ أُمَّتَه عليه بالآيات؛ ككونها (٧) ليلةً طلقةً لا (٨) حارة ولا باردة، وأن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاءَ لا شُعاعَ لها، دليلٌ على كذب مَنْ زعمَ أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السنة؛ من سقوط الأشجار إلى الأرض، ثم رجوعها
стр. 1852
قائمة إلى أماكنها؛ إذ لو كان ذلك حقًا، لم يخفَ عن بصر من يقوم ليالي السنة كلها، فكيف ليالي شهر رمضان؟!
قال ابن المنير: لا يُطلق القولُ بكذب من ادعى ذلك، بل يجوز أن يكون كرامةً يكرم الله بها مَنْ يشاء من عباده، ويكون - أيضًا - علامةً لهم على (١) ليلة القدر؛ فإنه ﵊ لم يحصر العلامة، ولم ينف الكرامة، ومما (٢) يدل على عدم انحصار العلامة التي كانت نزولَ المطر في ذلك العام: نحن نعلم أن كثيرًا من الرمضانات انقضى دون مطر، مع عدم خلوه من ليلة القدر، وعلى (٣) كل (٤) تقدير، فلا ينبغي أن يعتقد أن ليلة القدر لا ينال فضلَها إلا (٥) من رأى الخوارق؛ كسجود الجدرات (٦)، وخضوع الأشجار، بل يعتقد أن فضل الله واسع (٧)، ورُبَّ قائمٍ تلكَ الليلةَ لم يحصل منها إلا على العبادات (٨)، ولم ير شيئًا من الكرامة، وهو عند الله أفضلُ ممن رآها، وأي كرامة أفضل من الاستقامة التي هي عبارة عن امتناع السِّنَة، وإخلاص النية، والصبر على العبادة (٩)، وتخليصها من الشبهات والشهوات،
стр. 1853
وربما كانت الخوارق فتنةً في حق مَنْ ظهرتْ له، وأما الاستقامة (١)، فيستحيل أن يكون إلا كرامة، ولهذا لما سئل بعضهم عن الكرامة، قال: هي الاستقامة.
* * *
باب: رفعِ معرفةِ ليلةِ القَدْر لِتَلَاحي النَّاسِ
١١٥٢ - (٢٠٢٣) - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيلَةِ الْقَدْرِ، فتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ".
(فتلاحى فلان وفلان): تقدم عن ابن دحية: أنهما كعبُ بنُ مالك، وعبدُ الله بن أَبي حَدْرَدٍ.
(وعسى أن يكون خيرًا لكم): قال ابن المنير: فيه دليل على فضل الحكمِ بالظن وحُسْنِه؛ خلافًا لمن استقبحَ العملَ بالظنون، وقَدَّرَ المفسدةَ في الرجوع إليها ولابدَّ، وذلكَ وهمٌ منه يأباه العقل والشرع معًا، وقد قال ﵇: "وعَسى أن يكونَ خيرًا لكم"، فرجَّحَ الظنَّ في باب الإحاطة بليلة القدر على اليقين.
* * *
стр. 1854
باب: العملِ في العَشْرِ الأواخرِ من رمضانَ
١١٥٣ - (٢٠٢٤) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
(وأحيا ليله): هو من باب الاستعارة، شبه (١) القيام فيه (٢) بالحياة في حصول الانتفاع التام.
* * *
стр. 1855
أَبَوَابُ الِاعْتِكَافِ
стр. 1856
أَبَوابُ الِاعْتِكَافُ
(أبواب: الاعتكاف): الاعتكافُ في اللغة: الاحتباسُ، واللزومُ للشيء كيفَ كان (١)، وفي الشرع: لزوم المسجد على وجهٍ مخصوص.
والكلامُ فيه كالكلام في سائر الأسماء الشرعية.
باب: الاِعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالاِعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا
لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
(باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾): المراد بالمباشرة (٢): الجماع، كناية (٣) أو مجازًا؛ لما فيه من ملابسة البشرتين؛ بقرينه ورودِ (٤) هذا
стр. 1857
النهي عَقيبَ الأمرِ المرادِ به الجماعُ.
وقيل: النهيُ على معناه اللغوي من غير قصدٍ (١) إلى كناية أو مجاز، فيدخل فيه الجماعُ وغيرهُ من المباشرات، أنزلَ أو لم يُنزلْ، وأما إذا أريد الجماع، فيفسر بالمس (٢) مع الإنزال؛ لكونه في معنى الجماع.
واستدل البخاري ﵁ بالآية على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختص به مسجدٌ (٣) دون مسجد، وعليه منعٌ ظاهر، بل ربما يدعي دلالتها على أن الاعتكاف قد يكون في غير المسجد، وإلا لم يكن للتقييد دلالة.
قال التفتازاني ﵀: و (٤) في وجه الدلالة خفاء، وهو أن المباشرة حرام في الاعتكاف إجماعًا، فلو لم يكن ذُكر: في المساجد؛ لبيان أن (٥) الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ لزم اختصاصُ حرمة المباشرة باعتكافٍ يكون في المسجد، وهو باطل وفاقًا.
وبعبارة أخرى: إن التقييد زيادة تدل (٦) على أن له مدخلًا في غلبة الحكم، فالحكم المتعلقُ به المتوقفُ عليه إما (٧) تحقُّقُ الاعتكاف، أو
стр. 1858
حرمةُ المباشرة فيه، والثاني منتفٍ إجماعًا، فتعين الأولُ، وأما الدلالة على أنه لا ينفرد بالاعتكاف مسجد دون مسجد، فظاهر؛ حيث نهى عن المباشرة في اعتكاف المساجد كلها.
وقال ابن المسيب: لا يجوز إلا في مسجد المدينة، وهو لنبينا ﵊، والمسجد الحرام، وهو لإبراهيم ﵇، وضَمَّ بعضُ العلماء إليهما المسجدَ الأقصى، وهو لبعض الأنبياء، والقول بأنه لا يجوز إلا في مسجد جامع محكيٌّ عن الزهري، وابن المنذر، وقولُ الجمهور لا يخالف عمومَ الآية؛ لأن (١) المراد بمسجد الجماعة: ما (٢) أُذِنَ في إقامة الجماعة فيه حتى لا يجوز في مسجد البيت؛ أي: الموضع الذي هيأه من بيته للصلاة؛ فإنه لا يدخل في إطلاق المسجد (٣).
* * *
١١٥٤ - (٢٠٢٧) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنْ كانَ اعْتكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ
стр. 1859
صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
(وكان المسجدُ على عريش): أي: مُظَلَّلًا بجريدٍ ونحوِه مما يُستظَلُّ به، يريد: أنه لم يكن له سقف يُكِنُّ من المطر.
(فوكف): أي: قَطَر، ومنه: وكفَ الدمعُ.
* * *
باب: الْحَائِضُ تُرَجِّلُ رَأْسَ الْمُعْتَكِفَ
(باب: الحائض ترجِّلُ المعتكف): الترجيل: أن يُمَسَّ الشعرُ بدُهن وماء ويُمَشَّطَ، قاله الداودي.
وقيل: هو تسريحُ الشعر (١).
١١٥٥ - (٢٠٢٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
(يُصغي إليَّ رأسَه): أي: يُميل إلي.
(وهو مجاور): أي: معتكف.
(فأرجِّلُه وأنا حائض): فيه أن اليدين من المرأة ليستا من العورة؛ إذ
стр. 1860
لو كانتا من عورة، لما باشرته بهما في اعتكافه.
قال ابن المنير: وانظر لو رأى الرجلُ (١) وهو في الصلاة من امرأته (٢) العورةَ المخففةَ؛ كالساق، أو ظهور القدمين، أو الصدر، و (٣) نحوِ ذلك، هل يعيد صلاته؛ كما لو صلت هي (٤) باديةً هذه الأعضاءُ منها، أو لا؟
والظاهر: أنه لا يعيد، والظاهر: أنه لو رأى فرجَها في الصلاة، أعاد، وقطع الصلاة، ولم أقف في ذلك على نص لأصحابنا.
قلت: في "مختصر شيخنا الإمام أبي عبد الله بن عرفة": ما نصه ابن سحنون [من نظرَ عورة إمامه، أو نفسه، بَطَلَتْ صلاتُه، بخلاف غيرهما، ما لم يشغلْه ذلك، أو يلذذْ به.
وفي (٥) حاشية الكتاب: صورة عيشون بدل سحنون] (٦)، وكتب عليها علامة: نسخة.
فقلت: هذا الكلام من نسخة شيخنا التي ناولني إياها، وأجازني رواية جميعها عنه، وفيه ما يدل على وجود النص في مسألة ابن المنير.
* * *