← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وضع كتاباً جمعَ فيه ما خرج عن قراءات الأئمة السبعة من الطرق المشهورة، وسمى ما (١) جمع في ذلك بالقراءات الشواذ، فتركَّبَ (٢) له من مجموع ذلك أن ما خرج عن القراءات السبع شاذ ليس بقرآن، فالمطلوبُ من سيادتكم أن تتأملوا كلامَ الأئمة في أوجه القراءات، وطرق الأداء، وما وقع (٣) لأئمة (٤) القراء والنحويين في مثل هذا، وأن تجيبوا عن ذلك بجميع ما يظهر لكم حتى يظهر وجهُ المسألة مأجورين. فأجاب شيخنا -رحمه الله تعالى- بما نصه: الحمد لله وحده (٥). هذا السؤال حاصلُه: أن بعضَهم منعَ القراءةَ في الصلاة بقراءةٍ غيرِ قراءة أحدِ (٦) السبعة؛ لأن غيرها شاذ، والشاذ لا تجوز الصلاة به، وقال: من لوازم تواترِ القرآن تواتر وجه أدائه، وأن بعضهم أجاز الصلاة بغير قراءة أحد السبعة إذا كانت موافقةً لخط المصحف، وصحَّتْ روايتها. قال: ولا يلزم من تواتر القرآن تواترُ وجه أدائه، وإن الحاكم بينهما صوب الأول، وردَّ الثاني، وزاد: إن ما خرج عن القراءات السبع فليس بقرآن، وإن مَنْ زعم أن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر، فقوله كفر؛ لأنه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة.

стр. 2207

وجوابه أن نقول: القراءة الشاذة تطلق باعتبارين: الأول: كونها لم يَقْرأ بها (١) أحدُ السبعة، وهي بلفظ فيه كلمةٌ غيرُ ثابتة في مصحف عثمان المجمَع عليه، سواء كان معناها موافقاً لما في المصحف؛ كقراءة عمر: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، أو لا؛ كقراءة ابن مسعود: (ثلاثة أيام متتابعات)، وهذا الإطلاق هو ظاهر استعمال الأصوليين والفقهاء (٢). والثاني: إطلاقها على ما لم يقرأ به أحدُ السبعة من الطرق المشهورة عنهم باعتبار (٣) إعرابٍ (٤) وإمالةٍ أو نحوِ ذلك؛ مما يرجع لكيفِ (٥) النطقِ بالكلمة، مع ثبوتها في مصحف عثمان، وهذا الإطلاق هو ظاهر استعمال القراء. فأما القراءة بالشاذ على المعنى الأول، فغير جائزة. ونقل المازري في "شرح البرهان" الاتفاقَ على ذلك. وقال في "شرح التلقين": تخريجُ اللخميِّ عدمَ إعادةِ (٦) المصلِّي بها زَلّةٌ. وقولُ شيخنا ابن عبد السلام في "شرحه": نقل أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" عن مالكٍ جوازَ القراءة بها في الصلاة ابتداءً وَهْمٌ (٧) يعرفه مَنْ

стр. 2208

وقف على كلام أبي عمر في "التمهيد". وأما القراءة بها (١) في غير الصلاة، فللشيوخ فيها طريقان: الأكثر: على منعها، قاله مكي (٢)، والقاضي إسماعيل (٣). قال القاضي عياض (٤): اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ المقرئ أحدِ أئمة (٥) المقرئين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرائه شواذَّ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبةِ منه سِجِلاًّ. الطريقة الثانية: طريقة أبي عمر في "التمهيد"، قال: روى (٦) ابن وهب عن مالك جوازَ القراءة بها في غير الصلاة، ونحوه قول الأنباري (٧): المشهورُ من مذهب مالك: أنه لا يقرأ بها. [وأما القراءة بالشاذ على المعنى الثاني إذا ثبت برواية الثقات، فلا ينبغي أن يقرأ بها] (٨) ابتداء، وأما (٩) بعد الوقوع، فالصلاة مجزئة؛ لقول القاضي إسماعيل: إن جرى شيء (١٠) من القراءة الشاذة على لسان إنسان من غير

стр. 2209

قصد كان له في ذلك سعة، إذا لم يكن معناه يخالف (١) خط المصحف المجمَع عليه، فقد دخل ذلك في معنى ما جاء: "إِنَّ القرآنَ أُنزل على سبعةِ أحرف"، إذا ثبت هذا، فالرد على القارئ المذكور أولَ مرة قد (٢) تخفف. وأما تقريرُ ذلك، والمشيُ إليه، فالصوابُ عدمُه؛ لأنها قراءة مُجزئة حسبما نقله الأنباري في "شرح البرهان" عن القاضي إسماعيل، وقبلَه منه، وهو ظاهر القبول، وكلُّ أمرٍ الصلاةُ به مجزئة لا ينبغي أن يَمشي في الصلاة لإماطته؛ لأنه حينئذ فعل منافٍ للصلاة لغير ما تُوقف صحتُها عليه؛ كما في دفعِ المارِّ بين يدي المصلي، إن بَعُدَ عن تنحيته، لا يمشي إليه. وأما قول الحاكم بينهما: ما خرج عن القراءات السبع، فليس بقرآن، فمردودٌ بما تقدَّم من رواية ابن وهب عن مالك، [ولا يلزم من قول من قال: [لا يقرأ بها في غير صلاة] (٣) منعُ تسميتها قرآناً إلا بقيد كونه مجمَعاً عليه في مصحف عثمان] (٤)، ولا يلزم من صحة نفيه مقيداً نفيه مطلقاً ضرورة. وأما تواتر القراءات السبع، فهو على وجهين: الأول: ما يرجع لآحاد الكلم في ذواتها؛ كملِك ومالِك ويَخدعون ويُخادعون، ونحوِ ذلك. الثاني: ما يرجع لكيفِ النُّطق بها من إعراب وإمالة، وكيفيةِ وقفٍ، ونحوِ ذلك.

стр. 2210

أما الأول: فمتواترٌ، لا أعرف فيه نصَّ خلاف من (١) كتاب، إلا ما (٢) يؤخذ من كلام (٣) الأنباري والداودي حسبما يأتي، إن شاء الله تعالى. وأما الثاني: فاختلف فيه متأخرو شيوخنا والمتقدمون، وكان (٤) شيخنا الشيخ الفقيه الصالح المقرئ الضابط الأصولي أبو عبد الله محمد بن سلامة (٥) الأنصاريُّ لا يشك في تواترها، أخبرني عن بعض شيوخه المقرئين الصلحاء: أنه اجتمع ببعض مدرسي حضرة يونس (٦)، وكانت له دراية (٧) بالعربية وأصول الفقه، فقال له: القراءات السبعُ غيرُ متواترة، فقال له الشيخ المقرئ (٨): مَنْ يقول هذا يموتُ مذبوحاً، وانفصلَ عنه، ولم يشهده في إجازة كان (٩) أتى بها إليه؛ ليشهده فيها، فبعد مدة أصبح ذلك المدرسُ في منزله مذبوحاً. وأخبرني (١٠) بذلك شيخُنا الشيخ (١١) الفقيه المصنف (١٢) الشهيرُ أبو

стр. 2211

عبد الله بن الحباب، وقال لي: ذبحه ابنُ أخيه؛ لأنه كان المحيطَ بتعصبه. وكان شيخنا الشيخ الفقيه القاضي الخطيب المفتي الشهير أبو عبد الله بنُ عبدِ السلام يقول في المسألة إذا جرى فيها الكلام في عام مجلس تدريسه: إنها غير متواترة، مستدلاً بأن شرط التواتر استواءُ الطرفين فيها والوسط. قال: وقراءةُ السبعة تنتهي إلى أبي عمرٍو الداني، قال: وهذا يقدح في تواترها (١). ونحوه -أيضاً- سمعته من الشيخ الفقيه الصالح أبي العباس بنِ إدريسَ فقيهِ بجايةَ، وكان (٢) جوابي للشيخين: منع حصر وقفها على أبي عمرو الداني، بل شاركه في ذلك عدد كثير، والخاص به شهرتها به فقط. وأما المتقدمون، فالحاصل منهم ثلاثة أقوال: الأول: أنها (٣) متواترة، نقله الأنباري عن أبي المعالي، وأنكره عليه حسبما يأتي. الثاني: أنها متواترة عند طائفةٍ خاصَّةٍ، وهم القراء فقط، نقله المازري في "شرح البرهان" وبسط القول فيه. الثالث: أنها غير متواترة، قاله ابن العربي، وبسط القول فيه، ولم يحكِ غيره، وذلك في كتاب: "القواصم والعواصم" له. وقاله (٤) -أيضاً- الأنباري، واحتج بأن قال: قولُ الإمام: وجوهُ

стр. 2212

القراءات متواترةٌ (١) غيرُ صحيح، إنما المتواتر (٢) ما اشتمل عليه المصحف، ولم يثبت فيه تعرضٌ لإعراب (٣)، إنما ذلك راجع لما تقتضيه العربية، مع صحة الإسناد إلى رسول الله ﷺ . هذا نافع قال: أخذت قراءتي هذه (٤) [عن الثقات، ما انفرد به الواحدُ، تركتُه، وما اجتمع فيه اثنان، قبلتُه حتى ألفت قراءتي هذه] (٥)، وسائرُ الأئمة إنما نقل وجوهَ القراءة عن أفراد لا يبلغون عدد التواتر، وسببه أن الصحابة ﵃ كانوا يسمعون منه ﷺ القراءة على (٦) جهات متعددة مما (٧) يسوغ في العربية، كما ورد في قراءة عمر، وحكيم بن حزام، وقصتِهما المشهورة، فكان الصحابة يذهبون في البلاد، فيُقْرِئ كلُّ صاحب (٨) أهلَ بلدة على حسبِ ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما كتبَ عثمانُ المصحفَ، [ولم يتعرض فيه لضبط ولا نَقْط، وكتب المصاحف] (٩) على ذلك، قيل: سبعة، وقيل: خمسة، بعث إلى كل مِصْرٍ مصحفاً، فبقي أهلُ كلَّ (١٠) مصرٍ

стр. 2213

على ما كانوا يعرفونه مما نقلَ إليهم الصاحبُ الذي كان علَّمهم مما يوافق خطَّ المصحف مع الانضباط، ولم يشترط أحدٌ أن جهةَ القراءة بالإضافة إلى كلِّ إمام من هذه الأئمة متواترةٌ، فثبت بمجموع ذلك أن المتواتر (١) وافقَ خطَّ المصحف، وفُهِمَ معناه على لغة العرب، وأما وجهُ القراءة، فلا يُشترط فيه التواتر بحال. قد قال أئمة (٢) العربية: قراءة حمزة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] ضعيفة، وكذا قراءة قالون: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]-بإسكان الياء- ضعيفة جداً. وقد روى الداودي حديثاً فيه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] وفيه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قال: وهذا حجةٌ لأهل المدينة؛ لأنهم يقرؤون: مَلِكِ -بغير ألف-، فلو كانت القراءات على هذه الجهة متواترة، لما احتج عليها بالحديث الذي هو خبر واحد. فإن قيل (٣): قد يختلفون في الحرف الواحد؛ كرواية بعضهم: (سارعوا)، ورواية غير (وسارعوا) (٤)؟ قلت: محملهما (٥) أنه ﷺ قرأها بالوجهين. انتهى كلام ابن الأنباري. قلت: وظاهره (٦) أن الخلاف عنده في (مالك) و (ملك) حسب ما أشرنا

стр. 2214

إليه أولاً، خلاف نقلِ ابن الحاجب. قلت: والصواب عندي نقل المازري أنها متواترة عند القراء لا عموماً، والله أعلم. وأما قول الحاكم بينهما: من زعمَ أن القراءاتِ السبعَ لا يلزم تواترُها، فقولُه كفرٌ. فلا يخفى على من اتقى الله تعالى وأنصفَ، وفهمَ ما نقلناه (١) عن هذه الأئمة الثقات، وطالعَ كلامَ عياضٍ وغيرِه من أئمة الدين: أنه قولٌ غيرُ صحيح، هذه مسألةُ البسملة اتفقوا على عدم التكفير بالخلاف في إثباتها ونفيها (٢)، والخلافُ في تواتر وجوه القراءات مثلُه، أو أيسرُ منه، فكيف يُصَرَّح بالتكفير؟! وأيضاً: على تسليم تواترها عموماً أو خصوصاً، ليس علمُه من الدين ضرورةً، ولا موجباً لتكذيب الشارع بحال، وكلُّ ما هذا شأنه، فواضحٌ لمن اتقى الله وأنصفَ: أنه ليس كفراً، وإن كان خطأً. قال الأنباري (٣) وغيره: ضابطُ ما يكفر به ثلاثة أمور: أحدها: ما يكون نفسُ اعتقادِه كفراً؛ كإنكار الصانع، أو صفاتِه التي لا يكون صانعاً إلا بها، وجحدِ النبوات. الثاني: صدورُ ما لا يقع إلا من كافر. الثالث: إنكارُ ما عُلم من الدين ضرورةً؛ لأنه آيلٌ إلى تكذيب الشارع.

стр. 2215

ونحوَ هذا الضابط ذكر (١) الشيخُ عزُّ الدين بنُ عبدِ السلام في "قواعده"، والقرافي في "قواعده"، وغيرُهم. وأما استدلال من حكم بينهما على كفر ذي القولِ بعدمِ لزوم تواترِ (٢) القراءات السبعِ بأنه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملةً، فمردودٌ من ثلاثة أوجه: الأول: منعُ (٣) كونِه يؤدي إلى ذلك، والمنعُ كافٍ؛ لأنه لم يأتِ على كونه يؤدي إلى ذلك بدليل، وليس علمُ ذلك واضحاً بحيث لا يَفتقر لدليل. الثاني: سلمنا عدمَ التمسك بالمنع، لنا: الدليلُ قائمٌ على عدم تأديته لذلك، وهو أن يقول: كل ما كان حكم ثبوتِ المنقول بنقل عدد مختلِفٍ لفظُ ناقليه، مع اتفاقه في المعنى؛ كحكم نقل ذلك العدد له مع اتفاق لفظهم، ثم يكون عدمُ تواترِ وجهِ قراءةِ السبعة مؤدياً لعدم تواترها، والملزومُ حَقٌّ (٤)، فاللازمُ كذلك. بيانُ حقية الملزوم: أن شهادة (٥) أربعةٍ في الزنا، واثنينِ في سائر (٦) الحقوق، مع اختلاف كلماتهم، أو بعضِها (٧)، واتفاقِها في المعنى المشهود

стр. 2216

به (١)، كثبوتها (٢) مع اتفاق ألفاظهم، لا أعلم في ذلك خلافاً؛ كما لو قال أحدُ الأربعة: رأيتُه وَطِئَها بموضع كذا، في وقت كذا، على صفة كذا، وقال الثاني: رأيته حتى فعل كذا، معبراً بما ورد (٣) في حديث البخاري، وعبر عن الموضع والوقت والصفة بمرادفِ لفظِ الأول، وكذا الثالث والرابع، فإنَّ حكمَ قبولِ شهادتهم كما لو عبروا (٤) بألفاظ متماثلة في ثبوت الظن الموجب للحدِّ، وليس اختلافهم بذلك بالذي يصيرهم منفردين، فيجب حدهم. وكذا لو شهد شاهدٌ بطلاق، أو حق، وشهد معه آخرُ معبراً بلفظٍ مرادفٍ للفظ (٥) الأول، فهو كما لو عبر بلفظٍ مماثل للأول في ثبوت الطلاق والحقِّ، وليس اختلافهم بذلك بالذي يصيرهم منفردين، فلا يجب طلاق، ولا يثبت الحقُّ إلا بيمين (٦) مدعيه. وبيان الملازمة: أن المطلوب في القراءات السبع إثباتُ لفظِ مصحفِ عثمانَ تواتراً (٧)، واختلافُ ألفاظِ السبعةِ في (٨) تعبيرهم عن تلك الكلمات

стр. 2217

بالرَّوم، والترقيق (١)، والتسهيل، وأضدادها، والإعرابِ الموافقِ في المعنى، كاختلاف ألفاظ الشهداء في إثبات الزنا والطلاق والحقّ، بل اختلافُ ذلك أخفُّ؛ لأن (٢) اختلافهم (٣) راجعٌ لاختلافٍ في [صفة الحروف، أو في بعض حروف الكلمة، واختلافُ الشهداء راجعٌ لاختلافٍ في] (٤) الكلم بكمالها (٥)، فكما أجمعا على أن اختلاف تلك الألفاظ غيرُ مانع من ثبوت حكم اتفاقها (٦)، وهو ثبوت العلم (٧) بها [بثبوت الأمر الموجب للحد والطلاق والحق، فكذا اختلافُ ألفاظِ السبعة بما ذُكر غيرُ مانعٍ من ثبوت حكمِ اتفاقها (٨)، وهو ثبوت الظن بها] (٩) الثبوتَ المحكومَ له بالتواتر. الثالث (١٠): أنا [إن] سلَّمنا عدمَ نهوضِ هذين الوجهين فيما ذكرناه، كان أقل حالهما أنهما شبهتان تمنعان من أن العلم بأن عدمَ تواترِ وجوه القراءات يوجب عدمَ تواترِ القرآن جملةً ضروريٌّ من الدين، وجحدُ

стр. 2218

ما ليسَ علمُه ضرورياً من الدين (١) ليسَ كفراً بحال، والله أعلم. انتهى كلام شيخنا ﵀، فلنعد إلى ما نحن بصدده (٢). * * * باب: إِخْرَاجِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْخُصُومِ مِنَ الْبُيُوتِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ (باب: إخراج أهل المعاصي): أعاده في: الأحكام، وقال بدل المعاصي: الرِّيَب. ١٣٦٠ - (٢٤٢٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ". (فأُحَرِّقَ عليهم): ليس في الحديث هؤلاء المتخلفين (٣) عن الصلاة أنه نفاهم من بيوتهم، والترجمة إنما تدل على الإخراج لا على الإحراق. قال (٤) ابن المنير: جواب هذا: إذا أحرقها عليهم، فقد خرجوا منها قطعاً، والاقتصار على مجرد إخراجهم أجدرُ بالجواز.

стр. 2219

وقد قال ابن القاسم: تُباع على المفسد دارُه. وفيه: جواز نفي الأراذل والسفلة والمفسدين من مدينة إلى أخرى؛ لتضعف شوكتُهم، ولتشغلهم (١) الغربة عن إيقاع المسلمين في الكُربة. * * * باب: دَعْوَى الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ ١٣٦١ - (٢٤٢١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ، فإِنَّهُ ابْنِي. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ شَبَهاً بَيِّناً، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ". (باب: دعوى الوصيِّ للميت). (أوصاني أخي إذا قدمتُ أن أنظرَ ابنَ أمةِ زمعة، فأقبضَه؛ فإنه ابني): سأل ابن المنير عن موقع هذه من الفقه، وهل يختلف الناس في صحة الوصية على الأطفال، ودعوى الوصي عنهم؟ ثم قال: لو طلب أحد جهده من التوقيف على ذلك، لم يكد يجده إلا ها هنا، والإجماع -وإن كان فيه غنية- إلا أن التمسك (٢) به من جنس

стр. 2220

التقليد، وهذا بحث عن مستند أهل الإجماع، فهذا لا يليق بالمتبحر مثل البخاري ﵀. قلت: الإجماع أحَدُ (١) الأدلة الشرعية، فالاستنادُ إليه في إثبات الحكم الشرعي لا يعد تقليداً. ثم قال: وفيه دليل على أن للوصي الحضانة؛ بدليل قوله: فاقبضه، وقبضُه: حضانته. قلت: لا يتم هذا؛ لجواز (٢) أن يكون ثبوتُ الحضانة له من جهة كونه عماً، لا من حيث كونُه وصياً. ثم يقال: و (٣) فيه دليل على جواز محاكمة الوصي في أصل نسب الولد، ولا يحتج عليه بأن الوصية لا تستثبت حتى يثبت نسب (٤) الولد الموصى عليه، ولم يظهر أنه ﵇ كلفه إثباتَ وصيته، وذلك أن حاصل غرضه أن يحضنه منسوباً إلى أبيه، والحضانةُ يستحقها العم وإن لم يكن وصياً، وكان سعدٌ عمَّ الطفل لو ثبت دعواه، وللعم أن يسعى (٥) في إثبات نسب (٦) ابن أخيه، وإن لم يكن وصياً.

стр. 2221

قلت: هذا منافٍ لاستدلاله أولاً (١) بالحديث على ثبوت الحضانة للوصي (٢). * * * باب: الرَّبْطِ وَالْحَبْسِ فِي الْحَرَمِ وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ دَاراً لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ، فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ، فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِئَةٍ. وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ. (واشترى نافعُ بنُ عبدِ (٣) الحارث داراً للسجن بمكة من صفوانَ بنِ أميةَ على إن رضيَ عمر، فالبيعُ بيعه، وإن لم يرض عمر، فلصفوانَ أربع مئة دينار (٤)): استشكل بعضهم صحةَ هذا البيع، وليس بمشكل على مذهبنا؛ لأن العهدة فيه على المشتري، وإن سمي غيره (٥) أنه يشتري له حتى يتبرأ (٦) من العهدة، ويقول: لستُ من البيع في شيء، فهذا البيع دخل فيه على اللزوم، إما لعمر ﵁، وإما لنافع، والعهدة في الثمن

стр. 2222

على نافع؛ لأنه لم يتبرأ (١) منها، ولا غرض للبائع في تعيين مَنْ عليه العهدةُ في الشراء، ولهذا لو اعترف المشتري أنه إنما اشترى لزيد، فقال البائع: لا أعامل زيداً، لم يكن له ذلك، ولزمه البيعُ، والثمنُ على الوكيل، حتى لو كان البائعُ حلفَ قبلَ ذلك أن (٢) لا يبيع سلعة من زيد، حنث، ومضى البيع، ولا يُعذر إن كان هذا الواسطة معروفاً بوكالة زيد. قاله ابن المنير. قلت: انظر دخولَ حرف الجر على الجملة الشرطية في قوله: على إِنْ رضيَ عمرُ. * * *

стр. 2223

كِتَابُ اللُّقَطَةِ

стр. 2224

(كتاب: اللقطة): عرف شيخُنا ابنُ عرفة ﵀ اللقطةَ بقوله: مالٌ وُجِدَ بغيرِ حِرْزٍ محترماً، ليس حيواناً ناطقاً، ولا نَعَماً، فيخرجُ الركازُ، وما بأرض الحرب، وتدخل الدجاجةُ وحَمامُ الدور، لا السمكةُ تقع في سفينة، هي لمن وقعت إليه، قاله ابن عات عن ابن شعبان. وذكر بعضُ الأخيار أنه كان في ناسٍ أتوا من دفن ميت بجهة دارس (١) بعضِ سواحل تونسَ بقارب في بحيرتها، وفي الجمع سيدي أبو الحسن المنتصر (٢) الوليُّ الشهير، فقلت في نفسي: اللهم إن كان من أوليائك، فاجعلْ سمكةً من هذه البحيرة تسقط (٣) بقاربنا، قال: فسقطت سمكةٌ في القارب، فابتدرها غيري، فقلت له (٤): أنا أحقُّ بها؛ فإنها بصيدي حصلت، وذكرتُ لهم ما قلتُه في نفسي، فأخذتها (٥).

стр. 2225

قال شيخنا: والأظهرُ في السمكة إن كانت بحيثُ لو لم يأخذْها مَنْ سقطت إليه، لنجت بنفسها؛ لقوة حركتها، وقربِ محلِّ سقوطها من ماء البحر، فهو كما قال ابن شعبان، وإلا، فهي لرب السفينة؛ كقولنا (١) فيمن طرد صيداً حتى دخل دارَ قوم: إن اضطره إليها، فهو له، وإن لم يضطره، وبَعُدَ عنه، فهو لرب الدار (٢). وضبطُ لفظِ اللُّقطة سيأتي. * * * باب: إِذَا أَخْبَرهُ ربُّ اللُّقَطَةِ بالعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ ١٣٦٢ - (٢٤٢٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقَالَ: أَخَذْتُ صُرَّةً، مِئَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلاً". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلاً"، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثاً، فَقَالَ: "احْفَظْ وِعَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَاّ، فَاسْتَمْتِعْ بِهَا". فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي، ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلاً وَاحِداً. (سمعت سُوَيْدَ بنَ غَفَلَةَ): بضم سين سويد، وفتح واوه، على التصغير،

стр. 2226

وغفلة: بغين معجمة وفاء مفتوحتين. (فقال): أي: أُبي بنُ كعب ﵁. (وجدت (١) صرةً فيها مئةُ دينار): قال ابن المنير: فيه حجة لمن أوجب معرفةَ عددِ الدنانير والدراهم، وهو أحد القولين. قلت: لا يظهر فيه حجة أصلاً. قال: وليس في قوله: "عرفها حولاً"، ثم قال: في الثاني والثالث كذلك حجةٌ لمن شرطَه؛ لأنا نقول بموجبه إذا لم يُؤْثِرِ الملتقطُ التمليكَ، والواقعةُ حكايةُ عين. (فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتعْ بها): ليس هذا على وجه التمليك لها؛ إذ لو كان المراد التمليكَ التام، لم يقتصر به على الاستمتاع الذي ظاهرُه الانتفاع لا بأصل الملك، ولما قَلَّلَ الله تعالى الدنيا، قال: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر: ٣٩]، ولذلك قال في [الحديث الآخر: "اسْتَنْفِقْهَا"، ولم يقل: فهي لك، وفي] (٢) حديثٍ بعدَ هذا: "ثُمَّ اسْتَنْفِقْ (٣) بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْه (٤) "، وهو صريح في المقصود، وفي رواية: "فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَاّ اسْتَمْتِعْ بِهَا"، بدون فاء (٥). قال ابن مالك: تضمنت هذه الروايةُ حذفِ جواب "إنْ" الأولى،

стр. 2227

وحذف شرط (١) "إن" الثانية، وحذف الفاء من جوابها، والأصلُ: فإن جاء صاحبها، أَخَذَها، وإن لا يجيءْ فاستمتعْ بها (٢). * * * باب: ضَالَّةِ الإِبِلِ ١٣٦٣ - (٢٤٢٧) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن رَبِيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، فَقَالَ: "عَرَّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا، وَإِلَاّ فَاسْتَنْفِقْهَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ". (جاء أعرابي النبي ﷺ (٣) فسأله عما يلتقط): تقدم أن السائل بلالٌ، وهذه الرواية تُبَعِّد ذلك؛ لأنه لا يقال في مثلِ بلالٍ المؤذنِ المشهورِ: أعرابيٌّ، فيحتمل أن تكونا واقعتين. (ضالة (٤) الغنم؟ قال: لك، أو لأخيك، أو للذئب): على طريقة السبر

стр. 2228

والتقسيم، وأشار إلى إبطال قسمين، فتعين الثالث، والأخُ هنا ليسَ صاحبَها، ولكن ملتقطٌ آخر، فكأنه قال: ينحصر الأمر في ثلاثة أقسام: أن تأخذَها لنفسك، أو تتركَها فيأخذَها مثلُك، أو يأكلَها الذئب، لا سبيلَ إلى تركها للذئب؛ فإنه إضاعةُ مال، ولا معنى لتركها لملتقطٍ آخرَ مثلِ الأول بحيث يكون الثاني أحقَّ؛ لأنهما استويا، وسبقَ الأول، فلا معنى لترك السابقِ واستحقاق المسبوق، وإذا بطل هذان القسمان، تعين الثالث، وهو أن تكون لهذا (١) الملتقِط. فإن قيل: لعله عنى بالأخ صاحبها (٢)؟ قلنا: لا تقتضي البلاغة أن يُقرن (٣) صاحبها المستحقَّ بالذئبِ العادي. فإن قيل: بقي قسم رابع، وهو تركُها لعلَّ صاحَبها يصادفها؟ قلنا: أُلغي هذا؛ لأن الغرضَ وجدانها بمحل إياس من صاحبها أن تعود إليه إلا على ندور. واللام في القسمين الأولين للملك، وفي الثالث للاختصاص. وقول بعضهم: اللامُ في "الذئب" ليست للتمليك، فهي كذلك في بقية الأقسام، مردودٌ بأنها مع قابل الملك له، ومع ما لا يقبله للاختصاص (٤)، كذا قرره ابن المنير ﵀. (فتمَعَّرَ): أي: تغير للغضب.

стр. 2229

باب: ضَالَّةِ الغَنَمِ ١٣٦٤ - (٢٤٢٨) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ: أَنَّهُ سَمِعِ زيدَ بْنَ خَالِدٍ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً". يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ، اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا، وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ. قَالَ يَحْيَى: فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ، أَمْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ؟ -ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ يَزِيدُ: وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضاً. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: "دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا". (سُئل النبيُّ ﷺ عن اللُّقَطة): هو (١) بتحريك القاف بإجماع الرواة في هذا الحديث، كذا قال الأزهري. قال: وهو على غير قياس اللغة فإنها بالإسكان: اسمٌ لما يُلتقط (٢)، و-بالفتح- للملتقِط، فالفُعْلَةُ للمفعول؛ كالضُّحْكَة، والفُعَلَة للفاعل؛ كالضُّحَكَة، والتحريكُ للمفعول نادرٌ. قلت: حكى مغلطاي عن "الجامع": أن اللقطَة: ما التقطه الإنسان بحركة، قال: وعن الأصمعي، وابن الأعرابي، والفراء: بفتح القاف: اسمُ المال (٣).

стр. 2230

باب: إِذَا وَجَدَ تمرةً في الطَّريقِ ١٣٦٥ - (٢٤٣١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: "لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأَكَلْتُهَا". (لولا أن (١) (٢) أخاف أن تكون من الصدقة، لأكلتها): في (٣) هذا دليل على أنه لا يُتعبد (٤) في العقود بالألفاظ (٥) الخاصة؛ بدليلِ تملُّكِ التمرةِ الساقطة، مع علمِنا بأن صاحبها لم يتلفظ (٦) فيها بتمليك الواجد. وقيل: وفيه (٧) دليل على تنزيل (٨) الأمور الحكمية منزلةَ الحقيقية؛ فإنا نزلنا يأسَ صاحبها منها منزلةَ رضاه بأن تُؤخذ، وهذا أمر حكمي، لا رِضاً حقيقي، ثم هذا النوع من الملك (٩) من أتم أنواع الأملاك، ولهذا توخى المتورعون أكلَ (١٠) الملتقطات، والالتقاطَ خلفَ الحَصَّادين، ويرون ذلك

стр. 2231

من أطيب المباحات، وإنما يكمل (١) طيبه بقوة الملك فيه، مع عدم اللفظ الناقل لملك الأول. قال ابن المنير: وانظرْ لو أقام صاحبُ هذا الشيءِ اليسيرِ البينةَ عليه مع يسارته (٢)؛ كالتمرة ونحوها، والظاهر أنه أحق بها حينئذ. * * * باب: كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ١٣٦٦ - (٢٤٣٣) - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِدٍ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَاّ لِمُنْشِدٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا". فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَاّ الإِذْخِرَ، فَقَالَ: "إِلَاّ الإِذْخِرَ". (باب: كيف تُعَرَّفُ لُقَطَةُ مكة). (إلا لمنشِدٍ): أي: مُعَرِّفٍ (٣)؛ بدليل الحديث قبله: "إِلَاّ لمعرِّفٍ"، يقال: نَشَدْتُ (٤) الضَّالَّةَ، فأنا ناشِدٌ: إذا طلبتُها، وأَنْشَدْتُها، فأنا مُنْشِدٌ: إذا عَرَّفْتُها (٥).

стр. 2232

ومذهبُ مالك ﵀: أن حكمَ لقطة [مكة حكمُ لقطةِ سائرِ البلاد. وقال الشافعي ﵀: هي بخلاف غيرها، لا تُملك لقطتها] (١) أبداً، وإنما يلتقطها من يعرفها، وإليه ذهب الباجي، وابن العربي من أصحابنا؛ تمسكاً بهذا الحديث. قال شيخنا ابن عرفة: والانفصال عن (٢) التمسك به على قاعدة مالك في تقديمه العملَ على الحديث الصحيح حسبما ذكره ابن يونس في كتاب "الأقضية"، ودل (٣) عليه استقراءُ المذهب واضح. وقال ابن المنير: ووجْهُ (٤) مذهب مالك التمسكُ بظاهر الاستثناء؛ لأنه نفى الحل، واستثنى المنشِد، والاستثناءُ من النفي إثبات، فيكون الحلُّ ثابتاً للمُنْشِد؛ أي: المعرَّف (٥)، يريد: بعد قيامه بوظيفة التعريف، وإنما يريد على هذا: أن مكةَ وغيرَها بهذا الاعتبار في تحريم اللقطة قبلَ التعريف، وتحليلها بعدَ التعريف واحدٌ، والسياقُ يقتضي اختصاصَها عن غيرها. والجواب: أن الذي أشكلَ على غير مالك إنما هو (٦) تعطيلُ المفهوم؛ إذ مفهومُ اختصاص مكةَ بحلِّ اللقطةِ بعدَ التعريف، وتحريمِها قبلَه: أن غيرَ

стр. 2233

مكة ليسَ لذلك (١)، بل تحلُّ لقطتُه مطلقاً، أو (٢) تحرم مطلقاً، وهذا لا قائل به، فإذا آل الأمرُ إلى هذا، فالخطبُ يسير، وذلك أنا اتفقنا على (٣) أن التخصيص إذا خرج مخرجَ الغالب، فلا مفهومَ له، وكذلك نقول هنا: الغالبُ أن لقطةَ مكة ييأس ملتقطها من صاحبها؛ لتفرُّق الخلق عنها إلى الآفاق البعيدة، فربما داخلَه الطمعُ فيها من أول وهلة، فاستحلَّها قبلَ التعريف، فخصَّها الشارعُ بالنهي عن استحلالِ لقطتها (٤) قبلَ التعريف؛ لاختصاصِها بما ذكرناه، فقد ظهرت للتخصيص فائدة سوى المفهوم، فسقط الاحتجاجُ به، وانتظم الاختصاص حينئذ، وتناسب السياق، ذلك أن المأيوس من معرفة صاحبه لا يُعَرَّف؛ كالموجود بالسواحل، لكن مكة تختص بان تُعَرَّفَ لقطتُها. وقد نص بعضهم على أن لُقَطَة العسكر ببلد الحرب إذا تفرق العسكر لا تعرَّف سنة؛ لأنها إما لكافر، فهي مباحة، وإما لأهل العسكر، فلا معنى لتعريفها في غيرهم، فظهر حينئذ اختصاصُ مكة بالتعريف، وإن تفرقَ أهلُ الموسم، مع أن الغالبَ كونُها لهم، وأنهم لا يرجعون لأجلها، فكأنه ﵇ قال: ولا تحل لقطتها إلا بعدَ الإنشاد والتعريفِ سنةً؛ بخلاف ما هو من جنسها؛ كمجتمعات العساكر، ونحوها؛ فإن تلك تحل بنفس افتراق العسكر، ويكون المذهب حينئذ أسعدَ بظاهرِ الحديث من

стр. 2234

مذهب المخالِف؛ لأنهم يحتاجون إلى تأويل اللام، وإخراجها عن التمليك، ويجعلون المراد: ولا تحلُّ لقطتُها إلا لمنشِد، فيحل له إنشاد، لا أخذُها، فيخالفون ظاهرَ اللام، وظاهرَ الاستثناء. ويحقق ما قلناه من أن (١) الغالبَ على مكةَ أن لقطتَها لا يعود لها صاحبُها، أننا لم نسمع أحداً ضاعت له تليفة بمكة، فرجع إليها ليطلبها، ولا بعث في ذلك، بل ييأس منها بنفس التفرق، والله أعلم. * * * ١٣٦٧ - (٢٤٣٤) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيىَ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَاّ لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَاّ الإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِناَ وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَاّ الإذْخِرَ". فَقَامَ أَبُو شَاهٍ، -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ-، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْتُبُوا لأَبي شَاهٍ".

стр. 2235

قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (حبس عن مكة الفيل): بالفاء والمثناة من تحت. ويروى: بقاف ومثناة من فوق، وقد مر في كتاب: العلم. (فقام أبو شاهٍ): -بهاء أصلية منونة-، وهو مصروف. قال القاضي: كذا ضبطه بعضُهم، وقرأته أنا معرفةً ونكرةً (١). قال (٢) ابن الملقن: وعن ابن دحية: أنه بالتاء منصوباً (٣). قلت: لا يُتصور نصبُه؛ لأنه مضاف إليه في مثل هذا العَلَم دائماً، وإنما مراده: أنه معربٌ (٤) بالفتحة في حال الجر؛ لكونه غير منصرف، وذلك لأن القاعدة (٥) في العَلَم ذي الإضافة اعتبارُ حال المضاف إليه بالنسبة إلى الصرف وعدمه، وامتناع دخول اللام ووجوبها، فيمتنع مثلُ هذا، و (٦) مثلُ أبي هريرةَ من الصرف، ومن دخول الألف واللام، وينصرف مثل أبي بكر، ويجب اللام في مثل امرئ القيس، ويجوز في مثل (٧) ابن العباس. * * *

стр. 2236

باب: لا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بغيرِ إِذْنِهِ ١٣٦٨ - (٢٤٣٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَد مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُه؟ فإنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيةَ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِهِ". (أن تؤتى مَشْرُبته، فتكسرَ خزانتُه): المشربة: -بضم الراء وفتحها-: الغرفة. شبه النبي ﷺ ضروعَ المواشي في ضبطها الألبانَ على أربابها بالخزانة التي تحفظ ما أُودعت من متاع ونحوه. * * * باب: هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ ولا يَدَعُها تَضِيعُ حتَّى لا يأْخُذَهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّ ١٣٦٩ - (٢٤٣٧) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطاً، فَقَالَ لِي: أَلْقِهِ، قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلَاّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا، حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلاً". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً، ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلاً"، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلاً"، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً، ثُمَّ أَتَيْتُهُ

стр. 2237

الرَّابِعَةَ فَقَالَ: "اعْرِفْ عِدَّتَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَوِعَاءَهَا، فإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَاّ اسْتَمْتِعْ بِهَا". (وزيد بن صُوحان): بصاد مهملة مضمومة وحاء مهملة. * * * باب ١٣٧٠ - (٢٤٣٩) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَناَ النَّضْرُ، أَخْبَرَناَ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَيي الْبَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَ: انْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَناَ بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ هَكَذَا، -ضَرَبَ إِحْدَى كفَّيْهِ بِالأُخْرى،- فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِدَاوَةً، عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتُهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. (فاعتقلَ شاةً): أي: حبسها، واعتقالُ الشاة (١): أن يضع رجله بين فخذي الشاة ويحلبها.

стр. 2238

(حلب (١) كُثْبة): -بضم الكاف وإسكان المثلثة وبموحدة فهاء تأنيث-؛ أي: شيء (٢) قليل. وقال يعقوب (٣): الكثبةُ: قدرُ حَلْبَةٍ، وكذا في "الصحاح". وزاد عن أبي زيد: "مَلْءُ القدح"، فهو كالسوط التي اغتفر التقاطه من اللبن (٤)، وأدخل (٥) البخاري هذا الحديث في أبواب اللقطة؛ لأن اللبن إذ ذاك في حكم الضائغ المستهلَك، فهو كالسوط التي اغتُفر التقاطُه، وأعلى حاله أن يكون كالشاة، وقد قال فيها: "هي لكَ، أو لأخيكَ، أو للذئب"، كذا هذا اللبن إن يحلب، ضاع. كذا في الزركشي (٦)، وهو مأخوذ من ابن المنير، وجرى على عادته في عدم نسبة ما يستحسنه إلى قائله. قلت: قد يُمنع ضياعُه مع وجود الراعي الموكَّلِ بحفظه، وبهذا يقدح في تشبيهه (٧) بالشاة؛ لأنها بمحل مضيعة (٨) بالفرض؛ بخلاف هذا اللبن، قال: وهذا أولى من قول من تأوله (٩) على أنه مال حربي؛ إذ العناية لم تكن أحلت بعد.

стр. 2239

وقيل: كانت لصديق للصدِّيق، ولهذا قال: فسماه فعرفتُه. قلت: الاستدلال بمجرد معرفته على الصداقة غيرُ متأتٍّ. وقيل: أراد بقوله: هل في غنمك من لبن: هل أذنَ لك في بذله؟ وقيل: كان ذلك مستفيضاً في العرب، لا يرون بذلك (١) بأساً مطلقاً، أو (٢) في حق محتاج، أو يبيحون ذلك لرعاتهم (٣). * * *

стр. 2240

كِتابُ المَظَالم

стр. 2241

(كتاب: المظالِم): جمع مَظْلَمَة -بكسر اللام وفتحها-، حكاه الجوهري وغيره (١)، ولم يذكر ابن سيده غيرَ الكسر (٢). وقال ابن القوطية (٣): لا تقوله العرب بالفتح، إنما هو بالكسر (٤). باب: قِصَاصِ المَظَالِمِ ١٣٧١ - (٢٤٤٠) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَناَ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْن الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ! لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا".

стр. 2242

(إذا خَلَصَ المؤمنون من النار): أي: نَجَوْا منها. (حُبسوا بقَنْطرة): هي كل شيء يُنْصَب على نهر، أو واد، أو غيره، ويحتمل أن يكون طرف الصراط. قاله الداودي. وقال الهروي: سمي البناء قنطرة (١)؛ لتكاثف بعضه على بعض، والقناطر عند العرب: المال الكثير (٢). (فبتقاصون مظالم كانت بينهم): قال السفاقسي: أي: يتتاركون؛ لأنه ليسَ موضعَ مقاصَّة ولا محاسبة؛ لأنهم خلصوا (٣) من النار، لكن يلقي الله تعالى [في قلوبهم العفوَ لبعضهم عن بعض، فيتتاركون، أو يعوض الله تعالى] (٤) بعضهم عن (٥) بعض. (حتى إذا نُقُّوا): -بالبناء للمفعول- من التنقية؛ بمعنى: التخليص والتميز (٦). (وهُذِّبوا): بالذال المعجمة، مبني أيضاً للمفعول؛ أي: خُلِّصوا (٧) من العيوب.

стр. 2243

باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ١٣٧٢ - (٢٤٤١) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا أَناَ أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِدٌ بِيَدِهِ، إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يُذنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوِيهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَناَ أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. (عن صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ): -بحاء مهملة فراء- على صيغة اسم فاعل، من أَحْرَزَ. (بينا أنا أمشي مع ابنِ عمرَ آخذٌ): أي: أنا آخذٌ (١)، والجملة حال. (فيضع عليه كنَفه): -بنون مفتوحة-؛ أي: سِتْرَهُ فلا يكشفُه على رؤوس الأشهاد؛ بدليل سياق الحديث. وقيل: عفوه ومعرفته. قال القاضي: وصحفه بعضهم تصحيفاً قبيحاً، فقاله بالتاء (٢).

стр. 2244

باب: لا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ ولَا يُسْلِمُهُ ١٣٧٣ - (٢٤٤٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سَالِماً أخبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (ولا يُسْلِمُه): مضارع أَسْلَمَ، يقال: أسلمَ فلانٌ فلاناً: إذا أَلقاه إلى الهلكة، ولم يحمِه من عدوه، وهو عامٌّ في كل من أسلمتَه إلى شيء، لكن غلبَ عليه في (١) الاستعمال أنه إنما يطلق على الإلقاء في الهلكة (٢). وفيه تعريضٌ بصحة القول بأن التركَ كالفعل في باب الضمان؛ لأن النبي ﷺ سَوَّى بين الظلم، وبينَ تركِ النُّصرة، فدلَّ على أن الترتيبَ على ترك النصر كالمترتب (٣) على فعل الظلم، وتحت هذا الأصل فروعٌ معروفة. * * * باب: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ ؟ ١٣٧٤ - (٢٤٤٩) - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي ذِئْبٍ،

стр. 2245

حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ". (باب: من كانت له مظلمة عند الرجل، فحللها له، هل يبين مظلمته؟). (إن كان له عمل صالح، أُخذ منه بقدر مظلمته): قال المهلب: اختلف فيمن كانت بينه (١) وبين آخر معاملة، فحلله، فقيل: ذلك براءة (٢) له في الدارين، وإن لم يبين قدره، وقيل: لابد من العلم بقدره، وإلا، فلا تصح البراءة. قال: والحديث حجة لهذا القول؛ لأن (٣) قوله ﵊: "أُخذ منه بقدر مظلمته" يدل على أنه يجب أن يكون معلومَ القدر، ووهَّمه (٤) ابن المنير؛ لأن التقدير ذُكر حيث يقتص المظلوم من الظالم، فيأخذ بقدر حقه، وهذا متفق عليه؛ إذ لا يتجاوز المظلوم قدرَ حقه أصلاً، وإنما الكلام إذا أسقط الحق، هل يشترط معرفته بقدره، أو لا؟
следующие страницы →