← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ووجه ثالث في الدلالة: وهو إدخال المال مع النفس، فإنها (١) تنهدر عصمة المال (٢) إذا قُتل كفرًا، وأما المقتول حَدًّا، فمالُه معصوم (٣)، وترثُه ورثتُه. * * * باب: مَنْ قَالَ: إِنَّ الإيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] قَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. (﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]): الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض (٤)، والمعطي بعوض قد يعطي مجانًا، فلا يلزم من جعلها للعوض كون العمل سببًا في دخول الجنة، وأما الباء في قوله ﵊: "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدكُمُ الجَنَّةَ بعَمَلِهِ (٥) " (٦)،

стр. 247

فللسببية (١)، لا للمقابلة، فقد اختلف المحملان (٢)، واندفع ما كان يظن من التعارض بين الآية والحديث. (عما كانوا يعملون: عن قول: لا إله إلا الله): المختار أن (٣) معناه؛ لنسألنهم عن جميع أعمالهم التي (٤) يتعلق بها التكليف. * * * ٢٥ - (٢٦) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ باللَّهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". (سئل: أيُّ العمل أفضل؟): في كتاب: العتق من "البخاري" عن أبي ذر، قال: "سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ " (٥). (حج مبرور): أي: خالص لا يخالطه إثم، وقد جمع بين اختلاف ألفاظ الأحاديث الواردة في رتب العبادات في الفضل (٦) بأنه جرى على

стр. 248

اختلاف الأحوال، فأعلم كلًّا بما تدعو الحاجة إليه في حقه (١)، أو ذكر ما (٢) لم يعلمه السائل، وتركَ ما علمه. * * * باب: إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقةِ، وكان على الاستسلامِ أو الخوفِ من القتلِ ٢٦ - (٢٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ! إِنَّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ! إِنِّي لأَرَاه مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ! إِنَّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ". وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. (رهطًا): هم ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، كذا في "الصحاح" (٣).

стр. 249

(رجلًا هو أعجبهم إليّ): يقال: هو جعيل بن سراقة، وفي "مغاري" الواقدي: ما يدل على ذلك. (لأَراه مؤمنًا): قال النووي: بفتح (١) الهمزة، ولا يجوز ضمها، على أن يُجعل بمعنى أظن؛ لأنه قال: ثم غلبني ما أعلم منه (٢). وقال القرطبي: الرواية -بالضم- بمعنى أظنه، وهو منه حلف على ظنه، ولم ينكر عليه (٣). قال ابن المنير: لو خرج قولُ سعد مخرجَ الشهادة، ما أنكر عليه بتُّ القول (٤) بأنه مؤمن، بل على الشاهد أن يبت (٥) شهادته في التزكية، وهي أشد من الإيمان؛ لأنها إيمان وعدالة، وإنما خرج مخرج المدح لصاحبه، والتوسلِ له في طلب العطاء، فلذا نوقش في لفظه. (أوْ مسلمًا): -بإسكان الواو-. قال (٦) الزركشي: على الإضراب عن قوله، والحكم بالظاهر؛ كأنه (٧) قال: بل مسلمًا، ولا يقطع بإيمانه؛ فإن الباطن لا يعلمه إلا الله (٨).

стр. 250

قلت: سيبويه يراها للإضراب بشرطين: تقدم نفي أو نهي، وإعادة العامل؛ نحو: ما قام زيد، أو ما قام عمرو، ولا يقم زيد، أو (١) لا يقم عمرٌو، وكلاهما في الحديث منتفٍ، نعم الكوفيون وبعض البصريين يرونها للإضراب مطلقًا، وعليه يتأتى ما قاله الزركشي. ويمكن جعلُها للشك عند الجميع، والمعنى: قل: لأراه (٢) مؤمنًا أو مسلمًا، أرشده بذلك إلى التعبير بعبارة سالمة عن الحرج؛ إذ لا بتَّ فيها بأمر باطن لا يطلع عليه. (يَكبه): -بفتح الياء- مضارع كَبَّه: إذا ألقاه، وهو متعدٍّ بدون الهمزة، فإذا جاءت، صار لازمًا، يقال: أكبَّ الرجلُ، على العكس مما هو معروف. * * * باب: إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلامِ وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. (وقال عمار: ثلاثٌ من جمعهنَّ، فقد جمع الإيمان): رواه البغوي في "شرح السنة" عن عمار مرفوعًا (٣)، كذا في ابن الملقن (٤).

стр. 251

باب: كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ (باب كفرانِ العشير، وكفرٍ دونَ كفرٍ): قال ابن المنير: هذه الترجمة ونحوها تشتمل (١) على مقصودين: أحدهما: أن المعاصي لا توجب تخليدَ العصاة، ولا إلحاقَهم بالكفار. الثاني: وهو أهمهما (٢): أن الكفر يتبعَّضُ كما يتبعض الإيمان، ومقصودُ البخاري أن يوفي (٣) بصحة مذهبه في أن الإيمان يتبعَّض، ويلزم مثله من الكفر، وإن كنا لا نجيز أن يطلق على العاصي كافرًا لا كفرًا مقيدًا؛ كقوله: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ"، ويجوز أن يطلق الإيمان على بعضه من غير تقييد، وسيأتي الفرق. * * * باب: الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بارْتِكَابهَا إِلَّا بالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. (باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك): هو من نمط ما تقدم. قال (٤) ابن المنير: تلطف البخاري في القول؛ لأنه (٥) لما قرر بالتراجم

стр. 252

المتقدمة أن الطاعات داخلة في مسمى الإيمان، وأبعاضٌ له، توقع أن يقال: لو كان كذلك؛ لكانت المعاصي أبعاضًا للكفر، ولكان العاصي كافرًا كفرًا ناقصًا، فقرر أن المعاصي تدخل في مسمى الجاهلية، والجاهلية (١) كانت كفرًا، ولهذا يقال لمن خالف بعض المخالفة: فيك جاهلية، وكأن إطلاق الكفر على الإيمان (٢)، إنما منعه الله فضلًا منه؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فوسَّع في (٣) باب الرحمة، وفسح في إطلاق الإيمان على الطاعات، ولم يفسح في باب الغضب، فلم يأذن في إطلاق الكفر على المعاصي، وإن كانت شُعبًا له، وعلاماتٍ (٤) عليه، ويخشى منه التدرُّع إليه (٥). قلت: فيه نظر؛ فقد سمَّى الشارع آثارَ الكفر كفرًا، كما سمى آثار التصديق إيمانًا: "مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبيهِ فَقَدْ كَفَرَ" (٦)، "اثْنَانِ في النَّاسِ هُمْ (٧) بهِمَا كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ" (٨)، "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ" (٩)، "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (١٠).

стр. 253

وإنما كانت هذه الأفعال من آثار الكفر؛ لأن الكافر لا يبالي ما فعل؛ إذ لا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا، فيكثر إقدامُه على المعاصي والمخالفات. * * * ٢٧ - (٣٠) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَب، عَنِ الْمَعْرُورِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فَأَعِينُوهُمْ". (المعرور): بعين وراءين (١) مهملات. (أبا ذَر): بذال معجمة مفتوحة. (بالرَّبَذَة): -بفتحات، وباؤها موحدة، وذالها معجمة-: موضع على ثلاثة مراحل من المدينة. (إني سابَبْتُ رجلًا): هو بلالُ بن رباح المؤذنُ ﵁. (فعيرته بأمه): هي حَمامَةُ، من مولَّدي مكةَ لبني جُمَح، وقيل: من مولَّدي السراة. قال ابن المنير: وفيه دليل على أن نفيَ الولد الذي يحدُّ قاذفهُ يوجب

стр. 254

الحدَّ، وإن كان أبواه (١) كافرين؛ كقوله لحرٍّ مسلمٍ ابنِ كافرين: يا بن الزنا! لا يقال: الزنا في هذه الصورة لا يعدو الكافرين؛ لأنا نقول بتأذي (٢) الحر المسلم في نسبه، فهو كمباشرته بالقذف، وقد حكم النبي ﷺ بأنه آذاه حين عيره بأمه. انتهى. وفيه نظر، وأنكر ابن قتيبة تعديةَ عَيَّرَ بالباء، والحديثُ يردُّ عليه. (إخوانكم خولكم): -بالنصب (٣) -؛ أي: احفظوا، ويجوز الرفع على معنى: هم إخوانُكم. قال أبو البقاء: والنصبُ أجودُ (٤). وتعقبه الزركشي: بأن البخاري رواه في كتاب "حسن الخلق": "هم إخوانُكم"، فيترجح به الرفع (٥). و (الخَوَل): - بفتح الخاء المعجمة والواو-: حَشَمُ الرجل وأتباعُه، واحدُهم خائِلٌ. * * * باب: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ (باب: ظلم دون ظلم): معناه كالباب الذي قبله: أن تمام العمل بالإيمان، وأن المعاصي تُنقصه، ولا تُخرج صاحبَها إلى الكفر.

стр. 255

٢٨ - (٣٢) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي بشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]): قال ابن المنير: وانظر كيف يلزم من هذا أن يكون الظلم الواقع في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هو هذا الظلم الذي هو الشرك إلا بدليل منفصل، والحاصل: أنه ﵇ بيَّن لهم بلفظه أن الظلم الذي أُريد هو الشرك، ثم نزل القرآن بأن الشرك يُسمى ظلمًا مصداقًا (١) للسنة. قال: ووجهُ إدخاله لهذه (٢) الترجمة في باب: كفر دون كفر: أنه قد أطلق على الكفر أنه ظلم، فيلزم أن يصدق أن بعض الظلم كفر، فإذا فتح (٣) هذا، لزم أن يكون ظلم دون ظلم؛ كقولنا: كفر دون كفر. * * * باب: علامةِ المنافقِ ٢٩ - (٣٤) - حَدَّثَنَا قَبيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ

стр. 256

النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ. (قَبيصَة): بقاف مفتوحة وصاد مهملة. * * * باب: قيام ليلةِ القدرِ من الإيمانِ ٣٠ - (٣٥) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ". (من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له): فيه مجيء فعل الشرط مضارعًا، والجواب ماضيًا، وكذا في قول عائشة ﵂: "إِنَّ أَبا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ، رَقَّ" (١). قاله ابن مالك. وقواه بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤]؛ لأن تابع الجواب جواب (٢). و"إيمانًا" مفعول لأجله، أو حال؛ أي: ذا إيمان، "واحتسابًا": عطف عليه في الوجهين. * * *

стр. 257

باب: الجهادِ من الإيمان ٣١ - (٣٦) - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بي وَتَصْدِيقٌ برُسُلِي، أَنْ أَرْجِعَهُ بمَا ناَلَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ". (انتدب): -بنون بعد همزة الوصل-، معناه: سارعَ بالثواب وحسن الجزاء (١)، وقيل: تكفل. قال القاضي: وللقابسي (٢): "ائتدب" -بهمزة صورتها ياء- من المأدبة (٣). (في سبيله): الهاء عائد (٤) على "الله"، وجوز ابن مالك عودها على "مَن"، ونعت (٥) سبيله محذوف؛ أي: لمن خرج في سبيله المرضية، ثم أضمر قول حكى (٦) به ما بعده لا محل له (٧). (لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي): هو على طريق الالتفات عن الغيبة إلى التكلم.

стр. 258

قال ابن مالك في "التوضيح": كان اللائق: إلا إيمانٌ به (١)، ولكنه على تقدير حال محذوفة (٢). ونسبه شهاب الدين ابن (٣) المرحل إلى الإساءة في قوله: كان اللائق، قال: ولا حاجة إلى تقدير حال محذوفة؛ لأن حذف الحال لا يجوز. قلت: أما الأول، فمسلَّم، وأما الثاني فممنوع؛ فقد ذكر ابن مالك من (٤) شواهده هنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧]؛ أي: قائلين، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]؛ أي: قائلين: سلام عليكم، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]؛ أي: قائلين (٥). قال ابن المرحل: وإنما هو من باب الالتفات. قال الزركشي: الأليق أن يقال: عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور (٦)؛ يعني: أن الالتفات موهم للجسمية، فلا يطلق في كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء (٧) البيان.

стр. 259

(أن أَرجعه): -بفتح (١) الهمزة- مضارع رجع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. (بما نال من أجر): أي: فقط إذا كان حيًّا ولم يَغْنم. (أو غنيمة): أي: مع الأجر إذا كان حيًّا وغَنِم. (أو أُدخله الجنة): أي (٢): إذا مات، و"أو" للتقسيم، وقد استوفيت (٣) أقسام من خرج للجهاد؛ إذ لا يخلو من إحدى ثلاث: إما أن يحيا، أو يموت، وعلى الأول: إما (٤) أن لا يغنم، أو يغنم. (ولوددت أني (٥) أُقتل في سبيل الله): والمتمني له بالقصد إنما هو حصول أجر (٦) الشهادة العظمى، وأما ما يلزم عن ذلك من كفر القاتل بما يرتكبه من قتله (٧)، فليس مقصودًا له حتى يقال: يلزم عليه تمني الكفر، وهذا (٨) معنى كلام القرافي فيما أظنه. * * *

стр. 260

باب: صوم رمضانَ احتسابًا من الإيمانِ ٣٢ - (٣٨) - حَدَّثَنَا ابنُ سَلَامٍ، قال: أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيد، عنْ أبي سَلَمَة، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ". (فُضَيْل): -بضم الفاء- تصغير فضل. * * * باب: الدِّينُ يُسْرٌ وقول النبيِّ ﷺ : "أحبُّ الدينِ إلى اللهِ الحنيفيَّةُ السَّمْحةُ " ٣٣ - (٣٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". (مطهَّر): بتشديد الهاء وفتحها. (الغِفاري): -بغين معجمة مكسورة- نسبة لجده غفار (١). (المقبُري): -بفتح الباء (٢) الموحدة وضمها-؛ لأنه كان يسكن

стр. 261

المقابر، وقيل: بل نزل بناحيتها. (أحبُّ الدين إلى الله الحنيفيةُ السمحة): لم يسنده؛ لأنه ليس على شرطه، وساق معناه في الحديث الذي خرجه في الباب، وأسنده ابن أبي شيبة (١). ومقصود البخاري من هذه الترجمة: أن الدين يقع على الأعمال؛ لأن الذي يتصف بالعسر واليسر (٢) إنما هي الأعمال دون التصديق، ولذلك قال: (وشيء من الدلجة): وهي سير الليل كله (٣)؛ لأن استغراق الليل كله بالعمل شاقٌّ على النفوس. وحمل ابن المنير الغدوة والروحة عليهما في سبيل الله وقتًا من الأوقات، قال: والظاهر أن الدلجة قيام السحر، والله أعلم. وهذه كلها فضلات عن الأعمال الواجبة، ولهذا قال: استعينوا بها؛ أي: بشيء من النوافل. (ولن يشاد الدين إلا غلبه (٤)): كذا للجمهور، ولابن السكن إثبات لفظ: "أحد" على أنه فاعل، و"الدينَ" مفعول به، وأما على الأول، فكثيرٌ ضبطَ "الدينَ" -بالنصب- على أن الفعل مبني للمعلوم، والفاعل مضمَر

стр. 262

يعود على ما يفهم (١) من السياق. وبعضهم ضبطه -بالرفع- على أن الفعل مبني للمجهول، والمرفوع نائب عن الفاعل، والضمير المنصوب من "غلبه" إما أن يعود إلى الفاعل الذي يدل عليه السياق، أو إلى المصدر المفهوم من غلب، مثل: هذا سُراقَةُ للقرآنِ يَدْرُسُهُ (٢) والمشادة: -بالشين المعجمة فالدال (٣) المهملة-: المغالبة (٤). * * * باب: الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ (يعني صلاتكم عند البيت): كذا وقع في الأصول. قال السفاقسي: يريد: بيت المقدس. قلت: لفظة "عند" تدفعه، والصواب كما قطع به بعضهم: "إلى بيت المقدس" (٥). ٣٤ - (٤٠) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ:

стр. 263

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ باللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَاب، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ، وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (كان أولَ ما قدم (١) المدينة): بنصب أول. قال الزركشي: خبر كان (٢). قلت: هو وهم، إنما خبر كان: نزل، وأولَ ظرفٌ لنزل (٣)، أو متعلق بكان على القول بدلالة الناقصة على الحدث، كما مر. (نزل على أجداده، أو قال: أخواله من الأنصار): شكٌّ من الراوي، وكلاهما صحيح؛ لأن هاشمًا جد أبي النبي ﷺ تزوج من الأنصار في بني عدي بن النجار.

стр. 264

لكن في السيرة: أن نزوله ﵇ أول قدومه إلى المدينة على كلثوم بن الهدم، ثم على أبي أيوب الأنصاري (١). وليس واحد منهما من أخواله ولا أجداده؛ لأنهما ليسا من بني عدي ابن النجار. (قِبَل): -بكسر القاف وفتح الموحدة-؛ أي: إلى جهته (٢). (بيت المَقْدس): -بفتح الميم وإسكان القاف-، ويقال: -بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال-؛ أي: المطهر، والإضافة حينئذ كما في مسجد الجامع. (وأنه أول صلاة): بنصب أول على أنه مفعول يصلي محذوفًا، وقد ثبت كذلك في بعض الروايات. (صلاها): أي: إلى الكعبة، ثم حُذف الجار توسُّعًا. (صلاة العصر): -الرفع (٣) - عن ابن مالك، والظاهر نصبه على البدل. (فخرج رجل ممن صلى معه): قيل: هو عباد بن نهيك، وقيل: عباد بن بشر الأشهلي. (فمر على أهل مسجد): ليس هذا (٤) مسجد قباء، وإنما هو مسجد بني سلمة، ويعرف بمسجد القبلتين.

стр. 265

(فداروا كما هم): أي: على الحالة التي كانوا عليها، فلم يقطعوا (١) الصلاة، بل أتموها إلى جهة الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين (٢) بدليلين شرعيين. فإن قلت: ما وجه قوله: "كما هم" في صناعة الإعراب؟ قلت: الظاهر أن الكاف بمعنى على، وأن "ما (٣) " كافة، و"هم" مبتدأ حذف خبره؛ أي: عليه، أو كائنون. وقد يقال: إن "ما" موصولة، و"هم" مبتدأ حذف خبره؛ أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلف شرطه. وفيه: جواز النسخ بخبر الواحد، وإليه ميل المحققين. (وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهلُ الكتاب): برفع أهل عطفًا على اليهود، فيكون من عطف العام على الخاص؛ إذ اليهودُ أهلُ كتاب. * * * باب: حُسْنُ إِسلامِ المرءِ ٣٥ - (٤١) - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيَّئَةٍ كَانَ زَلفَهَا، وَكانَ بَعْدَ

стр. 266

ذَلِكَ الْقِصَاصُ: الْحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبع مِئَةِ ضعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا". (قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم): أخرجه هنا معلقًا، فإن بينه وبين مالك واسطة؛ لأنه لم يسمع منه، وعبر عن ذلك بصيغة لا تقتضي التصريح بالسماع، لكنها (١) تقتضي حكمه بالصحة إلى من علقه عنه، فإنَّ (قال) من صيغ الجزم، ويقع في بعض النسخ وصل ذلك من قبل أبي ذر الهروي (٢). وقد صنف الحافظ العلامة شهابُ الدين ابن حجر -سلمه الله، وجمعَ الشملَ به في خير وعافية- كتابًا وصل (٣) فيه معلقات البخاري، وسماه: "تغليق التعليق" ملكته في سفرين، وهو كتاب حافل لم يسبق إليه. (فحسن إسلامه): أي: أضاف إلى الإيمان حسنَ العمل. قال الزركشي: وزاد البزار فيه: "إن الكافر إذا حسن إسلامه، يكتب له في الإسلام بكل (٤) حسنة عملها في الشرك"، وإنما اختصره البخاري؛ لأن قاعدة الشرع أن المسلم لا يثاب على عمل لم ينو به القُربة، فكيف بالكافر (٥)؟ قلت: لا نسلم (٦) أن هذا هو الحامل للبخاري على اختصاره،

стр. 267

ولأن (١) قاعدة الشرع تنافي ما زاده البزار، فإنه قد ثبت في الشرع أن الله تعالى يتفضل على العاجز إذا ترك الأعمال عجزًا بثواب تلك الأفعال (٢) التي كان يفعل مثلها وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمله ألبتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عمله (٣) غير مستوفي الشروط. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه لما أثبت للإسلام صفة الحسن، وهي زائدة عليه، دل على اختلاف أحواله، وإنما تختلف الأحوال بالنسبة إلى الأعمال؛ إذ هي القابلة للزيادة والنقص، وأما التصديق، فلا يقبله، على ما مر. هذا معنى كلام ابن المنير ﵀. (زلَفها): -بفتح اللام مخففة-: جمعها واكتسبها، أو قربها قربةً إلى الله تعالى. * * * ٣٦ - (٤٢) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بمِثْلِهَا". (هَمَّام): بهاء مفتوحة وميم مشددة. * * *

стр. 268

باب: أحبُّ الدِّينِ إلى الله أدومُه ٣٧ - (٤٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ ". قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: "مَهْ، عَلَيكُمْ بمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ! لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. (قالت: فلانة): هي الحولاء (١) -بحاء مهملة وألف ممدودة- بنت تُوَيْتٍ- بالتصغير بمثناة من فوق في أوله وآخره -وقع تسميتها بذلك في "صحيح مسلم" (٢). (تَذْكُر): على البناء للمعلوم المؤنث، وللمجهول المذكر. (مَهْ): -اسم فعل- بمعنى: انكفف (٣). قال الزركشي: فإن وُصلت، نُونت (٤). قلت: يريد ما قاله صاحب "الصحاح": فإن وَصَلْتَ، نَوَّنْتَ، فقلتَ: مَهٍ مَهٍ (٥)، والمعروف من كلام النحاة: أنك إن نكرت، نونت، وإلا، فمتى كان التعريف مرادًا، فالهاء ساكنةٌ وقفًا ووصلًا. (لا يَمَل): بفتح المثناة من تحت والميم. (حتى تملوا): قال الزركشي: و"حتى" (٦) بمعنى الواو، والمعنى:

стр. 269

لا يمل وإن مللتم (١). قلت: الاشتغال بحكاية مثل هذا القول الذي لا يلتفت إليه أمر باطل (٢) لا طائل تحته، ولا وجه لإخراجها عن بابها، ولا شك أن لـ (حتى) الداخلةِ على المضارع المنصوب ثلاثةَ معانٍ: مرادفة إلى، ومرادفة إلا في الاستثناء، وكلاهما ممكن الاعتبار في الحديث، ومرادفة كي التعليلية؛ نحو: أسلم حتى تدخل الجنة، وهذا غير متأتٍّ فيما نحن فيه، وحقيقةُ الملل السآمةُ من الشيء واستثقالُه، وهو على الله محال (٣)، فيكون من باب الاستعارة التبعية؛ أي: لا يترك إثابتكم تركَ مَنْ يستثقل الشيء ويسأم منه، ويحتمل أن يكون من باب المشاكلة. فإن قلت: أيُّ داع إلى جعل هذا من الاستعارة أو المشاكلة (٤)، مع أن هذا في مقام السلب كما في قولنا: الله ليس بجوهر ولا عرض، وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قلت: أشار بعض المحققين إلى أن هذا إنما هو إذا نُفيت أمثالُ ذلك على الإطلاق بمعنى أنها ليست من شأنه، ولا يتصف بها؛ كما في الأمثلة المذكورة (٥)، وأما إذا (٦) نُفيت على (٧) التقييد، فقد رجع النفي إلى القيد،

стр. 270

وأفاد ثبوتَ أصل الفعل أو إمكانه لا أقل، فاحتيج إلى التأويل؛ كما إذا قيل: لم يلد ذكرًا، ولم يأخذه نوم في هذه الليلة، والفعل هنا منفي على التقييد؛ لأنهم قالوا: إن معناه لا يمل من الثواب، فلزم التأويل، وأيضًا فبحسب الغاية يتعين التأويل؛ إذ المعنى: لا يمل حتى تملوا، فيمل حينئذٍ (١). فإن قلت: المشاكلة من قبيل المجاز، فما وجه التجوز (٢)؟ قلت: ظاهر كلامهم أن وقوع مدلول هذا اللفظ في مقابلة ذاك جهةُ التجوز (٣) والجواز. (وكان أحبَّ الدين إليه ما داوم عليه صاحبه): صيغة أحب هنا تقتضي (٤) أن ما لم يداوم عليه صاحبه من الدين محبوب، ولا يكون هذا إلا في العمل؛ ضرورة أن ترك الإيمان كفر. * * * باب: زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فَإذا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ، فَهُوَ نَاقِصٌ.

стр. 271

(﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا ترك شيئًا من الكمال، فهو ناقص): قال ابن المنير: لا يقال: إن كان الكمال حادثًا يومئذ، وكان النقصان موجودًا قبلُ، ولا يجوز أن يطلق على الدين والنبيُّ ﷺ بين ظهرانَيهم أنه كان ناقصًا مع وجوده طرفة عين. لأنا نقول: المراد بالكمال: أن الفرائض التي قدر الله تعالى أن تنزل متدرجة لا دفعة، كَمُلَ نزولُها يومئذ؛ لحكمة أرادها الله تعالى في التنجيم، وهذا غير مستحيل، وإنما جاء الغلط من جهة اشتراك لفظ النقصان بين الخلل وبين التبعيض الذي ذكرناه. * * * ٣٨ - (٤٤) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "مِنْ إِيمَانٍ" مَكَانَ "مِنْ خَيْرٍ". (يخرج): بالبناء للفاعل؛ من الخروج، وللمفعول؛ من الإخراج. (ذَرّة): بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء. قال الزركشي: وصحفها شعبة -فضم الذال وخفف الراء-، وأوقعه

стр. 272

فيه تقدم الشعير والبر (١). (أبان): -بالصرفِ- على أنه فَعال (٢)، والهمزةُ أصلية، و -المنعِ- على أنها زائدة، ووزنه أَفعل، ففيه العلميةُ ووزن الفعل، واختاره ابن مالك (٣). * * * ٣٩ - (٤٥) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! آيَةٌ فِي كِتَابكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا -مَعْشَرَ الْيَهُودِ- نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. (الصبّاح): بموحدة مشددة. (أبو العُمَيْس): بعين مهملة مضمومة فميم مفتوحة فياء مثناة من تحت ساكنة فسين مهملة. (لاتخذنا ذلك اليومَ عيدًا): أي: ولم تتخذوه أنتم، يحاول نقضَ

стр. 273

كونها حقًّا بإهمال يوم نزولها، فبين له (١) عمر أنهم احتفلوا فيه احتفالين (٢)، واتخذوه عيدين. * * * ٤٠ - (٤٦) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ! لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ". (أبي سُهيل): على التصغير. (جاء رجل): قال القاضي: هو ضمامُ بنُ ثعلبةَ أخو بني سعدِ ابنِ بكرٍ (٣)، وكذا قال ابن بطال (٤) وغيره، واستشكله القرطبي (٥) بأن ضمامًا

стр. 274

إنما هو في حديث أنس، أما في حديث طلحة، فلا، فاستظهر (١) أن يكونا قصتين (٢)؛ لتباين الألفاظ (٣). (ثائر الرأس): -بثاء مثلثة وهمزة بعد الألف- منتفش الشعر، قائمه على أنه صفة رجل (٤)، ويُنصب على أنه حال (٥) منه، وإن كان نكرة؛ لأنه وُصِف (٦). (نسمع ونفقه): -بالنون المفتوحة وبالياء المثناة من تحت، [وبـ]ـالمضمومة على البناء للمجهول-، والأول أشهر. (دَوِيَّ): -بفتح الدال المهملة-، وحكي ضمها: شدةُ الصوتِ وبُعْدُه في الهواء. (خمسُ صلواتٍ): هو وما بعده مرفوع، والمبتدأ محذوف؛ أي: الإسلام. (إلا أن تطوع): الاستثناء (٧) متصل عند من يرى لزوم التطوع بالشروع؛ كمالك، ومنقطع عند من يقول: لا يلزم بذلك؛ كالشافعي، والأول هو الأصل (٨).

стр. 275

وتَطَّوع: يروى: -بتشديد الطاء-، والأصل: تتطوع، فأبدل التاء الثانية طاء، وأدغم، ويروى: -بتخفيفها- على حذف إحدى (١) التاءين اختصارًا لتخفَّ الكلمة، وهل المحذوف الثانية، وهو الصحيح، أو الأولى؟ قولان (٢). ولا يخفى أن (٣) هذا الرجل إنما وفد بالمدينة، وأقل ما (٤) قيل فيه: أنه وفد سنة خمس، وقد تقرر في ذلك الزمن النهيُ عن أمور (٥)؛ كالقتل، والزنا، والعقوق، والظلم، والسرقة، فثبت أن عليه وظائفَ أُخَرَ غيرَ الصلاة والزكاة والصيام. وأجاب ابن المنير: بأنه ﵇ كان يجيب بما تقتضيه الحال، وبالأهم (٦) فالأهم؛ إذ لا يمكن بيان الشريعة دفعة واحدة، لا سيما لحديثِ (٧) عهدٍ بالإسلام. (لا أزيد على هذا ولا أنقص): أحسنُ ما يقال فيه: أن المعنى: أُبلغها قومي على ما سمعتها من غير زيادة ولا نقص؛ لأنه كان وافدًا لهم ليتعلم ويعلمهم، قاله ابن المنير (٨).

стр. 276

فإن قلت: في كتاب: الصيام: "وَالَّذِي أَكْرَمَكَ! لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شيئًا"، فهذا مما يدفع هذا التأويل. قلت: راوي ما في الصيام هو طلحة، وما هنا من رواية أنس، وقد مر قريبًا أن القرطبي جعلها قصتين، فتأمله. (أفلح إن صدق): قال الزركشي: معناه ظاهر باعتبار ما تقدم. قال الزركشي (١): وفيه ثلاثة أقوال: الأول: أخبر بفلاحه، ثم أعقبه بالشرط؛ لينبه على سبب فلاحه. الثاني: هو ماض أريد به مستقبل. الثالث: هو على (٢) التقديم والتأخير؛ أي: إن (٣) صدق أفلح (٤). قلت: ليس في الثلاثة ما يفلج (٥) به الصدر. وفي "القبس": إنما قال له (٦) النبي ﷺ ذلك؛ لأنه (٧) كان أول ما أسلم، فأراد أن يطمئن فؤاده عليها، وبعد (٨) ذلك يفعل ما سواها بما (٩) يظهر من ترغيب الإسلام (١٠).

стр. 277

باب: اتِّباع الجنائز من الإيمانِ ٤١ - (٤٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بقِيرَاطٍ". تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ. (المَنْجوفي): -بميم مفتوحة ونون ساكنة وجيم وفاء-: نسبة إلى جده مَنْجوف. (رَوح): بفتح الراء. (وكان معه): الضمير للمسلم. قال الزركشي: أو لصاحب (١) الجنازة (٢). قلت: الأول أولى؛ للتصريح بمسلم في الحديث. (حتى يصلي (٣)): بالبناء للفاعل والمفعول. (ويَفرغ): يجوز فيه الأمران، وحسن النووي البناء للمفعول (٤).

стр. 278

(نحوه): مفعول حدثنا. * * * باب: خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. (أن يحبَطَ): -بفتح الباء والطاء-، والإحباط قسمان: إحباط إسقاط (١): وهو إحباط الكفر لجميع (٢) الأعمال الصالحة. وإحباط موازنة: وهو وزن العمل الصالح بالسيء، فإن رجح السيء، فأمه هاوية، أو الصالح، فهو في عيشة راضية، والمراد هنا: الثاني، لا الأول. قال ابن المنير: انتقل البخاري من الرد على القدرية إلى الرد على المرجئة، وهما ضدان: القدرية تكفِّر بالذنب، والمرجئة تُهدر الذنبَ بالكلية، وما ساقه في الترجمة صريح في الرد عليهم (٣). (إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا): المختار في ضبطه -كسر الذال المشددة-؛ لأنه خاف التقصير في العمل، وضبط -بفتحها-؛ أي: خشيت

стр. 279

أن يكذبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي (١) (مُليكة): -بضم الميم- مصغرًا. * * * ٤٢ - (٤٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ". (عَرْعَرة): بعينين مفتوحتين وراءين أولاهما (٢) ساكنة، وكلاهما (٣) مهملة (٤). (زُبيد): -بزاي مضمومة وباء موحدة ومثناة (٥) من تحت-، وليس هو في "الصحيحين" إلا كذلك. (سِباب المسلم): -بكسر السين-: مصدرُ سَبَّ؛ أي: شتمَ، وفسره الراغب بالشتم الوجيع (٦). (وقتاله): يحتمل ما يؤدي إلى إزهاق نفسه، أو تناوله باليد (٧) من غير

стр. 280

قتل (١)، كما ورد في المار بين يدي المصلي "فَلْيُقَاتِلْهُ" (٢). (كفر): أي: كفر لحقه (٣)، وليس المراد به ما يُخرج عن الإسلام، وقيل: المراد: قتاله بغير حق، مع استحلال ذلك، فالكفر على بابه (٤)، وصُحح (٥) الأولُ؛ إذ به يحصل الزجر عن انتهاك حرمة المسلم، فهو أكثر فائدة. * * * ٤٣ - (٤٩) - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبرُ بلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ". (فتلاحى رجلان): قال ابن دحية في "العَلَم": المشهور هما كعبُ ابنُ مالك، وعبد الله بن أبي حَدْرَد (٦)، ولم يأت على ذلك بشاهد. قال الإسماعيلي: إنما ذكر البخاري في هذا الباب هذا الحديث؛ للتنبيه (٧)

стр. 281

على أن التلاحي، وهو المماراة والمجادلة، غيرُ السباب الذي هو فسق. (في السبع والتسع (١)): في أكثر النسخ هكذا بتقديم الأدنى، وفي بعضها بالعكس (٢). * * * باب: سؤالِ جبريلَ النبيَّ ﷺ عن الإيمانِ، والإِسلامِ، والإحسانِ، وعلمِ الساعةِ ٤٤ - (٥٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبَو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بالْبَعْثِ". قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ"، ثُمَّ تَلَا النَّبيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: "رُدُّوهُ". فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ".

стр. 282

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإيمَانِ. (أبو حيان): بحاء مهملة وياء آخر الحروف. (بلقائه): مجاز عن رؤية الله حيث لا مانع؛ كما في حق الكفار والمنافقين، أو بلقاء جزائه من ثواب وعقاب. (وتؤمن بالبعث): وهو حشر الأجساد وإحياؤها يوم القيامة، وفي تكرير الباء مع اللقاء والبعث، وتكرير الفعل من قوله: "وتؤمن" مزيدُ اعتناء بهذين الأمرين. (وتقيم الصلاة): أي: تؤديها وتوقعها في الخارج. (الزكاة المفروضة): قيل: إنما قُيدت دون غيرها؛ لأن العرب كانت تدفع المال؛ للسخاء والجود، فنبه بالفرض على رفض نية ما كانوا عليه. قال الزركشي: والظاهر أنها للتأكيد (١). قلت: لكنه لا يدفع سؤال الاختصاص. وغايَرَ في هذا الحديث بين الإيمان والإسلام، وقد علمت أن البخاري يراهما مترادفين، والخلاف في ذلك مأثور. قال ابن عبد السلام: إن حُمل الإيمان على التصديق، فإنْ حُمِلَ الإسلام على الشهادتين، أو على (٢) الدعائم الخمس، فلا عمومَ ولا خصوصَ، وإن حُمل على الانقياد اللغوي؛ كان (٣) أعم من الإيمان؛ إذ

стр. 283

كلُّ مؤمن مُنقاد، ولا عكس، وإن حُمل الإيمان على التصديق وأعمال الجوارح، فإن حمل الإسلام على ما سبق، كان الإيمان أعم، وإن حمل على الانقياد اللغوي، فهو (١) أعم، قال: وإن بنينا على الظاهر، وهو أن الإيمان إذا أُطلق، حُمل على التصديق بالشهادتين، [والإسلام إذا أطلق، حُمل على] (٢) النطق بهما (٣)، فلا عموم ولا خصوص. (أشراطها): جمع شَرَط -بتحريك الراء-، وهو العلامة. (رُعاة الإبل البُهمِ): البُهم -بضم الباء- جمع بهيم وهو الأسود، أو المجهول الذي لا يعرف، كما قاله الخطابي (٤). وهو إما مجرور صفة للإبل بالمعنى الأول، أو مرفوع صفة للرعاة على المعنى الثاني، وروي بفتح الباء، ولا وجه له هنا، فإن البَهم -بالفتح- من ولد الضأن والمعز. (في البنيان): أي: بعد أن كانوا أصحاب بوادٍ ينتجعون مواقع الغيث ولا يستوطنون مكانًا. (في خمس): خبر مبتدأ محذوف. وقال الزركشي: متعلق بمحذوف؛ أي: هي في خمس (٥). قلت: الصواب ما تقدم. (هذا جبريل جاء (٦) يعلم الناس دينهم): أي: يريد تعليم الناس؛

стр. 284

ليصح كونه حالًا مقيدة للعامل، وإلا، فتعليمه إنما كان بعد مجيئه، لا في حين المجيء. قال ابن المنير: وفيه ما يدل على أن السؤال من جملة العلم، فإنه اعتدَّ سؤالَ جبريل علمًا وتعليمًا، ولهذا قيل: السؤالُ نصفُ العلم، ويمكن أن يؤخذ (١) من هنا؛ لأن الفائدة انبنت فيه على السؤال والجواب، وقد احتسب السؤال علمًا، ولا خفاءَ بأن (٢) الجواب علم، فالسؤال حينئذ النصف. قلت: وفيه: أن المستفهِم (٣) قد يكون عالمًا بما استفهم عنه، وإنما يطلب أن يُفهم السامعَ الجواب، ويكون الاستفهام حينئذ حقيقيًّا؛ إذ هو طلبُ الفهم في الجملة، لا طلبُ فهمِ السائل على الخصوص، وعليه: فلا يُنكر الاستفهام الحقيقي بهذا المعنى في كلام الله تعالى، وقد بينا ذلك في "شرح مغني ابن هشام". * * * باب: فضل من استبرأَ لدينهِ ٤٥ - (٥٢) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ

стр. 285

حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". (النُّعمان): بضم النون. (ابن بَشِير): -بفتح الباء وكسر الشين المعجمة- هو من صغار الصحابة. قال الداوودي: لا نعلم أحدًا في سنه يقول: سمعت النبي ﷺ إلا هو، وسيأتي الكلام على حديثه في: البيوع. (في أرضه): ثبتت (١) في رواية الكشميهني، وسقطت عند الجمهور (٢). * * * باب: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ (باب أداء الخُمس من الإيمان): قال الزركشي: روي: -بضم الخاء وفتحها-، وفي الحديث شاهد للأمرين (٣)، فإن فيه ذكر الغنيمة، وذكر قواعد الإسلام (٤). * * *
следующие страницы →