وقال أبو الحسن: ليس في "الجامع" روايةٌ لأحدٍ من القراء السبعة إلا لعبد الله بنِ كثيرٍ، وابنِ (١) أبي النجود في المتابعة.
قال الجياني: وهذا غير صحيح، وابنُ كثير هذا هو ابنُ المطلبِ بنِ أبي وداعةَ السهميُّ، وليس له في "الجامع" إلا هذا الحديث الواحد (٢).
قلت: لكن هذا الجامع معمور بالإمام مالك ﵁، فكم له فيه من آثارٍ جميلة فيه تُشَنِّفُ الآذان تقضي بتقدمه على غيره، فلله دَرُّهما من جامع وإمام!
(من أسلفَ في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم): الواو هنا للتقسيم، فهي بمعنى أو، ولو أخذت على ظاهرها من معنى الجمع؛ لزم أن يجمع في الشيء الواحد من المسلَم فيه بين الكيل والوزن.
قال ابن دقيق العيد: وذلك يُفضي إلى عزة الوجود، وهو مانع من صحة السلم، فتعَّينَ الحملُ على التفصيل، وأن المعنى: السلمُ بالكيل (٣) في المكيل (٤)، وبالوزن في الموزون.
وفي الحديث دليل على منع السلَم الحالِّ، وهو مذهبُ مالك، وأبي حنيفة ﵄، والمخالفون يقولون: المعنى: إن (٥) أسلمَ
стр. 2032
إلى رجل، فليسلفْ إلى أجل معلوم، لا إلى أجل (١) مجهول، فوجهوا الأمر إلى العلم فقط، والإمامان وَجَّهاه إلى الأجل والعلم معاً (٢)(٣).
* * *
باب: السَّلَمِ إلى مَنْ ليسَ عندهُ أَصْلٌ
١٢٦٩ - (٢٢٤٥) - ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ: أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا؟
(وسألت ابنَ أَبْزى): -بهمزة مفتوحة فموحدة ساكنة فزاي فألف- اسمه عبد الرحمن، وله صحبة.
والقائل سألتُ ابنَ أبزى، هو محمدُ بنُ أبي المجالِدِ الكوفيُّ (٤).
* * *
١٢٧٠ - (٢٢٤٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ بِهَذَا، وَقَالَ: فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، وَقَالَ: وَالزَّيْتِ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَالَ: فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ.
стр. 2033
(حدثنا إسحاق): هو ابن شاهين الواسطيُّ، مات بعد الخمسين ومئتين.
* * *
١٢٧١ - (٢٢٤٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَناَ عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ؟ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ.
(سمعت أبا البَخْتَرِيِّ): -بموحدة فخاء معجمة (١) ساكنة فمثناة من فوق مفتوحة فراء فياء نسب-: هو سعيدُ بن فيروز.
* * *
باب: السَّلَمِ في النَّخْلِ
١٢٧٢ - (٢٢٤٨) - وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ.
(قال (٢): سألتُ ابنَ عباس عن السَّلَم في النخل): قال ابن بطال: هذا الحديث ليس من هذا الباب، يعني: باب: السلم إلى من ليس عنده (٣)
стр. 2034
أصل، وإنما هو في الباب الذي بعده، يعني: باب: السلم في النخل، وغَلِط فيه الناسخ (١).
وأقره الزركشي، وسكت عليه (٢).
قلت: قال ابن المنير: والتحقيق أنه من هذا الباب، وقلَّ من يفهم ذلك إلا مثل البخاري، والفضلُ للمتقدِّم.
ووجه مطابقته: أن (٣) ابن عباس لمَّا سُئل عن السَّلَم إلى مَنْ له نخلٌ في ذلك النخل، عَدَّ ذلك من قَبيل (٤) بيعِ الثمارِ قبل بُدُوِّ صلاحها، وإذا كان السلمُ في النخل المعين لا يجوز، لم (٥) يبق (٦) لوجودها في ملك المسلَم إليه فائدة، فتعين (٧) جوازُ السلم إلى مَنْ ليس عنده أصل، بل لعله أجوزُ؛ لأنه يؤمَنُ فيه غائلةُ اعتمادِهما على هذا النخل بعينه، فيلتحق (٨) ببيع الثمار قبل بدوِّ الصلاح. انتهى.
وقد نقل كلامَ ابن المنير هذا معزواً إليه مغلطاي الجندي، وتابعه ابنُ الملقن (٩).
стр. 2035
١٢٧٣ - (٢٢٤٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهَى عَنِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ.
(نَساءً): -بفتح النون والمد-؛ أي: تأخيراً، منصوب على الحال، إما بجعل المصدر نفسه حالاً على المبالغة، أو تأويله باسم المفعول؛ أي: مؤخَّراً، أو على الحذف؛ أي: ذا تأخير، أو يجعل "نَساء" مصدَر فعلٍ محذوفٍ ناصبٍ له؛ أي: ينسأ نساءً، والجملة حالية، على ما هو مقرَّرٌ في نظائره، وقد سبق الكلام في مثله.
* * *
١٢٧٤ - (٢٢٥٠) - وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ، أَوْ يُؤْكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وَمَا يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْرَزَ.
(حتى يُحزر): -بتقديم الزاي-؛ أي: يُخْرَص، ولا يُخرصُ حتى يصلُح للأكل.
و (١) فائدة الخرص: أن يعلم كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف المالك.
وفي رواية أبي زيد: "حتى يُحْرَزَ" -بتقديم الراء على الزاي-،
стр. 2036
وصوَّبه القاضي، وقال: معناه: حفظه وصيانته ممن يجده، وقلما يكون ذلك إلا بعد بدوِّ صلاحه (١).
* * *
باب: السَّلَمِ إلى أجلٍ معلومٍ
١٢٧٥ - (٢٢٥٤ و ٢٢٥٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُمَا عَنِ السَّلَفِ، فَقَالَا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّأْمِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قَالَ: قُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
(فكان يأتينا أنباط): كان شأنية، والأنباط: جمعُ نَبَط؛ كفَرَس، ونبَيط؛ كجَميل، وهم نصارى الشام الذين عمروها، وقيل: جيلٌ وجنسٌ من الناس.
قال القاضي: ويحتمل أن (٢) تسميتهم بذلك؛ لاستنباطهم المياهَ واستخراجِها (٣).
стр. 2037
كِتابُ الشُّفْعَةِ
стр. 2038
(كتاب: الشُّفْعَة): قال بعضهم: هي بإسكان الفاء، لا يجوز غير ذلك، وجوز بعضهم ضمَّها.
قال ابن دريد: وسُميت شُفعة؛ لأنه (١) يُشفع مالُه بها، يقال: كان فرداً، فشفعَه (٢) بضمِّ غيره إليه، هذا أظهرُ ما قيل في اشتقاقها.
وعرفها شيخُنا ابن عرفة بقوله: استحقاقُ شريكٍ أخذَ مَبيعِ شريكِه بثمنه (٣).
قال: وقولُ ابن الحاجب: أخذُ الشريكِ حصتَه جبراً بشراء (٤)، إنما يتناول أخذَها، لا ماهيتها، وهي غيرُ أخذها؛ لأنها معروضة (٥)، ولنقيضه (٦)، وهو تركُها، والمعروضُ (٧) لشيئين متناقضين ليس عين أحدهما،
стр. 2039
وإلا (١) اجتمع النقيضان.
قلت: مما يدل على أن أخذ الشِّقْصِ على الوجه المذكور هو (٢) مسمى الشفعة [دورانُه معه وجوداً وعدماً، أما وجوداً، ففيما إذا استولى على الشقص بالشفعة] (٣)؛ فإنه يصدق عليه حينئذٍ أنه شفع، وأما عدماً، ففيما إذا لم يأخذه، فإنه يصدق (٤) أنه لم يشفع، وقوله: إنها معروضة للأخذ ولنقيضه، وهو الترك، ممنوعٌ، إنما المعروضُ ما جعله هو (٥) ماهيةَ الشفعة، وهو الاستحقاق؛ فإنه تارة يتمسك به، وتارة يتركه، ولو كان الاستحقاق هو ماهية الشفعة -كما ذكره- لم يصح سلبها عمن (٦) استحق الأخذ، ولم يأخذ؛ فإنه يقال فيه: لم يشفع، وعبارات أصحابنا طافحة بذلك، ثم تعريفُه ﵀ غيرُ جامع؛ لخروج الشقص المشفوع به بالقيمة لا بالثمن.
* * *
باب: الشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعتِ الحُدودُ فَلا شُفْعَةَ
١٢٧٦ - (٢٢٥٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
(ولولا أني سمعتُ رسولَ الله (١) يقول: الجارُ أحقُّ بسَقَبِه): رد ابنُ بطال على أهل العراق تمسُّكَهم بهذا في إثبات شفعة الجوار: بأن أبا رافع استدل به، وهو راويه (٢) على إثبات الشفعة لشريكه، وهو سعد، قال: وكان أبو رافع شريك سعد في بيته (٣).
قال ابن المنير: وهو في ذلك كله واهم (٤)؛ فإن أبا رافع كان يملك بيتين متميزين من جملة المنزل، لا شقصاً شائعاً، فهو جارٌ لا شريكٌ، وهذا لأهل العراق، لا عليهم.
قلت: وهو ظاهر؛ لأن في صدر الحديث: فقال -يعني أبو رافع-: يا سعد! ابتع مني بيتيَّ في دارك، وهو دال (٥) على أن ما كان أبو رافع يملكه متميز، لا شائع، ومن لم (٦) يثبت شفعة (٧) الجوار (٨)، يحمل الجار على الشريك؛ فإنه يسمى جاراً.
قال ابن الأثير: ويحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونة (٩)
стр. 2042
بسبب قربه من جاره (١).
* * *
باب: أَيُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ
(باب: أَيُّ الجوار أقربُ): كأن البخاري ﵀ مال إلى مذهب الكوفيين في استحقاق الشفعة بالجوار، إلا (٢) أنه لم يترجم عليه، بل ذكر الحديث في الترجمة الأولى، وهو دليل على شفعة الجوار، وأعقبه بباب الجوار؛ ليدل بذلك على أن الأقرب جواراً أحقُّ من الأبعد، ولكنه لم يصرح في الترجمة بأن غرضه الشفعة، والجوار (٣)، بضم الجيم وكسرها.
١٢٧٨ - (٢٢٥٩) - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح). وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شَبابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ باباً".
(قال (٤): إلى أقربهما منكِ باباً): ويروى: "أقربهما (٥) " -بالجر- مع إسقاط "إلى"، وهو من حذف الجار وإبقاء عمله، وجُوز الرفعُ.
стр. 2043
قال (١) الزركشي: وهو الأكثر، وليس في هذا الحديث ما يدل على ثبوت شفعة الجوار، إنما فيه: أن من قَرُبَ بابُه أولى بالهدية إليه ممن (٢) هو أبعدُ منه باباً (٣).
* * *
стр. 2044
كِتَابُ الإِجَارَةِ
стр. 2045
باب: اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ
(كتاب: الإجارة)
(باب: استئجار الرجل الصالح): قال ابن المنير: غرضُه من هذه الترجمة قطعُ وهمِ مَنْ لعلَّه يتوهم أنه لا ينبغي استئجار الصالحين في الأعمال والخدم؛ لأن ذلك امتهانٌ لهم.
١٢٧٩ - (٢٢٦٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْخَازِنُ الأَمِينُ، الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ".
(الخازن الأمين): قال الإسماعيلي: ليس في هذا معنى الإجارة.
وقال الداودي: ذكره؛ لأن الخازن لا شيء له في المال، وإنما هو أجير، فلذا (١) أدخله.
وقال ابن بطال: إنما أدخله؛ لأن من استؤجر على شيء، فهو أمين
стр. 2046
فيه، ولا ضمان عليه فيه إن لم يفرط (١)، وتبعه الزركشي عليه (٢).
قلت: وفيه نظر؛ لأن سقوط الضمان ليس منوطاً بالأمانة، وإنما هو منوط بالائتمان، حتى لو ائتمنه خائناً، لم يكن عليه ضمان، والمسوق في الحديث هو من اتصف (٣) بالواقع في الأمانة، فأنَّى يؤخذ منه ما قالاه؟! فتأمل (٤).
* * *
١٢٨٠ - (٢٢٦١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَقُلْتُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَقَالَ: "لَنْ -أَوْ: لَا- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ".
"لن (٥) -أو لا- نستعملُ (٦) على عملنا من أراده): فيه غرابةٌ من جهة حذف منصوب "لن (٧) "، و"نستعمل" مرفوع، وهو المنفي بـ "لا".
* * *
стр. 2047
باب: رَعْي الغَنَمِ على قَرَارِيطَ
١٢٨١ - (٢٢٦٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ". فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ".
(فقال أصحابه: وأنت؟): على حذف همزة الاستفهام؛ أي: أو أنت؟
(قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة): قال أبو إسحاق الحربي: قراريط: اسم مكان بقرب جياد، ولم يرد القراريطَ من الفضة.
وقال سُويد بن سعيد: يعني: كل شاة بقيراط (١).
قال ابن الجوزي: وقول (٢) الحربي أصح (٣).
وأيده مغلطاي، بأن العرب لم تكن تعرف القيراط، [ولهذا أخبر ﵇ أن مصر تفتح، وأنها أرض يُذكر فيها القيراط (٤)] (٥)، ولهذا لم يقل البخاري: باب: الاستئجار لرعي الغنم؛ لأنه لا ذكر للإجارة فيه، قال مغلطاي: أو ترك التلفظ بها (٦) إعظاماً لسيدنا رسول الله ﷺ .
стр. 2048
باب: استئجارِ المشركينَ عندَ الضَّرورةِ، أو لم يوجدْ أهلُ الإسلامِ
١٢٨٢ - (٢٢٦٣) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِياً خِرِّيتاً -الْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدَّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَهْوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ.
(عن عائشة، قالت: واستأجر): كذا لهم (١) -بالواو (٢) -، وعند ابن السكن: قالت (٣): استأجر، وهو أبينُ، وعلى الأول، فكأن البخاري اقتطعه من حديث الهجرة (٤).
(رجلًا من بني الدِّيل): -بكسر الدال المهملة واسكان الياء المثناة من تحت-: بطنٌ من (٥) بني بكر، ويقال فيه: الدُّئِل -بضم الدال وكسر
стр. 2049
الهمزة-، واسمُ هذا الرجل: عبد الله بنُ أُرَيْقِط، وفي "سيرة ابن هشام": عبدُ الله بنُ أرقط.
قال الزركشي: وقيل: اسمه سهمُ بنُ عمرٍو (١).
(هادياً خِرِّيتاً): -بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء-، وفسره في المتن بالماهر بالهداية.
(قد غمسَ يمينَ حِلْفٍ): -بغين معجمة-، وحِلْف -بكسر الحاء المهملة وسكون (٢) اللام-؛ أي: أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به، وكانت عادتهم أن يُحضروا في جفنة طيباً (٣)، أو دماً، أو رماداً، فَيُدخلون فيه أيديَهم عند التحالف؛ ليتمَّ عقدُهم عليه باشتراكهم في شيء واحد (٤).
(فأَمِناه): قال الزركشي: -بالقصر وكسر الميم-، أَمِنْتُ فلاناً، وأنا آمِنٌ، وهو مأمون، ويقال: أمنتُ على كذا: إذا لم يخف فيه غائلة (٥).
(ووعداه غار ثور): هو الغار الذي استتر فيه النبي ﷺ وأبو بكر حين فرَّا من المشركين.
(فانطلق معهما عامرُ بْن فُهيرة): هو مولى (٦) أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 2050
قال ابن المنير: أراد البخاري أنه لا يُستعان في الإجارة إلا بالأخيار (١)؛ لأنها تستدعي الخلطة؛ بخلاف المبايعة، فترجم أولا على استئجار الصالحين، ثم ترجم ثانياً على استئجار المشركين، وبين أنه منوط بالضرورة، وساق من الأحاديث ما يناسب ذلك، فعلى هذا: لا يُساقى الكافر، ولا يقارض، ولا يستخدم، ولا يخالط في مثل هذا إلا لضرورة.
* * *
باب: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيراً لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، جَازَ، وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ
(باب: إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ثلاثة أيام، أو [بعد] شهر، [أو بعد] سنة، جاز): ساق فيه حديث استئجار الدليل الدُّئِلي، واعترضه الإسماعيلي، فقال: يرحم الله البخاري، ظن ظناً فعمل عليه، من أين في الخبر (٢) أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث؟ بل الذي فيه أنهما استأجراه، وابتدأ في العمل من وقته (٣) بتسليمهما (٤) إليه راحلتيهما (٥) يرعاهما ويحفظهما، وكان خروجهما وخروجه بعد ثلاث على الراحلتين
стр. 2051
اللتين هو قائم بأمرهما إلى ذلك الوقت (١).
واعترض غيرُه بأمر آخر، وهو أنه ليس في الحديث تعرُّضٌ إلى تأخر (٢) العمل إلى الأجل البعيد.
وأجاب ابن المنير عن الأول: بأن الخدمة المقصودة بهذه الإجارة ما كانت إلا للدلالة (٣) على الطريق، ولا خفاء بأنها تأخرت.
وعن الثاني: أنه قاس الأجلَ البعيدَ على القريب بطريقه (٤)، لا قائلَ (٥) بالفصل، فجعل الحديثَ دليلاً على جواز الأجل مطلقاً.
قلت: والعجب من مغلطاي، وتابعه ابن الملقن (٦)؛ فإنهما ساقا اعتراض الإسماعيلي، ثم ذكرا (٧) كلام (٨) ابن المنير في جواب الاعتراض الثاني (٩) جواباً عن مناقشة الإسماعيلي، وهو لا يُتصور أن يكون جواباً عنها ألبتة، ولم يُلِمَّا بشيء من كلامه الذي يصلُح أن يكون جواباً لتشكيك (١٠) الإسماعيلي، وبالله التوفيق.
فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁.
(قال ابن جريج: وحدثني عبد الله بن أبي مليكة، عن جده): قال الدمياطي: هو عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أبي مليكة زهيرِ بنِ عبدِ الله بنِ جذعانَ قاضي الطائف لابن الزبير (١)، وقد خالف البخاريَّ ابنُ منده، وأبو نعيم، وأبو عمر (٢) في هذا الحديث، فرووه في كتب الصحابة في ترجمة ابن أبي مُلَيْكَةَ زهيرٍ: أن رجلاً عضَّ يدَ رجل، فسقطت (٣) [ثنيته]، فأبطلها أبو بكر، كذا في الزركشي (٤).
* * *
باب: مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً، فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ، وَلَمْ يُبَيِّنَ الْعَمَل
لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] يَأْجُرُ فُلَاناً: يُعْطِيهِ أَجْراً، وَمِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ: أَجَرَكَ اللهُ.
(يأجُرُ فلاناً: يعطيه أجره (٥) ومنه في التعزية: أجرك الله): يريد
стр. 2054
البخاري أن آجرتُ ممدودٌ، لكن (١) حُكي فيه القصر، قيل: ولا يحسن منه الاستشهادُ بالتعزية؛ لأن المعنى فيهما (٢) مختلف، وفرق بين الأجر والأجرة.
* * *
باب: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيراً عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطاً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، جَازَ
(باب: إذا استأجر أجيرا على أن يُقيم حائطاً): يريد: أن الإجارة قد تضبط بتعيين العمل [كما تضبط بتعيين الأجل] (٣).
* * *
باب: الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ
(باب: الإجارة إلى نصف النهار): كما ترجم أولاً على الضبط بالعمل، ترجم هاهنا على الضبط بالأجل.
١٢٨٥ - (٢٢٦٨) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى،
الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا".
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ تَرَكَ الذي لَهُ وذَهَبَ، فَثَمَّرتُ أَجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فقال: يا عَبْدَ الله! أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ ما تَرَى مِنْ أجْرِكَ؛ مِنَ الإبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! لَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ".
(حتى أَوَوْا): -بقصر الهمزة- على زنة رَمَوْا.
(لا أَغْبُق): -بإسكان الغين المعجمة وضم الباء الموحدة-؛ أي: ما كنت أقدِّم عليهما (١) أحداً في شرب نصيبهما من اللبن، والغَبوق: الشُّرْبُ في آخر النهار، والصَّبوح: الشربُ في أوله.
(فنأى بي (٢)): أي: بَعُدَ بي (٣) طلبُ المرعى، كذا في "المشارق".
قال: والنأي: البعدُ، نَأَى (٤) يَنْأَى؛ مثل سَعَى يَسْعَى، ويقال مقلوباً:
стр. 2059
ناءَ يَناءُ؛ كحارَ يَحار (١)، وناءَ ينوء (٢)؛ كقال يقول (٣).
(فلم أُرِحْ عليهما): قال السفاقسي: قيل (٤): هو من أراح (٥)، رباعي (٦).
(حتى بَرَق الفجرُ): -بفتح الباء الموحدة والراء- من "برق".
(ألمت بها سنة من السنين): أي: نزلت بها سنة من سني القحط، يقال: أَلْمَمْتُ بالرجل: إذا نزلتُ به.
(أن تفضَّ الخاتمَ): عبارة عن إزالة البكارة على جهة الاستعارة (٧).
[(إلا بحقه): يريد: النكاحَ الشرعيَّ المسوِّغَ للوطء.
(فتحرجت): أي: فتحنيتُ الخروجُ الناشئ من الوقوع عليها بغير حق.
(فأفرِجْ): ضبطه الزركشي هنا بهمزة قطع وكسر الراء؛ أي: اكشفْ، قال: وفي رواية غير البخاري: "فافرُج" -بهمزة وصل وضم الراء- من قولهم: فرجهَ يفرُجه] (٨).
* * *
стр. 2060
باب: من آجَرَ نَفْسَهُ ليحملَ على ظهرِهِ، ثمَّ تَصدَّق به، وأَجْرِ الحَمَّالِ
١٢٨٩ - (٢٢٧٣) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى الشُّوقِ، فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِئَةَ أَلْفٍ. قَالَ: مَا نُرَاهُ إِلَاّ نَفْسَهُ.
(قال ما نراه إلا نفسه): -بضم النون- من نُراه؛ أي: ما نظنه إلا غني نفسه.
* * *
باب: هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ ؟
(باب: هل يؤاجر الرجل نفسَه من مشرك في أرض الحرب؟): أشار بالتقييد بأرض الحرب إلى أن ذلك ضرورة، فيُغتفر، وأما في أرض الإسلام، فقد (١) أغنى الله بالمسلمين وخدمتهم عن الاضطرار إلى خدمة المشركين.
قال ابن المنير: والذي استقرت عليه المذاهب أن الصناع في حوانيتهم كالقين والخياط ونحوهما يجوز أن يعمل لأهل الذمة، ولا يعد ذلك ذلة؛ بخلاف خدمته في منزله، وبطريق التبعية له؛ كالمكاري، والبَلَّان في الحمام، ونحو ذلك.
تفسيره في حديث البخاري بالتفرد في حديث مسند عند بيان: أن أبا سعيد الخدري هو الراقي، وأن عدة الغنم التي أعطوها ثلاثون شاة.
(فلُدِغ): -بدال مهملة وغين معجمة- مبني للمفعول، وفي الزركشي: أن الدال معجمة (١)، وهو سهو.
(فسعوا له بكل شيء): من السعي -بالعين-، قال السفاقسي: هكذا هو الكتب والرواية، وقال الخطابي: "فشفوا" يعني: عالجوا طلباً للشفاء (٢).
(إني لأَرقي): بكسر القاف.
(فانطلق يَتْفِل): -بمثناة من فوق ساكنة وفاء مكسورة- وورد: بضمها؛ أي: ينفُخ نفخاً معه أدنى بزاق (٣).
(كأنما نشط من عقال): أي: حُلَّ من عِقال، قال الخطابي: هكذا في بعض اللغات، وفي أكثرها: "نشطه" إذا عقدته بالشوطة، و"أنشطه": إذا حللته، ورواه الهروي: "كأنما أنشط من عقال". قال السفاقسي: وكذلك في بعض الروايات هاهنا (٤).
(وما به قَلَبَةٌ): أي: داء، سمي بذلك؛ لأن صاحبه يقلب من أجله؛ ليعلم موضع الداء منه.
(وما يدريك أنها رُقْية؟): -بضم الراء وإسكان القاف-، قال الداودي:
стр. 2063
معناه: وما أدراك، قال: ولعله المحفوظ، قال ابن عيينة: ما قيل فيه: وما يدريك، فلم يدره، وما قيل فيه: وما أدراك، فقد علمه (١).
(ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي (٢) معكم سهماً): فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة وأسماء الله تعالى، وهو موضع الترجمة، والخلاف عليه معروف (٣).
* * *
باب: ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ، وَتَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ
(باب: ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإماء): قال ابن المنير: ما علمت مراده بتعاهد ضرائب الإماء، ولا كيف تعلقها بالحديث، يريد: حديث أبي طيبة الذي فيه تخفيف ضريبته بشفاعة النبي ﷺ . قال: اللهم إلا أن يريد بالتعاهد: التعهد بمقدارها؛ لاحتمال أن يثقل عليهنَّ الضريبة في وقت ما، فيحتجن إلى الكسب بالفجور، ويستدل على هذا، بأن النبي ﷺ أمرهم أن يخففوا ضريبة العبد الحجَّام، فالتخفيفُ عن الأَمَة من خراجها أقعدُ آكَدُ لأجل الغائلة الخاصة بها، والضريبة: هي ما يؤديه العبدُ إلى سيده من الخرج المقدَّر عليه، فَعِيلَة بمعنى مَفْعولة.
قال الزركشي: وأشار البخاري بهذا التبويب إلى ما ذكره في "تاريخه":
стр. 2064
ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، ثنا شدادُ بنُ أبي العالية، ثنا أبو داود الأحمري: خطبنا حذيفةُ حين قدمَ المدائنَ، فقال: تعاهَدُوا ضرائبَ أَرِقَّائكم (١).
قلت: ما ذكره ابن المنير أقعدُ من هذا.
* * *
باب: كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالإِمَاء
(باب: كسبِ البغيِّ والإماء): لم (٢) يتعرض في الترجمة إلى الحكم، بل أطلق؛ تنبيهاً على أن الممنوع (٣) كسبُ الأمة بالفُجور، و (٤) مفهومُه: أن كسبَها بالصنائُع المباحة أمرٌ غيرُ ممنوع.
١٢٩١ - (٢٢٨٣) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ.
(محمود (٥) بنِ جُحادَةَ): بجيم مضمومة فحاء مهملة.
* * *
مطلُ المديانِ الغنيِّ غريمَه، ولفظة (١) المطل تُشعر بتقديم الطلب، فيؤخذ منه أن الغني لو أَخر الدفعَ مع عدم طلبِ صاحبِ الحق له (٢)، لم يكن ظالماً.
وقد حكى أصحاب الشافعي وجهين (٣) في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلب من رب الدين، واستنبط منه بعضهم أن الحوالة لا تكون إلا بعدَ حلولِ الدَّين؛ إذ لا مطلَ مع عدمه.
(فإذا أُتْبِع أحدُكم): -بضم الهمزة وسكون المثناة من فوق وكسر الموحدة-؛ من قولك: أَتبعتُ فلاناً: إذا جعلته تابعاً لغيره (٤)، والمراد هنا: تبعيته في طلب الحق بالحوالة.
قال الخطابي: [أكثر المحدثين] يقولونه: بالتشديد، والصواب التخفيف (٥).
(على مَلِيءٍ): قال الزركشي: بالهمزة: الغني؛ من الملاءة (٦).
قلت: ظاهره (٧) أن الرواية كذلك، فينبغي تحريرها، ولم أظفر فيه بشيء.
(فليَتْبَع): بفتح المثناة من تحت وإسكان المثناة من فوق وفتح الموحدة.
стр. 2069
وقيل: بتشديد المثناة من فوق وكسر الموحدة.
وجمهور الفقهاء على أن هذا الأمر للندب؛ لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحق عنه، وترك تكليفه للتحصيل بالطلب.
وقال أهلُ الظاهر بوجوب (١) قبول الحوالة على المليِّ؛ لظاهر الأمر (٢).
* * *
باب: إنْ أَحَالَ دَيْنَ الميِّتِ على رجلٍ جَازَ
١٢٩٤ - (٢٢٨٩) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ "، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ "، قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: "هَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَليْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَليَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَليْهِ.
стр. 2070
(فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه، فصلَّى عليه): وان كان الدين باقياً في (١) ذمة الميت، وصاحب الحق عاد إلى الرجاء بعد اليأس، واطمأن بأن دينَه صار في مأمن (٢)، فخف سخطه، وقرب من الرضا.
ووقع في ابن ماجة في حديث أبي قتادة: أن الدين كان ثمانيةَ عشرَ درهماً، أو تسعة عشرة درهماً (٣)(٤)، فيحتمل أن تكونا واقعتين، ويحتمل أن الدين (٥) كان في الأصل دينارين، ثم وفَّى منها خمسة أو ستة، فمن روى الدينارين، كان على الأصل، ومن روى ثمانية عشر أو تسعة عشر، كان على ما بقي؛ لأن الدينار كانت قيمته إذ ذاك اثني عشر درهماً.
* * *