← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

باب: بَيْعِ الْجُمَّارِ وَأَكْلِهِ (باب: بيع الجمار وأكله): قال الزركشي: الجُمَّار: شَحْمُ النخل، وإنما ترجمَ على بيعه وأكله، وإن كان لا يحتاج إلى إثباته بدليلٍ خاص كغيره من المباحات، لكنه لحظ (١) فيه أنه ربما (٢) يتخيل أن تجمير النخل إفسادٌ وتضييع للمال، فنبه على بطلان هذا الوهم، أو (٣) لأنه مستثنى من بيع الثمر قبل زهوه (٤). قلت: أما الوجه الأول، فهو كلام ابن المنير برمَّته؛ فإن (٥) ابن بطال استبعد ذكر (٦) بيعِ الجمار وأكلِه؛ لأنه من المباحات التي لا خلاف فيها، فأجاب ابن المنير: بأنه إنما ترجم لقطع وهم من يتخيل أنه من إفساد المال. [قال: وقد وقع في عصرنا لبعضهم إنكارٌ على من جَمَّر نخلَه ليأكله تحرُّجاً من أكل غيره (٧) مما لم تصف فيه الشبهة، ونسبه لإضاعة المال] (٨)، وذهل عن كونه حفظَ دينه بماله (٩).

стр. 1997

وأما قوله: أو لأنه مستثنى (١) من بيع الثمر قبل زهوه، فلا يبعد أن يكون من كلامه، وأنت خبير بما فيه إن تأملت. * * * باب: مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي الْبُيُوعِ، وَالإجَارَةِ، وَالْمِكْيَالِ، وَالْوَزْنِ، وَسُنَنِهِمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، وَمَذَاهِبِهِمِ الْمَشْهُورَةِ وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ: سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ رِبْحاً. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ الْعَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحاً. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وَاكْتَرَى الْحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَاراً، فَقَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدَانَقَيْنِ، فَرَكِبَهُ، ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: الْحِمَارَ الْحِمَارَ، فَرَكِبَهُ، وَلَمْ يُشَارِطْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ. (باب: من أجرى أمرَ الأمصار على ما يتعارفون بينهم): مقصوده بهذه الترجمة: إثباتُ الاعتماد على العُرف، وأنه يُقضى به على ظاهر الألفاظ، وتُرد إلى (٢) ما خالف الظواهر من العرف، ولهذا ساق: "لا بأسَ العشرةُ بأحدَ عَشَرَ (٣) ": أي: لا بأس أن يبيعه سلعةً مُرابحةً للعشرةِ

стр. 1998

أحدَ عشرَ، وظاهرُه (١): أن ربحَ العشرةِ أحدَ عشرَ، فتكون الجملة أحداً وعشرين، ولكن العرف فيه أن للعشرة ديناراً، فقُضي (٢) بالعرف على ظاهر اللفظ، وإذا ثبت الاعتمادُ على العرف مع مخالفته للظاهر، فلا اعتماد عليه مطلقاً أولى (٣). (بدانقَين): تثنية دانق، بكسر النون وفتحها. (فقال: الحمارَ الحمارَ): منصوبٌ بفعل مضمر؛ أي: أحضرِ الحمارَ. * * * ١٢٥٠ - (٢٢١٢) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، أَخْبَرَناَ هِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيراً، أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ. (أُنزلت في والي اليتيم الذي يُقيم عليه): قال الزركشي وغيره: كذا الرواية، والوجه: يقوم (٤). قلت: للرواية وجهٌ حسن، وذلك أن يكون المراد: يقيم (٥) التصرفَ

стр. 1999

عليه؛ أي: يجعله مقوَّماً لا زيغَ فيه ولا حيف، تقول: أَقَمْتُ العودَ: إذا (١) قَوَّمْته وجعلته قويماً لا اعوجاجَ فيه، وعليه: ففي يقيم استعارةٌ تبعية حيث جعل تسويته التصرفَ في (٢) حق اليتيم على ما ينبغي بمنزلة إقامة العود؛ أي: تقويمه وتسويته، فتأمله. (ومن كان غنياً فليستعفف): قال الزمخشري: واستعفَّ أبلغُ من أَعَفَّ، كأنه طلبَ زيادةَ العفة (٣). قال ابن المنير في "الانتصاف": يشير إلى أنه استفعلَ بمعنى الطلب، وهو بعيد، فإن تلك متعديةٌ، وهذه قاصرة، والظاهر (٤): أن هذا (٥) مما جاء فيه فَعَلَ (٦) واستفعلَ بمعنى، وردَّه التفتازاني بأن كلًّا من بابي فعلَ واستفعلَ يكون لازماً ومتعدياً، وكلٌّ من عفَّ واستعفَّ لازم. * * * ١٢٥١ - (٢٢١٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: حَجَمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.

стр. 2000

(وأمر أهله أن يخففوا من خراجه): أهلُ أبي طيبةَ الذي يعود عليه هذا (١) الضمير محيصةُ بنُ مسعود، وخراجُه كان ثلاثةَ آصُعٍ، فوُضعَ عنه بهذه الشفاعة صاعٌ. وروى ابن الأثير حديثاً يتضمن أن الحجامةَ كانت لسبعَ عشرةَ من رمضانَ. وفي الطبراني: أن ذلك كان بعد العصر في رمضان (٢). * * * باب: بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ (باب بيع الشريك من شريكه): قال ابن المنير: أدخل فيه حديث الشُّفْعَة (٣)؛ لأن الشريك يأخذ الشِّقْصَ من المشتري قَهْراً (٤) بالثمن، فأخذُه له من شريكه مبايعةً جائزٌ قطعاً. وإنما أراد البخاري ﵀ قطعَ وهمِ مَنْ لعله يتوهَّم أن القبض في المشاع من الشريك لا يظهر أثره؛ لأنه كان قبل ذلك يتصرف بحسب (٥) حصته، فإذا اشترى حصةً أخرى، لم يظهر لذلك أثر، وربما وقع لهم في مسائل الرهن قريبٌ من هذا.

стр. 2001

أو أراد (١) البخاري التحضيض (٢) على بيع الشريك من شريكه تخلصاً من منازعة الشفعة، وهو مذكور في الحديث الآخر، لكن ليس من شرطه (٣)، فذكر المعنى في الترجمة، واستظهر على صحته بحديث الشفعة التي تقتضي أن مال الشقص إلى الشريك، فبيعه (٤) إياه أولاً أولى. * * * باب: إذا اشْتَرى شيئاً لغيرهِ بِغير إِذْنِهِ فَرَضِيَ ١٢٥٢ - (٢٢١٥) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَناَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَهَ، عَنْ ناَفِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "خَرَجَ ثَلَاثةٌ يَمْشُونَ، فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ، فَأَجِيءُ بِالْحِلَابِ، فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا ناَئِمَانِ، -قَالَ:- فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأَبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، اللَهُمَّ إِنْ كُنْتَ

стр. 2002

تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ: لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِئَةَ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتِ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَاّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً، قَالَ: فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيراً بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهُ، وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ، حَتَّى اشتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَراً وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! أَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لَكَ، فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنَّهَا لَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا، فَكُشِفَ عَنْهُمْ". (فأجيء بالحِلاب): -بكسر الحاء المهملة-؛ أي: الإناء الذي يُحلب فيه، وقيل: بالمحلوب، وهو اللبن؛ كالخِراف لما يُخترَف. (والصِّبْية): -بكسر الصاد المهملة وإسكان الباء الموحدة-: جمعُ صبي. (يتضاغَوْن): -بضاد وغين معجمتين- يتفاعلون من الضِّغاء، وهو الصِّياحُ بالبكاء. (فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما): أي: حالي وحالهما، وهو مرفوع

стр. 2003

اسم يزل، و"ذلك" خبر (١)، أو منصوب على أنه الخبر، و"ذلك" الاسم. (فافرج): فعل أمر من فَرَج -بفتح الراء- يفرُج -بضمها-. قال السفاقسي: ضبط (٢) في أكثر الأمهات: بضم الراء. وذكر صاحب "الصحاح": بكسرها (٣). (فُرْجَة): -بضم الفاء- وهي الخَلَلُ بين الشيئين. (بفَرْق): -بفتح الراء وإسكانها-: مكيالٌ معروف. (من ذُرَة): بذال معجمة بضمة وراء مخففة. (فقلت: ما أستهزئ بك، ولكنها مالك (٤)) قال ابن بطال: أجمع الفقهاء على أنه لا يلزم شراء الرجل لغيره [بغير إذنه] إلا (٥) حتى يُعلمه ويرضا به، فيلزمه بعد الرضا إذا أحاط به علماً (٦). وقدح فيه ابن المنير بأنَّ تصرفَ الفضولي [موقوفٌ عندنا، وصحيح، وهو عند الشافعي ﵀ باطل من أصله] (٧) فأين الإجماع؟ قلت: الإجماع إنما حكاه ابن بطال في عدم اللزوم، وما نُقض به في الصحة فلا يرد نقضاً، فكم من عقد صحيح لا يلزم، فتأمله.

стр. 2004

ثم قال: وانظر في الفَرَق من الأرز هل ملكه الأجير أو لا؟ والظاهر أنه لم يملكه؛ لأنه لم يستأجره بفرق معين، وإنما استأجره بفرق على الذمة، فلما عرض عليه قبضه، امتنع، فلم يدخل في ملكه، بل بقي حقُّه متعلقاً بذمة المستأجر، والنتاج الذي حصل هو على (١) ملك المستأجر، وغايةُ ذلك أنه أحسنَ القضاءَ، فأعطاه حقَّه، وزياداتٍ كثيرة، ولو كان الفرق تعينَ للأجير؛ لكان تصرفُ المستأجر فيه تعدياً، ولا يُتوسَّل إلى الله بالتعدي، وإن كان مصلحة في حق صاحب الحق، وليس أحد في حَجْر (٢) غيره حتى يبيع أملاكه، ويُطلق زوجاته، ويزعم أن ذلك أحظى، لصاحب الحق، ولو (٣) كان أحظى، فكل أحد أحقُّ بنفسه وماله من الناس أجمعين. * * * باب: الشِّراءَ والبَيْعِ مع المشركينَ وأهلِ الحربِ ١٢٥٣ - (٢٢١٦) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرٍ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْعاً أَمْ عَطِيَّةً؟ أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةً". قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً.

стр. 2005

(فجاء رجلٌ مشرِكٌ مُشْعانٌّ): بميم مضمومة فشين معجمة ساكنة فعين مهملة فألف فنون (١) مشددة. قال القاضى: ثائرُ الرأس متفرِّقُه، وكذلك شعرٌ مشعانٌّ، هذا المعروف، وقال المستملي: هو الطويلُ جداً، البعيدُ (٢) العهدِ بالدّهْن، الشَّعِثُ (٣) (٤). (فقال له النبي ﷺ : بيعاً أَمْ عطيةً): أي: أتبيعها (٥) بيعاً أم عطية؟ [أو: أجلبتها بيعاً أم عطية] (٦)؟ على أن يكون المنصوب مفعولاً لأجله. [أو قال: أم هبةً؟ قال: لا بل بيعٌ]: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: مقصودي بجلبها بيع. قال ابن المنير: وانظر في قوله ﵊: "أم عطيةً، أم هبة" ما الفرق بين العطية والهبة حتى عطف أحدهما (٧) على الآخر؟ قلت: هذا سهو منه ﵀، فليس في لفظه ﵊ في هذا الحديث عطف الهبة على العطية حتى تطلب الفرق، وإنما الراوي شكَّ هل قال ﵇: أم عطية، أو لم يقل:

стр. 2006

أم عطية، وإنما قال عوضها: أم هبة؟ ولفظ الرواية صريح فيما قلته كما تراه، ثم لو جمع بينهما على الوجه الذي ذكره؛ لأمكن أن يقدر مع كل منهما وصفٌ يحصل به المغايرة، فيقدر: أم عطيةً لا يُطلب فيها عوضٌ، أم هبة يُطلب (١) فيها العوض (٢)، وهي هبة الثواب. * * * باب: شِرَاءَ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَلْمَانَ: كَاتِبْ. وَكَانَ حُرّاً، فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ. وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلَالٌ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]. (وقال النبي ﷺ لسلمان: كاتِبْ. وكان (٣) حراً، فظلموه (٤) وباعوه): غرض البخاري في هذا الباب إثباتُ ملك الحربي والمشرك، وجوازُ تصرفه في مثله بالبيع وغيره؛ إذ أقر ﵇ سلمانَ عندَ مالكه الكافرِ، وأمره أن يكاتبَ.

стр. 2007

قال الطبري: سلمانُ حين غُلب على نفسه لم يكن مؤمناً، وإنما كان إيمانُه إيمانَ مصدقٍ للنبي ﷺ إذا بُعث، مع إقامته على شريعة عيسى ﵇، فأقره النبي ﷺ مملوكاً لمن كان في يده؛ إذا (١) كان في حكمه ﵇ أنه من أسلمَ من رقيق المشركين في دار الحرب (٢)، ولم (٣) يخرج مُراغِماً لسيده، فهو لسيده، أو كان سيدُه من أهل صلح المسلمين، فهو لمالكه. قال ابن المنير: ليس كلامه في سلمان بمستقيم، وإنما الرقُّ عند الفقهاء من آثار الكفر، ومن كان موحداً مؤمناً بالنبي ﷺ (٤) قبل بعثه (٥)، حُرً (٦) الأصل (٧)، فليس بكافر، ولا تقتضي القواعد (٨) استرقاقُه، والمقامُ على شريعة عيسى من غير تحريف ولا تبديل ليس بكفر، بل ذلك نفسُ الإيمان، ومن قواعد (٩) مالك المشهورة: أن الكافر إذا اشترى مسلماُ قِنًا، نفذ شراؤه، وأُجبر على إخراجه عن (١٠) ملكه، فملكُ اليهودي صحيحٌ،

стр. 2008

لكن لم يكن اليهود تحت الطاعة حتى يُحكم عليه بالبيع. * * * ١٢٥٤ - (٢٢١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبابرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي؛ فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَاّ عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ". قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ، يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إلَاّ عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ، فَيُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَاّ شَيْطَاناً، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇،- فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟

стр. 2009

(هاجر إبراهيم بسارة): المعروفُ تخفيفُ الراء منها. وقال الزركشي: قيل: إنها بتشديد الراء (١). (فدخل قريةً بها (٢) ملكٌ من الملوك): قيل (٣): هو صادوق (٤). وقيل: سنان بن علوان. وقيل: عمرو (٥) بن امرئ القيس بن سبأ (٦) بن (٧) يشجب بن يعرب، وكان على مصر، ذكره السهيلي (٨). (والله! إنْ على الأرض): بتخفيف النون نافية. (إن يمتْ، يُقَلْ: هي قتلته): هذا ظاهرٌ لا إشكال فيه، ويروى: "يقال (٩) "، ويروى: "فيقال"، وفي كل منهما (١٠) إشكال، فيخرج "يقال (١١) "

стр. 2010

لا (١) على أنه جواب الشرط (٢) حتى (٣) يجب جزمُه، وإنما الجواب محذوف، تقديرُه: أعذبْ، ويقالُ: "هي قتلته" جملة لا محل لها دالة (٤) على المحذوف، وأما "فيقال"، فعلى حذف "قد"؛ أي: فقد يقال: هي قتلتْهُ، وذلك موجب؛ لتوقعها مساءة (٥) من خاصَّة الملك وأهله. (فغُطَّ (٦)): -بضم الغين بالبناء للمفعول-؛ أي: خُفِق وصُرع. (ارجِعُوها إلى إبراهيمَ): أي: رُدُّوها إليه، و"رَجَعَ" يأتي لازماً ومتعدياً، يقال: رجعَ زيدٌ رُجوعاً، ورَجَعْتُه أنا رَجْعاً، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة:٨٣]، وقال: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، وقد تقدم التنبيه عليه. (وأعطوها آجر): أعطوا (٧) فعل أمر، وآجرَ -بهمزة ممدودة وجيم (٨) مفتوحة- ويقال: هاجر، بالهاء (٩). (كبتَ الكافرَ): أي: صرعَه لوجهه، وقيل (١٠): أغاظه وأذله.

стр. 2011

(و (١) أخدم): حذفت (٢) المفعولَ الأول؛ لعدم تعلقِ الغرض (٣) بتعيينه، أو تأدباً مع زوجها إبراهيم (٤) ﵇ أن تواجهَه بأنَّ غيرَه أخدمَها (٥). (وليدةً): هو المفعول (٦) الثاني لأخدم، والمراد بها: آجَرُ المذكورةُ. * * * ١٢٥٥ - (٢٢١٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَدَّع إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَناَ صَبِيٌّ. (قال (٧) عبد الرحمن بن عوف لصهيب (٨): اتق الله، ولا تَدَّعِ إلى غير أبيك): اسم أبيه سنانُ بنُ مالكِ بنِ عبدِ عمرِو (٩) بنِ عقيلِ بنِ عامرٍ، ينتهي نسبه إلى النَّمِرِ بنِ قاسِطٍ.

стр. 2012

وقال الواقدي: هو صُهَيبُ بنُ سنان بنِ خالدِ بنِ عبدِ عمرِو (١) بنِ عُقيلِ بنِ كعبِ بنِ سعدٍ (٢). وقال ابن إسحاق: صهيبُ بن (٣) سنان بنِ خالدِ بنِ عبدِ عمرِو بنِ طُفيلِ بنِ عامرٍ. وقال بعض الرواة: اسمُ صُهيب عميرةُ بنُ سنان. وقصة سرقته مشهورة، وقيل له: الرومي؛ لأن الروم سبوه صغيراً ﵁ (٤). * * * ١٢٥٦ - (٢٢٢٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ -أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا- فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ". (أرأيتَ أموراً كنتُ أتحنث، أو أتحنت بها): كذا في الأول بمثناة من فوق آخر الكلمة.

стр. 2013

قال عياض: وهو غلط من جهة المعنى، وأما (١) الرواية، فصحيحة، والوهمُ فيه من شيوخ البخاري؛ بدليل "أو أتحنت" بعده (٢) على الشك، والذى رواه الكافة بالمثلثة (٣). قال بعضهم: ويحتمل على تقدير الصحة أن يكون أصلُها من الحانوت، أو الحانة. قال ابن الأثير: كانت العرب تسمي بيوت الخمارين: الحوانيت، و (٤) الحانةُ مثلُه (٥). فعلى هذا التقدير يكون: أتحنت بمعنى: أَتَحَنَّثُ مواضعَ الخمارين أو الحانة (٦). قلت: هذا التوجيه ساقط، وذلك لأن عين الحانة واو، و (٧) لامها نون، فلو بني أَتَفَعَّلُ منه، لقيل: أَتَحَوَّنُ. فإن قلت: فليصح الاشتقاق من الحانوت؛ [لأن لامها تاء. قلت: هذا غلط أيضاً؛ فقد قال الجوهري: في الحانوت] (٨): وأصله

стр. 2014

حَانُوَة مثل تَرْقُوَة، فلما سُكنت الواو، انقلبت (١) هاء التأنيث تاء، فعلى كل تقدير لا يصحُّ هذا التوجيه. * * * باب: قَتْلِ الخِنْزِيرِ ١٢٥٧ - (٢٢٢٢) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُقْسِطاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". (حكماً مقسطاً): أي: حكماً عادلاً، يقال: أَقْسَطَ: إذا عدلَ، وقَسَطَ: إذا جار. (فيكسرَ الصليب): -بنصب الفعل عطفاً على الفعل المنصوب قبله-، وكذا: (ويقتلَ الخنزير): لأنه (٢) يحرم أكله أيضاً (٣)، فيقتله، ويفنيه. (ويضعَ الجزية): -بالنصب- كذلك. قيل: يضربها على النصارى، ويلزمهم إياها.

стр. 2015

وقيل: يضعها؛ أي: لا يقبلها؛ لاستغناء الناس بما أخرجت لهم الأرض من الأموال. وقيل: يرفعها بحمل اليهود والنصارى على الإسلام، فيسلمون، فتسقط الجزية (١). * * * باب: لا يُذَابُ شحمُ المَيْتَةِ، ولا يُبَاعُ وَدكُهُ ١٢٥٨ - (٢٢٢٣) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَاناً بَاعَ خَمْراً، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَاناً، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا". (بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً): فسر بعضهم فلاناً هذا ببعض الصحابة، وسماه، فرأيتُ الكفَّ عن ذلك، وآثرتُ السكوتَ عنه ألهمنا الله رشدنا بمنه وكرمه. (جملوها): أذابوها، والجميل (٢): الشحمُ المذاب، وفيه لغة أخرى: "أجملوها". * * *

стр. 2016

باب: بيعِ التَّصاويرِ التي ليسَ فيها روحٌ، وما يُكْرهُ من ذلكَ ١٢٥٩ - (٢٢٢٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَناَ عَوْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَاّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَداً". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! إِنْ أَبَيْتَ إِلَاّ أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الْوَاحِدَ. (فربا الرجل رَبْوَةً شديدة): قال الزركشي: بتثليث الراء: أصابه الربو؛ أي: علا (١) تنفسه، وغلب عليه (٢). (قال أبو عبد الله): يعني: البخاري. (سمع سعيدُ بنُ عمرو بن النضرِ (٣) بنِ أنسٍ هذا الحديثَ الواحدَ): يشير إلى ما خرجه في اللباس من جهة سعيد عن النضر، عن ابن عباس،

стр. 2017

وليس لسعيد ولا النضرِ عن ابن عباس سوى هذا الحديث الواحد (١). * * * باب: إثمِ مَنْ باعَ حُرًّا ١٢٦٠ - (٢٢٢٧) - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَناَ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ". (رجل أعطى بي (٢) ثم غدر): أي: نقضَ عهداً عاهدَ عليه. * * * باب: أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْيَهُودَ بِبَيْعِ أَرَضِيهِمْ حِينَ أَجْلَاهُمْ فِيهِ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (باب أمر النبي ﷺ اليهودَ ببيع إرضيهم (٣) حين أجلاهم): أي: نقلَهم عن المدينة، وهم بنو النضير، كذا في الزركشي وغيره (٤).

стр. 2018

(فيه المقبري عن أبي هريرة): قال الزركشي: رواه البخاري في كتاب: الجهاد (١). قلت: وكذا في ابن بطال، والذي ذكره البخاري في أواخر الجهاد هو قولُه هناك في إخراج اليهود من جزيرة العرب: قال أبو هريرة: بينما نحن في المسجد، خرج النبي ﷺ ، فقال: انطلقوا إلى يهود، فانطلقنا (٢) حتى جئنا بيتَ (٣) المِدْراس، فقال: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وجدَ بمالِهِ فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَاّ فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلهِ ورَسُولِه" (٤). قال ابن المنير: لا يُتصور أن يروي أبو هريرة حديثَ بني (٥) النضير وإجلائهم، ولا أن يقول: بينا نحن في المسجد خرج علينا رسولُ الله ﷺ ، ثم (٦) يقتص بإجلاء بني النضير، وذلك أن إجلاءهم في أول السنة الرابعة من (٧) الهجرة اتفاقاً، وإسلامُ أبي هريرة إنما كان بعدَ هذا بكثير، يقال: إنه أسلم في السنة السابعة، وحديثه صحيح، لكنه لم يكن في بني النضير، بل فيمن بقي من اليهود بعدهم كان ﷺ (٨) يتربص بجلائهم أن يوحى إليه،

стр. 2019

فتأخر ذلك إلى مرض [موته ﵇، فأُوحي إليه بإجلائهم، فأوصى أن لا يبقى دينان في جزيرة العرب] (١)، ثم تأخر الأمر إلى زمان عمر ﵁، وليس في (٢) حديث أبي هريرة أنه أمرهم ببيع أرضهم، وإنما قال: "فَمَنْ وجدَ بمالِه شيئاً فليبعْه (٣) "، والمال أعمُّ من الأرض. والعجبُ ترجمة البخاري هنا على بيع اليهود أرضَهم، ولم يذكر فيه (٤) إلا حديثَ أبي هريرة، وليس فيه للأرض ذكر (٥)، إلا أن يكون أخذ ذلك بطريق العموم الذي قررناه، فدخلت فيه الأرضون، وإن لم يكن حينئذ أرضون، ثم سأل عن فائدة ذلك، مع أنه لا يمكن فرضُ مثل هذه الواقعة بحيث (٦) نقول: لو أجلينا اليهود الآن، ولهم أرضون، لألزمناهم بيعَها؛ لأنا لا نجلي اليهود أبداً وهم في الذمة، فإن نقضوا العهد، صاروا هم وأموالهم فَيْئاً. وأجاب: بأنه يمكن تقدير فائدة له، وهو أن الفاسق إذا نهُي فلم ينته، أجليناه، وأكرينا عليه داره. وقيل: يُباع عليه، فيكون الحديث حجة لهذا القول، وهؤلاء هم اليهود

стр. 2020

الذين فَضَلوا من السيف، وكانوا عمالاً في خيبرَ مساقاة، والأرضُ لله ورسوله، فلما أجلاهم عمر، باعوا ما لم يمكنهم حملُه خاصة. انتهى كلامه ﵀. * * * باب: بَيْعِ الْعَبِيدِ وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْراً مِنَ الْبَعِيرَيْنِ. وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيراً بِبَعِيرَيْنِ، فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا، وَقَالَ: آتِيكَ بِالآخَرِ غَداً رَهْواً إِنْ شَاءَ اللهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ: الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئَةً. (آتيك بالآخر [غداً] رَهْواً): -براء مفتوحة فهاء ساكنة فواو-؛ أي: سهلاً عفواً من غير احتباس. (وقال ابن سيرين: بعيرٌ ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة): كذا لأبي الهيثم والحمويي، وفي نسخة: "بدرهمين" وهو خطأ، والصحيح عن ابن (١) سيرين ما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن سيرين، قال:

стр. 2021

لا بأسَ بعيرٌ ببعيرين، ودرهمٌ بدرهمين نسيئةً (١). * * * ١٢٦١ - (٢٢٢٨) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . (كان في السبي صفيةُ): قيل: حديثُ صفيةَ لا تعلُّق له بالباب، إلا أن يشير إلى رواية مسلم: أن صفيةَ وقعت في سهم دحيةَ، فاشتراها النبي ﷺ بسبعة رؤوس (٢)، وهذا أولى من قول ابن بطال: إن تركَ (٣) دحيةَ لها عندَ النبي ﷺ ، وأخذَ جارية من السبي بيعٌ لها بجاريةٍ نسيئةً حتى يستحسنَها ويأخذَها، فحينئذٍ يتعين له، وليس ذلك يداً بيد (٤). * * * باب: بيعِ الرَّقيقِ ١٢٦٢ - (٢٢٢٩) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نُصِيبُ سَبْياً،

стр. 2022

فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ، فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ: "أَوَ إِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَاّ هِيَ خَارِجَةٌ". (قال رجل (١): يا رسول الله! إنا نصيب سبياً، فنحب (٢) الأثمان، فكيف ترى في العزل؟): روي في "أسد الغابة": أن مَجْدِيّاً الضمريَّ سأل ذلك في غزوة المريسيع (٣)، فيحتمل أن يُفسر هذا المبهم به. وسيأتي مزيد كلام فيه في باب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. (أَوَ إِنكم تفعلون؟): -بفتح الواو وكسر إن-، والهمزة الداخلة على الواو للاستفهام. * * * باب: هَلْ يُسَافِرُ بِالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْساً أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا وُهِبَتِ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ، أَوْ بِيعَتْ، أَوْ عَتَقَتْ، فَلْيُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِحَيْضَةٍ، وَلَا تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الْحَامِلِ مَا دُونَ الْفَرْجِ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].

стр. 2023

(ولا تُستبرإِ العذراءُ): بكسر الهمزة من تُستبرأ، على أن "لا" ناهية، فهو مجزوم (١)، كُسر لالتقاء الساكنين، و -بضمها- على أن "لا" نافية (٢)، والفعل مرفوع، والعذراء -بالمد-: البكر. * * * ١٢٦٣ - (٢٢٣٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، وَكَانَتْ عَرُوساً، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا، حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ، حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْساً فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ". فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ، فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، حَتَّى تَرْكَبَ. (وقد قُتل زوجها): هو كِنانةُ بنُ أبي الحُقَيقِ اليهوديُّ. (فاصطفاها (٣)): أخذَها صَفِيّاً من مغنم خيبرَ، والصَّفِيُّ: هو سهمُ رسول الله ﷺ من المغنم، كان يأخذ من رأس المال قبل القَسْم ما يختاره

стр. 2024

من سلاح أو دابة أو جارية، أو غير ذلك، ولله درُّ هذه الجاريةِ ما أسعدَها بالمصطفى ﵊ حيث كانت صَفِيَّته (١)! (سُدّ الروحاء): جبلها -بفتح السين المهملة وضمها، لغتان-، والروحاء، بالمد. (ثم صنع حَيْساً): بفتح الحاء المهملة وسكون آخر الحروف وبسين (٢) مهملة. قال القاضي: هو خلط الأَقِطِ بالسمن والتمر، وقال بعضهم: وربما جُعلت فيه خميرة. قال ابن وضاح: هو التمر يُنزع نواه ويخلط بالسَّويق. قال القاضي: والأول أصوب (٣). (في نِطَع (٤)): -بكسر النون وفتح الطاء- في أفصح لغاته. (آذِن): بهمزة مفتوحة فألف فذال معجمة مكسورة فنون. (فكانت (٥) تلك وليمةَ رسول الله): بنصب وليمة ورفعها. (يُحَوِّي): -بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الواو-؛ أي: يدير كساءً على سنام (٦) البعير، والاسم: الحَوِيَّةُ، والجمعُ حَوايا.

стр. 2025

(بعباءة): -بعين مفتوحة مهملة وهمزة بعد الألف-: هي الكساء الصغير. * * * باب: بيعِ المَيْتةِ والأَصنامِ ١٢٦٤ - (٢٢٣٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لَا، هُوَ حَرامٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". (ويَستصبحُ بها الناسُ (١)): أي: يجعلونها في سُرُجِهم ومصابيحهم (٢) يستضيئون بها. (جَمَلوه): ويروى: "أَجْمَلوه"، جَمَلْتُ الشحمَ وأجملْتُه: إذا أَذَبْته واستخرجت دُهْنَهُ، وجَمَلْتُ أفصحُ من أَجْمَلْتُ (٣). * * *

стр. 2026

باب: ثمنِ الكلبِ ١٢٦٥ - (٢٢٣٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. (ومهر البَغِيِّ): -بتشديد الياء-: واحدةُ البغايا، والبِغاء -بكسر الباء والمد-: الزنا (١)، ومهرُها: ما تُعطاه على الزنا. (وحُلْوان الكاهن): -بضم الحاء المهملة-: ما يُدفع له على كهانته، يقال: حَلَوْتُهُ (٢) أَحْلُوهُ؛ أي: أعطيتُه. * * * ١٢٦٦ - (٢٢٣٨) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّاماً، فَسَأَلتُهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ. (وكسبِ الأمةِ): هكذا جاء مطلقاً في هذه الرواية، وجاء في رواية رافع بن خديج: "حتى يعلمَ من أينَ هو؟ " (٣)، وفي رواية أبي داود: "إلا

стр. 2027

ما عَمِلَتْ بيدِها، وقال بأصابعه هكذا؛ نحو الغزل والنفش، يعني: نفش الصوف" (١). وفي حديث: "إلا أن يكونَ لها عملٌ واصبٌ"؛ أي: كسبٌ يُعرف. رواه العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة (٢). * * *

стр. 2028

كِتابُ السَّلمِ

стр. 2029

(كتاب: السَّلَم): عرفه شيخُنا أبو عبد الله بنُ عرفة ﵀ بقوله: عَقْدُ مُعاوَضَةٍ يوجبُ عمارةَ ذمةٍ بغيرِ عينٍ ولا منفعةٍ، غير متماثلِ العِوَضين (١). ١٢٦٧ - (٢٢٣٩) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَناَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَناَ ابْنُ أَبِي نجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كثِيرٍ، عَنْ أَبي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، -أَوْ قَالَ: عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، شَكَّ إِسْمَاعِيلُ-، فَقَالَ: "مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ". حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَناَ إسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا: "فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ". (من أسلف (٢) في تمر): بالمثناة، ويروى بالمثلثة.

стр. 2030

قال النووي: وهو أعم (١). قلت: انظر قوله ﵊ في جواب هذا: "فليسلفْه في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلوم" مع أن المعيار الشرعي في التمر -بالمثناة- الكيلُ لا الوزنُ. (حدثني (٢) محمد): زعم أبو عليًّ الجيانيُّ أنه لم ينسبْ محمد [اً] هذا أحدٌ من الرواة، قال: والذي عندي في هذا: أنه محمدُ بنُ سَلَاّم (٣). (أبي نَجيح): بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة. * * * باب: السَّلَمِ في وزنٍ معلومٍ ١٢٦٨ - (٢٢٤٠) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَناَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَناَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أِبي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". (عن عبد الله بن كثير): كان الشيخ أبو الحسن القابسي، وغيره: يزعمون أن عبدَ الله بنَ كثير في هذا الإسناد، والذي قبله هو المقرئ المكي.

стр. 2031

وقال أبو الحسن: ليس في "الجامع" روايةٌ لأحدٍ من القراء السبعة إلا لعبد الله بنِ كثيرٍ، وابنِ (١) أبي النجود في المتابعة. قال الجياني: وهذا غير صحيح، وابنُ كثير هذا هو ابنُ المطلبِ بنِ أبي وداعةَ السهميُّ، وليس له في "الجامع" إلا هذا الحديث الواحد (٢). قلت: لكن هذا الجامع معمور بالإمام مالك ﵁، فكم له فيه من آثارٍ جميلة فيه تُشَنِّفُ الآذان تقضي بتقدمه على غيره، فلله دَرُّهما من جامع وإمام! (من أسلفَ في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم): الواو هنا للتقسيم، فهي بمعنى أو، ولو أخذت على ظاهرها من معنى الجمع؛ لزم أن يجمع في الشيء الواحد من المسلَم فيه بين الكيل والوزن. قال ابن دقيق العيد: وذلك يُفضي إلى عزة الوجود، وهو مانع من صحة السلم، فتعَّينَ الحملُ على التفصيل، وأن المعنى: السلمُ بالكيل (٣) في المكيل (٤)، وبالوزن في الموزون. وفي الحديث دليل على منع السلَم الحالِّ، وهو مذهبُ مالك، وأبي حنيفة ﵄، والمخالفون يقولون: المعنى: إن (٥) أسلمَ

стр. 2032

إلى رجل، فليسلفْ إلى أجل معلوم، لا إلى أجل (١) مجهول، فوجهوا الأمر إلى العلم فقط، والإمامان وَجَّهاه إلى الأجل والعلم معاً (٢) (٣). * * * باب: السَّلَمِ إلى مَنْ ليسَ عندهُ أَصْلٌ ١٢٦٩ - (٢٢٤٥) - ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ: أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا؟ (وسألت ابنَ أَبْزى): -بهمزة مفتوحة فموحدة ساكنة فزاي فألف- اسمه عبد الرحمن، وله صحبة. والقائل سألتُ ابنَ أبزى، هو محمدُ بنُ أبي المجالِدِ الكوفيُّ (٤). * * * ١٢٧٠ - (٢٢٤٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ بِهَذَا، وَقَالَ: فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، وَقَالَ: وَالزَّيْتِ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَالَ: فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ.

стр. 2033

(حدثنا إسحاق): هو ابن شاهين الواسطيُّ، مات بعد الخمسين ومئتين. * * * ١٢٧١ - (٢٢٤٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَناَ عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ؟ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ. (سمعت أبا البَخْتَرِيِّ): -بموحدة فخاء معجمة (١) ساكنة فمثناة من فوق مفتوحة فراء فياء نسب-: هو سعيدُ بن فيروز. * * * باب: السَّلَمِ في النَّخْلِ ١٢٧٢ - (٢٢٤٨) - وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. (قال (٢): سألتُ ابنَ عباس عن السَّلَم في النخل): قال ابن بطال: هذا الحديث ليس من هذا الباب، يعني: باب: السلم إلى من ليس عنده (٣)

стр. 2034

أصل، وإنما هو في الباب الذي بعده، يعني: باب: السلم في النخل، وغَلِط فيه الناسخ (١). وأقره الزركشي، وسكت عليه (٢). قلت: قال ابن المنير: والتحقيق أنه من هذا الباب، وقلَّ من يفهم ذلك إلا مثل البخاري، والفضلُ للمتقدِّم. ووجه مطابقته: أن (٣) ابن عباس لمَّا سُئل عن السَّلَم إلى مَنْ له نخلٌ في ذلك النخل، عَدَّ ذلك من قَبيل (٤) بيعِ الثمارِ قبل بُدُوِّ صلاحها، وإذا كان السلمُ في النخل المعين لا يجوز، لم (٥) يبق (٦) لوجودها في ملك المسلَم إليه فائدة، فتعين (٧) جوازُ السلم إلى مَنْ ليس عنده أصل، بل لعله أجوزُ؛ لأنه يؤمَنُ فيه غائلةُ اعتمادِهما على هذا النخل بعينه، فيلتحق (٨) ببيع الثمار قبل بدوِّ الصلاح. انتهى. وقد نقل كلامَ ابن المنير هذا معزواً إليه مغلطاي الجندي، وتابعه ابنُ الملقن (٩).

стр. 2035

١٢٧٣ - (٢٢٤٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهَى عَنِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. (نَساءً): -بفتح النون والمد-؛ أي: تأخيراً، منصوب على الحال، إما بجعل المصدر نفسه حالاً على المبالغة، أو تأويله باسم المفعول؛ أي: مؤخَّراً، أو على الحذف؛ أي: ذا تأخير، أو يجعل "نَساء" مصدَر فعلٍ محذوفٍ ناصبٍ له؛ أي: ينسأ نساءً، والجملة حالية، على ما هو مقرَّرٌ في نظائره، وقد سبق الكلام في مثله. * * * ١٢٧٤ - (٢٢٥٠) - وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ، أَوْ يُؤْكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وَمَا يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْرَزَ. (حتى يُحزر): -بتقديم الزاي-؛ أي: يُخْرَص، ولا يُخرصُ حتى يصلُح للأكل. و (١) فائدة الخرص: أن يعلم كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف المالك. وفي رواية أبي زيد: "حتى يُحْرَزَ" -بتقديم الراء على الزاي-،
следующие страницы →