← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وفي أخرى: "بعشرين ديناراً"، وهذا لا يضعف الحديث؛ لإجماعهم على البيع [وشرط ظهره. وفي الحديث رد على من يقول: كل شرط يقارن عقد البيع] (١) يفسده (٢). * * * باب: وَكَالَةِ الْمَرْأَةِ الإمَامَ فِي النِّكَاحِ ١٣٠٧ - (٢٣١٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: "قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". (باب: وكالة المرأةِ الإمامَ في النكاح). (إني وهبت (٣) من (٤) نفسي): قال الداودي: ليس فيه ما بوّب عليه، وليس فيه أنه (٥) استأذنها (٦)، ولا أنها وكلته، وقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى

стр. 2102

بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١). قال ابن بطال: ووجهُ استنباطِ (٢) الوكالة من هذا الحديث: أن قولها: "قد وهبتُ من نفسي" كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه، أو ممن شاء (٣). قلت: قد يمتنع (٤) دلالة هذا اللفظ على ما ذكره. * * * باب: إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا، فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئاً، فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، جَازَ ١٣٠٨ - (٢٣١١) - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ! لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ". فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ

стр. 2103

سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ". فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أعُلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "مَا هِيَ؟ "، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ -وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ-، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "ذَاكَ شَيْطَانٌ". (باب: إذا وَكَّل رجلاً فترك الوكيل شيئاً، فأجازه الموكل، فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجلٍ مسمى، جاز). (وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: حدثنا عوف)؛ علقه هنا، وفي

стр. 2104

"التفلس" (١)، و"فضائل القرآن"، ووصله النسائي عن إبراهيم، عن يعقوب، نا (٢) عثمان، فذكره (٣). ووصله الإسماعيلي من حديث الحسن بن السكن، وعبد العزيز ابن سلام، عنه. وأبو نعيم من حديث هلال بن بشر، عنه (٤) (٥). (فجعل يحثو): -بحاء مهملة وثاء مثلثة-؛ أي: يأخذ بكَفَّيه. (قال: فخليت عنه): هذا موضع الترجمة؛ لأن أبا هريرة تركَ الرجلَ الذي حثا الطعام لما شكا الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فأجازه. قال الزركشي وغيره: وفيه نظر؛ لأن أبا هريرة [لم يكن وكيلاً بالعطاء، بل بالحفظ خاصة (٦). قلت: النظر ساقط؛ لأن المقصود انطباقُ الترجمة على الحديث، وهي كذلك؛ لأن أبا هريرة] (٧) -وإن لم يكن وكيلاً في الإعطاء-، فهو وكيل في الجملة؛ ضرورةَ أنه وكيل بحفظ الزكاة، وقد ترك مما وكل بحفظه شيئاً، وأجاز ﵇ فعلَه، فقد طابقته الترجمة قطعاً.

стр. 2105

نعم (١) في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر. وقد قرب بعضهم وجه الأخذ: بأن أبا (٢) هريرة لما تركَ (٣) السارقَ الذي حثا من الطعام، كان ذلك كأنه تسليفٌ منه لذلك الطعام، إلى أَجَل، وهو قَسْمُه وتفرقته على المساكين؛ لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة، فكأنه أسلفه إلى (٤) ذلك الأجل (٥). قلت: ولا يخفى ما في ذلك من التكلُّف والضعف. (من الطعام): فيه (٦): أن الجن يأكلون الطعام، وفي أشعار العرب أنهم (٧) لا (٨) يأكلون، وحملُ (٩) ذلك على التمرد ومجردِ الإفساد خلافُ الظاهر؛ لأنه لو (١٠) لم يكن محتاجاً إلى طعام، ما علمه (١١) آية الكرسي التي يمتنع بقراءتها من مَرَدَة الجن.

стр. 2106

وفيه: ظهور الجن، وتكلمهم بكلام الإنس، وسرقتهم. (فرصَدْتُه): أي: تَرَقَّبته (١). (أَمَا): حرف استفتاح. (إِنه): بكسر الهمزة. وقال الزركشي: وبفتحها (٢)؛ يعني: على جعل "أما" بمعنى: حقاً. (كذَبك): بفتح الذال المعجمة مخففة. (ولا يقرَبَك): بفتح الراء والباء. قال الزركشي: وأصله: "يقرَبنَّك"، بالنون المؤكِّدة (٣). قلت: لا أدري ما دعاه (٤) إلى ارتكاب مثل هذا الأمر الضعيف مع ظهور الصواب في خلافه، وذلك أنه قال: "فإنك لن يزالَ عليكَ من الله حافظ، ولا يقربَك (٥) شيطانٌ حتى تصبحَ". فعندنا فعل منصوب ب "لن"، وهو قوله: "يزالَ"، [و] الآخر من قول: "يقربك (٦) " منصوب بالعطف على المنصوب المتقدم، و"لا" زائدة لتأكيد النفي، مثلها في قولك: لن يقومَ زيدٌ ولا يضحكَ.

стр. 2107

وجرينا (١) على طريقتهم في إطلاق الزيادة على "لا" هذه، وإن كان التحقيق أما ليست بزائدة دائماً، ألا ترى أنه إذا قيل: ما جاءني زيدٌ وعمرٌو، احتمل نفيَ مجيء كلٍّ منهما على كل حال (٢)، ونفيَ اجتماعهما في المجيء، فإذا جيء بلا، كان الكلام نصاً في المعنى الأول. نعم هي زائدة في مثل قولك: لا يستوي زيدٌ ولا عمرو (٣). (وكانوا أحرصَ شيء (٤) على الخير): أي: على عمل الخير وتعلُّمه، وإنما خلَّى سبيلَه حرصاً على تعلمه لما ينفعه. (تعلمُ مَنْ تخاطبُ منذُ ثلاث (٥) [ليال] يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال (٦): ذلك شيطان): العلمُ هنا بمعنى المعرفة. قال ابن المنير: و (٧) فيه ما يدل على أن من رأى في منامه قائلاً يكلمه بحق، ويدله على خير، فعليه أن يتثبت؛ [لاحتمال أن يكون شيطاناً يدسُّ الخيرَ في الشر، والباطلَ في خلال الحق، ولا يغتر (٨) بكونه قال له] (٩) حقاً ما (١٠) بأنه

стр. 2108

مَلَك؛ فإن (١) الكذوبَ (٢) [ربما صدق، ولا يخطئهم فيه] (٣)؛ لاحتمال أن يصيبوا في البعض، وإن كان الخطأ منهم معهوداً، فلابد أن يتأَنَّى (٤) في تميز الحق من الباطل على أيِّ لسان، ومن أيِّ إنسان كان. * * * باب: إذا باعَ الوكيلُ شيئاً فاسداً، فبيعهُ مردودٌ ١٣٠٩ - (٢٣١٢) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، -هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- عَنْ يَحْيىَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ "، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَوَّهْ أَوَّهِ! عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ، فَبعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ". (أَوَّهْ): قال القاضي: رويناه بالقصر وتشديد الواو وسكون الهاء. وقيل: بمد الهمزة. وقيل: بسكون الواو وكسر الهاء. ومن العرب من يمد الهمزة، ويجعل بعدها واوين اثنين، فيقول: أووه،

стр. 2109

وكله بمعنى التذكر والتحزن، ومنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤] (١). (عينُ الربا): -بالرفع- خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هذا عينُ الربا. * * * باب: الوكالةِ في الحُدودِ ١٣١٠ - (٢٣١٤ و ٢٣١٥) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارْجُمْهَا". (واغْدُ يا أُنيس): -بصيغة التصغير-: هو ابنُ الضحاك (٢) الأسلمي. ووقع في "مختصر الاستيعاب" ترجيح أنه أُنيس بنُ مَرْثَدِ بنِ أبي مرثدٍ (٣) الغَنَوِيّ. * * * ١٣١١ - (٢٣١٦) - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ -أَوِ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِباً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ.

стр. 2110

(جيء بالنعيمان أو (١) ابن النعيمان): المعروفُ أنه نعيمانُ بنُ عمرِو (٢) ابنِ رفاعةَ بنِ الحارثِ بن سواد النَّجَّارِيُّ، أبو عمرٍو (٣)، عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ (٤). * * *

стр. 2111

كِتابُ المزَارَعَةِ

стр. 2112

باب: فَضْلِ الزَّرْعِ وَالغَرْسِ إِذَا اُكِلَ مِنْهُ وقولِ اللهِ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]. (كتاب: المزارعة). (﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]): وجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث: أَنَّ الله تعالى امتنَّ (١) علينا بإنبات ما نحرثه، فدل (٢) على أن الحرث جائز؛ إذ لا يمتن بممنوع (٣). وإنما حمل (٤) البخاريِّ على الترجمة على الجواز: أنه نقل عن عمر ﵁: أنه نَهَى عن الحرث، ومنع القُيون أن يضربوا سككَ

стр. 2113

المحاريث، وقال (١): ما (٢) دخلتْ دارَ قومٍ إلا ذَلُّوا، وهو في حديثٍ ذُكر بعدُ (٣)، ونهيُ عمرَ محمول على الاشتغال بالحرث عن الجهاد. وسأل ابن المنير عن وجه نسبة الحرث إلينا، والزرع إليه ﷻ ، والعقيدةُ أن الأفعالَ كلَّها لله حَرْثاً وبذراً وغير ذلك؟ فأجاب: بأن (٤) المراد (٥) بالزرع هنا: الإنباتُ، لا البَذْرُ، وذلك (٦) من (٧) خصائص القدرة القديمة (٨)، قال: وإنما أدخل المزارعة في الترجمة؛ تنبيهاً على أن الانفراد بالحرث ونحوه (٩) إذا جاز بالكتاب والسنة، جاز (١٠) الاشتراك فيه بشرطه شرعاً؛ لأن الاشتراك عبارة عن فعل اثنين، كلٌّ منهما جائزٌ وحده. * * *

стр. 2114

باب: ما يُحذَر منْ عَواقِبِ الاشتغالِ بآلةِ الزَّرعِ، أو مُجاوزَةِ الحدِّ الذي أُمِرَ بهِ ١٣١٢ - (٢٣٢١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ -وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئاً مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ، فَقَالَ: -سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ). (الأَلْهاني): بهمزة مفتوحة فلام ساكنة فهاء فألف فنون فياء نسب. (إلا دخله (١) الذل): هو ما يُلم به (٢) من حقوق الأرض التي يطالبهم بها ولاةُ الأمور. ويستفاد من ترجمة البخاري على هذا الحديث بقوله: باب: ما يحدث من عاقبة الاشتغال بآلة الزرع، أو جاز الحد الذي أُمر به، جوابُ (٣) مَنْ عارضَ هذا الحديث بما ورد؛ مما يدل على أن أفضل المكاسب الزراعةُ، ووجهُ الجواب: أن ذمَّ الزراعة محمولٌ على من رَكَنَ إليها، وتركَ الجهادَ. * * * باب: اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ (باب: اقتناء الكلب للحرث): غرضُه بهذه الترجمة إباحةُ الحرث؛

стр. 2115

بدليلِ إباحةِ (١) اقتناء الكلب لأجل الحرث، فإذا رخص من أجله في الممنوع، فهو من المنع أبعدُ (٢). وكلبُ الحرث عند مالك ﵁ هو الذي يطرد الوحش ويعقره، لا الذي يطرد ابنَ آدم ويؤذيه، ذلك لا يجوز قُنيته أَلبتةَ. * * * ١٣١٣ - (٢٣٢٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ خُصَيْفَةَ: أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ -رَجُلًا مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ-، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كلْباً، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعاً وَلَا ضَرْعاً، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ". قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إَي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ. (يزيد): من الزيادة. (ابن خُصَيفة): بضم (٣) الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة، مصغَّر. (نقص من عمله كلَّ يوم قيراطٌ): قيل: هو على التمثيل مثل جبل أحد، ذكره (٤) الداودي، وليس المراد أنه ينقص من عملٍ مضى له قبل اتخاذ الكلب، وإنما أُريدَ: أن عمله في الكمال كعمل من لم يتخذ كلباً إلا كلبَ غنم أو حرث أو (٥) صيدٍ.

стр. 2116

استدل أصحابنا المالكية بجواز اتخاذها للصيد من غير ضرورة على طهارتها؛ فإن ملابستها مع الاحتراز عن مس شيء منها شاقٌّ، والإذن في الشيء إذنٌ في مكملات مقصوده، كما أن المنع من لوازمه مناسبٌ للمنع منه. * * * باب: استِعْمالِ البَقَرِ لِلحِرَاثَةِ ١٣١٤ - (٢٣٢٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ، قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً، فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ". قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: مَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ. (خُلقتُ للحراثة): هذا موضع الترجمة على استعمال البقر للحراثة. (آمنتُ به أنا وأبو بكر وعمر): علم رسولُ الله ﷺ أنهما يُقران بهذه (١) الآية؛ لكونه يعلم (٢) منهما (٣) المعروفَ بجواز الجائز (٤) واستحالةِ المستحيل، وغير ذلك من قواعد العقائد، ونطقُ البقرة والذئبِ جائزٌ عقلاً؛ أعني:

стр. 2117

النطق (١) اللفظي والنفسي معاً، غير أن النفسي يشترط فيه (٢) العقل، وخَلْقه في البقرة والذئب جائز، وكل جائز أَخْبَرَ صاحبُ المعجزةِ أنه واقع عَلِمْنا عقلاً أنه واقع، ولا يحمل توقفُ المتوقفين على أنهم شكوا في الصدق، ولكن استبعدوه استبعاداً عادياً، ولم يعلموا علماً مكيناً أن الخرق في زمن النبوات يكاد يكون عادة، فلا عجب إذاً. (هذا استنقذتها مني) (٣): خرجه (٤) ابن مالك على أوجه (٥): إما أن يكون منادى حُذف منه حرف النداء.

стр. 2118

قلت: هذا ممنوع، أو قليل. قال: وإما أن (١) يكون في موضع (٢) نصب على الظرفية أو المصدرية؛ أي: هذا اليومَ استنقذتها (٣)، [أو هذا (٤) الاستنقاذَ استنقذتها] (٥) (٦). (يومَ السَّبُع): -بفتح السين وضم الباء الموحدة-، وروي: بإسكانها، يريد: الحيوانَ المعروف، وبعضُهم يسكنه، ويقول: إنه يوم القيامة، وأنكره آخرون. ويحتمل أن يكون أراد: يومَ أكلي لها، يقال: سَبَعَ الذئبُ الغنمَ سَبْعاً؛ أي: أكلَها. وقيل: المراد: يوم الإهمال. قال الداودي: معناه: إذا طردَكَ (٧) عنها السبعُ، فبقيتُ أنا فيها دونك، أتحكَّمُ له (٨) لفراركَ منه؟ وقيل: يوم السبع عيدٌ للجاهلية يجتمعون فيه للهوهم (٩)، فيهملون

стр. 2119

مواشيهم، فيأكلها السبع. قال القاضي: وهذا لا يلائم سياق الحديث؛ لأن الذئب أخذ على صاحبها حيثُ لم يسامحه بحرمتها يكون جزاءً (١) منه لما (٢) يكون منه من حفظها بالتنبيه بالعواء، فلا يتمكن منها السبع. قال: وقال بعضهم: إنما هو السَّيعُ -بمثناة من تحت-؛ أي: يوم الضياع، يقال: أسيعت وأضيعت (٣)، بمعنى (٤). قيل: وهذان الحديثان من أخبار بني إسرائيل، وهما من العجائب التي كانت فيهم، وقد قال ﵇: "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ" (٥)، ومعناه: فيما صحَّ عندكم، ولا تتحرَّجوا من (٦) سماع عجائبهم؛ فقد كانت فيهم عجائب. ونقل السفاقسي عن الهروي في شأن الذئب أن ذلك كان (٧) في مبعث النبي ﷺ (٨). * * *

стр. 2120

باب: إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَؤُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَشْرَكُنِي فِي الثَّمَرِ (باب: [إذا قال]: اكفني مؤونة النخل أو غيره، وَتَشْرَكُني في الثمر): تشرَكني -بفتح الراء-[مضارع شَرِكني -بكسرها-، -وبضم حرف المضارعة وكسر الراء-] (١)، مضارع أَشْرَكَ. قال ابن المنير: أشار بالترجمة إلى صورة المساقاة، ونَزَّلها ابنُ بطال على ذلك، وليس في الحديث حقيقتُها؛ لأن الرقابَ كانت ملكَ الأنصار، وهم -أيضاً- العمالُ عليها، فليس فيه إلا مجردُ تمليكهم لإخوانهم بلا عِوَض، غير أنهم عرضوا عليهم (٢) الملكَ، ثم القسمة، فنزلوا عن الملك المتعلق بالرقبة إلى الثمرة، فكأنهم (٣) ساقوا نصيبهم المعروضَ عليهم بجزء من الثمرة، وكان الجزء مبيناً إما بالنص، أو بالعرف. والله أعلم. أو بأن إطلاق الشرك منزل على النصف، وهو مشهورُ مذهبِ مالك، ونزل تمكنهم من الملك منزلة الملك؛ لأن مَنْ ملكَ أن يملكَ يُعد مالكاً، ويجوز أن يكونوا قبلوا التمليك، ولم يقبلوا (٤) القسمة؛ لئلا يلزمهم مؤونة نصيبهم المعين (٥) حتى ينتفعوا، فاختار لهم ﵇[أن تبقى الشركة،

стр. 2121

ويعقدوا للمساقاة في نصيبهم، ويكون قوله ﵇: "لا"] (١) إنما هو ردٌّ لطلب القسمة، لا للملك، وهذا الأظهر (٢) في الاستدلال به على المساقاة، والأقعدُ في غرض البخاري. قلت: ادعاؤه أن إطلاق الشرك منزلٌ على النصف، وهو مشهور مذهب مالك، فيه نظر، ففي كتاب القِراض: إذا قارضه على أن له شركاء في الربح، فالقراضُ فاسدٌ. وأيضًا بناؤه على قولهم: إن مَنْ ملك أن يملك يُعد مالكاً؛ غير مَرْضِيٍّ، فالقاعدة عند المحققين من أصحابنا واهية، وقد تعرض القرافي وغيرُه إلى بطلانها (٣) بما يطول شرحه، فلينظر في محله (٤). واعلم أن نص الحديث الذي ساقه في هذا الباب: قالَ الأنصارُ للنبي ﷺ : اقسمْ بيننا وبين إخواننا النخلَ، قال: "لا"، فقالوا (٥): أتكفونا المؤونة ونشرككم (٦) في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا (٧). ففهم ابنُ بطال أن الضمير في قوله: "فقالوا" مرادٌ (٨) به الأنصار، وضمير

стр. 2122

الخطاب من "تكفونا"، و"نشرككم" مرادٌ (١) به المهاجرون (٢)؛ أي: فقالت الأنصار: تكفونا أيها المهاجرون مؤونة العمل في النخيل، ويكون المتحصل من ثمرها مشترَكاً بيننا وبينكم، وهذه عين المساقاة، وليس في اللفظ ما يأباه، وغايةُ الأمر أنهم لم يبينوا (٣) مقدارَ الأنصباء التي وقع بها (٤) الاشتراك، والواقعةُ واقعةُ عَيْن، فيحتمل أن تسمية الأنصباء (٥) وقعت، ولكن الراوي لم يذكرها لفظاً، أو كان نصيبُ العامل في المساقاة معلوماً عندهم (٦) بالعرف المنضبط، فتركوا النص عليه اعتماداً (٧) على ذلك العرف. وفهم (٨) ابن المنير أن ضمير "فقالوا" للمهاجرين، وضميرَ الخطاب من "تكفونا"، و"نشرككم" للأنصار؛ أي: فلما (٩) أبى النبي ﷺ من قَسْم رقاب النخل لمصلحة رآها، قال المهاجرون: تكفونا أيها الأنصار مؤونة العمل في النخل التي تصير لنا بالقسمة، واعملوا في الكل ما كان يطير (١٠) لنا، وما كان يطير (١١) لكم، ويكون شركاً لكم في الثمار التي تتحصل في

стр. 2123

الجمع، فرضي المهاجرون (١) بالثمرة فقط، وأعرضوا عن تملُّك الرقاب لما اقتضى رأيه ﵇، وليس في هذا حقيقةُ المساقاة، فاحتاج ابن (٢) المنير إلى صرف ذلك إلى المساقاة بما قرره (٣)، وفيه تكلف لا يخفى. وما قاله ابن بطال خالٍ من ذلك كما رأيت، إلا أن يعتضد ابنُ المنير بوقوع ما ترجَّح فهمُه في طريق من طرق (٤) الحديث، فتأمله. * * * باب: قَطْعِ الشَّجَرِ والنَّخْلِ ١٣١٥ - (٢٣٢٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضيِرِ، وَقَطَعَ، وَهْيَ الْبُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ (وهي البُوَيْرَة): -بضم الباء وفتح الواو (٥)، على لفظ التصغير-: موضع. (ولها يقول حسان): بالصرف على أنه من الحسن -بالنون-، وبعدمه على أنه من الحسن، بدون نون.

стр. 2124

(وهان على سراةِ بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير) قال السفاقسي: كذا في رواية أبي ذر: "وهانَ" بالواو، ووقع عند أبي الحسن: "هان (١) " بدون واو (٢). قلت: فيكون فيه العضب -بالضاد المعجمة- وهو خَرْم مفاعَلَتُن (٣)، فيصير على زنة مُفْتَعِلُن (٤)، وينشد (٥) عليه العروضيون (٦) قول الشاعر: وإِنْ نَزَلَ (٧) الشِّتَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... تَجَنَّبَ جَارَ بَيْتِهِمُ الشِّتَاءُ والسَّراة -بفتح السين المهملة (٨) -: قال (٩) الجوهري: جمع سَرِيٍّ، وهو جمعٌ عزيزٌ؛ أي: يجمع فَعيل (١٠) على فَعَلَة، ولا يُعرف غيرُه. قلت: حكى ابن مالك في "التسهيل" جمع خَبيث على خَبَثَة. ثم قال الجوهري: وجمعُ السَّراةِ: سَرَوات (١١) (١٢).

стр. 2125

وقد شدد السهيلي في "الروض الأنف" النكت في هذه المسألة على النحاة، وقال: لا ينبغي أن يقال في سراة القوم: إنه جمع سَرِيٍّ، لا على القياس، ولا على غير القياس، و (١) إنما هو مثل كاهِلِ القوم، وسنامِهم، وذروتهم (٢)، والعجبُ كيف خفيَ هذا على النَّحْوِيين حتى قلد الخالف (٣) منهم السالف. وساق فيه (٤) كلاماً طويلاً حاصله: أن السَّراةَ مفردٌ (٥) لا جمع (٦)، واستدل عليه بما نقف عليه من كلامه. (مستطير): أي: منتشر. قال صاحب "المعجم": إنما قال ذلك حسان؛ لأن قريشاً هم الذين حملوا كعبَ بنَ أسدٍ صاحبَ عقدِ بني قريظة على نقض (٧) العهد بينه وبين رسول الله ﷺ حتى خرج معهم (٨) إلى الخندق، وقيل: إنما قطع النخل؛ لأنها كانت مقابل القوم، فقطعت؛ ليبرز مكانها، فيكون مجالاً للحرب (٩). * * *

стр. 2126

باب ١٣١٦ - (٢٣٢٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ: سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعاً، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ: فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، فممَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ، فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. (لسيد الأرض): أي: لمالكها. (قال: فمما (١) يصاب ذلك وتسلم الأرض): الظاهر تخريجه على أن "مما" بمعنى "ربما"، على ما ذهب إليه السيرافي، وأبناء طاهر، وخروف، والأَعْلَم، وخرَّجوا عليه قولَ سيبويه: واعلم أنهم مما (٢) يحذفون كذا، وقد مر فيه كلام في (٣) أول الكتاب. * * * باب: إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ فِي المُزَارَعَةِ (باب: إذا لم يشترط السنينَ في المزارعة): قال ابن بطال: ولا خلافَ بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتاً معلوماً (٤). ورد ابن المنير: بأن مذهب مالك -بلا خلاف عنه-: أنه تجوز الإجارةُ

стр. 2127

كلَّ سنة بكذا، ولا يسمي مدةَ الإجارة، وكذا في المساقاة، وإنما اختلف قوله: هل العقدُ غيرُ لازم ألبتة (١)، أو لازم في سنة؛ لأنها أقلُّ ما سموه؟ وأما إذا شرع العامل أو (٢) الزارع في سنة، فقد لزمت بلا إشكال فيها، وقوله ﵇: "مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ" (٣) ليس بتأجيل، ولكنه مثل: كُلَّ سنة بكذا، وهو جائز في الزائد (٤) على السنة، قولاً واحداً عند مالك، فمتى أراد، أخرجَه ما لم يشرع، فيلزم تلك السنة، لكن اليهود لم يُخْرَجوا إلا لخيانتهم، ولا تُوُعِّدوا إلا على ذلك، وكذا العاملُ الخائنُ يُخرج متى ظهرت خيانتُه، وقولنا: إن أقل المساقاة سنة، يعني به: إلى الجِداد خاصة، ولو أطلقا، حُمل على ذلك. * * * ١٣١٧ - (٢٣٢٩) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. (من ثمر أو زرع): "أو" للتنويع (٥). وقيل: بمعنى الواو، ففي رواية مسلم: "مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ" (٦).

стр. 2128

باب ١٣١٨ - (٢٣٣٠) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ؛ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ؟ قَالَ: أَيْ عَمْرُو! إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: "أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجاً مَعْلُوماً". (أن يمنحَ أحدُكم أخاه خيرٌ له): قال الزركشي: يروى: بكسر (١) همزة إن وفتحها، والنون ساكنة، وفي يمنح -بفتح النون، و (٢) بكسرها مع ضم أوله-؛ فإنه يقال: مَنَحْتُهُ، وأَمْنَحْتُهُ: إذا أعطيته (٣). قلت: أما على فتح همزة أن، فالأمر ظاهر، مثل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وأما على كسرها، فتحتاج إلى جزم الفعل، وحذفِ مبتدأ وفاءِ الربط؛ أي: إن يمنح أحُدكم أخاه، فهو خير له، فينبغي تحريرُ الرواية فيه. * * * باب: ما يُكْرهُ مِنَ الشُّروطِ في المُزَارَعَةِ ١٣١٩ - (٢٣٣٢) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ

стр. 2129

يَحْيىَ، سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلاً، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهْ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهْ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ . (حَقلاً): -بفتح الحاء المهملة و (١) بالقاف-: الأرض التي تزرع. وقال الجوهري: القَراحُ الطَّيب (٢). (فربما أخرجت (٣) ذِهْ، ولم تخرج ذِهْ): -بإسكان الهاء من "ذِهْ" في الموضعين-، و (٤) لا تعلق في هذا لمن منع المزارعة؛ لأن النهي قد يكون لتعبين قطعة لهذا، وقطعة لهذا، وفيه من الغرر ما فيه. * * * باب: إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ (باب: إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم، وكان في ذلك صلاحٌ لهم): قال المهلب: لا يصح هذه الترجمة إلا بأن يكون الزارع ضامناً لرأس المال، ومتطوعاً بأن لا (٥) خسارة على المالك. قال ابن المنير: والترجمة صحيحة ومطابقة؛ لأنه قد عين له حقه،

стр. 2130

ومكَّنه منه، فبرئت ذمته، فلما (١) ترك (٢) القبض، ووضع المستأجر يده ثانياً على الفرق (٣)، فهو وضعٌ (٤) مستأنَفٌ على ملك (٥) الغير، فتصرفُه إصلاحٌ لا تضييع، فاغتُفر ذلك، ولم يُعَدَّ تعدياً يوجبُ المعصية، وهذا مقصود الترجمة، لا أن (٦) ذلك يلزم صاحب المال، ولا أنه (٧) لو هلك لم يضمن المتصرف، ولو فرضنا أن الأجير شاحَّهُ هنا، وقال: لا آخذ إلا مثلَ (٨) حقي، كان له ذلك. قلت: كأنه نسي ﵀ ما قدمه في حديث الغار في باب: إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه، فرضي؛ حيث (٩) قال هناك: فانظرْ في الفَرْق من الأَرُز هل ملكه الأجير أو لا؟ والظاهر أنه لم يملكه (١٠)؛ لأنه لم يستأجره (١١) بفَرْق معين، وإنما استأجره بفَرْق على (١٢) الذمة، فلما عُرض

стр. 2131

عليه أن يقبضه، امتنعَ، فلم يدخل في ملكه، ولم يتعين له، إنما حقه في ذمة المستأجر، وجميعُ ما نتج إنما نتج على ملك المستأجر، وغاية ذلك أنه أحسنَ القضاء، فأعطاه حقَّه وزيادات كثيرة. هذا كلامه هناك، وهو مخالف لما قرره هنا قطعاً، فتأمله. * * * باب: أَوقافِ النَّبيِّ ﷺ وأَرْض الخَرَاجِ ومُزَارَعَتِهِم ومُعَامَلَتِهِمْ ١٣٢٠ - (٢٣٣٤) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ، مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، كمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ. (لولا آخر (١) المسلمين): مبتدأ محذوفُ الخبر وجوباً، على القاعدة في مثله (٢). (ما فتحت قرية): ببناء (٣) الفعل للفاعل، فقريةً منصوب على المفعولية (٤)، وببنائه للمفعول، فقريةٌ مرفوع (٥) على أنه النائب عن الفاعل. (إِلَّا قسمتُها بين أهلها): كان عمر ﵁ يرى هذا نظراً لآخر المسلمين، ويتأول فيه قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]،

стр. 2132

ويعطفه على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]. ويروى: "الآخرين منهم (١) أسوة الأولين"، وقد كان يعلم أن المال يعزُّ، والشحَّ يغلبُ، وأن لا (٢) مَلِكَ بعد كسرى يُغْنَم (٣) مالُه، فيغني فقراء المسلمين، وأشفقَ أن يبقى آخر الناس لا شيء لهم، فرأى أن يُحَبِّسَ الأرضَ، ويَضرب عليها خراجاً يدوم به نفعُها للمسلمين كما فعلَ بأرض السواد؛ نظراً للمسلمين، وشفقةً على آخرهم، وهذا هو أشهرُ قولي مالك في المسألة. كذا في السفاقسي (٤). * * * باب: مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَوَاتاً وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ. وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيِّتَةً، فَهْيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: "فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ". (وليس لعرقٍ ظالم فيه (٥) حقٌّ): بالتنوين فيهما؛ على نعت الأول بالثاني، وبترك التنوين في الأول فقط؛ على الإضافة. قال القاضي: وأصلُه في الغرس يغرسُه في الأرض غيرُ ربها (٦) ليستوجِبَها

стр. 2133

به، وكذلك ما أشبهَ (١) من بناءٍ أو استنباطٍ أو استخراجِ معدِن، سُميت عروقًا؛ لشبهها في الأحياء بعرق الغرس (٢). قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": والتنوين فيهما اختيارُ (٣) مالك، والشافعي ﵄ (٤). وفي "الزاهي" لابن شعبان: العروق أربعة: عرقان ظاهران، وعرقان باطنان، فالظاهران: البناء والغرس، والباطنان: الآبار والعيون. قال السفاقسي: وهذا وقع (٥) منه في تفسير الحديث، وهو يصح على رواية من رواه منوناً غيرَ مضاف، ومن لم يُضفه (٦)، ونَوَّنَ عرقاً، احتجَّ به على أن غلات المغصوب لربه، وليس للغاصب منها شيء، يريد: أن الظالم هو الغاصب، ولا حقَّ له في المغصوب في غلة ولا غيرها. * * * ١٣٢١ - (٢٣٣٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَعْمَرَ أَرْضاً لَيْسَتْ لأَحَدٍ، فَهْوَ أَحَقُّ". قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ.

стр. 2134

(من أعمرَ أرضاً): قال القاضي: كذا رواه أصحاب البخاري يعني: بفتح الهمزة، قال: وصوابه: "مَنْ عَمَرَ أرضاً" ثلاثي، قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا (١)﴾ [الروم: ٩]، إلا أن يريد: جعلَ فيها عمارة (٢) (٣). وقال الزركشي: ضم الهمزة أجودُ من الفتح (٤). [قلت: يفتقر ذلك إلى ثبوت رواية فيه، وظاهرُ كلام القاضي أن جميع رواة البخاري على الفتح] (٥). وقال ابن بطال: ذكر صاحب "العين": أعمرتُ الأرضَ: وجدتُها عامرة، وليس بمراد هنا، وإنما يجيء هنا الثلاثي، ويمكن أن يكون (٦) من: اعتمرَ أرضاً، وسقطت التاء من الأصل (٧). قلت: هذا ردٌّ لاتفاق الرواة (٨) بمجرَّدِ احتمالٍ يجوز أن يكون، وأن لا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على (٩) مثل (١٠) هذا، وأنا لا أرضى لأحد أن يقع فيه.

стр. 2135

باب ١٣٢٢ - (٢٣٣٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَاركَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. (وهو في مُعَرَّسِه): -بمهملات وميم مضمومة في أوله، والثالثُ مفتوح مشدد-، وهو مكان التعريس، وهو نزولُ المسافر آخرَ الليل للاستراحة، وكان (١) النبي ﷺ عَرَّسَ بذي الحليفة، وصلَّى فيه الصبح. قال المهلب: ومحاولةُ البخاري لجعل المعرسِ ملكاً للنبي ﷺ ، وأنه وقفه، لا يقوم على ساق. قال (٢) ابن المنير: ظن أن البخاري أرادَ إلحاقَ المعرَّس بالأوقاف النبوية، فقال ما قال، وغرض البخاري غيرُ هذا، وذلك أنه لما ذكر إحياء الموات، والخلافُ فيها مشهور، وهل يتوقف مطلقاً على إذن الإمام، أو يفصل بين القريب والبعيد؟ نبه على أن هذه البطحاء التي عرس بها النبيُّ ﷺ ، وأمر بالصلاة فيها، وأعلمَ أما مباركة، لا تدخل في الموات (٣)

стр. 2136

الذي يُحيا ويُملك؛ لما ثبت لها (١) من خصوصية التقرُّب فيها، فصارت كأنها وقف على أن يُقتدى فيها به ﵇، فهي كعرفةَ (٢)، وموضع الجمار، وموضعِ النزولِ بمزدلفةَ، وموضعِ الوقوفِ بالمشعر الحرام، ليس لأحد أن يبني فيها، ولا يُحَجَّرَها، لا بإذن، ولا بغيره (٣)؛ لتعلق حقَّ المسلمين (٤) بها عموماً بغير الأبنية والسكنى. ويؤخذ من هذا: أن (٥) لا يحيي أحدٌ (٦) فيما قَرُبَ من العمران، وحَدُّه عند مالك حيثُ يبلغ المحتطِبُ (٧) ويعود في نهاره، وحيثُ يبلغ الرِّعاء؛ لأن حقوق الناس قد تقدَّمت على من يريد تحجيرَها، وليس للإمام أن يُقْطِعَ منها (٨)، ولا أن يأذنَ فيما تصدق به على العامة وهذا غرض البخاري. والله أعلم. * * * باب: إذا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقركَ اللهُ -ولم يذكرْ أَجَلاً- فَهُما عَلَى تَرَاضِيهِمَا ١٣٢٣ - (٢٣٣٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ

стр. 2137

سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، أَخْبَرَنَا ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ، أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. (نُقِرُّكم بها (١) على ذلك (٢) ما شئنا): فيه دليل على (٣) جواز الإجارة مشاهرةً، أو مُسانَهَةً (٤) أو مُياومةً؛ كما تقول المالكية، وقد مر الكلام فيه آنفاً. (فقَروا): بفتح القاف. (حتى أجلاهم عمرُ): أي: أخرجهم، فأخلا الأرض منهم. (إلى (٥) تَيْماء): -بفتح المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وبألف (٦) بين ميم وهمزة-: قرية من أمهات القرى على البحر من بلاد طَيِّئ، ومنها

стр. 2138

يُخرج إلى الشام. (وأَرِيحاء): -بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة من تحت فحاء مهملة فألف فهمزة-: موضعٌ آخرُ بناحية الشام. * * * باب: مَا كانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ يُواسِي بعضُهم بَعْضَاً في الزِّراعةِ والثَّمرِ ١٣٢٤ - (٢٣٣٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: سَمِعْتُ رَافِع بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمَّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ: قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقاً، قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَهْوَ حَقٌّ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ "، قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ: "لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا". قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعاً وَطَاعَةً. (ظُهَير (١) بنُ رافع): بضم الظاء المعجمة وفتح الهاء على التصغير. (عن أمر كان بنا رافقاً): أي: ذا رفقٍ، أو مُرفَق؛ كتالفٍ بمعنى مُتْلَف. (بمحاقلكم (٢)): أي: بمزارعكم. (نؤاجرها على الربيع (٣) (٤) وعلى الأوسق): جعل بعضُهم الواوَ هنا

стр. 2139

بمعنى: أو، وهل الربيع: الساقية، أو النهر، أو يفيد (١) كونه صغيراً؟ أقوال: قال الداودي: إنما كره أن يكون على الربع (٢) مما يخرج منها؛ لأنه مجهول، وكأنه (٣) حمل (٤) الربيع على الجزء الذي هو الربع (٥)، ويؤيده أن في بعض الروايات: على الربع، والأوسق. قال السفاقسي: والصحيحُ أن معناه: أن ما جاءت به الساقية، وهي الربيع (٦)، فهو خاص بربِّ الأرض (٧). (لا تفعلوا، أَزْرِعوها، أو ازرعوها (٨)): -همزة الأولى همزة قطع وراؤها مكسورة-؛ أي: امنحوها مَنْ يزرعها لنفسه، والرواية الثانية مفسرة لذلك (٩). * * * باب: كِرَاءِ الأرضِ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ ١٣٢٥ - (٢٣٤٦ و ٢٣٤٧) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ

стр. 2140

رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءَ، أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. (عن رافع بن خديج، حدثني عماي): اسمُ أحدهما (١) ظُهير بن رافع، وهو الذي ضبطناه قريباً، واسم الآخر مُظَهِّر، بميم مضمومة وظاء معجمة مفتوحة وهاء مشددة مكسورة وراء. (بما ينبت على الأربعاء): -بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة والمد- جمع ربيع؛ أي: كانوا يكرون الأرض بشيء معلوم، ويشترطون بعد ذلك على مكتريها (٢) ما ينبت (٣) على الأنهار والسواقي. * * * باب ١٣٢٦ - (٢٣٤٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ
следующие страницы →