← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

بل يجب عليهم حينئذٍ (١) كتابةُ ذلك الشيء، والشهادةُ فيه حسبةً؛ ليقع السعيُ (٢) في إبطاله، وليحفظ - أيضًا - حق الدافع فيما دفع خاصة؛ لأنه لا (٣) يسقط حقه من رأس ماله بكونه (٤) أضافَ إليه (٥) الربا، وليُحفظ - أيضًا - حقُّ المديانِ في إسقاط الربا عنه. قال ابن المنير: وهذا كما لو كفر أحدٌ بحضرة الشهود؛ لوجب عليهم أن يكتبوا (٦) قوله، ويشهد [وا] عليه به، وكذلك لو ابتدع (٧) الزوج، فتلفظ بحضرتهم بالطلاق الثلاث؛ لوجب عليهم أن يكتبوا ذلك، وإنما النهيُ عن (٨) المواطأة، وإقرارِ أهل الفساد على فسادهم. وفي الحديث ما يدل على أن الكاتب غيرُ الشاهد، وأنهما وظيفتان. قلت: على ذلك العمل بتونس وبعض بلاد المغرب. * * * باب: مُوْكِلِ الرِّبا ١١٩٠ - (٢٠٨٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبي

стр. 1927

جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنهى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوَّرَ. (ونهى عن الواشمة والموشومة (١)): أي: عن فعلِ الواشمةِ (٢) والموشومةِ (٣)، والوَشْم: أن يُغرز الجلدُ بإبرة، ثم يُحْشى (٤) بكحلٍ، أو نيلٍ (٥)، فيزرَقُّ أثرُه (٦)، أو يخضَرُّ (٧). * * * باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ١١٩١ - (٢٠٨٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ". (الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقَةٌ للبركة): الرواية فيهما: بفتح الأول والثالث وإسكان الثاني، ووزنُ كلٍّ منهما مَفْعَلَة، وصحَّ الإخبار بهما عن

стр. 1928

الحلف، مع أنه مذكر، وهما مؤنثان بالهاء، إما على تأويل الحلف باليمين، أو لأنهما في الأصل (١) مصدران بمعنى النفاق والمحق. ويروى: "مُنَفِّقة" - بضم الميم وفتح النون وكسر الفاء المشددة - اسمُ فاعل من نَفَّق - بتشديد الفاء - مأخوذ من النَّفاق: -بفتح النون-، وهو ضدُّ الكَساد (٢)، أُسند الفعل إلى الحلفِ إسنادًا مجازًا؛ لأنه سببٌ في رواج (٣) السلعة ونَفاقِها، والمراد بالحلف هنا: اليمينُ الفاجرة. وفي "مسند أحمد": "اليَمِينُ الكاذِبَةُ" (٤). قال الزركشي: واعلم أن البخاري ذكر هذا الحديث كالتفسير للآية؛ أعني قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ لأن الربا: الزيادة (٥)، فيقال: كيف يجتمعُ المحاقُ والزيادة؟ فبين بالحديث: أن اليمين مزيدة وممحقةٌ للبركة منه، [والبركةُ أمرٌ زائد على العدد، فتأويل قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: يمحق الله البركةَ منه] (٦)، وإن كان عدده باقيًا على ما كان (٧). قلت: هذا كله كلام ابن المنير، نقله الزركشي منه غيرَ مَعْزُوٍّ.

стр. 1929

باب: ما يُكْرَهُ من الحَلِفِ في البيعِ ١١٩٢ - (٢٠٨٨) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً، وَهُوَ فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. (لقد أعطَى): بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول. (ما لم يُعْطَ): بالبناء لهما - أيضًا - على البدل، فالأول للأول، والثاني للثاني، والمعنى: أنه يحلف لقد دفع فيها من ماله ما لم يكن دفعه، أو (١) لقد دُفع له فيها من قبل المستامين ما لم يكن أحد دفعه، فهو كاذبٌ في الوجهين. * * * باب: مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ (باب: ما قيل في الصَّوَّاغ): بفتح الصاد المهملة وتشديد (٢) الواو وبغين معجمة. قال الجوهري: رجلٌ صائغٌ وصَوَّاغٌ وصَيَّاغٌ - أيضًا - في لغة أهل الحجاز (٣). انتهى. وهو تفسير لقوله في الحديث: "لِقينِهِمْ".

стр. 1930

قال ابن المنير: وفائدةُ الترجمة على هذه الصناع: التنبيهُ (١) على (٢) ما كان في زمانه ﵊، وأَقَرَّه مع العلم به، فيكون كالنص على جواز هذه الأنواع، وما عداها إنما يؤخذ بالقياس، وفي معاملته على الصواغ تنبيه على أنها صنعة جيدة، لا يُجتنب معاملةُ صاحبها، لا من حيث الدين، ولا من حيث المروءة (٣)، وربما كثر (٤) الفساد في صنعة، وتعاطاها (٥) أراذلُ (٦) الناس؛ كتعاطي اليهود، فما ذاك بالذي يقدح في المسلم إذا تناولها، و (٧) لا يحطُّ من درجته في العدالة. قلت: الظاهر أن الصناعة التي يصير تعاطيها عندَ أهل العرف عَلَمًا على دناءة الهِمَّة، وسقوطِ المروءة قادحةٌ في عدالة مَنْ تعاطاها (٨) في زمن تقرر ذلك العرف ومكانه. وقد قال ابنُ محرزٍ من أصحابنا: لا تُرد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس، والدباغ، والحجام، والحائك، إلا من رضيها اختيارًا ممن لا يليق به؛ لأنها تدل على خَبَل في عقله (٩).

стр. 1931

١١٩٣ - (٢٠٨٩) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ: أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيًّا ﵇ قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نصَيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمْسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ ﵍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنيِ قَيْنُقاعَ أنْ يَرْتَحِلَ مَعِي، فَنَأْتيَ بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ [على] وَلِيَمَةِ عُرُسِي. (كانت لي شارِفٌ): هي المُسِنَّة من الإبل، والجمعُ شُرْفٌ - بإسكان الراء -؛ كبازِلٍ وبُزْلٍ. (أبتني بفاطمة) أي: أدخل (١) بها، وفيه رد على الجوهري حيث قال: وبنى على أهله، والعامة تقول: بنى بأهله (٢)، وهو خطأ (٣). هذا كلامه. * * * ١١٩٤ - (٢٠٩١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَهَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَباب، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ،

стр. 1932

فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]. (فقلت: لا أكفر حتى يُميتك الله، ثم تُبعثَ): لم يرد الكفر إذ ذاك، بل ولا يُتصور بعد البعث كفرٌ؛ لمعاينة الآيات الباهرة الملجئة (١) إلى الإيمان إذ ذاك، وإن لم يكن نافعًا لمن لم يؤمن قبلُ، وإنما أراد: إياس العاصي (٢) من كفره؛ فإنه كان لا يقر بالبعث. * * * باب: الخَيَّاطِ ١١٩٥ - (٢٠٩٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ: أنَهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا وَمَرَقًا، فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَي الْقَصْعَةِ، - قَالَ: - فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. (فيه دبّاء): على وزن مُكَّاء - بالمدِّ والتشديد -، وهو القَرْع، والواحد دُبَّاءَةٌ، وهمزتهُ (٣) منقلبة عن حرف علة. * * *

стр. 1933

باب: النّسَّاجِ ١١٩٦ - (٢٠٩٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأةٌ بِبُرْدَةٍ - قَالَ: أتدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا -، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اكْسُنِيهَا. فَقَالَ: "نَعَمْ". فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ! مَا سَأَلْتُهُ إِلَاّ لِتكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. (هي الشَّمْلة): - بفتح الشين المعجمة وسكون (١) الميم -، وقد مر. (فأخذها النبيُّ ﷺ محتاجًا إليها): بالنصب على الحال -، ويروى بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو محتاج إليها، والجملة الاسمية في موضع نصب على الحال. (فقال رجل من القوم: يا رسول الله! اكسنيها): الرجلُ المذكور (٢) هو عبد الرحمن بن عوف؛ كما مر في الجنائز. * * *

стр. 1934

باب: النَّجَّارِ ١١٩٧ - (٢٠٩٤) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَتَى رِجَالٌ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ -: "أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ". فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءَ الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ. (أَنْ مُرِي غلامَك النجارَ يعمل لي أعوادًا أجلسُ عليهن): "أن" تفسيرية، و"يعمل (١) وأجلس" رُويا بالجزم والرفع، وقد سبق مع تسمية الغلام. * * * ١١٩٨ - (٢٠٩٥) - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إنْ شِئْتِ". قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: "بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ".

стр. 1935

(ألا أعملُ (١) لك شيئًا تقعدُ عليه؟): ظاهر هذا معارض للأول، والوجهُ في الجمع: أن تكون المرأة هي (٢) التي ابتدأت النبيَّ ﷺ سؤالَ ذلك، ثم أضربَ عنه ﵊ حتى رآه صوابًا، فبعث إليها فيما كانت ترغب فيه. وفي الطبراني "الأوسط": من طريق عمرو بن عطية العوفي، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان يصلِّي إلى سارية في المسجد، ويخطب إليها يعتمد (٣) عليها، فأمرتْ عائشةُ فصنعت (٤) له منبرَهُ هذا، فلما قامَ إليه رسولُ الله ﷺ ، وتركَ مقامَه إلى السارية، خارتِ (٥) الساريةُ خُوارًا شديدًا حتى تركَ النبيُّ ﷺ مقامه؛ شوقًا إلى نبي الله، فمشى نبيُّ الله (٦) حتى اعتنقَها، فلما اعتنقها (٧)، هدأ الصوتُ الذي سمعنا. فقلتُ: أنت سمعتَه؟ فقال: أنا سمعتُه، وأهلُ المسجد، وهي إحدى (٨) السواري التي تلي الحجرة. وقال (٩): لم يرو هذا الحديثَ عن عطية إلا ابنُه عمرو، تفرد (١٠) به

стр. 1936

أحمد بن طارق (١). انتهى. وعائشةُ هذه لم يصرَّحْ فيها بأنها زوجُ النبي ﷺ ، فيحتمل أن يكون اسمُ المرأة الأنصارية مولاةُ الغلام النجار عائشةَ، و (٢) في الصحابيات من الأنصار عوائشُ. * * * باب: شراءِ الدَّوابِّ والحميرِ ١١٩٩ - (٢٠٩٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: "جَابِرٌ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ "، قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا، فتخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبْ"، فَرَكبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "تَزَوَّجْتَ؟ "، قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: "بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ "، قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: "أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ "، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: "أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ، فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ". ثُمَّ قَالَ: "أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ "، قُلْتُ: نعمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجئْنَا إلَى الْمَسْجدِ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى باب الْمَسْجِدِ، قَالَ: "الآنَ قَدِمْتَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ، فَصَلِّ

стр. 1937

ركْعَتَيْنِ". فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ؛ فَقَالَ: "ادْعُ لِي جَابِرًا". قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، قَالَ: "خُذْ جَمَلَكَ، وَلَكَ ثَمَنُهُ". (فنزل يَحْجُنُه): - بإسكان الحاء المهملة وضم الجيم - مضارعُ حجَن -بفتح الجيم -؛ أي: يحته بمِحْجنه؛ أي: بطرف العصا المسمَّاة مِحْجَنًا. (بمِحْجَنه): - بكسر الميم -: عصًا كالصولجان. (قال: تزوجت؟ قلت: نعم): فيه حذف همزة الاستفهام. [(قال: بكراً أم ثيبًا؟): كالأول في حذف الهمزة، لكن هذا مع "أم" المعادلة لها، ووجهُ النصب ظاهر، ويروى: "بكرٌ أم ثيثٌ" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أزواجك بكر أم ثيب؟ (قال: أما إنك قادم): بتخفيف "أما"، وبكسر "إنَّ"، قال الزركشي: وفتحها (١). (فإذا قدمتَ، فالكيسَ الكيسَ): بالنصب على الإغراء، والكَيْس: الجماع] (٢). قال ابن الأعرابي: فيكون قد (٣) حضه عليه؛ لما فيه وفي الاغتسال منه من الأجر.

стр. 1938

وقال البخاري بعد هذا: الكَيْسُ: الولد. قيل: وهو في الأصل: العقل، جعل طلبَ (١) الولد عقلًا؛ لما فيه من تكثير جماعة المسلمين، ومن الفوائد الكثيرة التي يحافظ على طلبها ذوو العقل. وقيل: حضه على طلب الولد، واستعماله (٢) الكيسَ والرفقَ فيه إذ كان (٣) جابرٌ لا ولد له إذ ذاك. وقيل: أمره أن يتحفظ أن تكون امرأته حائضًا عند إتيانه إياها؛ لطول (٤) غيبته، واشتداد عُزبته؛ لأن الكيس شدة المحافظة على الشيء (٥). * * * باب: الأسواقِ التي كانت في الجاهليةِ، فتبايَعَ بها النَّاسُ في الإسلامِ ١٢٠٠ - (٢٠٩٨) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْروٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإسْلَامُ، تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِم الْحَجِّ. قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا.

стр. 1939

فلما كان الإسلام، تأثموا من التجارة، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾): سأل ابن المنير عن الفرق بين حِجْر ثمود، وبين أسواق الجاهلية؛ حيث أسرع ﵊ لما دخل الحِجْر، وأمرهم أن لا ينتفعوا بشيء منه، حتى لا يأكلوا العجين الذي عجنوه بالماء، وإذا أبحنا أسواق الجاهلية، فقد طال المكث فيها، والانتفاع بها. وأجاب: بأن أهل الأسواق لم يتعاطوا فيها إلا البيع المعتاد، وأما ثمود، فإنهم تعاطوا عقرَ الناقة، والكفر بالله ورسوله، ونزلت عليهم النقمةُ هناك، فهذا فرقُ ما بينهما. * * * باب: شِرَاءَ الإبِلِ الْهِيمِ، أَوِ الأَجْرَبِ الْهَائِمُ: الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. (باب: شراء الإبل الهيم، أو الأجرب): الهِيْم: - بكسر الهاء وسكون الياء -: جمعُ أَهْيَمَ وهَيْماءَ. وقال البخاري: الهائمُ: المخالفُ للقصد في كل شيء، كأنه (١) يريد أن بها (٢) داءَ الجنون، وعليه اقتصر ابن بطال، فقال: الهيام كالجنون. واعترضه ابن المنير: بأن الهيم (٣) ليس جمعًا لهائم.

стр. 1940

قلت: ممنوع، و (١) لم لا يجوز أن يكون كبازلٍ وبُزْلٍ، ثم (٢) قُلبت (٣) ضمةُ هُيْمٍ كسرة؛ لتصحَّ الياء؛ كما في بِيض (٤)؟ * * * ١٢٠١ - (٢٠٩٩) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرو: كَانَ هَاهُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، فَاشْتَرَى تِلْكَ الإبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ، فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإبِلَ. فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ: مِنْ شَيْخِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: ويحَكَ! ذَاكَ - وَاللَّهِ - ابْنُ عُمَرَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ. قَالَ: فَاسْتَقْهَا، قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا، فَقَالَ: دَعْهَا، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَا عَدْوَى. (كان هاهنا رجل اسمه نَوّاس): - بفتح النون وتشديد الواو وآخره سين مهملة -، كذا لأكثرهم، وعند بعضهم: بزيادة مثناة من تحت بعد السين هكذا: نواسي. وعند القابسي - بكسر النون وتخفيف الواو وآخره سين - كالأول (٥). (رضيت (٦) بقضاء رسول الله ﷺ لا عدوى): قال الزركشي: معناه:

стр. 1941

رضيتُ بهذا البيع على ما فيه من التدليس، ولا أُعدي عليك وعليه حاكمًا، ولا أرفعكما إليه. ولم يقف الخطابي على هذا المعنى، وحمل العدوى على ظاهرها، فقال: لا أعرفُ للعدوى في الحديث معنى إلا أن (١) يكون ذلك داءً إذا رعت (٢) مع سائر الإبل، أو (٣) تُركت معها، ظُن بها العدوى (٤). قلت: هذا الكلام برمته في "شرح مغلطاي"، وتبعه ابن الملقن على عادته في الأخذ منه، والاعتماد على كلامه من (٥) غير تسميته (٦) له، والظاهر أن قوله: لا عدوى تفسيرٌ لقضاء رسول الله ﷺ حيث قال: "لا عَدْوَى" (٧). فإن قلت: ذاك إنما ورد (٨) في الأجرب، والبخاري ترجم على الهيم والأجرب، وإنما ذكر الهيم؟ قلت: أجاب عنه ابن المنير: بأن السبب في ذلك كونه اكتفى باستشهاد ابن عمر بقوله (٩) ﵊: "لا عَدْوَى"، وهذا إنما وردَ في الأجرب، فدل ذلك على تسوية ابن عمر بين هذه العيوب، وشراءِ ما هي به

стр. 1942

من الحيوان، ولا يكون تضييع مال، ولا سفهًا في الرأي، فانظر هذا مما يحتج من قال: إن معنى (١) "لا عدوى": لا أعدي عليكما حاكمًا؛ ليعرف فرق ما بين النظرين، وبالله التوفيق. * * * باب: بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الْفِتْنَةِ (باب: بيع السلاح في الفتنة وغيرها): أما بيعُه في الفتنة، فقد ذكره حيث قال: وكرهَ عمران بنُ حصين بيعَه في الفتنة. قال ابن بطال: لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وذلك مكروه منهيٌّ عنه (٢) (٣). قال السفاقسي: وذلك في الفتنة التي لا يعرف فيها الظالم من المظلوم، وإلا، فلو عُلما، لَبيع (٤) من (٥) المظلوم، ولم يُبع من الظالم، وأما بيعه في عدم الفتنة، فقد تعرض إليه بإيراد (٦) حديث أبي قتادة حيث قال: ١٢٠٢ - (٢١٠٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى

стр. 1943

ابْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَأعْطَاهُ - يَعْنِي: دِرْعًا -، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. (فبعت الدرع): يشير إلى حديثه المطوَّل الذي أخرجه بعد ذلك (١). والمعنى: فقتلت رجلًا، فأصبتُ منه درعًا، فبعتُ الدرعَ، وقد استبان لك أن (٢) قول الإسماعيلي: ليس من حديث هذا الباب في شيء، فإنه لم (٣) يبع السلاح في الفتنة (٤)، كلامٌ غيرُ موجَّه. (فابتعت به مَخرَفًا): -بفتح الميم والراء، وبكسر الميم وفتح الراء، وبفتح الميم وكسر الراء-: هو حائط النخل مثل البستان يكون فيه فاكهة تخرف. (في بني سلِمة): بكسر اللام. (تَاَثَّلْتُه): أي: اتخذته أصلًا لمالي. * * * باب: ذِكْرِ الْحَجَّامِ (باب: ذكر الحجام): ليس المقصود من هذه الترجمة (٥) تصويبَ

стр. 1944

صناعة الحجام، ولا أنها غير منافية (١) للمروءة، فإنها قد ورد فيها حديث يخصها بالنهي (٢)، وإن كان أعطى الحجام أجرَه، فالنهيُ فيها على الصانع، لا على المستعمِل. قال ابن المنير: والفرقُ بينهما: ضرورةُ المحتجم إلى الحجامة، وعدمُ ضرورة الحجام؛ لكثرة الصنائع سواها. * * * ١٢٠٣ - (٢١٠٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكِ ﵁، قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ. (أبو طَيْبَةَ): على نحو طيبةَ اسمِ المدينة، اسمه (٣) نافع. * * * باب: التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (باب: التجارة فيما يُكره لبسُه للرجال والنساء): كأنه ﵀ حمل قوله ﵇ في حديث عمر: "إِنَّمَا يَلْبَسُها مَنْ لا خَلاقَ لَهُ" (٤) على العموم للرجال والنساء، ولولا ذلك، لم يكن لإيراد حديثه (٥) في هذا

стр. 1945

الباب مدخلٌ، والحقُّ أن النهي خاصٌّ بالرجال، أما (١) النُّمْرُقة المصوَّرَة، فيستوي الصنفان في المنع منها (٢). قال ابن المنير: والظاهرُ أن البخاري أراد (٣) الاستشهاد على صحة (٤) التجارة في النمارق المصورة، وإن كان استعمالها مكروهًا؛ لأنه ﵊ إنما أنكر على عائشة استعمالها، ولم يأمرها بفسخ البيع. * * * ١٢٠٤ - (٢١٠٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَراهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَالُ هَذِهِ النّمْرُقَةِ؟ "، قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". وَقَالَ: "إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ". (نمْرقة): أي: وسادة، بضم النون والراء، وبكسرهما. * * *

стр. 1946

باب: صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ ١٢٠٥ - (٢١٠٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ". وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ. (باب: صاحبُ السلعة أحقُّ بالسوم). (ثامنوني بحائطكم): أي: بايعوني (١) بالثمن. قال المازري: إنما فيه دليل على أن المشتري يبدأ بذكر الثمن، ورده القاضي بأنه ﵊ لم ينصَّ لهم على ثمن مقدر بذله لهم في الحائط، وإنما ذكر الثمن مجملاً، فإن أراد أنَّ فيه التبدئة بذكر الثمن مقدراً، فليس كذلك (٢). قلت: نقل ابن بطال وغيره الإجماع على أن صاحب السلعة أحقُّ الناس بالسوم في سلعته، وأولى بطلب (٣) الثمن فيها، لكن الكلام في أخذ هذا الحكم من الحديث المذكور (٤)، فالظاهر أَنْ لا دليلَ فيه على ذلك كما أشار إليه الإمام المازري. * * *

стр. 1947

باب: كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ (باب: كم يجوز الخيار؟): يعني: هل يستوي فيه السلعُ، أو يتفاوتُ بحسب الحاجة؟ وليس في الحديث الذي أورده تعرضٌ لواحد من المذهبين. قال ابن المنير: اللهم إلا أن يأخذ من عدم تحديده في الحديث تفويض الأمر إلى الحاجة في اشتراطه، وهو مذهب مالك ﵀، فيحتمل. ١٢٠٦ - (٢١٠٨) - حدثنا حفصُ بنُ عُمَر، حدثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن عبد الله بن الحارثِ، عن حكيمِ بن حِزَامٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا" وَزَادَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: قَالَ هَمَّامٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِي التَّيَّاحِ، فَقَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي الْخَلِيلِ لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. (وزاد أحمد): هو أحمد بن حنبل ﵁. قال الزركشي: وهذا أحد الموضعين اللذين (١) ذكره البخاري ﵁ فيهما (٢). * * * باب: إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْخِيَارِ، هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ ؟ (باب: إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع؟): ساق فيه حديث

стр. 1948

ابن عمر -أيضاً-: "البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، أَوْ يَقولَ أَحَدُهُما لِصاحِبِه: اخْتَرْ" وربما قال: "أو يكونَ بيعَ خِيارٍ"، والظاهر أن البخاري قصدَ بجواز البيع وتفويض الأمر بعد اشتراط الخيار المطلق إلى العادة في مثل تلك السلعة، وهذا مذهبُ مالك، وهو أسعدُ بإطلاق. * * * باب: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا " ١٢٠٧ - (٢١١٠) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَناَ حَبَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: قَتَادَةُ أَخْبَرَنِي عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا". (وإن كَذَبا وكَتَما، مُحقت بركةُ بيعهما): ليس المراد أن بيعهما هذا (١) المشتمل على الكذب والخيانة فيه بركةٌ وقد مُحقت، وإنما المراد: أن البركة التي كانت تحصل في هذا (٢) البيع على تقدير خلوِّه من تلك المفسدة معدومةٌ بوجود كذبهما وكتمانهما. ويحتمل أن يكون المراد: أن (٣) مثل هذا البيع، وإن حصل فيه ربح، فإنه يمحق بركة ربحه، ويؤيده الحديث الذي بعد هذا: "وإِنْ كَذَبا (٤) وكَتَما،

стр. 1949

فَعَسى أَنْ يَرْبَحا رِبْحاً وَيَمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِما"، فتأمله (١). * * * باب: إذا اشْتَرى شيئاً فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قبلَ أَنْ يتفرَّقا ١٢٠٨ - (٢١١٦) - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ مَالاً بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا، رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي الْبَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ: أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ، رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ، بِأَنِّى سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. (خشية أن يرادّني البيع): -بتشديد الدال- يُفاعلني؛ من الرَّدِّ. * * * باب: ما يُكرهُ مِنَ الخداعِ في البيعِ ١٢٠٩ - (٢١١٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البيوع، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لا خِلَابَةَ". (أن رجلاً ذكر للنبي ﷺ أنه (٢) يُخدع في البيع (٣)): هو حبانُ بنُ منقذٍ،

стр. 1950

وقيل: منقذُ بنُ عمرٍو (١). (فقل: لا خِلابة): أي: لا خِداعَ، ويروى: "لا خيابة" -بالياء المثناة من تحت-. قال الزركشي: وكأنها لثغة من الراوي أبدلَ اللامَ ياء (٢). قلت: هذا مأخوذ من كلام ابن قرقول، فإنه زعم أن هذا الرجل كان يلثغ، ولا يعطيه لسانه إخراج الكلام، فكان ينطق ياء باثنتين من تحت، أو ذالاً معجمة، والله أعلم. وصرح أبو عمران من أصحابنا بأن هذا خاصٌّ بهذا (٣) الرجل، وأن المغابنةَ لا خيارَ للمغبون (٤) بها، قلَّت أو كثرت، وهو أصحُّ الروايتين عن مالك. * * * باب: ما ذُكِرَ في الأسواقِ ١٢١٠ - (٢١١٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ ناَفِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ".

стр. 1951

قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ". كيف يخسف بأولهم (١) وآخرهم، وفيهم أسواقُهم): -بالسين المهملة وبالقاف-، وفي "مستخرج أبي نعيم": وفيهم أشرافهم -بالشين المعجمة والفاء-. وعند الإسماعيلي: وفيهم "سواهم" بدل "أسواقهم"، قال: ورواه البخاري: "وفيهم أسواقهم"، وليس هذا الحرف في حديثنا، وأظن أن أسواقهم تصحيف، فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق. قيل (٢): ويحتمل أن المراد بالأسواق (٣) هنا الرعايا. قال صاحب "النهاية": السوقة من الناس: الرعيةُ، ومَنْ دون الملك، قال: وكثير من الناس يظن السوقةَ أهلَ الأسواق، لكن هذا يتوقف على أن السوقة تجمع على أسواق (٤). وذكر صاحب "الجامع": أنها تجمع على سِوَق؛ كقِيَم (٥). قلت: لكن البخاري إنما فهم منه أنه جمع سوق الذي هو محل البيع والشِّراء، فينبغي أن يحرر النظر فيه.

стр. 1952

١٢١١ - (٢١١٩) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَاّ الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَاّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَاّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ". وَقَالَ: "أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ". (لا يَنهَزه): بفتح حرف المضارعة والهاء (١) وبالزاي. * * * ١٢١٢ - (٢١٢٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ أَبي يَزِيدَ، عَنْ ناَفِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: "أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ ". فَحَبَسَتْهُ شَيْئاً، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَاباً، أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ: عُبَيْدُ اللهِ أَخْبَرَنِي: أَنَّهُ رَأَى ناَفِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. (الدوسي): نسبة إلى دَوْس قبيلةٍ. (بفِناء (٢) بيت فاطمة): الفِناء -بكسر الفاء والمد-: هو الساحة.

стр. 1953

(أَثَمَّ): الهمزةُ للاستفهام، وثَمَّ -بفتح المثلثة وتشديد الميم-: اسمُ إشارة للمكان البعيد. (لُكَعُ): قال أبو زيد: اللكع: الفلوُّ. وفي "المحكم": المُهْر (١). وعليه مشى السهيلي حيث قال: كان النبي ﷺ يمزح، ولا يقول إلا حقاً، وهنا أراد تشبيهه بالفلوِّ والمُهْرِ؛ لأنه طفل؛ كما أن الفلو والمهر كذلك، وإذا قصد بالكلام قصد التشبيه، لم يكن إلا صدقاً (٢). قال مغلطاي: الأشبهُ والأجودُ أن يُحمل الحديث على ما قاله بلالُ بنُ جرير بنِ الحنظلي (٣)، وقد سئل (٤) عن اللُّكع، فقال: هو في لغتنا: الصغير. وهذا الذي سأل عنه النبيُّ ﷺ ، هو (٥) الحسن -بفتح الحاء- ابنُ عليًّ ﵄. * * * باب: كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي الأَسْواقِ (باب: كراهية (٦) السخب في السوق): -بالسين المهملة-، وقد مر في مواضع بالصاد المهملة، وهما جميعاً بمعنى: الصياح.

стр. 1954

قال ابن المنير: ترجم كثيراً على إباحة السوق، ثم ترجم هنا على السخب فيها؛ تنبيهاً على أن المذموم ليس نفسَ السوق، ولكن فِعْلَ ما يُكره فيها. قال: وكان البخاري ﵀ صاحبَ تجارة وزرع، ومما يروى (١) أنه أُعطي ببضاعة له خمسةَ آلاف، فركنَ في نفسه، ولم يتلفظ، ثم (٢) أُعطي (٣) فيها بعد ذلك أضعافَ الأولى ألوفاً مؤلفةً، فقال: لا، قد كنت ركنت إلى الأول، فحاسب نفسه على الهواجس التي تلزم. * * * باب: الكَيلِ على البَائعِ والمُعْطِي ١٢١٣ - (٢١٢٧) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَناَ جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافاً، الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَبْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ". فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ:"كِلْ لِلْقَوْمِ". فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ فِرَاسٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فَمَا زَالَ

стр. 1955

يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "جُذَّ لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ". (عبد الله بن عمرو بن حرام): بحاء مهملة وراء. (فاستعنتُ): كذا هنا من الاستعانة، وفي رواية البخاري في باب الشفاعة في الدين: "فاستشفعت" (١). (العجوة): -بالنصب بفعل محذوف-؛ أي: اجعلِ العجوةَ. (وعَذْقَ زيدٍ): -بفتح العين المهملة وإسكان الذال المعجمة-: نوع من التمر رديء، والعجوة من أجلِّ الأنواع، فكأَن (٢) النبي ﷺ طلب منه التمر الأعلى والأدنى (٣). * * * باب: ما يُسْتحبُّ من الكَيلِ ١٢١٤ - (٢١٢٨) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "كيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ". (كيلوا طعامكم يُباركْ لكم فيه (٤)): عورض بقول عائشة: كان عندي

стр. 1956

شطرُ شعير، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ (١)، وكِلْتُه، ففَنِيَ (٢). قال ابن المنير (٣): والجمعُ بينهما: أن يُكال أولَ شرائه أو دخوله المنزل بطريق ما، ثم إذا أنفقَ منه لا يكيل الباقي؛ لأن الكيل الأول ضروري يدفع الغَرَرَ في البيع ونحوه من العقود، وأما الكيل الثاني، فلمجرد القنوط، واستكثارِ ما خرج منه. * * * باب: بَرَكَةِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدِّهِمْ (باب: بركةِ صاعِ النبيِّ ﷺ ومُدِّهم): كذا لأكثرهم؛ يعني: أهل المدينة، ويروى: "ومُدِّهِ". ١٢١٥ - (٢١٣٠) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ". يَعْنِي: أَهْلَ الْمَدِينَةِ. (وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم): تقدم الكلام في البركة هل تختصُّ بالمدِّ المخصوص، أو بكل مُدٍّ تعارفَه أهلُ المدينة في سائر الأعصار، زاد أو نقص؟ وهو الظاهر بأنه أضاف المدَّ إلى المدينة تارة، وإلى أهلها

стр. 1957

أخرى، ولم يضفه (١) -صلوات الله عليه وسلامه- إلى نفسه، فدل على عموم الدعوة، لا على خصوصها بمدِّه ﵇. * * * باب: مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ، وَالْحُكْرَةِ (باب: ما يُذكر في بيع الطعام والحُكْرة): -بضم الحاء وإسكان الكاف-: هي إمساكُ الطعامِ عن البيع مع الاستغناء عنه عندَ حاجة الناس إليه انتظاراً لغلاء ثمنه. ١٢١٦ - (٢١٣٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَاماً حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ، وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ. (ذاك [دراهمُ] بدراهمَ، والطعامُ مُرْجَأ): -بإسكان الراء وتخفيف الجيم-؛ أي: مؤخر، يهمز (٢) ولا يهمز. قال صاحب "النهاية": وفي كتاب الخطابي على اختلاف نسخه: مُرَجَّيٌ -بالتشديد- للمبالغة (٣). * * *

стр. 1958

١٢١٧ - (٢١٣٤) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ: أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَناَ، حَتَّى يَجيءَ خَازِنُنَا مِنَ الْغَابَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ". (إلا هَاءَ وهَاءَ): ممدود مفتوح. قال الزركشي: ويجوزُ القصر، وأنكره الخطابي، ومعناه: إلا بيعَ هاءَ وهاءَ؛ أي: يقول كلٌّ (١) من المتبايعين لصاحبه: هاءَ؛ أي: خذ، وهو البيع المشتمل على الحلول والتقابض في المجلس، وهو مثل قوله في الرواية الأخرى: "إِلَاّ يَداً بِيَدٍ". وفي هاء لغات: إحداها (٢): المد والفتح، نحو جاء. والثانية: المد والكسر، نحو هاتِ. والثالثة: القصر مع الهمز، نحو خَفْ. والرابعة: القصر مع عدم الهمز (٣).

стр. 1959

وترجمه البخاري ﵀ على الطعام والحكرة، ولم يذكر بيع (١) الطعام قبل قبضه [في الترجمة، لكنه ذكر الأحاديث بالنهي عن بيعه قبل قبضه] (٢)، ولم يذكر في الأحاديث شيئاً من الحكرة. قال ابن المنير: كأن غرضَه التضجيعُ في النهي عن الحكرة، أو حملُ الاحتكار على حالة الغلاء والاضطرار، ولهذا ساق الأحاديث بأن الناس كانوا يشترون الطعام، فيصرون (٣) على نقله، وهذا ضدُّ النهي عن الاحتكار؛ لأن مقتضاه: أن يُمنعوا عن نقله، وأخذِه (٤) من السوق (٥)، [فلما نُقل هذا مطلقاً، ولم يُنقل أنهم كانوا ينهون عن نقل الطعام وأخذه من الأسواق، بلْ عن ضد] (٦) ذلك (٧)، فدل على أن الحكرة الممنوعة إنما هي في حالة نادرة لا معتادة، ولم يقصد البخاري تقريرَ المنع من بيع الطعام قبلَ قبضه، بل قصدَ أن الحكرةَ جائزةٌ في الجملة، فذكر ما يناسب غرضه، ولم يتعرض لما عداه. * * *

стр. 1960

باب: إذا اشترى مَتَاعَاً أو دابَّهً فوضعهُ عندَ البَائعِ، أو ماتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبضَ ١٢١٨ - (٢١٣٨) - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، أَخْبَرَناَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَاّ يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَاّ وَقَدْ أَتَاناَ ظُهْراً، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَناَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَاّ لأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ؛ يَعْنِي: عَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ، قَالَ: "أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ ". قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ!، قَالَ: "الصُّحْبَةَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ عِنْدِي ناَقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا قَالَ: "قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ". (لَقَلَّ (١) يومٌ كان يأتي على النبي ﷺ إلا يأتي فيه بيتَ أبي بكر): هو في معنى قولنا: ما كان يوم يأتي على النبي ﷺ إلا يأتي فيه بيتَ أبي بكر، فهو استثناء مفرغٌ واقعٌ بعد نفي مؤول؛ لأن قل في معنى النفي، والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محل نصب على أنها خبر كان. (لم يَرُعْنا إلا وقد أتانا ظهراً): كأنه فاجأهم بغتةً في غير الوقت الذي اعتادوا فيه مجيئه، فأفزعهم ذلك. (أخرجْ ما (٢) عندك): قال الزركشي: كذا وقع، والوجه: "من" (٣).

стр. 1961

قلت: قد يقع "ما" مراداً بها: "مَنْ يعلم"؛ نحو: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٥٧]، و"سُبْحَانَ مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا". قال أبو حيان: هذا قول أبي (١) عبيدة، وابن درستويه، وابن خروف، ومكي بن أبي طالب، ونسبه ابنُ خروف لسيبويه، ومن أدلتهم -أيضاً-: "سُبْحَانَ مَا سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ"، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، الآيات. (قال: الصحبَةَ يا رسول الله): -بنصب الصحبة- على إضمار فعل؛ أي: أطلب الصحبَةَ، و -بالرفع- خبر مبتدأ محذوف؛ أي: مطلوبي الصحبةُ. قال: الصحبةَ (٢) -بالنصب أيضاً-؛ أي: نلتَ الصحبةَ، و -بالرفع-؛ أي: الصحبةُ مبذولة لك، أو حاصلةٌ لك، ونحوه (٣). (أعددتُهما): ويروى: "عددتهما (٤) ". (قال: قد أخذتُها بالثمن): قال ابن المنير: كأن البخاري ﵀ أراد أن يحقق انتقالَ الملك في الذاتية ونحوِها إلى المشتري بنفس العقد، فاستدل على ذلك بقوله ﵇: "قد أخذتُها بالثمن"، [وعُلم أنه لم يقبضها، بل أبقاها عند أبي بكر] (٥)، وعُلم (٦) أنه كان (٧) يبقيها في ضمان

стр. 1962

أبي بكر، ولا يقتضي مكارمُ الأخلاق أن يكون المِلْكُ له، والضمانُ على أبي بكر، والثمنُ إلى الآن لم يُقبض، ولا سيما في سياق إيثاره ﵇ للحمل عن (١) أبي بكر، ولهذا أبى أن يأخذها إلا بالثمن، وقد كان أبو بكر آثر (٢) أن يكون بغير ثمن. وقال السهيلي: سئل بعض أهل العلم: لمَ (٣) لم يقبلْها إلا بالثمن، وقد أنفق أبو بكر من ماله ما هو أكثرُ من هذا، فقبله، وقد قال ﵇: "لَيْسَ أَحَدٌ (٤) أَمَنَّ عَلَيَّ في أَهْلٍ وَمَالٍ (٥) مِنْ أَبي بَكْرٍ" (٦)، وقد دفع إليه حين بنى بعائشة ثنتي عشرةَ أوقيةً، ونَشّاً، فلم يأبَ من ذلك؟ فقال المسؤول: إنما ذلك؛ لتكون هجرتُه إلى الله بنفسه وماله؛ رغبةً منه ﵊ في استكمال فضل الهجرة، واستحسنه السهيلي. قال: وذكر ابنُ إسحاق في غير (٧) رواية ابن هشام: أن الناقة [التي] ابتاعها النبي ﷺ من أبي بكر يومئذ هي ناقته التي تسمَّى بالجَدْعاء، وكانت من إبل بني الخريشِ بنِ كعبِ بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وهي غيرُ العَضْباء (٨).

стр. 1963

وأخذ ابن المنير من هذا الحديث جوازَ بيع الغائب، وذلك أن قول أبي بكر: إن عندي ناقتين -بالتنكير- يدل على عدم حضورهما، وعلى عدم سَبْق العهد بهما، وقد أخذها ﵇ مع ذلك. وأما عدم ذكر مقدار الثمن: فيحمل الأمر على أنه كان، ولم يُنقل إلينا؛ للإجماع على اعتباره، ويُحمل الأمر في الصفة على ذلك، أو يكون بيع الغائب بلا رؤية ولا صفة على خيار الرؤية، وهو أضعفُ وجوه بيع الغائب، فإذا جاز هذا، جاز ما هو أقوى منه بطريق الأولى. * * * باب: لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ (باب: لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن أو يترك): قال ابن المنير: والتقييد بهذه الغاية ليس مذكوراً في الحديث، لكن البخاري أراد بهذا (١) التفسير؛ لئلا يظن أن من خطب امرأة من أبيها، ورَكَنَ بعضُهم إلى بعض؛ لزمَ بينهم العقدُ، وتعذَّرَ على الولي (٢) أو المرأة أن يزهدَ في الخاطب ويتركه، ويتعذر حينئذ أن تتزوج إلا به، مع كراهة فيه، وهذا لا يقوله أحد، بل إذا ترك أحد الجانبين الآخر، إِمَّا الزوجُ ترك (٣)، أو الوليُّ ترك، جاز التزويجُ بخاطب آخر بشرط أن لا يكون سبب (٤) زهدهم في

стр. 1964

الخاطب الأول تجددَ الخاطب الثاني، بل لابد من جواز ذلك أن يتقدم ترك الولي (١) على خطبة الثاني (٢)، فهذا مراد البخاري، والله الموفق. * * * ١٢١٩ - (٢١٤٠) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ: وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيع أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِناَئِهَا. (ولا تناجشوا): مضارع حُذفت (٣) إحدى تاءيه، والأصل: "تتناجشوا" من النَّجْش -بنون مفتوحة وجيم ساكنة وشين معجمة-، وهو الزيادة في الثمن خِداعاً. وقيده المطرزي بفتح الجيم، ثم (٤) قال: وقد رُوي بالسكون (٥). (لتكفأَ ما في إنائها): -بفتح التاء والهمزة-، يقال: كَفَأْتُ الإناءَ: قَلَبْتُه، وهو مثل لإمالة الضَّرَّة حقَّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها. * * *

стр. 1965

باب: بيعِ المُزَايدةِ ١٢٢٠ - (٢١٤١) - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ غُلَاماً لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِكَذَا وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. (أن رجلاً): هو أبو مذكور. (أعتق غلاماً له): هو (١) يعقوب القبطي. (فقال: من يشتريه مني؟): قال الإسماعيلي: وليس في هذا الحديث المعنى المترجَم له؛ فإن المزايدة أن يدفع شخصٌ شيئاً، ويدفع آخرُ أزيدَ منه، وأخذه بعضهم من قوله: "من يشتريه مني؟ "، وفيه نظر. (فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا): الثمن ثمان مئة درهم، ومع ذلك فقد كَنَّى عنه بكذا وكذا، فيرد على الكوفيين. * * * ١٢٢١ - (٢١٤٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعاً يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. (عن بيع حبَل الحبَلة): -بفتح الباء فيهما-، وقيل: بسكونها في الأول،
следующие страницы →