← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الذي يُحيا ويُملك؛ لما ثبت لها (١) من خصوصية التقرُّب فيها، فصارت كأنها وقف على أن يُقتدى فيها به ﵇، فهي كعرفةَ (٢)، وموضع الجمار، وموضعِ النزولِ بمزدلفةَ، وموضعِ الوقوفِ بالمشعر الحرام، ليس لأحد أن يبني فيها، ولا يُحَجَّرَها، لا بإذن، ولا بغيره (٣)؛ لتعلق حقَّ المسلمين (٤) بها عموماً بغير الأبنية والسكنى. ويؤخذ من هذا: أن (٥) لا يحيي أحدٌ (٦) فيما قَرُبَ من العمران، وحَدُّه عند مالك حيثُ يبلغ المحتطِبُ (٧) ويعود في نهاره، وحيثُ يبلغ الرِّعاء؛ لأن حقوق الناس قد تقدَّمت على من يريد تحجيرَها، وليس للإمام أن يُقْطِعَ منها (٨)، ولا أن يأذنَ فيما تصدق به على العامة وهذا غرض البخاري. والله أعلم. * * * باب: إذا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقركَ اللهُ -ولم يذكرْ أَجَلاً- فَهُما عَلَى تَرَاضِيهِمَا ١٣٢٣ - (٢٣٣٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ

стр. 2137

سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، أَخْبَرَنَا ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ، أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. (نُقِرُّكم بها (١) على ذلك (٢) ما شئنا): فيه دليل على (٣) جواز الإجارة مشاهرةً، أو مُسانَهَةً (٤) أو مُياومةً؛ كما تقول المالكية، وقد مر الكلام فيه آنفاً. (فقَروا): بفتح القاف. (حتى أجلاهم عمرُ): أي: أخرجهم، فأخلا الأرض منهم. (إلى (٥) تَيْماء): -بفتح المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وبألف (٦) بين ميم وهمزة-: قرية من أمهات القرى على البحر من بلاد طَيِّئ، ومنها

стр. 2138

يُخرج إلى الشام. (وأَرِيحاء): -بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة من تحت فحاء مهملة فألف فهمزة-: موضعٌ آخرُ بناحية الشام. * * * باب: مَا كانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ يُواسِي بعضُهم بَعْضَاً في الزِّراعةِ والثَّمرِ ١٣٢٤ - (٢٣٣٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: سَمِعْتُ رَافِع بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمَّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ: قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقاً، قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَهْوَ حَقٌّ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ "، قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ: "لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا". قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعاً وَطَاعَةً. (ظُهَير (١) بنُ رافع): بضم الظاء المعجمة وفتح الهاء على التصغير. (عن أمر كان بنا رافقاً): أي: ذا رفقٍ، أو مُرفَق؛ كتالفٍ بمعنى مُتْلَف. (بمحاقلكم (٢)): أي: بمزارعكم. (نؤاجرها على الربيع (٣) (٤) وعلى الأوسق): جعل بعضُهم الواوَ هنا

стр. 2139

بمعنى: أو، وهل الربيع: الساقية، أو النهر، أو يفيد (١) كونه صغيراً؟ أقوال: قال الداودي: إنما كره أن يكون على الربع (٢) مما يخرج منها؛ لأنه مجهول، وكأنه (٣) حمل (٤) الربيع على الجزء الذي هو الربع (٥)، ويؤيده أن في بعض الروايات: على الربع، والأوسق. قال السفاقسي: والصحيحُ أن معناه: أن ما جاءت به الساقية، وهي الربيع (٦)، فهو خاص بربِّ الأرض (٧). (لا تفعلوا، أَزْرِعوها، أو ازرعوها (٨)): -همزة الأولى همزة قطع وراؤها مكسورة-؛ أي: امنحوها مَنْ يزرعها لنفسه، والرواية الثانية مفسرة لذلك (٩). * * * باب: كِرَاءِ الأرضِ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ ١٣٢٥ - (٢٣٤٦ و ٢٣٤٧) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ

стр. 2140

رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءَ، أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. (عن رافع بن خديج، حدثني عماي): اسمُ أحدهما (١) ظُهير بن رافع، وهو الذي ضبطناه قريباً، واسم الآخر مُظَهِّر، بميم مضمومة وظاء معجمة مفتوحة وهاء مشددة مكسورة وراء. (بما ينبت على الأربعاء): -بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة والمد- جمع ربيع؛ أي: كانوا يكرون الأرض بشيء معلوم، ويشترطون بعد ذلك على مكتريها (٢) ما ينبت (٣) على الأنهار والسواقي. * * * باب ١٣٢٦ - (٢٣٤٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ

стр. 2141

عَلِيًّ، عَنْ عَطَاءِ بْن يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْماً يُحَدَّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْبَادِيَةِ: "أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ: دُونَكَ يَا بْنَ آدَمَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ". فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ! لَا تَجِدُهُ إِلَاّ قُرَشِيّاً أَوْ أَنْصَارِيّاً؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ، فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ . (باب). (ثنا محمد بنُ سِنان): بسين مكسورة وألف بين نونين. قال الزركشي: وفي نسخة: "ابنُ يسار" (١). ولم يضبطه، مع الحاجة إلى ضبط هذا، مع (٢) تعرضه إلى ضبط ما هو مشهور جداً؛ كقوله: بنو النَّضير (٣): بفتح النون. (أن رجلاً من أهل الجنة (٤) استأذنَ ربَّه في الزَّرع): قال ابن المنير: وجهُ إدخاله لهذا الحديث في باب كِراء الأرضِ بالذهب والفضة: التنبيهُ على أن أحاديث المنع من الكراء إنما جاءت على الندب، لا على الإيجاب؛ لأن العادة (٥) فيما يحرص عليه ابنُ آدمَ أشدَّ الحرص ألا يُمنع من الاستمتاع

стр. 2142

به، وبقاءُ (١) حرصِ هذا الحريص من أهل الجنة على الزرع، وعلى طلب الانتفاع بالأرض في الجنة دليلٌ (٢) على أنه مات على ذلك؛ لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه، فدل ذلك على أن آخرَ (٣) عهدِهم من الدنيا جوازُ الانتفاع بالأرض واستثمارها، ولو كان كِراءَهاً محرماً عليه؛ لفَطَموا أنفسَهم عن (٤) الحرص عليها، ولم يثبت في أذهانهم هذا الثبوت. * * * باب: ما جاء في الغرس ١٣٢٧ - (٢٣٥٠) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِيناً، أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْماً: "لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ

стр. 2143

فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئاً أَبَداً". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ! مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللهِ! لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً أَبَداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]. (يقولون: إنَّ (١) أبا هريرة يُكثر، واللهُ المَوْعِدُ): -بفتح الميم وكسر العين المهملة- يريد: وعندَ الله الموعد؛ أي: هو حَسيبُ من يُعَرَّض أو يقول، وهناك يُعلم صدقي (٢)، ويُجازي من (٣) عرَّض. * * *

стр. 2144

كِتَابُ الشِّربِ والمُسَاقَاةِ

стр. 2145

باب: فِي الشِّرْبِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وَقَوْلِهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. الأُجَاجُ: الْمُرُّ، الْمُزْنُ: السَّحَابُ. (باب: ما جاء في الشِّرب): -بكسر الشين-: النصيب (١) من الماء، وضبطه الأصيلي بالضم، وهو على (٢) هذا مصدر (٣). * * * باب: فِي الشِّرْبِ، وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُوماً كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَقَالَ عُثْمَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ، فَيَكُونُ دَلْوُهُ

стр. 2146

فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ؟ "، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁. (باب: ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة). (من يشتري بئر رُومة (١)؟): رومةُ هذا يقال: إنه رومةُ الغِفاريُّ، كذا في "التجريد" للذهبي. وقال في "أسد الغابة" في ترجمة رومةَ الغفاريِّ: روى عبدُ الرحمن المحاربيُّ عن أبي مسعود، عن أبي سلمة، عن بشير بن بشير الأسلمي (٢)، عن أبيه، قال: لما قدم المهاجرون المدينة (٣)، استنكروا (٤) الماء، وكانت لرجل من غفار عينٌ يُقال لها: بئرُ رومة، كان يبيع القِرْبَةَ بالمد، فقال له (٥) النبي ﷺ : "بِعْنِيهَا بِعَيْنٍ في الجَنَّةِ"، فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرُها، ولا أستطيع ذلك، فبلغ قولُه عثمانَ بنَ عفان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألفَ درهم، ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: أتجعلُ لي مثلَ ما جعلتَ لرومةَ عيناً في الجنة إنِ اشتريتُها (٦)؟ قال: "نعم"، قال: قد اشتريتها، وجعلتها (٧) للمسلمين. أخرجه ابن منده (٨) (٩).

стр. 2147

وفي البخاري ما يقتضي خلافَ (١) ذلك؛ فإنه ذكر في أبواب الوقف (٢): أن عثمان قال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة"، فحفرتها؟ (٣) وهذا يقتضي أن رومة اسم العين، لا اسمُ صاحبها. قلت: ويحتمل أن يكون على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه؛ جمعاً بين الحديثين. * * * ١٣٢٨ - (٢٣٥١) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: "يَا غُلَامُ! أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟ "، قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَداً يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. (وعن يمينه غلامٌ أصغرُ القوم): قال النووي في "شرح مسلم": جاء في "مسند ابن أبي شيبة": أن هذا الغلام: عبدُ الله بنُ عباس، ومن الأشياخ خالدُ بنُ الوليد (٤). (فقال: يا غلام! أتأذن أن أعطي الأشياخ؟): قال ابن المنير: مدخلُه

стр. 2148

في الفقه (١) تحقيقُ أن الماء يُملَكُ، ولهذا استأذن النبي ﷺ بعضَ الشركاء فيه، ورتَّبَ قسمته يمنة (٢) ويسرة، ولو كان باقياً على إباحته، لم يدخله ملك ما (٣) يترتبُ قسمته. قلت: وفيه نظر. ثم قال: والحديث الثاني طابقَ الترجمة؛ لقوله: "وشِيبَ (٤) لبنُها بماء". والاستدلالُ ضعيف، فلعل هذا الترتيب؛ لأن اللبن هو الذي يُملك، لا الماء، والحديث الأول لم يذكر فيه الشراب الذي كان في القدح، هل هو ماء، أو لبن شيب بماء؟ وظاهر (٥) الأمر (٦) أنه كان لبناً، وقد جاء، فما وجهُ إدخاله في الترجمة؟ فيقال في الجواب: إنه أدخله؛ ليبين أن الأمر جرى في الماء الذي شيب (٧) به اللبن في الحديث الثاني مجرى اللبن المحض في الحديث الآخر، فدل ذلك على (٨) أن الماء يُملك كاللبن، وإذا مُلك، جازت هبتُه،

стр. 2149

والصدقةُ والوصيةُ مثلها، والذي في الحديث الهبةُ؛ لأنه ﵇ كان لا يتناول الصدقة، هذا (١) محمول على (٢) الهبة لا الصدقة؛ لما (٣) تقدم. * * * ١٣٢٩ - (٢٣٥٢) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْقَدَحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ، مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: "الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ". (وعن يمينه أعرابي): قيل: هو خالد بن الوليد، ذكره ابن التين (٤)، واستُبعد (٥)؛ فإن خالداً ﵁ لا يقال له: أعرابي (٦). (ثم قال: الأيمنَ فالأيمنَ): -بالنصب-؛ أي: قَدِّموا الأيمنَ. قال الزركشي: ويجوز الرفعُ على الابتداء، والخبرُ محذوف، وإنما

стр. 2150

استأذن الغلامَ في حديث [سهل، ولم يستأذن الأعرابي في حديث] (١) أنس؛ ائتلافاً (٢) لقلب الأعرابي، وتطييباً (٣) لنفسه، ولم يجعل الغلامَ بتلك المنزلة؛ لأنه من ذوي قرابته، وسنُّه (٤) دونَ سنِّ الأشياخ الذين عن يساره، واستأذنه عليهم حتى أعلمه أن ذلك حَقٌّ (٥) له بالتيامن (٦). * * * باب: مَنْ حَفَرَ بِئْراً فِي مِلْكِهِ، لَمْ يَضْمَنْ ١٣٣٠ - (٢٣٥٥) - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن أبيِ هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المَعْدِنُ جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، والعَجْماءُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمْسُ". (باب: من حفر بئراً في مِلْكه، لم يَضْمن). (والبئر (٧) جُبار): قال ابن المنير: الحديثُ مطلق، والترجمةُ مقيدة

стр. 2151

بالملك، وإذا كان الحديث تحته صور: أحدُها الملك، وهو أقعدُ (١) الصورِ بسقوط الضمان، كان دخولها (٢) في (٣) الحديث محققاً، فاستقام الاستدلال؛ لأنه إذا لم يضمن (٤)، وقد حفر في غير ملكه؛ كالذي يحفر في الصحراء، فأن لا يضمن مَنْ حفر في ملكه الخاصِّ أجدرُ. * * * باب: الخُصُومَةِ في البئْرِ، والقَضَاءِ فِيْها ١٣٣١ - (٢٣٥٧) - فَجَاءَ الأَشْعَثُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَقَالَ لِي: "شُهُودَكَ"، قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قَالَ: "فَيَمِينَهُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذنْ يَحْلِفَ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ تَصْدِيقاً لَهُ. (فقال لي: شهودَك): -بالنصب-: أحضرْ شهودَك. (قال: فيمينَه): -بالنصب-؛ أي: فاستوفِ (٥). (إذن يحلفَ): قال السهيلي: هو بالنصبِ لا غيرُ؛ لاستيفائها شروطَ إِعمالها، ولا يجوز إلغاؤها حينئذٍ. قال الزركشي: وكلامُ ابنِ خروفٍ في "شرح سيبويه" يقتضي أن الرواية

стр. 2152

بالرفع؛ فإنه قال: من العرب مَنْ لا ينصب بها مع استيفاء الشروط، وذكر الحديث (١). قلت: استشهاده بالحديث إنما يدل على أن الرفع مرويٌّ، لا أنه (٢) هو المروي كما يظهر من عبارة الزركشي (٣)، فتأمل. واعلم أن ابنَ [العمِّ المبهَم في قوله في هذا الحديث: كانت لي بئر في أرضِ ابنِ] (٤) عَمٍّ لي، هو الجفشيشُ بنُ النعمان الكِنْدِيُّ، ويقال: بالحاء وبالخاء أيضاً (٥). قال النووي: بفتح الجيم. ونقل غيره الضم والكسر. قيل: فيحصل (٦) فيه تسعُ (٧) لغات. قلت: إنما يثبت التسع عند ثبوت الحركات الثلاث في كل واحد من الجيم والحاء والخاء. * * *

стр. 2153

باب: سَكْرِ الأَنْهَارِ (باب: سَكْر الأنهار): بفتح السين المهملة وإسكان الكاف. قال الجوهري: هو مصدر سَكَرْتُ النهرَ أَسْكُرُهُ سَكْراً: إذا سَدَدْتَه (١). ١٣٣٢ - (٢٣٥٩ و ٢٣٦٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄: أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاء إِلَى جَارِكَ"، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ". فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ! إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. (أن رجلاً من الأنصار خاصمَ الزبيرَ): قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": قال ابنُ باطيش: هو حاطبُ بنُ أبي بَلْتَعَةَ، وقيل (٢): ثَعْلَبَةُ بنُ حاطِبٍ، وقيل: حُميد. وقوله في حاطب لا يصح؛ فإنه ليس أنصارياً، وقد ثبت في "صحيح

стр. 2154

البخاري": أن هذا الأنصاري القائل: كان بدرياً (١). وفي "أسد الغابة" في ترجمة حميد الأنصاري بإسناده: أخبرنا ابنُ قتيبة قال: أنبأنا يزيدُ (٢) بنُ خالدٍ الرمليُّ، قال: ثنا (٣) الليثُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بنِ الزبير: أن حميداً -رجل من الأنصار- خاصمَ الزبير في شِراج الحَرَّةِ، الحديث. قال أبو موسى: هذا حديث صحيح (٤) له طرقٌ شتى لا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلا من هذا الطريق. قال ابن الأثير: حُميد: بضم الحاء وآخره دال (٥). وفي "مبهمات ابن بشكوال": أنه ثابتُ بنُ (٦) قيسِ بنِ شماس (٧)، واستُبْعِد (٨). (في (٩) شِراج الحرة): بكسر الشين المعجمة وبألف بين راء وجيم في الآخر.

стр. 2155

قال الجوهري: الشَّرْج؛ يعني: بفتح الشين وسكون الراء: مَسيلُ ماء من الحرة إلى السهل، والجمع: شِراج، وشُروج (١) (٢). انتهى. والحرة: اسمُ موضع فيه تلك الشراج (٣). (أَن كان ابنَ عَمَّتِك): -بفتح الهمزة-: قضيتَ له؛ لأن كانَ كذلك. وقال ابن مالك في الرواية الأخرى: "إنه كان ابنَ عمتك" يجوز في "أنه" -الكسرُ والفتح-، وإذا كسرتَ، قدر قبلَها الفاء، وإذا فتحتَ، قدر قبلها اللام، والكسرُ أجود. واستشكل الزركشي تقديرَ الفاء قبلَها مع الكسر: بأن الفاء إنما تكون للتعليل (٤)، والتعليلُ (٥) يقتضي الفتحَ لا الكسر (٦). قلت (٧): هذا كلام (٨) من لم يلمَّ بفهم كلام القوم (٩)، وذلك أن الكسر منوطٌ بكون المحل محلَّ الجملة لا (١٠) المفرد، والفتحُ بكونِ المحل

стр. 2156

للمفرد لا للجملة، وأما التعليل، فلا مدخل له من حيث خصوصُ التعليل، لا في فتح، ولا غيره (١)، ولكنه رآهم يقولون في مثل: أكرمْ زيداً أَنَّه فاضلٌ -بالفتح-: فُتحت أَنَّ لإرادة التعليل مثلاً، فظنَّ أنه الموجبُ للفتح، وليس كذلك، وإنما أرادوا: فُتحت (٢) أن لأجل أن لام الجر مُرادَة، وهي في (٣) الواقع للتعليل، فالفتحُ (٤) إنما هو لأجل أن حرف (٥) الجر -مطلقاً- لا يدخل إلا على مفرد، ففتحت أَن من حيثُ دخولُ اللام باعتبار كونها [حرفَ جر، لا باعتبار كونها] (٦) للتعليل ولابدَّ. ألا ترى أن حرف (٧) الجر المقدَّرَ لو (٨) لم يكن للتعليل أصلاً؛ لكانت أَنْ مفتوحة، ثم ليس كل حرف دل على (٩) التعليل تُفتح أَنْ معه، وإنما قدر ابنُ مالك الفاء مع الكسر؛ ليأتي بحرف دالٍّ على السببية، ولا يدخل (١٠) إلا على الجمل، فيلزم كسرُ أَنْ بعده، ولا شك أن الفاء الموضوعةَ للسببية كذلك؛ أي: تختص بالجمل، فتأمله.

стр. 2157

(احبسِ الماء حتى يرجعَ إلى الجَدْر): -بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة-؛ أي (١): الجِدار، قيل: المراد به هنا: أصلُ الحائط، وقيل: أصولُ الشجر، وقيل: جدر المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول الثمار. كذا في "المشارق" (٢). قال السفاقسي: وروي بذال معجمة؛ أي: مبلغ تمام الشرب من جذر الحساب (٣). واختلف أصحاب مالك في صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل. فقال ابن حبيب: يُدخِل صاحبُ الأعلى جميعَ الماء في الحائط، ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء من قاعة (٤) الحائط إلى (٥) الكعبين [من القائم (٦) فيه، أَغلق مدخل الماء، وصرفَ ما زاد من الماء على مقدار الكعبين] (٧) إلى مَنْ يليه، فيصنع (٨) به مثلَ ذلك حتى يبلغ ماء السيل (٩) إلى أقصى الحوائط، وهكذا (١٠) فسر لي مُطَرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ.

стр. 2158

وقال ابنُ وهب، وابن القاسم: إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين، أرسله كلَّه إلى من تحته، ولم يحبس منه شيئاً في حائطه (١). ورجَّحَ (٢) ابن حبيب الأولَ بأن مطرفاً وابنَ الماجشون من أهل المدينة، وبها كانت القصة، فهما أقعدُ بذلك (٣). قال ابن المنير: والماء الذي (٤) يُستقى من الحرة، لم يكن مملوكاً، بل كان مباحاً (٥)، فلذا (٦) يقدَّم فيه الأعلى؛ بخلاف الماء المملوك، فيقسم (٧) بالقَلْد ونحوه، وظاهرُ الحديث مع ابن القاسم؛ لأنه قال: احبسِ الماء حتى يبلغ الجدرَ، والذي يبلغ الجدرَ هو الماء الذي يدخل الحائط، فمقتضى اللفظ أنه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وهي طريقةُ السقي بديار مصر (٨) في بعض النواحي: يحبس الماء على الحوض الأول أمداً معلوماً، ثم يرسله بجملته، فينزل الماء عن (٩) الأول إلى الثاني، ويخلو (١٠) الأول

стр. 2159

بالكلية، وبعضها على الصورة (١) التي (٢) ذكر ابن الماجشون: يحبسون الماء الذي في الحوض عليه، ويرسلون ما عداه، وهي طريقة حوائط الإسكندرية (٣). * * * باب: شِرْبِ الأَعْلَى إلى الكَعْبَيْن ١٣٣٣ - (٢٣٦٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْقِ يَا زُبَيْرُ -فَأَمَرَهُ بالْمَعْرُوفِ-، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ". فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ". وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ! إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ". وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. (واستوعى له حقه): أي: استوفاه له، وهو من الوعاء، وهذا يدل (٤)

стр. 2160

على أن القول الأول على وجه المشورة للزبير، والمسامحة لجاره ببعض حقه، لا على وجه الحكم، فلما خالفه الأعرابي، استقصى للزبير حقه. وقيل: هو من باب العقوبة بالمال، والأولُ هو الوجه، والرواية الثانية (١) في باب: إذا أشار الإمام (٢) بالمصلحة مصرَّحةٌ بذلك (٣). * * * باب: فَضْلِ سَقْي المَاءِ ١٣٣٤ - (٢٣٦٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيًّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْراً، فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَإنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ قَالَ: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. (بينما رجل يمشي): تقدم الكلام عليه في "بينما"، والذي تُلُقَّيَتْ به (٤) هو "إذا" من قوله: "فإذا هو بكلبٍ يلهثُ" غير أن الفاء مقترنة

стр. 2161

بها، ولعلها زائدة. (يأكل الثَّرى): -بفتح الثاء المثلثة-؛ أي: الأرض. (من العطش): "مِنْ" تعليلية، ويروى: "من العُطاش" -بضم العين المهملة-، وهو داء يصيب الإنسان، يشرب الماء ولا يروى، قاله الجوهري (١). (لقد بلغ بهذا مثل الذي بلغ (٢) بي): قال الزركشي: مثلَ -نصب- نعتٌ لمصدر محذوف؛ أي: مبلغاً مثلَ (٣). قلت: لا يتعين؛ لجواز أن يكون المحذوف مفعولاً به؛ أي: عطشاً. ورأيت في نسخة: "مثلُ (٤) "، مضبوطاً بالرفع، وله وجه، وهو أن يكون فاعلَ "بلغ"، و"هذا" مفعولٌ به مقدم. قال ابن الملقن: وكذا مضبوط بخط الدمياطي (٥). (ثم رَقِي): -بكسر القاف-؛ أي: صَعِد، كذا في الزركشي (٦). ومقتضى كلام السفاقسي: أن الرواية بفتح القاف، وذلك أنه قال: "ثم رَقى فسقى الكلبَ"، كذا وقع، وصوابه: رَقِيَ على وزن عَلِم، ومعناه: صَعِد، قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣].

стр. 2162

وأما رَقَى -بفتح القاف-، فمن الرُّقْيَة، وليس هذا موضعَه، وخرَّجه على لغة طيئ في مثل: بقَى يبقى، ورضَى يرضى؛ يأتون بالفتحة (١) مكان الكسرة، فتنقلب الياء ألفاً، وهذا دأبهم في كل ما هو من هذا الباب (٢). قلت: ولعل المقتضي لإيثار الفتح هنا -إن صح- قصدُ المزاوجة بين رَقَى وسَقَى، وهي من مقاصدهم التي يعتمدون (٣) فيها تغير (٤) الكلمة عن وضعها الأصلي. * * * ١٣٣٥ - (٢٣٦٤) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ناَفِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَالَ: "دَنَتْ مِنِّي النَّارُ، حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ! وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً". (أَيْ رَبِّ!): -بفتح همزة أَيْ-، وهي (٥) حرف نداء. (وأنا معهم؟): على حذف همزة الاستفهام؛ أي: أو (٦) أنا معهم؟

стр. 2163

١٣٣٦ - (٢٣٦٥) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ -قَالَ: فَقَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ: -لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا، وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ". (عُذبت امرأةٌ في هرة حبستها): احتج به ابن مالك على ورود "في" للسببية (١). (من خشاش الأرض): قال الزركشي: مثلث الخاء (٢). قلت: ليس فيه تصريح بأن الرواية بالتثليث، ولم أتحقق (٣) ذلك، فيُبحث عنه. قال ابن المنير: حديثُ سقيِ الكلبِ يدلُّ على فضل السقي، وحديثُ صاحب الهرة إنما يدل على تحريم قتل النفس بالعطش، ولو كانت النفس حيواناً؛ كالهرة، وليس فيه ثوابُ السقي، لكن كفى بالسلامة فضلاً. * * * باب: مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ (باب: من رأى [أن] صاحبَ الحوض والقربة أحقُّ بمائه): ساق فيه

стр. 2164

حديث الغلام الذي عن يمينه، والأشياخ الذين (١) عن يساره، وحديث: "لأَذُودَنَّ رِجالاً (٢) عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ". فانتقد المهلبُ على البخاري الأولَ بأنه لا يدل على أن صاحب الماء (٣) أحقُّ به، وإنما فيه أن الأيمن أحقُّ من صاحب القدح أن يعطيه غيره. ورده ابن (٤) المنير بأن استدلال البخاري ألطفُ من ذلك؛ لأنه إذا استحقه الأيمن بالجلوس، واختص به، فكيف لا يختص به صاحبُ اليد المسببُ (٥) في تحصيله؟ قال المهلب: وإنما الدليل من قوله: "لأَذودنَّ رجالاً عن حوضي"؛ لدلالته على أحقية صاحب الحوض بمائه. قال ابن المنير: وهو وهم؛ فإن تنزيل أحكام التكاليف على وقائع الآخرة غير ممكن، وإنما استدل البخاري منه بقوله: "كما تُذاد الغريبةُ من الإبل عن الحوض"، فما شُبه بذودها في الدنيا إلا ولصاحب الإبل منعُ غير إبله من مائه، والتعدي لا يُشَبَّه به (٦) الحقُّ. * * *

стр. 2165

١٣٣٧ - (٢٣٦٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لأَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِي، كمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ". (لأذودَنَّ): -بذال (١) معجمة ثم دال (٢) مهملة-؛ بمعنى (٣): الطرد. * * * باب: لا حِمَى إلَاّ للهِ ولرَسُولِهِ ﷺ - ١٣٣٨ - (٢٣٧٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا حِمَى إِلَاّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ". وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرِفَ وَالرَّبَذَةَ. (بلغنا (٤) أن النبي ﷺ حمى النقيع (٥)): القائل: "بلغنا" هو ابن شهاب، رواه ابنُ وهب في "موطئه" كذلك عن يونس.

стр. 2166

والنقيع -بالنون-: موضع (١) بقرب المدينة كان الماء يستنقع فيه (٢)؛ أي: يجتمع (٣). (وأن عمر حمى السَّرِفَ): -بفتح السين المهملة وكسر الراء-، كذا عند البخاري. قال الدمياطي: وهو خطأ، والصواب -بالشين المعجمة وفتح الراء-، كذا رواه ابن وهب في "موطئه"، وهو من (٤) عمل المدينة، وأما سَرِف، فمن عمل مكة على ستة أميالٍ منها، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة (٥)، وقيل: اثني عشر، ولا تدخله الألف واللام (٦). قال القاضي: وقد رواه بعض رواة البخاري، وأصلحه على الصواب (٧). (والرَّبَذَة): -براء وموحدة وذال معجمة مفتوحات-: موضع بالبادية فيه قبر أبي ذَرًّ (٨)، وقد تقدم. * * *

стр. 2167

باب: شُرْبِ النَّاسِ، وسَقْيِ الدَّوابِّ منَ الأَنْهَارِ ١٣٣٩ - (٢٣٧١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ: فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ، كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنِ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ، كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّياً وَتَعَفُّفاً، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْراً وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ". وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَاّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ". (فما أصابت (١) في طِيَلها): -بكسر الطاء المهملة وفتح الياء المثناة من تحت-: الحبل الطويل يُشد أحدُ طرفيه في وتد أو غيره، والطرفُ الآخر في يد الفرس لتدورَ فيه وترعى و [لا] تذهب لوجهه، وعند الجرجاني: "طولها" وكذا في مسلم (٢) وأنكر يعقوب الياء، وحكى ثابت

стр. 2168

في "دلائله" الوجهين (١). (فاستَنَّتْ): يقال: استَنَّ الفرسُ اسْتِناناً؛ أي: غدا لمرحه (٢) ونشاطه. (شرَفا أو شرَفين): -بفتح الراء-: العالي من الأرض، وقيل: المراد هنا: طلقاً أو طلقين، ولا راكب عليه. (ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه، ولا يريد أنه يسقيها (٣) (٤)): قيل: إنما ذلك؛ لأنه وقت لا تنتفع (٥) بشربها فيه، فيغتم لذلك (٦)، فيؤجر، ويحتمل أنه كره شربها من (٧) ماءِ غيرِه بغير إذنه. (ونِواءً لأهل (٨) الإسلام): -بنون مكسورة فواو فألف ممدودة-؛ أي: مُعاداةً لهم. قال الزركشي: وأغربَ الداودي فقال: بالفتح والقصر (٩). ونُصبَ على أنه مفعولٌ له، أو مصدرٌ مؤكِّد، والجملة حالية، أو على أن المصدرَ نفسَه الحالُ مبالغةً، أو على حذف مضاف، وقد مر له نظائر.

стр. 2169

(إلا هذه الآيةُ الفاذَةُ): -بالذال المعجمة-؛ أي: القليلةُ المثلِ المنفردةُ في معناها؛ فإنها تقتضي أَنَّ من أحسنَ إلى الحُمُر، رأى إحسانهَ في الآخرة، ومن أساء إليها، وكلفها فوق طاقتها (١)، رأى إساءته لها (٢) في الآخرة. (الجامعةُ): أي: العامة الشاملة. قال الزركشي: وهو (٣) حجة لمن قال بالعموم في "مَنْ"، وهو مذهب الجمهور. قلت: وكذا هو حجة في عموم (٤) النكرة الواقعة في سياق الشرط؛ نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وهذا منه (٥) ﷺ إشارة إلى أنه لم يبين له الله في أحكام الحمر وأحوالها ما بَيَّنَ له في الخيل والإبل وغيرهما مما ذكره، فالمعنى: لم ينزل عليَّ فيها نصٌّ، لكنه نزلت هذه الآية العامة (٦). * * * ١٣٤٠ - (٢٣٧٢) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ -رَضِيَ اللهُ

стр. 2170

عَنْهُ-، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَاّ، فَشَأْنَكَ بِهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: "مَالَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ (١)، فسأله عن اللقطة): تقدم في باب: الغضب في الموعظة من كتاب العلم، تفسيرُ هذا المبهم ببلال ﵁، ووعدنا هناك بالكلام عليه. فاعلم أنه وقع في "أسد الغابة" في ترجمة عُمير والدِ مالكٍ، قال: أورده أبو بكر الإسماعيلي، روى عنه (٢) ابنه مالك: أنه سأل رسولَ الله ﷺ عن اللقطة، فقال: "عَرِّفْهَا، فَإِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَعرفُها، فادْفَعْها (٣) إِلَيه، وإلا، فاسْتَمْتِعْ (٤) بِها، وأَشْهِدْ بِها عَلَيْكَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها، فَادْفَعْها إِليه، وَإِلَاّ فَهِيَ مالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ" أخرجه أبو موسى (٥). وفي الطبراني: أنه زيدُ بنُ خالد -راوي الحديث- أبهمَ نفسه (٦).

стр. 2171

واللقَطة هنا -بفتح القاف-، قال الزركشي: كذا الرواية (١). (وإلا فشأنَكَ بها (٢)): -بنصب- شَأْنَ على أنه مفعول بفعل محذوف. (سِقاؤها): -بكسر السين وبالمد-، يريد: الجوف. (وحِذاؤها): -بحاء مهملة مكسورة وذال معجمة وألف ممدودة-: الخُفُّ. * * * باب: بَيْعِ الحَطَبِ والكَلأ ١٣٤١ - (٢٣٧٥) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃: أَنَّهُ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفاً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ شَارِفاً أُخْرَى، فَأَنَخْتُهُمَا يَوْماً عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِراً لأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ، فَقَالَتْ: أَلَا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ، فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكبَادِهِمَا. قُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَالَ: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا. قَالَ ابْنُ

стр. 2172

شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ، وَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَاّ عَبِيدٌ لآبَائِي؟ فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ. (ومعي صائغٌ): وعند الشيخ أبي الحسن: "طالع"، قال: ومعناه: طالعٌ يدلُّه على الطريق (١). (معه (٢) قَيْنة): -بقاف مفتوحة فمثناة من تحت ساكنة فنون فهاء تأنيث- المراد بها: المغنية (٣). (فقالت: يا حمزَ للشرف النواء): حمزَ: منادى مرخَّم على لغة من نوى، فالزاي مفتوحة، وفي نسخة: بضم الزاي (٤)، على لغة من لم ينوِ، والجارُّ من قوله: "للشرفِ" متعلق بمحذوف؛ أي: انهضْ، تستدعيه (٥) أن (٦) ينحرها؛ ليطعمَ أضيافه من لحمها، والشُّرُف -بضمتين- جمعُ شارف، وقد تسكن الراء تخفيفاً، وإنما كانتا شارفين ففيه إطلاق الجمع على الاثنين.

стр. 2173

(النَّواء (١)): -بكسر النون وتخفيف الواو والمد-: جمعُ ناوية، وهي السمينة، يقال: نوت الناقة: سَمِنَتْ، فهي ناوية. ووقع عند الأصيلي والقابسي: "النوا" بالقصر. وحكى الخطابي: أن ابن جرير الطبري (٢) رواه: "ذا الشَّرَفِ النَّوى" -بفتح الشين والراء والنون والقصر-، وفسره بالبعد. قال الخطابي: وهو وهم، وتصحيفٌ، وبقيةُ البيت: "وَهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالْفِنَاءِ (٣) ". وبعده: ضَع السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا ... وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبِهَا لِشَرْبٍ ... قَدِيداً مِنْ طَبِيخٍ أَوْ شِوَاءِ ذكرهما ابن أبي شيبة في كتابه. "والشَّرْب (٤) " -بفتح الشين وإسكان الراء-: الجماعة على الشراب، والواحدُ شارِبٌ؛ مثل: تاجِر وتَجْر (٥). (فثار): -بمثلثة (٦) -: وَثَبَ (٧).

стр. 2174

(فجَبَّ): -بجيم-: قطعَ. (أسنمتَهما): جمعُ سَنامٍ، وهو ما على ظهر البعير. (وبَقَرَ): -بالقاف-: شَقَّ. (إلى (١) منظر أفظعني): أي: هالَني، يقال: أفظعَ الأمرُ، فهو مُفْظِعٌ وفَظيعٌ، والظاء معجمة. (وذلك قبل تحريم الخمر): لأنها حُرمت بعد (٢) وقعة أُحُد، وحمزةُ توفي يومَ أُحد. * * * باب: القَطَائِعِ ١٣٤٢ - (٢٣٧٦) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً ﵁، قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا، قَالَ: "سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي". (أن يُقْطِعَ (٣)): مضارع أَقْطَعَ، وهو عَطاءٌ يُعطيه الإمامُ أهلَ السابقةِ والفضلِ. قال الخطابي: وإنما يسمَّى إقطاعاً: إذا كان أرضاً، أو عقاراً، وإنما

стр. 2175

يُعطيه من الفيء دون حقوق المسلمين، وإقطاعُه من البحرين إما من الموات (١) الذي لم يملكه أحد، فيُمْلَك (٢) بالإحياء، وإما أن يكون من العمارة من حقِّه في الخمس (٣). (سترون بعدي أُثْرة): بضم الهمزة وسكون المثلثة، ويروى بفتحهما. قال الزركشي: ويقال: بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وهو الاستئثار؛ أي (٤): يستأثر عليكم بأمور الدنيا، ويُفضل غيرُكم نفسَه عليكم، ولا يُجعل (٥) لكم في الأمر نصيب (٦). * * * باب: الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ، أَوْ شِرْبٌ فِي حَائِطٍ أَوْ فِي نَخْلٍ (باب: الرجل يكون له ممر، أو شرب في حائط أو نخل): قال ابن المنير: وجهُ دخول هذا في الفقه: إمكانُ اجتماع الحقوق في العين (٧) الواحدة، هذا له الملكُ، وهذا له الانتفاعُ، وفهمَه البخاريُّ من استحقاقِ
следующие страницы →