← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: "للفراش"، فليتنبه (١) لهذا البحث، فإنه نفيس جدًا، ولا يقال: إن الكلام إنما هو حيث تحقق دخوله في اللفظ العام وصفًا؛ لأنا نقول: قد يتوهم أن كون (٢) اللفظ جوابًا للسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه (٣) على أن الأمر ليس كذلك. والجواب إنما يقتضي بيان الحكم، وإنما أردنا أن دعوى من ادعى أن دلالة العام على سببه قطعية (٤) يمكن المنازعة فيها بالنزاع في دخوله تحت اللفظ العام وضعًا لا مطلقا، والمقطوع به أنه لابد فيه من بيان حكم السبب، إما كونه يقطع بدخوله في ذلك، أو بخروجه عنه، فلا يدل على تعين واحد من الأمرين (٥). (وللعاهر الحجرُ): أي: للزاني الحجر، قيل: معناه: أن له الخيبة مما ادعاه وطلبه؛ كما يقال: لفلان التراب. وقيل: هو على ظاهره (٦)؛ أي: له الرجمُ بالحجارة، وهو ضعيف؛ لأنه ليس كل عاهر يستحق الرجم، وإنما يستحقه المحصَن، فلا يجري لفظ العاهر على ظاهره من العموم، أما إذا حُمل على الأول من أن له (٧)

стр. 1892

الخيبة، كان ذلك عامًا في حق (١) كلِّ زانٍ (٢)، فيبقى (٣) اللفظ على عمومه من غير معارض. * * * ١١٧١ - (٢٠٥٤) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: "إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَإِذَا أصَابَ بِعَرْضِهِ، فَلَا تَأكُلْ؛ فَإنَّهُ وَقيذٌ". قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ! أُرسِلُ كلْبِي وأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلى الصَّيْدِ كَلْبًا آَخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، ولا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ؟ قَالَ: "لَا تَأْكُلْ؛ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ". (عن المِعْراض): - بميم مكسورة فعين مهملة ساكنة فراء فألف فضاد معجمة -: سهم لا ريش عليه، وقيل: عصا رأسُها محدَّد. (فإنه وَقيذٌ): - بالقاف والذال المعجمة -: هو ما أُثخن ضربًا بِعَصًا أو حجرِ حتى مات. قال ابن المنير: جمع البخاري بهذه الأحاديث بين صور من الورع متباينة: فمنها: الورع الواجب؛ كما في حديث عدي. ومنها: المندوب؛ كما في حديث السوداء.

стр. 1893

ومنها: الورع الخاص، وهو احتجاب سَوْدَةَ، فهذا واجب على سودة ونحوِها من أزواج النبي ﷺ ؛ لغلظِ الحجابة في حقهن، فلو اتفق مثلُ ذلك لغيرهن، لم يتوجه الخطاب به. مثاله: لو شكَّت المرأةُ في أخيها أو خالها باعتبار نسبه (١)؛ لوقوع تهمة، وظهور شَبَه بغير الأب مِمَّن كان متهمًا (٢) بتلك (٣) المرأة، فحكمنا بالأخوة، وألغينا الشَّبَه بالغير، لما وجب على المرأة أن تحتجب من أخيها، ولا من خالها بذلك، ولا أرى الفقهاء يندبون إلى رعاية مثل هذا؛ لأنه ﵊ لم يرتب (٤) على الشبه حكمًا حيث قال له (٥) الرجل: إن امرأته ولدت ولدًا أسود يُعَرِّضُ بنفيه، فقال له ﵊ ما قال إلى أن قال: "وَهَذَا لَعَلَّ (٦) عِرْقًا نَزَعَهُ" (٧). * * * باب: ما يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهاتِ ١١٧٢ - (٢٠٥٥) - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ, عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ"

стр. 1894

فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، لأَكَلْتُهَا". وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي". (بتمرة مسقوطة): أي: ساقطة، وقد يأتي مفعول بمعنى فاعل؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]؛ أي: آتيًا. ويروى: "مُسْقَطَة" (١). * * * باب: مَنْ لَمْ يَرَ الوَسَاوِسَ ونَحوَها من الشُّبُهاتِ ١١٧٣ - (٢٠٥٦) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا، أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا". (عن عباد بن تميم، عن عمه): هو عبد الله بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ المازنيُّ. * * * ١١٧٤ - (٢٠٥٧) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ قَوْمًا يَأْتُوننا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَمُّوا اللَّهَ عَلَيهِ وَكُلُوهُ". (الطُّفاوي): بطاء مهملة مضمومة ففاء فألف فواو فياء النسب.

стр. 1895

باب: قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] (باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾): ذكرَ الآيةَ فى هذه الترجمة لمنطوقها، وهو الذم، وتقدَم ذكرُها في باب الإباحة لمفهومها، وهو (١) تخصيص (٢) ذمِّها بالحالة التي يُشتغل (٣) بها عن الصلاة والخطبة. ١١٧٥ - (٢٠٥٨) - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفتوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَاّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. (حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا): تقدم في أبواب (٤) الجمعة أنهم المشهود لهم بالجنة (٥)، وبلال، و (٦) ابن مسعود أو عمار، وفي رواية جابر: "فلم يَعُدَّ نفسَه"، وتقدم أن العير لدحيةَ، وقيل: لعبدِ الوحمن بنِ عوفٍ.

стр. 1896

باب: التِّجَارَةِ فِي الْبَزِّ وغيره وَقَوْلِهِ : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْقَوْمُ يَتبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ. (باب: التجارة في البَزّ وغيرِه): - بفتح الباء الموحدة بعدها زاي مشددة -، وأمتعةِ البزار، وعند بعضهم: "البُرِّ" - بالراء (١) -، قيل: وهو تصحيف (٢). (وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]): اختلف في معناه، فقيل: لا تجارةَ لهم، فلا (٣) يشتغلون عن الذكر. وقيل: لهم تجارة، ولكنها لا تشغلهم عن الذكر، وعلى هذا المعنى الثاني (٤) يتنزل ترجمة البخاري، فإنما (٥) أراد إباحةَ التجارة وإثباتَها، لا نفيَها (٦)، وأراد بقوله: في البز وغيره: أنه لا تَعبُّدَ في تخصيص نوع من البضائع دون غيره، وإنما التعبُّدُ في أن لا يشتغل بالتجارة أيًا ما كانت عن (٧) الذكر. واعلم أنه لم يَسُقْ في الباب حديثًا يقتضي التجارة في البز بعينها من

стр. 1897

بين سائر أنواع التجارات. قال ابن بطال: غير أن قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، يدخل فيه جميع أنواع (١) التجارة من البز وغيره (٢). قلت: لا نسلِّمُ شمولَ الآية لكل تجارة بطريق العموم الاستغراقي؛ فإن التجارة والبيع فيها (٣) من المطلق، لا من العام. فإن قلت: كيف يتجه هذا، وكلٌّ من التجارة والبيع في الآية وقع نكرةً في سياق النفي؟ قلت: قد سبق أن ترجمة (٤) البخاري مقتضيةٌ لإثبات التجارة، لا نفيِها، وأن المعنى: لهم تجارة وبيعٌ لا يلهيانهم عن ذكر الله، فإذنْ كُل منهما (٥) نكرة في سياق الإثبات، فلا يَعُمُّ، وإذا (٦) علمت أنه ليس في الباب حديث يختص بالبز (٧) - بالزاي -، فما وجهُ نسبةِ من روى: البُرِّ - بضم الباء وبالراء - إلى التصحيف، مع أنه ليس ثَمَّ ما يدفعه؟ فتأمله. * * *

стр. 1898

باب: الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. (باب: الخروج في التجارة): قال ابن المنير - غوضُه إجازةُ الحركات البعيدة في التجارات؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ولقول عمر: "أَلهاني الصَّفْقُ بالأَسواقِ"، فدل ذلك على أنه لم يكن يَتَّجِر في بيته, بل يحضرُ السوق؛ خلافًا لمن يتنطَّع في التجارة، فلا يحضر الأسواق، ويتحرَّجُ منها. قلت: لعل تحرُّجَهم: لعلة (١) المنكرات في الأسواق قي هذه الأزمنة؛ بخلاف الصدر الأول. ١١٧٦ - (٢٠٦٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ: أخبَرَنِي عَطَاء، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: ألمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنوُا لَهُ، قِيلَ: قَدْ رَجَعَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كنَّا نؤمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَاّ أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَذَهَبَ بِأَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِي عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟! ألْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. يَعْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. (قال كنا نؤمر بذلك، فقال (٢): تأتيني على ذلك بالبينة): تأتيبي: خبرٌ

стр. 1899

أُريد به الأمرُ. قال الزركشي: وإنما طلبَ! منه البينةَ، ولم يكتفِ بخبره؛ لأنه لم يخبر (١) به (٢) ابتداءً، بل لأمرٍ يتعلَّق به (٣). قلت: فيه نظر؛ فإن مجردَ ما ذكره لا يمنعُ من قَبول خبر العدل، لاسيما مَنْ هو من أكابر الصحابة، رضوان الله عليهم. وقد روى مالك ﵁ في حديث الاستئذان الواقع في "الموطأ": فقال عمر لأبي موسى: أَما إِنِّي لم أَتَّهِمْكَ، ولكنْ خَشِيتُ أَنْ يتقوَّلَ الناسُ على رسول الله ﷺ (٤). * * * باب: التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ مَطَرٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِلَاّ بِحَقٍّ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]، وَالْفُلْكُ: السُّفُنُ، الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ، وَلَا تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إلَاّ الْفُلْكُ الْعِظَامُ. (وقال مجاهد: تمخر السفُنَ، ولا تمخر الرِّيحَ من السفن إلا الفلكُ

стр. 1900

العظامُ): قال القاضي: كذا لهم؛ يعني (١): بنصب السفن، وعند الأصيلي: بضم السُّفُنُ، ونصب الرِّيحَ. وقال بعضهم: صوابه: بفتح السُّفُنَ، ونصب الريحَ، كأنه جعلَها المتصرفةَ لها في الإقبال والإدبار. قال القاضي: والصواب ما ضبطه الأصيلي، وهو دليل القرآن؛ إذ (٢) جعلَ الفعلَ للسفن، فقال: ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤]. قال الخليل (٣): مَخَرَتِ السفينةُ: إذا استقبلَتِ (٤) الريحَ. وقال أبو عبيد (٥) وغيره: هو شَقُّها الماءَ، فعلى هذا السفينةُ مرفوع على الفاعلية (٦). وقوله: إلا الفلك العظامُ -بالرفع والنصب- على التقديرين السابقين. * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] [باب: قوله تعالى: ﴿كلوا (٧) من طيبات ما كسبتم﴾: هكذا هو في

стр. 1901

بعض النسخ: "كلوا"، والتلاوة: ﴿أَنفِقُواْ﴾] (١). و (٢) في بعض النسخ: "أنفقوا" على الصحة. * * * ١١٧٧ - (٢٠٦٥) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". (إذا أنفقت المرأةُ من طعام بيتها (٣) غيرَ مفسدة): بنصب غيرَ (٤) على الحال من المرأة. (وكان لها أجرُها): قال الزركشي: كذا ثبت بالواو، ويحتمل زيادتها، ولهذا روي بإسقاطها (٥). قلت: لم يثبت زيادة الواو في جواب إذا، فالذي ينبغي: أن يُجعل الجوابُ محذوفًا، والواو عاطفة على المعهود فيها؛ أي: لم تأثم، وكان لها أجرُها؛ محافظة على إبقاء القواعد، وعدم الخروج عنها. (لا ينقص بعضُهم أجرَ بعض شيئًا): مثل: ﴿فَلَن يَضُرَّ اَللَّهَ

стр. 1902

شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤]، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق. * * * ١١٧٨ - (٢٠٦٦) - حَدَّثَنِي يَحْيَي بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا، عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ". (من (١) غير أمره): أي: الصريحِ في ذلك القَدْرِ المعيَّنِ، وإلا، فلابدَّ أن يكون معها إذنٌ عامٌّ سابقٌ متناوِلٌ لذلك القدرِ وغيرِه، كذا في الزركشي (٢). قلت: أما اشتراط إذنٍ في الجملة، فلابدَّ منه؛ ضرورةَ أنها متى لم يكن مأذونًا لها أصلًا، فهي متعدِّيَة، فلا أجرَ لها، بل عليها الوزرُ، وأما اشراطُ الإذن الصريح في ذلك، فالظاهرُ أنه غيرُ معتبر، بل لو فهمت الإذنَ لها بقرائن حاليةٍ دالةٍ على ذلك، جاز لها الاعتمادُ على ذلك، ويتنزل (٣) حينئذٍ منزلةَ صريح الإذن. (فله نصفُ أجره): قيل: النصفُ على بابه، وإنهما سواء؛ لأن الأجر فضلٌ من الله لا يُدْرَك بقياس. وقيل: الصحيح أنه بمعنى الجزء، والموادُ: المشاركةُ في أصل الثواب، وأن كان أحدهما أكثرَ بحسب الحقيقة، وقد تقدم في كتاب: الزكاة الكلامُ

стр. 1903

على صدقة المرأة من بيت زوجها (١). * * * باب: مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ في الرِّزْقِ ١١٧٩ - (٢٠٦٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ، حَدَّثَنَا يُونُسٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد، عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". (من سره أن يُبسط له في رزقه (٢)، ويُنْسَأَ [له] في أَثره، فليصلْ رحمه): فيه أباحة اختيار (٣) الغنى على الفقر، وسيأتي في: الرقاق - إن شاء ألله تعالى -، وقد عورض هذا بحديث (٤): "كُتِبَ رِزْقُه (٥) وَأَجَلُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ" (٦). وأجيب: بأن معنى البَسْط في رزقه: البركةُ؛ إذ الصلةُ صدقةٌ، وهي منهيةٌ للمال، ومعنى ينسأ في أثره؛ أي: يبقى (٧) ثناؤه الجميل (٨) على الألسنة،

стр. 1904

فكأنه (١) لم يمت، وبأنه يجوز أن يكتب في بطن أمه: إن وصلَ رحمه، فرزقُه وأجلُه كذا، وإن لم يصلْ، فكذا، مع أن الله تعالى عالم بما يفعل من ذلك. ويُنْسَأ بمعنى: يؤخَّر، وأَثَره بمعنى: الأجل. * * * باب: شِرَاءِ النَّبِيّ ﷺ بِالنَّسِيئَةِ ١١٨٠ - (٢٠٦٨) - حدثنا مُعَلَّى بْنُ أسَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْراهِيمَ الرَّهْنَ في السَّلِمَ، فقال: حَدَّثَني الأَسْوَدُ، عنْ عَائِشَةَ ﵂: أَن النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. (باب: شراء النبي ﷺ ). (اشترى طعامًا من يهودي): اليهودي (٢) هو أبو الشَّحْم من بني ظُفَرَ (٣)، رواه البيهقي (٤)، والطعامُ المرهونُ عليه: ثلاثون صاعًا من شعير كما سيأتي في: الجهاد، في "البخاري" (٥). قال ابن بطال: وفيه (٦) جوازُ معاملة مَنْ يخالطُ مالَه الحرامُ، ومبايعتُه؛

стр. 1905

لأن الله تعالى ذكر أن اليهودَ أَكَّالون (١) للسُّحْت (٢). وهذا إنما يمشي على القول بأنهم مخاطَبون بفروع الشريعة، وأما إذا بني على أنهم غيرُ مخاطبين بها، فلا يقاس عليهم المسلم المعامل بالربا والحرام. * * *

стр. 1906

مصابيح الجامع وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه تأليف الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين [المجلد الخامس] إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 1907

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1908

مَصَابِيحُ الجَامِعِ [٥]

стр. 1909

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 1910

تَابِع كِتابُ البُيُوعِ ١١٨١ - (٢٠٦٩) - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قتُادَةُ، عَنْ أَنسٍ (ح). حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثنا أَسْبَاطٌ أَبُو الْيَسَعِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ قتُادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لأَهْلِهِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَاعُ بُرٍّ، وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ". (ابن حَوْشَب): على زنة كوكب، بحاء مهملة وشين معجمة. (وإِهالة): - بكسر الهمزة -، قال الداودي: هي الألية. قال القاضي: هي (١) كل ما يؤتَدُم به من الأدهان، قاله أبو زيد (٢). (سَنِخة): - بفتح السين المهملة وكسر النون وبالخاء المعجمة بعدها هاء تأنيث -؛ أي: متغيرة الرائحة.

стр. 1911

قال مغلطاي: وروي: "زَنخة "، بالزاي (١). * * * باب: كَسْبِ الرَّجلِ وعملِهِ بيدِهِ ١١٨٢ - (٢٠٧٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. (لقد علم (٢) قومي أن حِرفتي): - بكسر الحاء المهملة -: هي الكَسْب، وقيل: التصرُّف (٣) في المعاش والمَتْجَر. (لم تكن تعجِز): بكسر الجيم. (وأَحْتَرِف (٤) للمسلمين فيه): أي: أَكتسب لهم بالتَّجْر فيه، وما يعود عليهم من ربحه بقدر ما آخذه وأَزْيد، وهذا تطوُّع من الصدِّيق ﵁؛ فإنه لا يجب على الإمام المتجرُ في مال المسلمين بقدر مؤونته؛ لأنها (٥) فرضٌ في بيت المال.

стр. 1912

١١٨٣ - (٢٠٧١) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. رَوَاهُ هَمَّامٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. (فكان يكون لهم أرواح): "كان الأولى شأنية، واسمها ضميرٌ مستتر (١) فيها، و"يكون لهم أرواح" في محل نصب خبر كان المذكور، وأرواحٌ: جمعُ ريح، وهو أكثر من أرياح (٢)؛ [خلافًا (٣) لما يقتضيه كلام الجوهري، وذلك أنه قال (٤): قال: والريحُ واحدةُ الرياح] (٥)، والأرياح، و (٦) قد تجمع على أرواح؛ لأن أصلها الواو (٧). * * * ١١٨٤ - (٢٠٧٢) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكَلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ".

стр. 1913

(عن خالد بن مَعْدان): بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة فألف فنون. (ما أكل أحد طعامًا قَطُّ خيرًا من أن يأكل (١) من عمل يده): يحتمل أن يكون "خيرًا" صفة لمصدرٍ (٢) محذوف؛ أي: أكلًا خيرًا من أن يأكلَ من عمل يده، فيكون أكلُه من طعامٍ ليس من كسب يده منفيَّ التفضيل على أكله من كسب يده، وهو واضح. ويحتمل أن يكون صفة لطعامًا، فيحتاج إلى تأويل - أيضًا -، وذلك لأن الطعام في هذا التركيب متصل على نفس (٣) أكل الإنسان (٤) من عمل يده بحسب الظاهر، وليس المراد، فيقال في تأويله: الحرف المصدري وصِلَتُه بمعنى مصدر مرادٍ به المفعولُ؛ أي: من مأكوله من عمل يده، فتأمله. * * * ١١٨٥ - (٢٠٧٤) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ". (لأَن يحتطبَ أحدُكم): - بفتح اللام -، قال الزركشي: على جواز

стр. 1914

قسمٍ مقدَّرٍ (١). قلت: يحتمل كونُها لامَ الابتداء، و (٢) لا تقدير (٣). * * * باب: السُّهولةِ والسَّمَاحةِ في الشِّراءِ والبَيْعِ ١١٨٦ - (٢٠٧٦) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى". (سمْحًا): - بإسكان الميم -؛ من السماحة، وهي الجود. (وإذا اقتضى): أي: طلبَ قضاءَ حقِّه. * * * باب: مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا ١١٨٧ - (٢٠٧٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، قَالَ:

стр. 1915

قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ". وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: "كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ". وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ: "أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ". وَقَالَ نُعَيْمُ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: "فَأَقْبَلُ مِنَ الْمُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ". (أن رِبْعيَّ بنَ حِراش): - بكسر راء ربعي، وسكون بائه الموحدة، وكسر حاء حِراش المهملة، وإعجام شينه. (أُيسر على الموسِر، وأُنظر المعسِرَ): فيه (١) دليل على جواز الصدقة على الغني، ويكتب له أجرُها. قال ابن المنير: وفيه دليل على أن الإحسان بالمال بقصدٍ جميلٍ يُثاب عليه العبدُ (٢)، سواء كان مع غني، أو فقير، إلا أن إنظار المعسر واجب، والتيسير (٣) على المعسر مندوب، ومتى علم صاحب الحق عُسْرَ المديان، حَرُمَتْ عليه مطالبتُه، وإن لم يثبت عسره عند الإمام. قلت: وقد حكى القرافي وغيره: أن إبراءَهُ أفضلُ من إنظاره، وجعلوا ذلك مما استثني من قاعدة كونِ الفرضِ أفضلَ من النافلة، وذلك أن إنظاره واجبٌ، وإبراءَهُ مستحبٌّ. وانفصل عنه الشيخ تقي الدين السبكي بأن الإبراء يشتمل على الإنظار اشتمالَ الأخصِّ على الأعمِّ؛ لكونه تأخيرًا للمطالبة، فلم يَفْضُلْ ندبٌ واجبًا (٤)،

стр. 1916

وإنما فضل واجبٌ - وهو الإنظارُ الذي تضمنه الإبراء وزيادة، وهو خصوص الإبراء - واجبًا آخر، وهو مجردُ الإنظار. ونازعه ولدُه القاضي تاجُ الدين السبكيُّ في "الأشباه والنظائر" في ذلك، فقال: وقد يقال: الإنظارُ هو (١) تأخير الطلب مع بقاء العلقة، والإبراء زوالُ العلقة. قلت: لو عبر بإزالة العلقة، كان أحسن. ثم قال: فهما قسمان لا يشتمل أحدُهما على الآخر، فينبغي أن يقال في التقدير: إن الإبراء يحصِّلُ مقصودَ الإنظار وزيادةً. قال: وهذا كله بتقدير تسليم أن الإبراء أفضلُ، وغاية ما استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥]، وهذا يحتمل أن يكون افتتاح كلام، فلا يكون دليلًا على أن الإبراء أفضلُ، ويتطرق من هذا إلى أن الإنظار أفضل؛ لشدة ما يقال: النظر (٢) من ألم الصبر مع تشوق القلب، وهذا فضلٌ ليس في الإبراء الذي انقطعَ فيه اليأس، فحصلت فيه راحةٌ من هذه الحيثية ليست في الإنظار، ومن ثم قال ﷺ : "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ" (٣). فانظر كيف وَزَّعَ أجرَه على الأيام، يكثُر بكثرتها، ويقلُّ بقلَّتِها، ولعل سرَّه ما أبديناه، فالمُنْظِرُ ينال كلَّ يوم عوضًا (٤) جديدًا، ولا يخفى أن هذا

стр. 1917

لا يقعُ بالإبراء، فإن أجره، وإن كان أوفرَ، يتعقبه، وينتهي بنهايته، ولستُ أستطيع أن أقول: الإنظارُ أفضلُ على الإطلاق، وإنما قلتُ ما قلتُ على حدِّ: "سَبَقَ دِرْهَمٌ دِينارًا" (١)، وَسَبَقَ دِرْهَمٌ مِئَةَ ألْفٍ"، فلينظر ما حركته من البحث؛ فإنه محتاج (٢) إلى مزيد تحرير. * * * باب: إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ، وَلَمْ يَكْتُمَا، وَنَصَحَا ويذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَدَّاءَ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ الْمُسْلِم الْمُسْلِمَ، لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ، وَلَا غَائِلَةَ". وَقَالَ قَتَادَةُ: الْغَائِلَةُ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ. وَقِيلَ لإبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وَسِجسْتَانَ، فَيقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ، فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبَةَ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً، يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دًاء، إِلَاّ أَخْبَرَهُ. (هذا ما اشترى محمدٌ رسولُ الله ﷺ من العَدَّاء): العداء (٣) -بفتح العين المهملة وبالمد أيضًا-. قال المطرزي: فرس عَدَّاء على فَعَّال، وبه سُمي العَدَّاءُ الذي كتب له

стр. 1918

رسولُ الله ﷺ الكتابَ المشهور، قال: وهو المشتري، لا (١) النبيُّ ﷺ ، هكذا ثبت في "الفائق"، و"مشكل الآثار"، و"معجم الطبراني"، و"معرفة الصحابة" لابن منده (٢)، و" الفردوس" بطرق كثيرة. قال الزركشي: وكذا الترمذي، وقال: حسن (٣)، وهو عكسُ ما ذكره البخاري هنا، ولهذا قال القاضي: إنه مقلوب (٤)، و (٥) صوابه: هذا ما اشترى العداءُ بنُ خالد من محمدٍ رسولِ الله ﷺ ، قال: ولا يبعد صوابُ ما في البخاري، واتفاقُه مع الروايات الأُخر إذا جعلتَ اشترى بمعنى: باع (٦). قلت: أو يحمل على تعدد الواقعة، فلا تعارضَ حينئذٍ. (لا داءَ، ولا خُبثَةَ (٧)، ولا غائلةَ): قال المطرزي: الداء: كلُّ عيبٍ باطنٍ (٨)، ظهرَ منه شيء أم لا؛ كوجع (٩) الكبد، والسعال. والخِبْثة - بكسر الخاء المعجمة وإسكان الباء الموحدة ثم ثاء مثلثة -:

стр. 1919

أن (١) يكون مسببًا من قوم لهم (٢) عهد. وقيل: المراد بها: الحرام؛ كما عبر عن الحلال بالطيب. قال ابن التين (٣): ضبطناه في أكثر الكتب بضم الخاء، وكذلك سمعناه، والغائلة فسرها في متن البخاري نقلاً عن قتادة بأنها الزنا والسرقة والإباق (٤). قال ابن المنير: وقوله: "لا داء" بمعنى: لا داءَ يكتمُه البائع، وإلا، فلو كان بالعبد داء، وبيَّنَهُ البائع؛ لكان بيع المسلمِ المسلمَ، فلابد من تأويل الحديث هكذا. وفيه دليل (٥) على أن تصديق الوثائق بقول الكاتب: هذا ما اشترى أو أصدقَ، جائز وسُنَّة، ولا يبالى بوسوسة من تحرَّجَ من هذه الصفة، وزعم أنها تلتبس بالنافية. وفيه دليل على أن يُذكر شِرى المشتري قبل بيع البائع، فلا تصدر الوثيقة بقولك: هذا ما باع فلان. وأوردَ سؤالًا، وهو أن الفقهاء يقولون: إن الإيجاب من البائع، وإنَّ جانبه أقعدُ في البيع من جانب المشتري، ولهذا قالوا: تتعدد الصَّفَقَة بتعدد البائع، لا بتعدد (٦) المشتري، فما وجهُ البداءة بالشراء، والبيعُ أقعدُ منه؟

стр. 1920

وأجاب: بأن المشتري أحوجُ إلى الوثيقة من البائع؛ لأنه صاحب الطلب بالعهدة، وصاحبُ العين التي هي مَظِنَّةُ التنازع، والاحتياجِ إلى إثبات المِلْك، ولهذا كانت أجرة الوثيقة على المشتري لا على البائع؛ لأنه أقعدُ بها. وجرى العادة في عصره بأن يقدِّمَ (١) الشاهدُ ذكرَ البائع في رسم شهادته، فيقول: شهدتُ على البائع والمشتري، فسأل: لم كان (٢) الأدب كذلك؟ وأجاب: بأن المشتري أحوجُ إلى الإشهاد على البائع من البائع، وإلى (٣) الإشهاد على المشتري، وقد حصل الغرض من تقديم المشتري. قال (٤): فإن كان البيع بنسيئة (٥)، فحاجة البائع إلى الإشهاد أشدُّ، فكان (٦) ينبغي تقديمُه في الوثيقة. وأجاب: بأنه لما كان بيعُ النقد أكثرَ، عُمل عليه، واطردت القاعدة، ولهذا كان (٧) وضع وثيقة السلم على خلاف هذا تقدَّم فيها ذكرُ البائع الذي هو المسلَم إليه؛ لأنها قاعدة مستقلة، وليست فيها عينٌ معينة، إنما هي شهادة على الذمة، فقدِّم فيها المشهودُ عليه؛ كوثيقة الدَّين الذي لا يُذكر له سبب (٨)،

стр. 1921

وتُقَدَّمُ في الصدقات والنِّحَلِ (١) المتصَدِّقُ؛ لأنها فضل، وصاحبه أولى بالتقديم. قلت: أطال ﵀ فيما لا طائلَ تحته من توجيه أوضاعٍ اصطلاحية لا يختلف حكمُ الشرع باختلافها، ولا يترتب عليها فائدة. (إن بعض النخاسين): - بنون وخاء معجمة -؛ أي: الدلالين. (يُسَمِّي آرِيَّ خُراسانَ): ببناء يسمِّي للفاعل، وفاعلُه ضميرٌ يعود إلى البعض المتقدم، وآرِيَّ مفعوله الأول، وخراسانَ مفعوله الثاني. قال القاضي: وأرى أنه نقصَ من الأصل بعد آري لفظةُ دوابه (٢)؛ يعني: أنه كان (٣) الأصل: يُسَمِّي آرِيَّ (٤) دوابه، فنقص لفظَ: دوابه. قلت: يمكن أن يوجَّه بأنه من حذف المضاف إليه، وإبقاءِ (٥) المضافِ على حاله، وبأنه على إرادة اللام (٦)، فقد جوزوا الوجهين فيما سمع من قولهم: "سلامُ عليكم" - برفع سلام مع عدم تنوينه -، ويأتي الوجهان في قراءة من قرأ من أهل الشواذ: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٦٩]- بضم الفاء مع ترك التنوين -؛ أي: فلا خوفُ شيءٍ عليهم، أو: فلا الخوف، فكذا ما نحن

стр. 1922

فيه؛ أي: يسمِّي آريَّ [دوابه، أو يُسَمِّي الآرِيَّ] (١). قال الزركشي: وقد (٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا همام عن معمر، عن إبراهيم، قال: "قيل له: إن ناسًا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمِّي إِصطبلَ دوابِّهِ خُراسانَ وسجستانَ، [ثم (٣) يأتي بدابته إلى السوق، فيقول: جاءت من خراسان وسجستان] (٤)، قال: إني أكره هذا" (٥). والآرِيُّ - بهمزة فألف (٦) فراء مكسورة فمثناة من تحت مشددة -. قال القاضي وغيره: هذا هو الصواب، ووقع عند المروزي: "أَرَى" -بفتح الهمزة والراء -؛ مثل دَعَا، وليس (٧) بشيء، وهو مَرْبَطُ الدابَّة، وقيل: معلَفُها. وقال الأصمعي: هو حبل يُدْفَن في الأرض، ويبرز طرفُه (٨)، تُشدُّ به (٩) الدابةُ، ومعنى ما أراد البخاري: أن النخاسين كانوا يسمون مرابطَ دوابهم بهذه الأسماء؛ ليدلّسوا على المشتري بقولهم (١٠) كما جاء الآن من

стр. 1923

خراسان وسجستان، يعنون: مرابطَها، فيحرص عليها المشتري، ويظنها طرية الجلب (١). * * * باب: بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ (باب: بيع الخِلْط من التمر): قال ابن المنير: مدخلُ هذه الترجمة في الفقه: التنبيهُ على جواز [بيع] الأصناف الرديئة، ولو اختلطت من أنواع (٢)، ولا يُعد ذلك غشًا؛ بخلاف خلط اللبن بالماء؛ فإنه لا يظهر، وبخلاف بيع الأخلاط من التمر في أوعية موجهة (٣) يُرى جيدُها، ويخفى رَدِيُّها، فذلك تدليسٌ لا يجوز، وأكثرُ عملِ الناس في فواكههم (٤) التي يبيعونها على التدليس بإظهار الجيد، وإخفاء الخبيث. ١١٨٨ - (٢٠٨٠) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهْوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكنا نبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَم". (نُرْزَق تمرَ (٥) الجمع): نُرْزَقُ - بالبناء للمفعول -، والجَمْع: بجيم

стр. 1924

مفتوحة وميم ساكنة. (وهو الخِلط من التمر): - بكسر الخاء المعجمة - كأنه خُلِط من أنواع متفرقة، وإنما خُلِط لرداءته. وقيل: كلُّ لونٍ من النخيل لا يُعرف اسمُه فهو جمعٌ (١). * * * باب: ما قيلَ في اللَّحَّامِ والجزَّارِ ١١٨٩ - (٢٠٨١) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُكْنَى: أَبَا شُعَيْبٍ، فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً؛ فَإِنَّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ، رَجَعَ"، فَقَالَ: لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ. (إن هذا قد اتبعنا (٢) (٣)، فإن شئت أن تأذن له): توقف ﵊ عن إذنه لهذا الرجل السادس؛ بخلاف استرسالِه في طعام أبي طلحة؛ لأن الداعيَ في هذه القصة حصرَ العدد بقصده (٤) أولًا، فقال: طعام

стр. 1925

خمسة، فهو من جنس كونِ الطعام إذا كيل لينظر كم بقي منه؟ ذهبت بركتُه، وأيضًا: فمقامُ النبوة محفوظٌ معصوم، وهذا الرجلُ قال لغلامه (١): طعام خمسة، ولم يقل هذا بحضرة الرسول، ولكن أبى الله إلا أن يُطلع نبيَّه على أنه حَجَّرَ الدعوةَ، ولم يُطْلِقْها، وكلُّ أحدٍ أحقُّ بماله، فاتبع ﵊ تقييده في ماله، فلم يأذن في الزائد. هذا أحسنُ ما قيل في هذه القصة. * * * باب: آكِلِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. (باب: آكلِ الربا وشاهدِه وكاتبِه): المراد: الكاتب (٢) والشاهدان الذين يواطئون صاحب الربا على كتمان الربا، وإظهار الجائز، وقد صرح بهم النبي ﷺ في حديث غير هذا (٣)، فلعنَ آكلَه وموكلَه وكاتبه (٤) وشاهده، وعلى ذلك ترجم البخاري. وأما إذا سمع الكاتبُ والشاهدان متعاقدين على الربا، فيتعين عليهم أن يشهدوا بالقصة على ما هي عليه؛ ليسعَ حكمُ الشرع ذلك، فلا حرجَ،

стр. 1926

بل يجب عليهم حينئذٍ (١) كتابةُ ذلك الشيء، والشهادةُ فيه حسبةً؛ ليقع السعيُ (٢) في إبطاله، وليحفظ - أيضًا - حق الدافع فيما دفع خاصة؛ لأنه لا (٣) يسقط حقه من رأس ماله بكونه (٤) أضافَ إليه (٥) الربا، وليُحفظ - أيضًا - حقُّ المديانِ في إسقاط الربا عنه. قال ابن المنير: وهذا كما لو كفر أحدٌ بحضرة الشهود؛ لوجب عليهم أن يكتبوا (٦) قوله، ويشهد [وا] عليه به، وكذلك لو ابتدع (٧) الزوج، فتلفظ بحضرتهم بالطلاق الثلاث؛ لوجب عليهم أن يكتبوا ذلك، وإنما النهيُ عن (٨) المواطأة، وإقرارِ أهل الفساد على فسادهم. وفي الحديث ما يدل على أن الكاتب غيرُ الشاهد، وأنهما وظيفتان. قلت: على ذلك العمل بتونس وبعض بلاد المغرب. * * * باب: مُوْكِلِ الرِّبا ١١٩٠ - (٢٠٨٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبي

стр. 1927

جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنهى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوَّرَ. (ونهى عن الواشمة والموشومة (١)): أي: عن فعلِ الواشمةِ (٢) والموشومةِ (٣)، والوَشْم: أن يُغرز الجلدُ بإبرة، ثم يُحْشى (٤) بكحلٍ، أو نيلٍ (٥)، فيزرَقُّ أثرُه (٦)، أو يخضَرُّ (٧). * * * باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ١١٩١ - (٢٠٨٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ". (الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقَةٌ للبركة): الرواية فيهما: بفتح الأول والثالث وإسكان الثاني، ووزنُ كلٍّ منهما مَفْعَلَة، وصحَّ الإخبار بهما عن

стр. 1928

الحلف، مع أنه مذكر، وهما مؤنثان بالهاء، إما على تأويل الحلف باليمين، أو لأنهما في الأصل (١) مصدران بمعنى النفاق والمحق. ويروى: "مُنَفِّقة" - بضم الميم وفتح النون وكسر الفاء المشددة - اسمُ فاعل من نَفَّق - بتشديد الفاء - مأخوذ من النَّفاق: -بفتح النون-، وهو ضدُّ الكَساد (٢)، أُسند الفعل إلى الحلفِ إسنادًا مجازًا؛ لأنه سببٌ في رواج (٣) السلعة ونَفاقِها، والمراد بالحلف هنا: اليمينُ الفاجرة. وفي "مسند أحمد": "اليَمِينُ الكاذِبَةُ" (٤). قال الزركشي: واعلم أن البخاري ذكر هذا الحديث كالتفسير للآية؛ أعني قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ لأن الربا: الزيادة (٥)، فيقال: كيف يجتمعُ المحاقُ والزيادة؟ فبين بالحديث: أن اليمين مزيدة وممحقةٌ للبركة منه، [والبركةُ أمرٌ زائد على العدد، فتأويل قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: يمحق الله البركةَ منه] (٦)، وإن كان عدده باقيًا على ما كان (٧). قلت: هذا كله كلام ابن المنير، نقله الزركشي منه غيرَ مَعْزُوٍّ.

стр. 1929

باب: ما يُكْرَهُ من الحَلِفِ في البيعِ ١١٩٢ - (٢٠٨٨) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً، وَهُوَ فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. (لقد أعطَى): بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول. (ما لم يُعْطَ): بالبناء لهما - أيضًا - على البدل، فالأول للأول، والثاني للثاني، والمعنى: أنه يحلف لقد دفع فيها من ماله ما لم يكن دفعه، أو (١) لقد دُفع له فيها من قبل المستامين ما لم يكن أحد دفعه، فهو كاذبٌ في الوجهين. * * * باب: مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ (باب: ما قيل في الصَّوَّاغ): بفتح الصاد المهملة وتشديد (٢) الواو وبغين معجمة. قال الجوهري: رجلٌ صائغٌ وصَوَّاغٌ وصَيَّاغٌ - أيضًا - في لغة أهل الحجاز (٣). انتهى. وهو تفسير لقوله في الحديث: "لِقينِهِمْ".

стр. 1930

قال ابن المنير: وفائدةُ الترجمة على هذه الصناع: التنبيهُ (١) على (٢) ما كان في زمانه ﵊، وأَقَرَّه مع العلم به، فيكون كالنص على جواز هذه الأنواع، وما عداها إنما يؤخذ بالقياس، وفي معاملته على الصواغ تنبيه على أنها صنعة جيدة، لا يُجتنب معاملةُ صاحبها، لا من حيث الدين، ولا من حيث المروءة (٣)، وربما كثر (٤) الفساد في صنعة، وتعاطاها (٥) أراذلُ (٦) الناس؛ كتعاطي اليهود، فما ذاك بالذي يقدح في المسلم إذا تناولها، و (٧) لا يحطُّ من درجته في العدالة. قلت: الظاهر أن الصناعة التي يصير تعاطيها عندَ أهل العرف عَلَمًا على دناءة الهِمَّة، وسقوطِ المروءة قادحةٌ في عدالة مَنْ تعاطاها (٨) في زمن تقرر ذلك العرف ومكانه. وقد قال ابنُ محرزٍ من أصحابنا: لا تُرد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس، والدباغ، والحجام، والحائك، إلا من رضيها اختيارًا ممن لا يليق به؛ لأنها تدل على خَبَل في عقله (٩).
следующие страницы →