← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

كِتابُ الحَوَالَةِ

стр. 2067

(كتاب: الحَوَالَةِ): جمع حوالة، وتُفتح الحاء وتكسر. باب: فِي الْحَوَالَةِ. وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الْحَوَالَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيّاً، جَازَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْناً وَهَذَا دَيْناً، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ. (فإن تَوِيَ): -بفتح المثناة من فوق وكسر الواو-؛ من التَّوَى، وهو الهلاك. ١٢٩٣ - (٢٢٨٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيَرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتْبَعْ". (مَطْلُ الغنيِّ ظلمٌ): الظاهر أن المصدر (١) فيه مضاف إلى الفاعل؛ أي:

стр. 2068

مطلُ المديانِ الغنيِّ غريمَه، ولفظة (١) المطل تُشعر بتقديم الطلب، فيؤخذ منه أن الغني لو أَخر الدفعَ مع عدم طلبِ صاحبِ الحق له (٢)، لم يكن ظالماً. وقد حكى أصحاب الشافعي وجهين (٣) في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلب من رب الدين، واستنبط منه بعضهم أن الحوالة لا تكون إلا بعدَ حلولِ الدَّين؛ إذ لا مطلَ مع عدمه. (فإذا أُتْبِع أحدُكم): -بضم الهمزة وسكون المثناة من فوق وكسر الموحدة-؛ من قولك: أَتبعتُ فلاناً: إذا جعلته تابعاً لغيره (٤)، والمراد هنا: تبعيته في طلب الحق بالحوالة. قال الخطابي: [أكثر المحدثين] يقولونه: بالتشديد، والصواب التخفيف (٥). (على مَلِيءٍ): قال الزركشي: بالهمزة: الغني؛ من الملاءة (٦). قلت: ظاهره (٧) أن الرواية كذلك، فينبغي تحريرها، ولم أظفر فيه بشيء. (فليَتْبَع): بفتح المثناة من تحت وإسكان المثناة من فوق وفتح الموحدة.

стр. 2069

وقيل: بتشديد المثناة من فوق وكسر الموحدة. وجمهور الفقهاء على أن هذا الأمر للندب؛ لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحق عنه، وترك تكليفه للتحصيل بالطلب. وقال أهلُ الظاهر بوجوب (١) قبول الحوالة على المليِّ؛ لظاهر الأمر (٢). * * * باب: إنْ أَحَالَ دَيْنَ الميِّتِ على رجلٍ جَازَ ١٢٩٤ - (٢٢٨٩) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ "، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ "، قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: "هَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَليْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَليَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَليْهِ.

стр. 2070

(فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه، فصلَّى عليه): وان كان الدين باقياً في (١) ذمة الميت، وصاحب الحق عاد إلى الرجاء بعد اليأس، واطمأن بأن دينَه صار في مأمن (٢)، فخف سخطه، وقرب من الرضا. ووقع في ابن ماجة في حديث أبي قتادة: أن الدين كان ثمانيةَ عشرَ درهماً، أو تسعة عشرة درهماً (٣) (٤)، فيحتمل أن تكونا واقعتين، ويحتمل أن الدين (٥) كان في الأصل دينارين، ثم وفَّى منها خمسة أو ستة، فمن روى الدينارين، كان على الأصل، ومن روى ثمانية عشر أو تسعة عشر، كان على ما بقي؛ لأن الدينار كانت قيمته إذ ذاك اثني عشر درهماً. * * *

стр. 2071

كِتابُ الكَفالَةِ

стр. 2072

باب: الكَفَالَةِ في القَرْضِ والدُّيونِ بالأَبْدَانِ وغيرِهَا ١٢٩٥ - (٢٢٩٠) - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلاً حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِئَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ، وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ، فَمَاتَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَكَمُ: يَضْمَنُ. (وكان عمر قد جلده مئة، فصدَّقهم، وعذره بالجهالة): يشير البخاري بهذا إلى خبر أورده ابن وهب في "موطئه" عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: حدثني محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه حمزة: أن عمر بن الخطاب بعثه مصدِّقاً على بني سعدِ بنِ هُذَيْمٍ، فأتى حمزة بمال يصدقه، فإذا رجل يقول لامرأة: صدِّقي مالَ مولاك، وإذا امرأة تقول: بل أنت أدِّ صدقة مال أبيك، فسأل حمزةُ عن أمرهما، فأُخبر أن

стр. 2073

ذلك الرجل زوجُ تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها، فولدت ولداً، فأعتقته امرأته، فقالوا: هذا المال لابنه من جاريتها، قال حمزة: لأرجمنك بحجارتك، فقال أهل المال: أصلحك الله! إن أمره رُفع إلى عمر بن الخطاب، [فجلده مئة، ولم يحيى عليه رجماً، قال: فأخذه (١) حمزةُ بالرجل كفيلاً حتى قدم على عمر بن الخطاب] (٢)، فسأله عما ذكرَ أهلُ المال من جلدِ (٣) عمرَ إياه مئة جلدة، وأنه لم ير عليه رجماً، قال: فصدَّقهم عمرُ بذلك من قولهم، قال: وإنما درأ (٤) عنه الرجمَ؛ لأنه عذره بالجهالة (٥). (وقال حماد: إذا تكفل بنفس، فمات، فلا شيء عليه): سواء كان الحقُّ المتعلقُ بتلك النفس حدّاً، أو قصاصاً (٦) أو مالاً من دين وغيره. (وقال الحكم: يضمن): أي: ما يُقبل ترتُّبُه في الذمة، وهو المال. * * * ١٢٩٦ - (٢٢٩١) - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 2074

أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءَ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيداً، قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكباً يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَباً، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَاناً أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاً فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلاً، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيداً فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيداً، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَباً أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهْوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَباً يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَباً قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَباً، فَلَمَّا نَشَرَهَا، وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللهِ! مَا زِلْتُ جَاهِداً فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَباً قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَباً قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِداً". (أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل): وساقَ قصةَ الخشبة. وقد ذكر محمد بن الربيع الجيزي في كتاب "أسماء من دخل مصر من الصحابة" بإسناده إلى عبد الله بن عمرو يرفعه: أن رجلاً جاء إلى النجاشي،

стр. 2075

فقال: أسلِفْني ألفَ دينار إلى أَجَل، قال: فأتني بالحميل، قال: الله، فأعطاه الألف (١)، وساق قصةً نحوَ القصة الواقعة في "الصحيح" (٢). (ثم زَجَّجَ موضعَها): بزاي (٣) وجيمين. قال القاضي: لعل معناه: سمرها بمسامير كالزج (٤)، أو حشا شقوقَ لصاقِها بشيء (٥)، ورقعه بالزُّج (٦). وقال (٧) الخطابي: أي: سَوَّى موضعَ النَّقْرِ وأصلَحَه؛ من تزجيج الحواجب، وهو حذفُ زوائد الشَّعَر، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الزج الذي هو الفصل؛ بأن يكون النقرُ في طرف الخشبة؛ ليشدَّ (٨) عليها رجاءَ أن يمسكه، ويحفظ ما في جوفه (٩). (فأتى بالألف دينار): ذكر ابن مالك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أرادَ بالألف: ألفَ دينار على البدل، وحذف المضاف (١٠)، وأبقى المضاف إليه على حاله من الجر.

стр. 2076

قلت: المضاف هنا مجرور، فلمَ لم (١) يقل: إن المضاف إليه أقيم مقام المضاف؟ الثاني: أن يكون أصلُه بالألف الدينار، ثم حذفت (٢) من الخط؛ لصيرورتها (٣) بالإدغام دالاً، فكتب على اللفظ. قلت: لكن الرواية بتنوين (٤) دينارٍ، ولو ثبت عدمُ تنوينه برواية معتبرة، تَعَيَّنَ هذا الوجهُ، وكثيراً ما يعتمد هو وغيره التوجيهَ باعتبار الخط (٥)، ويلغون تحقيق الرواية. الثالث: أن تكون الألف مضافاً إلى دينار، والألف واللام زائدتان، فلم تمنعا الإضافة. ذكره أبو علي الفارسي. * * * باب: قَوْلِ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] (باب: قولِ الله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]): قال ابن المنير: وجه دخول هذا الباب: أن الحلف كان في أول الإسلام يقتضي استحقاقَ الميراث، فهو مالٌ أوجبَه عقدُ التزام على وجه التبرع،

стр. 2077

فلزم، وكذلك الكفالة (١) إنما هي التزامُ مالٍ بغير عوض تطوعاً، فلزم. * * * ١٢٩٧ - (٢٢٩٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ ﵁: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ"؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. (أَبلغكَ أن النبيَّ ﷺ قال: لا حِلْفَ في الإسلام؟): -بكسر الحاء وإسكان اللام- على ما كانت عليه الجاهلية من الأنساب والتوارث، وأصلُه من الحَلِفِ؛ بمعنى: اليمين، كانوا يتقاسمون عند عقده على التزامه، والواحدُ حليفٌ، والجمعُ حُلفاءُ، أو أحلافٌ. (فقال: قد (٢) حالف النبيُّ ﷺ بين قريش والأنصار): حالفَ -بالحاء المهملة-؛ أي: آخى بينهم (٣). * * * باب: مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْناً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ (باب: من تكفَّلَ عن ميت ديناً، فليس له أن يرجع): حمله ابن بطال

стр. 2078

على أنه لا يرجع به في تركة الميت كما يقوله الشافعي ﵁ (١). قال ابن المنير: وهو في جانب آخر مقصودُ البخاري، وذلك أنه إنما أراد: أن الكفالة عن الميت لازمة، وليس له أن يرجع عنه، ووجهُ استدلاله بحديث أبي قتادة: أنه لو كان له أن يرجع، [لما صلى النبي ﷺ على المِدْيان حتى يُوَفيَ أبو قتادة؛ لاحتمال أن يرجع] (٢)، فيكون قد صلى على مديان، ولم يتكفل أحدٌ بدينه؛ إذ لا فرقَ بين كونه لم يتكفل عنه، ثم رجع الكفيل، أو (٣) قلنا: إن له الرجوعَ، والعقود الجائزة لا يكاد يترتب عليها فائدة؛ بخلاف اللازمة. * * * ١٢٩٨ - (٢٢٩٦) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ، أَوْ دَيْنٌ، فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. (لو قد جاء مال البحرين، قد أعطيتك): فيه شاهد على اقتران

стр. 2079

الماضي الواقع جواباً لـ "لو" بـ"قد"، وقد استغربه ابن هشام في "المغني"، وأنشد عليه قولَ جرير: لَوْ شِئْتِ قَدْ نَقَعَ (١) الفُؤَادُ بِشَرْبَةٍ ... تَدَعُ الحَوَائِمَ لا يَجُدْنَ غَلِيلَا (٢) قلت: وقد وقع في البخاري -أيضاً- في باب: رجم الحبلى في الزنا، في حديث ابن عباس الطويل الذي فيه ذكر البيعة بعدَ وفاة النبي ﷺ ما نصه: قال لي عبدُ الرحمن بنُ عوف: لو رأيتَ رجلَا أتى (٣) أميرَ المؤمنين [فقال: يا أمير المؤمنين] (٤)! هل لك في فلان؟ يقول (٥): لو قد مات عمر، لقد بايعت فلاناً (٦)، وفي هذا والذي قبله اقترانُ (٧) فعل شرط (٨) "لو" الماضي -أيضاً- بـ "قد". * * * باب: جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَقْدِهِ ١٢٩٩ - (٢٢٩٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ،

стр. 2080

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَاّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَاّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّهً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِراً قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ، لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ -وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ-، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟! فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ، وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِداً بِفِنَاءِ دَارِهِ وَبَرَزَ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ

стр. 2081

وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ، الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِداً بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَاّ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ؛ فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنَّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ له. قال أَبُو بَكْرٍ: إنِّي أَردُّ إليْكَ جِوارَكَ، وأرْضَى بِجوَارِ اللهِ. ورسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتَكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ"، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِراً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكَ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبي أَنْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. (باب: جوار أبي بكر الصديق ﵁ في عهد رسول الله ﷺ وعقده).

стр. 2082

(لم [أعقل] (١) أبويَّ إلا وهما يَدينان (٢) الدين): أي: عهدُتهما منذُ عقلتُ وهما على دين الإسلام. (حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِماد): بفتح الباء لأكثرهم وبعضهم يكسرها، وبضم الغين المعجمة وتكسر، وهو اسم موضع باليمن. وقيل: وراء مكة بخمس ليال. وقيل: في أقاصي (٣) هَجَر (٤). (لقيه ابنُ الدَّغِنة (٥)): بفتح الدال وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون، كذا لأكثرهم، وعند المروزي: بفتح الغين. وقال الأصيلي: وكذا رواه لنا؛ لأنه كان في لسانه استرخاء لا يقدر على ملكه. وقال القابسي: -بضم الدال والغين وتشديد النون-، قال: وهي اسم أمه، واسمه ربيعةُ بن رُفَيع (٦). قلت: حكى شيخُنا عن مغلطاي: أنه سماه في "سيرته": مالكاً. (وهو سيد القارَة): -بقاف وراء مخففة-: هم قوم يوصفون بجودة الرمي.

стр. 2083

(إن (١) مثلَك لا يَخرج ولا يُخرج): بفتح أول الأول، وضم أول الثاني (٢). (تُكسب العديم): قال الزركشي: أي: الفقير (٣)، فَعيلٌ بمعنى فاعل، قال: وهذا أحسن من الرواية السابقة أولَ الباب في حديث خديجة: "تُكْسِبُ المعدومَ" (٤). (وآمنوا أبا بكر): بالمد وتخفيف الميم. (فطفِق): بفتح الفاء وكسرها. (فابتنى مسجداً بفِناء داره): هذا أول (٥) مسجدٍ بُني في الإسلام. (فينْقَصِفُ): أي: يزدحمون حتى يسقط بعضُهم على بعض، وأصلُ التقصُّف: التكسُّر. (فأفزع): من الفزع، وهو الخوف. (أشراف قريش): جمع شريف. (كرهنا أن نُخفرك): -بضم أوله-؛ من الإخفار، وهو نقض (٦) العهد. قال ابن المنير: وهذا الحديث ينبغي إدخالُه في كفالة الأبدان لمكان

стр. 2084

المناسبة؛ كما ناسب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كفالةَ الأموال، ووجهُ المناسبة: أن المخفر كأنه تكفل بنفسٍ أن تُضام، فتكون العهدةُ (١) عليه (٢). (رأيت سَبَخَة): -بفتح الباء-؛ أي: أرضاً (٣) مالحة، وإذا وُصفت به الأرض، كُسرت الباء. * * *

стр. 2085

كِتابُ الوَكَالَةِ

стр. 2086

باب: وَكَالَةُ الشَّرِيكِ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا. أَشْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيّاً فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِسْمَتِهَا ١٣٠٠ - (٢٢٩٩) - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. (كتاب: الوكالة). (وكالة الشريك في القسمة وغيرها). (أن أتصدَّقَ بجلال البُدْنِ): -بكسر الجيم- جمع جُلّ -بضمها-، وهو ما تلبسه الدابة. (التي نُحِرَتْ): بضم أوله وكسر ثانيه على البناء للمفعول والتاء للتأنيث، وبفتح النون والحاء وضم التاء على البناء للفاعل، والضمير هو الفاعل، والمراد به: عليٌّ ﵁. * * *

стр. 2087

١٣٠١ - (٢٣٠٠) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَماً يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "ضَحِّ أَنْتَ". (أن [النبيَّ ﷺ ] أعطاه غنماً يقسمها على صحابته (١)): قال ابن المنير: ولقد أحسن البخاري في اعتقاده أن الرسول ﵊ وهبَ الجملةَ للصحابة، ثم قسمَها بينهم، ولم يعتقد أن الهبة كانت خاصة؛ أي: وهبَ كلَّ واحد. ويحقق ما وقع للبخاري: أنه قال في طريق آخر: قسمَ بينهم ضحايا، [فدل على أنه عَيَّنَها للضحايا] (٢)، ثم مَلَّكَهم جملَتَها، ثم قُسمت. قلت: ينبغي أن يضاف إلى ذلك: أن عقبةَ بنَ عامرٍ كان وكيلاً على القَسْم بتوكيلِ شركائه في تلك الضحايا التي قسمَها، حتى يتوجَّهَ إدخالُ حديثه في ترجمة وكالة الشريك لشريكه (٣) في القَسْم. (فبقي عَتودٌ): -بفتح العين المهملة-: الصغيرُ من المعز إذا قويَ وأتى عليه حَوْلٌ (٤) (٥). * * *

стр. 2088

باب: إذا وكَّلَ المُسلمُ حربيَّاً في دار الحربِ -أو في دار الإسلام- جاز ١٣٠٢ - (٢٣٠١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁، قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّهَ بْنَ خَلَفٍ كِتَاباً، بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدُ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا، خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لأَشْغَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلاً ثَقِيلاً، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا، قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَؤفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ. (في صاغِيَتي): -بالصاد المهملة والغين المعجمة-: هم خاصَّةُ الإنسان، ومن يَصْغَى إليه؛ أي: يميل، ومنه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، يقال: صغا يَصْغو، ويَصْغى. (فقال: أميةُ بنَ خَلَف): [-بالنصب- على الإغراء؛ أي: عليكم أميةَ ابنَ خلف.

стр. 2089

قال الزركشي: ويجوز الرفعُ على أن يكون خبرَ مبتدأ مضمرٍ؛ أي: هذا أمية (١). (خلفت لهم ابنه)] (٢): هو عليُّ بنُ أميةَ بنِ خَلَف. (فتجللوه بالسيوف): -بالجيم- للأصيلي، وأبي ذر؛ أي: عَلَوْه وغَشُوه (٣). وعند الباقين: بالخاء المعجمة، وهو أظهر؛ لقول عبد الرحمن بن عوف: فألقيتُ عليه نفسي، فكأنهم (٤) أدخلوا سيوفَهم خلاله (٥)، حتى وصلوا إليه، فطعنوا بها من تحته (٦). وذكر في "مختصر الاستيعاب": أن قاتل أميةَ بنِ خلفٍ بلالٌ (٧) ﵁، وأنشد لأبي بكر الصديق (٨) ﵁: هَنِيئاً زَادَكَ الرَّحْمَنُ خَيْراً ... لَقَدْ أَدْرَكْتَ ثارَكَ يَا بِلالُ وكان أميةُ بْن خلف يعذِّبُ بلالاً (٩). لكن في "سيرة ابن هشام" أنه يقال: قاتلُ أميةَ بنِ خلفٍ مُعاذُ بنُ

стр. 2090

عَفراءَ، و (١) خارجَةُ بنُ زيد، وخبيب بن يَساف، اشتركوا (٢) في قتله (٣). وعليه يدل قوله: "فتجللوه بالسيوف". وفي "مستدرك الحاكم" في ترجمة رافع (٤) بن مالك [الزرقي: أن رفاعة بن رافع بن مالك] (٥) قال: "لما كان يومُ بدر، وتجمَّع الناسُ على أميةَ بنِ خلف، فأقبلت إليه، فنظرت (٦) إلى قطعة من درعه قد انقطعتْ من تحت إبطه، فأطعنته (٧) بالسيف فيها طعنة، ورُميتُ بسهم يوم بدر، ففقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ، ودعا لي، فما آذاني فيها شيء (٨). فعلى هذا: يكون رفاعةُ بنُ رافعٍ الزرقيُّ من جملة المشاركين (٩) في قتله. وقتل ابنَه علياً عمارُ بن ياسر. ذكره في "السيرة" (١٠). * * *

стр. 2091

باب: الْوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ وَالْمِيزَانِ، وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ (باب: الوَكالة في الصَّرْف والميزان): قال ابن المنير: وجهُ إدخالها في الفقه: أنه ربما يَتوهم متوهمٌ من مَنْعِنا أن يعقد الصرف، ويوكل غيره في القبض، ويغيب حتى إنا نمنعُ التوكيل في الصرف مطلقاً في غَيْبة الموكِّل، فبين البخاري أن الوكيل إذا وَكَّل على العقد والقبض جميعاً، جاز، وقام مقام الموكل. * * * باب: إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوِ الْوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ، أَوْ شَيْئاً يَفْسُدُ، ذَبَحَ أو أَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ (باب: إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت، أو شيئاً يفسد، أصلح الفساد): تقدم للبخاري (١) أن من ذبح متعدِّياً، فإن ذبيحته مَيْتَةً، فمن هنا يؤخذ أما غيرُ متعدية؛ لأنه (٢) حَلَّلها، وأما إذا بنينا على (٣) أن ذبيحة المتعدِّي لا تَجيف، فلا دليلَ فيه، وليس غرض البخاري هنا (٤) تحليلَ (٥) الذبيحة، وإن كان يُستفاد من الحديث، وإنّما غرضُه إسقاطُ الضمان عن الراعي.

стр. 2092

١٣٠٣ - (٢٣٠٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يَسْألُهُ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَهُ بأَكْلِهَا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَيُعْجبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. [(فكسرتْ حجراً فذبحتها به): هذا محمول على أن الحجر له حَدٌ يمور كمَوْرِ الحديد] (١). * * * باب: وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ (باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة): يشير إلى مخالفة أبي حنيفة ﵁ في قوله: إنه لا يجوز توكيلُ الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه. ١٣٠٤ - (٢٣٠٥) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: "أَعْطُوهُ"، فَطَلَبُوا سِنَّهُ،

стр. 2093

فَلَمْ يَجدُوا لَهُ إِلَّا سِنّاً فَوْقَهَا، فَقَالَ: "أَعْطُوهُ"، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللهُ بِكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ خِيَارَكمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". (فجاءه يتقاضاه): أي: يطلب منه ﵊ أن يَقْضيه ما له عليه. (فقال: أعطوه): وهذا موضع الشاهد؛ لأن هذا توكيلٌ منه لهم على القضاء عنه، ولم يكن ﵇ مريضاً، ولا غائباً. (إِنَّ خيارَكم أَحْسَنُكم قضاءً): وفي حديث آخر بعد (١) هذا في كتاب: الاستقراض: "فَإِنَّ مِنْ خِيارِ النَّاسِ أَحْسَنهم قَضاءً" (٢). ذكرتُ هنا: أن الحافظَ العلامةَ شهابَ الدين بنَ حجر -نفع الله بعلومه- كتب إليَّ بالإسكندرية في أول عامِ ثمانيةِ وتسعين وسبع مئة رقعة يهنئ (٣) فيها بالعام المذكور، ونصُّها ومن خطه نقلت: لله الحمد في سائر الأحوال: أَيَا بَدْراً سَمَا فَضْلاً وَأَرْضَى ... رَعِيَّتَهُ وَفي الظَّلْمَاءِ ضَاءَ وَيَا أَقْضَى القُضَاةِ وَمُرْتَضَاهَا ... وَأَحْسَنَهَا لِمَا يَقْضِي أَدَاءَ تَهَنَّ العَامَ أَقْبَلَ في سُرُورٍ ... وَأَبْدَى لِلهَنَاءِ بِكُمْ هَنَاءَ رَوَى وَأَشَارَ مُقْتَبِساً (٤) إِلَيْكُم ... خِيَارُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءَ

стр. 2094

فانظرْ إلى هذا الاقتباس (١) الذي أشرق ضياؤه، واستمدَّ من هذه المشكاة الشريفة، فبهر (٢) سناه وسناؤه، لله درُّه من شهابٍ ثاقبِ الفَهْم، وفاضلٍ ضربَ في أغراض (٣) المعالي (٤) بأوفرِ سَهْم. * * * باب: الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ (باب: الوكالة (٥) في قضاء الديون (٦)) وجهُ إدخالِ هذه الترجمة في الفقه: أنه ربما توهَّمَ متوهمٌ (٧) أن قضاءَ الدين لما كان واجباً على الفور، امتنعت (٨) الوكالةُ فيه؛ لأنها تأخيرٌ من الموكل، ورميٌ على الوكيل، فبين أن ذلك جائز، ولا يُعد مطلًا، قاله ابن المنير. * * * باب: إِذَا وَهَبَ شَيْئاً لِوَكِيلٍ، أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ، جَازَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 2095

"نَصِيبِي لَكُمْ". (قال: نصيبي لكم): قال ابن المنير: وإنما خاطب بذلك الوسائط، فظاهره: أن الهبة تختص بهم، وليس كذلك، إنما مقصودُه هبةُ الكل (١)؛ من حضرَ منهم ومن غاب، فدل ذلك على أن الألفاظ تُنزل على المقاصد، لا على الصور (٢). ويؤخذ من هذا أن من شفع لغيره في هبة، فقال الواهب للشفيع: قد وهبتُك هذا، فتعلَّق (٣) الشفيعُ بظاهر (٤) اللفظ (٥)، وطلبَ ذلك لنفسه، لا يقبل منه ذلك، ويكون الشيءُ للمشفوع له. من ذلك مَنْ وكل على شراء شيء بعينه، فاشتراه (٦) ولم يسم (٧) المالك، ثم زعم أنه إنما نوى نفسه، لم يقبل ذلك، وكانت السلعة للموكل (٨). * * * ١٣٠٥ - (٢٣٠٧ و ٢٣٠٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 2096

اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ: أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ". وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انُتَظَرَهُمِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاؤُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا، فَلْيَفْعَلْ". فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا (١) إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ". فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُم قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. (فقد كنتُ استَأْنيتُ بهم): يقال للمُتَمَكِّثِ (٢) في الأمور: مُتَأَنٍّ، ومُسْتَأْنٍ، والأَناةُ: الرفق.

стр. 2097

(أن يطيب): -بفتح أوله وكسر ثانيه- مضارع [طابَ، وبضم أوله وفتح ثانيه وتشديد المثناة من تحت مع كسرها: مضارع] (١) طَيَّبَ تطييباً (٢). (من أول ما يفيء (٣) الله): مضارع أَفاءَ، فحرفُ المضارعة منه مضموم. (طَيَّبْنا ذلك): -بتشديد الياء-؛ أي: جعلناه طيباً من حيثُ كونُهم رَضُوا (٤) بذلك، وطابت أنفسُهم به. (عُرَفاؤكم): جمع عَريف، وهو الذي (٥) يعرف أمور القوم. * * * باب: إذا وكَّلَ رجلٌ رجلاً أنْ يُعطيَ شيئاً ولم يبيِّنْ كم يُعْطي، فأعطى على ما يتعارفُهُ النَّاسُ ١٣٠٦ - (٢٣٠٩) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ، رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "مَا لَكَ؟ "، قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ: "أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ "، قُلْتُ:

стр. 2098

نَعَمْ، قَالَ: "أَعْطِنِيهِ"، فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ، قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: "بِعْنِيهِ"، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنانِيرَ، ولَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الَمدِينَةِ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ: "أَيْنَ تُرِيدُ؟ "، قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: "فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ "، قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: "فَذَلِكَ". فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، قَالَ: "يَا بِلَالُ! اقْضِهِ وَزِدْهُ". فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَزَادَهُ قِيرَاطاً، قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمْ يَكُنِ الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. (على جمل ثَفال): -بثاء مثلثة مفتوحة ففاء فألف (١) فلام-؛ أي: بطيء. قاله (٢) القاضي (٣)، ومن كسر المثلثة، فقد أخطأ (٤). قال ابن فارس: الثِّفال -بالكسر-: الجلدُ يوضع عليه الرحاء. قال غيره: أو كساء يجعل تحت الرحا (٥). وعلى كل منهما، فلا معنى لكسر المثلثة في الحديث. (بل هو لك يا رسول الله): يعني: (٦) عَطِيَّةً.

стр. 2099

(بل بِعْنيه (١)، قد أخذتُه بأربعة دنانير): فيه ردُّ العطية، وفيه ابتداء المشتري بذكر الثمن. وفي السفاقسي ما يقتضي أنه روي بأربع الدنانير -بإسقاط الهاء من العدد [وتعريف المعدود-، وذلك أنه قال: قال الداودي: أسقط (٢) الهاء] (٣) لما (٤) دخلت الألف واللام، وذلك فيما دون العشرة، قال السفاقسي: وهذا قول لم يوافقه أحد عليه (٥). (قد خلا منها): أي: ذهبَ منها بعضُ شبابها، ومضى من عمرها ما جربت به الأمور. قال القاضي: ورواه بعضهم بالمد، فصحف (٦). (فهلَاّ جاريةً؟): -بالنصب مفعول بفعل محذوف-؛ أي: فهلا تزوجْتَ جاريةً؟ (يا بلال: أعطه (٧)، وزده، فاعطاه أربعة دنانير، وزاده قيراطاً): هذا موضع الترجمة، وذلك أن النبي ﷺ وكَّل بلالاً أن يعطي جابراً شيئاً زائداً

стр. 2100

على الثمن، ولم يبين ذلك القدر (١) الزائد (٢) كم هو، فزاده بلال قيراطاً، وهو أمر (٣) متعارَفٌ بين الناس لا يَتوقف في مثله مَنْ أَذِنَ في (٤) العطية من ماله، وفيه: أنهم كانوا يعرفون القيراط. (فلم يكن القيراط يُفارق قِرابَ جابر): قال السفاقسي: يعني بالقراب (٥): الخريطة، أو الهِمْيان (٦)، أو الشيء (٧) الذي يرفع فيه، ومنه قيل (٨): قراب السيف. ذكره (٩) الداودي. [قال السفاقسي: والذي ذكره الجماعة: أن القراب هو قرابُ السيف. قال الزركشي] (١٠): ويروى (١١): "جِرَاب"، بكسر الجيم (١٢). وفيه رواية أخرى: "أنه اشتراه بأربع أواق فضة". وفي أخرى: "بثمانين درهماً".

стр. 2101

وفي أخرى: "بعشرين ديناراً"، وهذا لا يضعف الحديث؛ لإجماعهم على البيع [وشرط ظهره. وفي الحديث رد على من يقول: كل شرط يقارن عقد البيع] (١) يفسده (٢). * * * باب: وَكَالَةِ الْمَرْأَةِ الإمَامَ فِي النِّكَاحِ ١٣٠٧ - (٢٣١٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: "قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". (باب: وكالة المرأةِ الإمامَ في النكاح). (إني وهبت (٣) من (٤) نفسي): قال الداودي: ليس فيه ما بوّب عليه، وليس فيه أنه (٥) استأذنها (٦)، ولا أنها وكلته، وقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى

стр. 2102

بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١). قال ابن بطال: ووجهُ استنباطِ (٢) الوكالة من هذا الحديث: أن قولها: "قد وهبتُ من نفسي" كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه، أو ممن شاء (٣). قلت: قد يمتنع (٤) دلالة هذا اللفظ على ما ذكره. * * * باب: إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا، فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئاً، فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، جَازَ ١٣٠٨ - (٢٣١١) - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ! لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ". فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ

стр. 2103

سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ". فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أعُلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "مَا هِيَ؟ "، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ -وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ-، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "ذَاكَ شَيْطَانٌ". (باب: إذا وَكَّل رجلاً فترك الوكيل شيئاً، فأجازه الموكل، فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجلٍ مسمى، جاز). (وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: حدثنا عوف)؛ علقه هنا، وفي

стр. 2104

"التفلس" (١)، و"فضائل القرآن"، ووصله النسائي عن إبراهيم، عن يعقوب، نا (٢) عثمان، فذكره (٣). ووصله الإسماعيلي من حديث الحسن بن السكن، وعبد العزيز ابن سلام، عنه. وأبو نعيم من حديث هلال بن بشر، عنه (٤) (٥). (فجعل يحثو): -بحاء مهملة وثاء مثلثة-؛ أي: يأخذ بكَفَّيه. (قال: فخليت عنه): هذا موضع الترجمة؛ لأن أبا هريرة تركَ الرجلَ الذي حثا الطعام لما شكا الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فأجازه. قال الزركشي وغيره: وفيه نظر؛ لأن أبا هريرة [لم يكن وكيلاً بالعطاء، بل بالحفظ خاصة (٦). قلت: النظر ساقط؛ لأن المقصود انطباقُ الترجمة على الحديث، وهي كذلك؛ لأن أبا هريرة] (٧) -وإن لم يكن وكيلاً في الإعطاء-، فهو وكيل في الجملة؛ ضرورةَ أنه وكيل بحفظ الزكاة، وقد ترك مما وكل بحفظه شيئاً، وأجاز ﵇ فعلَه، فقد طابقته الترجمة قطعاً.

стр. 2105

نعم (١) في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر. وقد قرب بعضهم وجه الأخذ: بأن أبا (٢) هريرة لما تركَ (٣) السارقَ الذي حثا من الطعام، كان ذلك كأنه تسليفٌ منه لذلك الطعام، إلى أَجَل، وهو قَسْمُه وتفرقته على المساكين؛ لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة، فكأنه أسلفه إلى (٤) ذلك الأجل (٥). قلت: ولا يخفى ما في ذلك من التكلُّف والضعف. (من الطعام): فيه (٦): أن الجن يأكلون الطعام، وفي أشعار العرب أنهم (٧) لا (٨) يأكلون، وحملُ (٩) ذلك على التمرد ومجردِ الإفساد خلافُ الظاهر؛ لأنه لو (١٠) لم يكن محتاجاً إلى طعام، ما علمه (١١) آية الكرسي التي يمتنع بقراءتها من مَرَدَة الجن.
следующие страницы →