стр. 211
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 16684
مصابيح الجامع
بدر الدين الدماميني
Полный текст (4 546 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
كتابُ الإيمان
стр. 213
كتابُ الإيمان
(كتاب الإيمان): قال الجوهري: الكَتْبُ: الجَمْعُ، والكتابُ معروف، والجمع: كُتُبٌ، وكُتْبٌ (١)، وقد كتبتُ كَتبًا وكِتابًا وكِتابة (٢).
قال النووي: وهو في الاصطلاح: اسمٌ للمكتوب مجازًا، من باب تسمية المفعول بالمصدر (٣).
زاد غيره: وفيه مجاز آخر إن جنحت بالكتب إلى المعنى المدلول عليه باللفظ.
قال بعضهم: يطلق في اصطلاح العلماء والمصنفين على أمور، منها: مجموعُ عبارات دالةٍ على علم من العلوم، ومنها: مجموعُ مسائل ترجع إلى أصل واحد شاملٍ للشرائط والأحكام والأسباب والمقدمات واللواحق؛ ككتاب الطهارة، وكتاب الصلاة.
والإيمان في اللغة: التصديق.
стр. 214
وفي "الكشاف": هو إِفْعال من الأَمْن. يقال: أمنته، وآمنته غيري (١)، ثم يقال: آمَنَهُ: إذا صَدَّقه، وحقيقته (٢): آمَنَهُ التكذيبَ والمخالفةَ، وأما تعديته (٣) بالباء، فلتضمينه معنى أقر وأعترف (٤).
وقد يفهم من ظاهر هذا الكلام أن الإيمان بمعنى التصديق مجاز لغوي، والحق أنه حقيقة، وبه يشعر كلامه في "الأساس" (٥).
وقصده (٦) في "الكشاف": زيادةُ التحقيق والتدقيق في الوضع واللغة على (٧) ما هو دأبُه، ومرادُه بقوله: ثم يقال: آمَنَهُ: إذا صدقه: أنه نقل إلى معنى التصديق، ووضع له لغة، ولما كنت إذا صدقت زيدًا [مثلًا، اعترفت به، عُدِّي بالباء على تضمين معنى الاعتراف، وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي] (٨) مع فعل آخر يناسبه، وهو كثير في كلام العرب، وسيأتي في تحقيق ذلك كلام بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الإيمان في الشرع: فهو تصديق النبي ﷺ فيما علم مجيئه به بالضرورة، والأكثرون على أنه لا بد من (٩) الإقرار مع التمكن، وكثير من
стр. 215
السلف، ومنهم البخاري (١) على أنه التصديقُ والإقرارُ والعملُ، لكن لا يخرج بترك العمل من الإيمان؛ خلافًا للمعتزلة، ولا يدخل في الكفر؛ خلافًا (٢) للخوارج، فالفاسق عندنا مؤمن، وعند المعتزلة ليس بمؤمن ولا كافر.
فإن قيل (٣): كيف لا ينتفي الكل بانتفاء الجزء؟
فالجواب: أن المراد أن الإيمان لا يطلق (٤) على (٥) أساس النجاة، وعلى الكامل المنجي بلا خلاف، والدليل على أنه عمل القلب قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الحجرات: ١٤].
وفي الحديث: "اللَّهُمَّ ثَبتْ قَلْبي عَلَى دِينكَ" (٦)، ومن كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من (٧) حبة من خردل (٨) من الإيمان، والاكتفاء
стр. 216
بالشهادتين إنما هو (١) في حكم الدنيا من عصمة الدم والمال، وحقيقةُ التصديق: الإذعان.
* * *
باب: الإيمان وقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ "
وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] , وَقَوْلُهُ -جَلَّ ذِكرهُ-: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. وَالْحُبُّ فِي الله، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإيمَانِ. وَكتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلإيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتكْمَلَهَا، اسْتَكْمَلَ الإيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا، لَمْ يَسْتكْمِلِ الإيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ، فَسَأُبيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بهَا، وَإِنْ أَمُتْ، فَمَا أَناَ عَلَى صُحْبَتِكُمْ بحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:
стр. 217
لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَع مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشورى: ١٣]: أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبيلًا وَسُنَّةً.
(وهو): أي: الإيمان.
قال الزركشي: هذا من كلام البخاري، وهو راجع إلى الإيمان المبوب عليه، لا (١) الإسلامِ المذكور في الحديث، فإنه سيأتي (٢) فيه تغايرهما في باب: سؤال جبريل عن الإيمان (٣).
قلت: هذا ليس بظاهر، فإن مذهب البخاري أن معناهما واحد، ولولا ذلك، لما حسن منه إدخالُ هذا الحديث في كتاب (٤) الإيمان في معرض الاستدلال به على قبوله الزيادة والنقص، وسيأتي فيه مزيد كلام (٥).
(قول): باللسان.
(وفعل): بالجوارح وبالجَنَان، فأطلق على اعتقاد القلب فعلًا.
(ويزيد وينقص): أي: الإيمان بهذا التفسير، وأما باعتبار حقيقة التصديق، فلا يزيد ولا ينقص، نعم، هو قابل للشدة والضعف، وقد أطلق كثيرون أن نفس التصديق يزيد بتظاهر الأدلة، وكثرةِ النظر، وينقص بفقد (٦)
стр. 218
ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين (١) أقوى من إيمان غيرهم؛ بحيث لا تعتريهم الشبهة، ولا يتزلزل (٢) إيمانهم، وهو إذا تأملت إنما يرجع إلى القوة والضعف.
(والحبُّ في الله، والبغضُ في الله من الإيمان): رواه البيهقي مرفوعًا بلفظ (٣): "أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ في اللهِ، وتُبْغِضَ في اللهِ" (٤)، و"في" للسببية (٥)؛ مثل: "دَخَلَتِ امْرَأةٌ (٦) النَّارَ في هِرَّةِ" (٧).
(فرائض): جمع فريضة، وهي ما يُحمد فاعلُه (٨)، ويُذم تاركُه.
(وشرائع): جمع شريعة (٩)، قيل: والمراد بها نحو: صفة الصلاة، وعدد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق، وفيه نظر.
(وسننًا): جمع سُنَّة، وهي ما يُحمد فاعلُه، ولا يُذم تاركُه، ويرادفها (١٠): المندوبُ، والتطوُّعُ، والمستَحَبُّ، والنافلة، والمرغَّبُ فيه، وللمالكية في ذلك تفصيلٌ معروف.
стр. 219
(وقال معاذ: اجلسْ بنا نؤمنْ ساعة): قال ذلك للأسودِ بنِ هلالٍ.
(وقال ابن مسعود: اليقينُ الإيمانُ كلُّه): ولا يؤكد بكل إلا ذو أجزاء يصحُّ افتراقُها حسًّا أو حكمًا.
وقد ذكر عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": أن هذا حديث أسنده محمدُ بنُ خالدٍ المخزوميُّ عن سفيانَ الثوريِّ، عن زبيدٍ، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ (١).
(ما حاك في الصدر): ما وقع فيه، ولم ينشرحْ له، وخيف الإثمُ فيه.
قال بعضهم: وصوابه: حَكَّ، وردَّه القاضي بأنه يقال: حاكَ يَحيكُ، وحَكَّ يَحُكُّ بمعنى (٢) (٣).
* * *
باب: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
(دعاؤكم إيمانكم): قيل: يشير به إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، فسمي الدعاء إيمانًا، والدعاء عمل، فاحتج به على صحة إطلاق (٤) الإيمان على العمل.
стр. 220
٨ - (٨) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَناَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وِإيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".
(على خمسٍ شهادةِ): قال الزركشي: بالجر على البدل مما قبله، ويجوز الرفع؛ أي: أحدُها شهادةُ (١).
قلت: أما وجهُ الرفع، فواضح، وأما وجهُ الجر، فقد يقال فيه: إن البدل من خمس هو مجموع المجرورات المتعاطفة، لا كل واحد منها.
فإن قلت: يكون كل منها بدلَ بعض؟
قلت: يحتاج حينئذ إلى تقدير رابط.
* * *
باب: أمورِ الإيمانِ
٩ - (٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبي صَالحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "الإيمَانُ بضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبةٌ مِنَ الإيمَانِ".
стр. 221
(الجُعْفِي (١)): -بجيم مضمومة (٢) فعين مهملة ساكنة (٣) ففاء مكسورة فياء النسب -ويقال له: المسندي (٤)، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
(العَقَدِي): -[بعين مهملة وقاف مفتوحتين -نسبة إلى بطن من بجيلة، وقيل: من قيس، وقيل: منهم بالولاء، وقيل: قبيلة] (٥) من اليمن.
(بضْع): -بكسر الباء لا الفتح- على المشهور، وهل هو (٦) ما بين الثلاثة والعشرة؟ أو ما بين الثلاث إلى خمس (٧)؟ أو ما بين الخمس إلى السبع؟ أو ما بين الواحد إلى الأربع؟ أقوال، والصحيح الأول.
ويقال: بالهاء مع المذكر، وبتركها مع المؤنث، وثبت (٨) هنا في بعض الأصول، وفي أكثر الروايات في غير هذا الموضع بدون هاء، وثبت (٩) هنا في الأكثر بالهاء (١٠)، وهو مؤول (١١).
стр. 222
(وستون): كذا للمروزي، "وسبعون" لغيره (١).
وقال القاضي: إنها الصواب (٢)، وتبعه النووي، وقال: هي زيادة (٣) ثقة (٤).
وقال ابن الصلاح: الأشبهُ ترجيحُ الأقل؛ لأنه المتيقن (٥).
وفيه ردٌّ لقول الجوهري: إذا جاوزت العشرة، ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون (٦)، والأحاديث طافحة بخلاف (٧) ما قال.
(شُعْبة): -بضم الشين المثلثة وإسكان العين المهملة-: القطعة والفرقة.
وقال أبو حاتم بنُ حِبان -بكسر الحاء-: إنه تتبعَ الكتابَ والسنة، فجمعَ ما فيهما جميعًا من الطاعات التي عُدَّت من الإيمان.
قال: وأسقطتُ المكررَ (٨)، فكانت (٩) بضعًا وسبعين، لا تزيد ولا تنقص، فعلمنا (١٠) أن المراد استعمال (١١) الكتاب والسنة على هذا العدد الخاص (١٢).
стр. 223
باب: المسلم مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدهِ
(باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده): قال ابن المنير: مقصوده (١) من هذه الترجمة: أنه فسر الإسلامَ بأنه تركُ العدوان، والعدوانُ معصية، فعد تركها إسلامًا، وذكره (٢) كما يذكر الحد، فدل ذلك على أن ترك المعاصي داخل في مسمى الإسلام.
١٠ - (١٠) - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي السَّفَرِ وإسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَده، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نهى اللَّهُ عَنْهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا داوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ داوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
(ابن أبي إِياس (٣)): بكسر الهمزة.
(أبي السَّفَر): بفتح السين وكذا الفاء، وحكي إسكانها.
* * *
стр. 224
باب: أيُّ الإسلامِ أفضلُ ؟
١١ - (١١) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أبي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الإسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَده".
(قالوا (١): يا رسول الله!): في مسلم: "عن أبي موسى، قلت: يا رسول الله! " (٢)، وجاء في طريق عنه: "سألنا رسول الله ﷺ " (٣)، فهذا ظاهر في أن أبا موسى من القائلين الذين أبهموا (٤) في "البخاري".
(أَيُّ الإسلام أفضل؟): لا بد هنا من تقدير (٥) شيء، فيحتمل أن يقدر: أيُّ خِصالِ الإسلام أفضلُ؟ ويحتمل أن يقدر: أيُّ ذوي الإسلام أفضل؟
فعلى الأول يحتاج إلى أن يقدر أيضًا في قوله: "من سلم المسلمون" أي: خصلة من سلم المسلمون؛ ليطابق الجواب السؤال (٦).
وعلى الثاني لا يقدر في الجواب شيئًا؛ لحصول المطابقة.
قال ابن المنير: ومقصود هذه الترجمة: أن الإسلام يتفاضل، ولو كان مجرد التصديق، لما تفاضل، مع أن فيه ما في الترجمة الأولى (٧).
стр. 225
باب: إطعام الطَّعامِ مِن الإسلامِ
١٢ - (١٢) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ : أَيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
(أي الإسلام خير؟): لا مجال هنا للتقدير الثاني، فيتعين الأول؛ أي (١): أيُّ خصال الإسلام خير؟
(تطعم): مضارع أطعم، وفيه حذف أَن المصدرية في غير مواضعها المشهورة؛ مثل: تَسْمَعُ بالمعيديِّ، على أن بعضهم يرى حذفها على الإطلاق مقيسًا، وفيه وفيما قبله حذفُ المسند إليه لقيام القرينة الدالة عليه.
(الطعام): كأنه ذُكر، وإن كان مستغنًى عنه بقوله: "تطعم"؛ لقصد المزاوجة بين هذا اللفظ وبين قوله:
(وتَقرَأُ السلامَ): وتقرأ: مضارع قرأ، فهو مفتوح التاء.
قال الزركشي: ويجوز ضم التاء وكسر الراء (٢).
قلت: هي لغة سوء.
قال القاضي: لا يقال: أقرأه السلام إلا في لغة سوء، إلا إذا كان مكتوبًا، فتقول ذلك؛ أي: اجعله يقرؤه كما يقال: اقرأ الكتاب.
انتهى (٣).
стр. 226
ولا تتأتى إرادةُ هذا الآخَر (١) في الحديث، والظاهر: أن المراد: الإطعامُ على وجه الصدقة والهدية والضيافة، ونحو ذلك؛ لأن الطعام ذُكر بصيغة العموم، ولا يخفى ما في ذلك وما في بذل السلام من استئلاف القلوب، واستجلاب المودة، فلا جرم وقعَ الحضُّ عليهما.
(على من عرفتَ ومن لم تعرف): أي: من المسلمين؛ لثبوت النهي عن ابتداء الكافر بالسلام.
* * *
باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه
١٣ - (١٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنس ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
(مُسَدَّد): بميم مضمومة فسين مهملة مفتوحة فدال مشددة مفتوحة وأخرى مخففة.
(وعن حسين المعلم): معطوف على قوله: عن شعبة، يعني: أن يحيى حدث عن شعبة، وعن حسين عن قتادة.
(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه): أي: من الخير، كذا جاء مبينًا في رواية النسائي (٢).
стр. 227
قال أبو الزناد: ظاهره التساوي، وحقيقته التفضيل؛ لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله، فقد دخل هو من (١) جملة المفضولين (٢).
وانتقده ابن المنير بأنه يفضي إلى التناقض، ويستحيل أن يحب النقيضين، فيحب كونه من (٣) نفسه أفضل مفضولًا، والشرع لا يخالف العقل، فالصحيح أنه لا يفسح (٤) لأحد أن يحب كونه أفضل الناس، وإنما الذي يفسح له فيه (٥) حب الفضائل من غير أن يحب لأخيه نقيصة ولا غضاضة بالنسبة إليه، وإذا كان لا يحل له أن يعمد (٦) على تنقيص الناس، ولا على طلب أن يكون أفضل منهم، لم يلزمه حينئذ لأخيه (٧) أن يحب له كونه أفضل منه.
* * *
باب: حبّ الرسولِ ﷺ من الإيمانِ
١٤ - (١٤) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 228
قَالَ: "فَوَالَّذِي نفسِي بيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَده".
(أحب إليه من ولده (١)): وهذه محبة الرحمة والشفقة.
(ووالده): وهذه محبة الإجلال.
* * *
١٥ - (١٥) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبي ﷺ ح. وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنس، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ
حَتَّى أكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِد وَوَلَد وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
(والناس أجمعين): وهذه محبة الاستحسان، فقد جمع أقسام المحبة الثلاثة، ولا شك أن من حصل له الايمان الكامل، علم أن حقه ﵊ آكدُ من حق ابنه وأبيه والناس أجمعين، وأَحَبَّه أشدَّ من حبه (٢) لهم قاطبة.
وفي "شفا القاضي" (٣) كلام بديع من (٤) هذا المعنى حقُّه أن يُكتب بذَوْب التبر لا بالحبر، فانظره هناك (٥).
стр. 229
باب: حلاوةِ الإيمانِ
١٦ - (١٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبي قِلَابَةَ، عَنْ أَنس، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".
(حلاوة الإيمان): تشبيه الإيمان بالعسل مثلًا في ميل النفوس السليمة إليه استعارة بالكناية، وإثبات الحلاوة له استعارة تخييلية (١)، ويجوز أن تكون الاستعارة في الحلاوة فقط بأن شبه استلذاذ الإيمان بالحلاوة، والجامع كونُ كلٍّ منهما أمرًا تميل النفوس إليه (٢)، وحينئذ يكون استعارة مصرحة (٣).
(أحب إليه مما سواهما): فيه الجمع بين اسم الله، واسم رسوله في ضمير واحد، وذلك غير ممتنع منه ﷺ بخلاف غيره، ولهذا أنكر على الخطيب قوله: ومن يعصهما (٤)، هذه طريقة.
وبعضهم يقول: المراد في (٥) الخطبة التصريح لا الكناية، فلذا (٦)
стр. 230
أنكر عليه (١).
وأما هنا، فالمراد: وَجازةُ اللفظ؛ ليُحفظ.
وبعضهم يقول: الكلام هنا جملة واحدة، فلذا (٢) لم يقم المظهَر مقام المضمَر، وكلام الخطيب جملتان.
وقيل غير هذا.
(يعود في الكفر): أي: يصير فيه؛ مثل: "عادوا حُمَمًا" (٣)؛ ليكون اللفظ شاملًا للمسلم الأصلي، ومن أسلم بعد كفره.
* * *
باب: عَلَامَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ
(باب: علامة الإيمان حب الأنصار): لا يخفى أن علامة الشيء غيرُ (٤) داخلة في حقيقته، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصودَه من أن الأعمال داخلةٌ في مسمى الإيمان؟
وجوابه: أن المستفاد منها كون مجرَّد التصديق بالقلب لا يكفي حتى ينتصب عليه علامةٌ من الأعمال الظاهرة التي منها مؤازرةُ الأنصار، وموادَّتهم، قاله ابن المنير.
١٧ - (١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
стр. 231
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "آيَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ".
(ابن جَبْر): بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة.
* * *
باب
١٨ - (١٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيس عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابهِ: "بَايِعُوني عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا باللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنوُا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكمْ، وَلَا تأتوا ببُهْتَانٍ تَفْتَرُونهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
(عائذُ الله): عَلَم، وعائذُ: اسم فاعل من عاذ -بالذال المعجمة-.
(وهو أحد النقباء ليلة العقبة): هي العقبة التي بمنى، تُنسب إليها جمرة العقبة، وهما عقبتان، والمذكورة هنا هي الثانية، لقي النبي ﷺ فيها سبعون من الأنصار، فيهم (١) النقباء، وهم اثنا عشر: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ،
стр. 232
وأَسعدُ بنُ زُرارةَ، والبَراءُ بنُ مَعْرورٍ (١)، ورافعُ بنُ مالكِ الزُّرَقِيُّ (٢)، وسعدُ ابنُ خَيْثَمَةَ، وسعدُ بنُ الربيعِ، وسعدُ بنُ عُبادةَ، وعُبادةُ بنُ الصامتِ، وعبدُ الله بنُ رواحةَ، وعبدُ الله بنُ عمرِو بنِ حَرام (٣)، وأبو الهيثمِ مالكُ ابنُ التَّيْهان، والمنذرُ بنُ عمرِو (٤)، وكان عُبادة بنُ الصامت راوي هذا الحديث نقيبَ بني عوفِ بنِ الخزرجِ، وهم القواقل (٥).
(وحوله عصابة): جماعة من الناس، ولا واحد لها من لفظها، وهؤلاء هم أهل العقبة الأولى، وكانوا اثني عشر رجلًا (٦): أسعد بن زرارة، وعوفٌ ومعاذٌ ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، وذكوان بن عبد قيس (٧)، ورافعُ بن مالك الزُّرَقيان، وعبادة بن الصامت، وعباس بنُ عبادةَ ابنِ نضلَةَ، ويزيد بن ثعلبة، وعقبةُ بن عامر، وقُطبةُ بن عامر، فهؤلاء من الخزرج عشرة، ومن الأوس اثنان: أبو الهيثم بن التيهان، وعُويم (٨) بنُ ساعدةَ.
(ببهتان): بكذب، وهو مصدر بهت صاحبه بَهْتًا وبُهْتانًا.
стр. 233
قال الخطابي: ومعناه هنا: قذف المحصنات، وقد يدخل فيه الاغتياب لهن (١).
وقد يقال: فما معنى: "بين أيديكم وأرجلكم"، ولا صنع لها في البهت؟
فيجاب: أن (٢) المباشرة لمعظم الأفعال بالأيدي، والسعي بالأرجل، فأضيف (٣) الجنايات إليها، وإن شاركها غيرها، فكنى (٤) عن جملة الذات بذلك.
قال: ويحتمل أن المعنى لا تبهتوا الناس كفاحًا يشاهد بعضكم بعضًا، وهو أشد البهت؛ كما (٥) يقال: فعلت هذا بين يديه؛ أي: بحضرته، وفيه نظر (٦).
(ولا تعصوا في معروف): قال النووي: أي: لا تعصوني، ولا أحدًا ولِّي عليكم من تُبَّاعِي إذا أُمرتم بمعروف (٧).
فيكون المعروف عائدًا إلى التُّبَّاع (٨)، ولذا لم يقل: تعصوني،
стр. 234
ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، وقيد بالمعروف (١)، وإن كان لا يأمر إلا به، تطييبًا لنفوسهم (٢).
(وفَى): بالتخفيف، ويجوز التشديد.
(ومن أصاب من ذلك): أي: مما عدا الشرك؛ فإنه لا يسقطه (٣) العقوبة عليه في الدنيا.
(فعوقب (٤) في الدنيا، فهو كفارة له): فيه حجة للأكثرين القائلين بأن الحدود كفارات لأهلها، وثم من (٥) وقف بحديث (٦) أبي هريرة (٧): أنه ﵊ قال: "لا أَدْرِي الحدودُ كَفَّاراتٌ" (٨).
قال ابن الملقن: ويمكن أن يكون حديث (٩) أبي هريرة أولًا قبل أن يعلم، ثم أُعلم (١٠).
стр. 235
قلت: كيف يتأتى ذلك، وحديثُ عبادةَ المتضمنُ لجزمه بأن الحدود كفاراتٌ كان قبل الهجرة قطعًا، وأبو هريرة أسلمَ بعدَ الهجرة بسنين (١)، فكان (٢) إسلامه في سنة خيبر بالاتفاق، فكيف يكون حديثه أول؟!!
(ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه): فيه دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة، ومات ولم يتب منها، لم يتحتم دخوله النار، بل هو إلى مشيئة الله؛ كما ذكر في الحديث.
فإن قلت: ما الحكمةُ في عطف الجملةِ المتضمنةِ للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمنةِ للستر بثم (٣)؟
قلت: لعلها التنفير من مواقعة (٤) المعصية؛ فإن السامع إذا علم أن العقوبة مفاجئة لإصابة المعصية [غير متراخية عنها، وأن الستر متراخٍ، بعثه ذلك على اجتناب المعصية] (٥) وتَوَقِّيها (٦)، فتأمله.
* * *
باب: من الدِّين الفرارُ من الفتنِ
١٩ - (١٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ
стр. 236
الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الْجبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ".
(يوشِك): -بكسر الشين- مضارع أوشك؛ أي: أسرع.
قال أبو علي: ولا يقال: "يوشَك" بفتح الشين (١).
وفي "الصحاح": والعامة يقولون (٢): يوشَك -بفتح الشين-، وهي لغة رديئة (٣).
(خير مال المسلم (٤) غنم): قال ابن مالك: يجوز في "خير" و"غنم" رفعُ أحدهما على أنه اسم يكون، ونصبُ الآخر على أنه خبرها، ويجوز رفعُهما على الابتداء والخبر، والجملة في محل نصب على أنها خبر يكون، واسمُها ضمير الشأن (٥).
(يتّبع): بتشديد التاء (٦) المثناة من فوق ومع (٧) كسر الموحدة وتخفيفها ساكنة مع فتح الموحدة.
(شَعَف): -بشين معجمة وعين مهملة مفتوحتين-: رؤوس الجبال، الواحد شعفة (٨)؛ كأَكَمَةٍ وأَكَمٍ.
стр. 237
قال الزركشي: ويروى (١): "شعاف" كآكام، قاله ابن (٢) السِّيد (٣).
واختلف رواة "الموطأ"، فالمشهور من روايتهم: "شَعَف" (٤)، كما في البخاري.
وروي عن يحى: "شُعَب" -بالباء-، ومنهم من ضبطه -بضم الشين وفتح العين- جمع شُعبة، وهو (٥) ما انفرج بين الجبلين.
قال القاضي: وعند ابن (٦) المرابط -بفتح الشين-، وهو وهم.
وعند الطرابلسي: "سَعف" -بالسين المهملة المفتوحة (٧) -، قال: وهو أيضًا بعيد، وإنما هو جرائد النخل (٨).
وكلامُ الزركشي يؤذن بأن بعض رواة البخاري روى: "شُعَبَ الجبال" جمع شعبة (٩)، والقاضي إنما حكى الاختلاف فيه بين رواة "الموطأ".
(يفر): الظاهر أنه جملة حالية من فاعل "يتبع"، وهو الضمير المستكن.
قال ابن المنير: وجه الآية فيه ظهورُ الصدق على ما شاهده الناسُ بعده، ولا يؤيد صدق هذا الحديث إلا وضوحًا.
стр. 238
باب: قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "أَناَ أَعْلَمُكُمْ باللَّهِ" وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْب؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
(وأَن المعرفة فعلُ القلب): -بفتح الهمزة- من أَنَّ؛ أي: باب كذا، وباب (١) بيان أن المعرفة فعل القلب.
قيل: أراد بهذه الترجمة الردَّ على الكَرَّامية في قولهم: إن الإيمان قولٌ باللسان، ولا يشترط عقد القلب.
وقيل: أراد (٢) بيان (٣) تفاوت الدرجات في العلم، وأن بعض الناس فيه أفضل.
٢٠ - (٢٠) -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكمْ وَأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أَنَا".
(محمد بن سَلام): -بتخفيف اللام- على الصحيح، وبه قطع المحققون.
(إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا): أخبرَ بالواقع؛ لما دَعَا إليه من عتاب
стр. 239
أصحابه، لا لقصد الفخر.
فإن قلت: السياقُ يقتضي تفضيلَه على المخاطبين فيما ذكر، وليس هو منهم قطعًا، فقد فُقد شرط استعمال (١) أفعل التفضيل مضافًا (٢)؟
قلت: إنما قصدَ التفضيلَ على كل مَنْ سواه مطلقًا، لا على المضاف إليه وحده، والإضافة لمجرد التوضيح، فما ذكرتَه من الشرط هنا لاغٍ؛ إذ يجوز في هذا المعنى أن يضيفه (٣) إلى جماعة [هو (٤) أحدُهم؛ نحو: نبينا ﷺ (٥) هو أفضل قريش، وأن تضيفه إلى جماعة (٦)] (٧) من جنسه ليس داخلًا فيهم؛ نحو: يوسف أحسنُ إخوته، وأن تضيفه إلى غير جماعة؛ نحو: فلان أعلمُ بغدادَ؛ أي: أعلمُ ممن سواه، وهو مختص ببغداد؛ لأنها مسكنه أو (٨) منشؤه.
* * *
باب: تفاضُلِ أهلِ الإيمانِ في الأعمالِ
٢١ - (٢٢) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ
стр. 240
النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كانَ فِي قَلْبهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نهرِ الْحَيَا، أَوِ الْحَيَاةِ -شَكَّ مَالِكٌ-، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِب السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيةً؟ ".
قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: "الْحَيَاةِ"، وَقَالَ: "خَرْدلٍ مِنْ خَيْرٍ".
(مثقال): وزن مقدر، والله (١) أعلمُ بتقديره.
(خردل): قال القاضي: حَبٌّ معلوم إذا صُنع بالزبيب، فهو الصِّناب (٢) (٣).
وفي "الصحاح": خَرْدلْتُ اللحمَ؛ أي: قطعته صغارًا -بالدال والذال (٤) (٥) -.
قال الخطابي: هذا مثل؛ ليكون عيارًا في المعرفة لا الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجسم فيوزن (٦).
[وقيل: يُجعل العملُ وهو عَرَضٌ في جسم (٧) على قدره عند (٨) الله، ثم يوزن.
стр. 241
وقال إمام الحرمين: الوزن لصحف الأعمال] (١).
وقيل: تمثل (٢) الأعراضُ بجواهر (٣)، فتجعل في كِفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات (٤) سود مظلمة.
(الحيا): -بالقصر-، ومَدَّه (٥) الأصيلي.
قال القاضي: ولا وجه لذكره هنا، لا مقصورًا ولا ممدودًا، لكن للمقصور معنى، وهو كل ما حَيِيَ الناس به (٦).
والحَيَا: المطر والخِصْب، فلعل هذه العين سميت بذلك؛ لخصب (٧) أجسامِ المغتسلين فيها، و (٨) لأنهم يحيون بعد غسلهم منها، فلا يموتون على رواية الحياة المشهورة.
(الحِبَّة): -بكسر الحاء-: بذرُ الصحراء مما ليس بقوت، و -بالفتح- لغيره؛ كحبة (٩) الحنطة، هذا أحسنُ الأقوال فيه.
وشبهه بالأول؛ لسرعة نباته دون الثاني، وإنما زاد في صفتها بحميل
стр. 242
السيل؛ لأنها إذا كانت كذلك، أينعت و (١) طلعت؛ بخلاف غيرها من الحبوب.
(ثنا عمرو: الحياةِ): -بالكسر- على الحكاية.
* * *
٢٢ - (٢٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَناَ ناَئِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ".
(قمص): جمع قميص.
(الثُّدِيّ): جمع ثَدْي؛ فثاؤه مضمومة، وقد تكسر إتباعًا لكسرة الدال، والياءُ مشددة.
(قالوا): من القائلين: أبو بكر ﵁، ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢).
(فما أَوَّلْتَ ذلك؟): يحتمل أن يكون جملة فعلية أو اسمية، وبحسب ذلك يختلف الضبط في قوله:
стр. 243
(قال: الدين): فإن جعلنا السؤال جملة فعلية، فالنصب، وإن جعلناه اسمية (١)، فالرفع؛ أي: الذي أولته الدين؛ لتحصل بالمطابقة (٢).
قال ابن المنير: وجه الآية فيه (٣): أن الله تعالى فتح على يدي عمر (٤) الفتوح (٥)، ومَصَّر كثيرًا من الأمصار، ونشر الدين (٦) في الأقطار، فكان ذلك مِصْداقًا (٧) لهذه الرؤيا.
* * *
باب: الحياء من الإيمانِ
٢٣ - (٢٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ".
(يعظ أخاه في الحياء): -بالمد-؛ أي: يقبح له ارتكابه، ويخوفه منه؛ فإن كثرتَه عَجْزٌ.
стр. 244
(دعه؛ فإن الحياء من الإيمان): فلا يأتي إلا بخير، وذلك إذا كان استعماله على قانون الشرع، وحينئذٍ يكون باعثًا على الطاعات، ومانعًا من المعاصي.
* * *
باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
٢٤ - (٢٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ".
(المسنِدِي (١)): هو عبدُ الله بنُ محمدٍ الجعفيُّ الذي قدمنا الوعدَ بذكره، وهل قيل له ذلك لطلبه المسندات، أو لكونه أولَ من جمع مسنداتِ الصحابة على التراجم؟ خلاف.
(أبو رَوح): بفتح الراء.
(الحَرَمي): -بفتح الحاء والراء المهملتين-: نسبة إلى الحرم.
(عُمارة): بضم العين المهملة (٢).
стр. 245
(واقد): -بالقاف-، وليس في "الصحيحين": وافد -بالفاء-.
(أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة): الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، والحديث المذكور من أدلة قتل تارك الصلاة.
وقال إمام الحرمين: إن المسلك فيه ضيق.
قال ابن المنير: وأي سعة بعد الكتاب والسُّنة؟
ولا يبعد على ابن حبيب من أصحابنا القائل: بأنه يقتل كفرًا، أن يستدل بهما أيضًا، فإن القتال قبل الشهادتين لا خلاف أنه يقتل المطلوبُ فيه كفرًا، وقد استصحبه الحديث، وجعل غايته أن يفعل الأعمال المذكورة كلها، وكذلك الآية، ودعوى اختلاف القتلين (١) قبل الشهادتين وبعدهما مردود بظاهر الاستصحاب (٢)، واتحاد (٣) الفعل الذي انتهى بالغاية المذكورة.
والاستشهاد بالحديث من وجهين:
أحدهما: الغاية، والأخرى (٤): المفهوم؛ فإن مفهوم الشرط من قوله: "فإذا فعلوا ذلك": أنهم (٥) متى يفعلونه (٦) بجملته، وتركوا شيئًا منه، قتلوا كفرًا، ولم يعصموا.
стр. 246
ووجه ثالث في الدلالة: وهو إدخال المال مع النفس، فإنها (١) تنهدر عصمة المال (٢) إذا قُتل كفرًا، وأما المقتول حَدًّا، فمالُه معصوم (٣)، وترثُه ورثتُه.
* * *
باب: مَنْ قَالَ: إِنَّ الإيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]
قَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
(﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]): الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض (٤)، والمعطي بعوض قد يعطي مجانًا، فلا يلزم من جعلها للعوض كون العمل سببًا في دخول الجنة، وأما الباء في قوله ﵊: "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدكُمُ الجَنَّةَ بعَمَلِهِ (٥) " (٦)،
стр. 247
فللسببية (١)، لا للمقابلة، فقد اختلف المحملان (٢)، واندفع ما كان يظن من التعارض بين الآية والحديث.
(عما كانوا يعملون: عن قول: لا إله إلا الله): المختار أن (٣) معناه؛ لنسألنهم عن جميع أعمالهم التي (٤) يتعلق بها التكليف.
* * *
٢٥ - (٢٦) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ باللَّهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ".
(سئل: أيُّ العمل أفضل؟): في كتاب: العتق من "البخاري" عن أبي ذر، قال: "سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ " (٥).
(حج مبرور): أي: خالص لا يخالطه إثم، وقد جمع بين اختلاف ألفاظ الأحاديث الواردة في رتب العبادات في الفضل (٦) بأنه جرى على
стр. 248
اختلاف الأحوال، فأعلم كلًّا بما تدعو الحاجة إليه في حقه (١)، أو ذكر ما (٢) لم يعلمه السائل، وتركَ ما علمه.
* * *
باب: إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقةِ، وكان على الاستسلامِ أو الخوفِ من القتلِ
٢٦ - (٢٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ! إِنَّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ! إِنِّي لأَرَاه مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ! إِنَّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ".
وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(رهطًا): هم ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، كذا في "الصحاح" (٣).
стр. 249
(رجلًا هو أعجبهم إليّ): يقال: هو جعيل بن سراقة، وفي "مغاري" الواقدي: ما يدل على ذلك.
(لأَراه مؤمنًا): قال النووي: بفتح (١) الهمزة، ولا يجوز ضمها، على أن يُجعل بمعنى أظن؛ لأنه قال: ثم غلبني ما أعلم منه (٢).
وقال القرطبي: الرواية -بالضم- بمعنى أظنه، وهو منه حلف على ظنه، ولم ينكر عليه (٣).
قال ابن المنير: لو خرج قولُ سعد مخرجَ الشهادة، ما أنكر عليه بتُّ القول (٤) بأنه مؤمن، بل على الشاهد أن يبت (٥) شهادته في التزكية، وهي أشد من الإيمان؛ لأنها إيمان وعدالة، وإنما خرج مخرج المدح لصاحبه، والتوسلِ له في طلب العطاء، فلذا نوقش في لفظه.
(أوْ مسلمًا): -بإسكان الواو-.
قال (٦) الزركشي: على الإضراب عن قوله، والحكم بالظاهر؛ كأنه (٧) قال: بل مسلمًا، ولا يقطع بإيمانه؛ فإن الباطن لا يعلمه إلا الله (٨).
стр. 250
قلت: سيبويه يراها للإضراب بشرطين: تقدم نفي أو نهي، وإعادة العامل؛ نحو: ما قام زيد، أو ما قام عمرو، ولا يقم زيد، أو (١) لا يقم عمرٌو، وكلاهما في الحديث منتفٍ، نعم الكوفيون وبعض البصريين يرونها للإضراب مطلقًا، وعليه يتأتى ما قاله الزركشي.
ويمكن جعلُها للشك عند الجميع، والمعنى: قل: لأراه (٢) مؤمنًا أو مسلمًا، أرشده بذلك إلى التعبير بعبارة سالمة عن الحرج؛ إذ لا بتَّ فيها بأمر باطن لا يطلع عليه.
(يَكبه): -بفتح الياء- مضارع كَبَّه: إذا ألقاه، وهو متعدٍّ بدون الهمزة، فإذا جاءت، صار لازمًا، يقال: أكبَّ الرجلُ، على العكس مما هو معروف.
* * *
باب: إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.
(وقال عمار: ثلاثٌ من جمعهنَّ، فقد جمع الإيمان): رواه البغوي في "شرح السنة" عن عمار مرفوعًا (٣)، كذا في ابن الملقن (٤).