(إذا خَلَصَ المؤمنون من النار): أي: نَجَوْا منها.
(حُبسوا بقَنْطرة): هي كل شيء يُنْصَب على نهر، أو واد، أو غيره، ويحتمل أن يكون طرف الصراط. قاله الداودي.
وقال الهروي: سمي البناء قنطرة (١)؛ لتكاثف بعضه على بعض، والقناطر عند العرب: المال الكثير (٢).
(فبتقاصون مظالم كانت بينهم): قال السفاقسي: أي: يتتاركون؛ لأنه ليسَ موضعَ مقاصَّة ولا محاسبة؛ لأنهم خلصوا (٣) من النار، لكن يلقي الله تعالى [في قلوبهم العفوَ لبعضهم عن بعض، فيتتاركون، أو يعوض الله تعالى] (٤) بعضهم عن (٥) بعض.
(حتى إذا نُقُّوا): -بالبناء للمفعول- من التنقية؛ بمعنى: التخليص والتميز (٦).
(وهُذِّبوا): بالذال المعجمة، مبني أيضاً للمفعول؛ أي: خُلِّصوا (٧) من العيوب.
باب: لا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ ولَا يُسْلِمُهُ
١٣٧٣ - (٢٤٤٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سَالِماً أخبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(ولا يُسْلِمُه): مضارع أَسْلَمَ، يقال: أسلمَ فلانٌ فلاناً: إذا أَلقاه إلى الهلكة، ولم يحمِه من عدوه، وهو عامٌّ في كل من أسلمتَه إلى شيء، لكن غلبَ عليه في (١) الاستعمال أنه إنما يطلق على الإلقاء في الهلكة (٢).
وفيه تعريضٌ بصحة القول بأن التركَ كالفعل في باب الضمان؛ لأن النبي ﷺ سَوَّى بين الظلم، وبينَ تركِ النُّصرة، فدلَّ على أن الترتيبَ على ترك النصر كالمترتب (٣) على فعل الظلم، وتحت هذا الأصل فروعٌ معروفة.
* * *
باب: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ ؟
١٣٧٤ - (٢٤٤٩) - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي ذِئْبٍ،
стр. 2245
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ".
(باب: من كانت له مظلمة عند الرجل، فحللها له، هل يبين مظلمته؟).
(إن كان له عمل صالح، أُخذ منه بقدر مظلمته): قال المهلب: اختلف فيمن كانت بينه (١) وبين آخر معاملة، فحلله، فقيل: ذلك براءة (٢) له في الدارين، وإن لم يبين قدره، وقيل: لابد من العلم بقدره، وإلا، فلا تصح البراءة.
قال: والحديث حجة لهذا القول؛ لأن (٣) قوله ﵊: "أُخذ منه بقدر مظلمته" يدل على أنه يجب أن يكون معلومَ القدر، ووهَّمه (٤) ابن المنير؛ لأن التقدير ذُكر حيث يقتص المظلوم من الظالم، فيأخذ بقدر حقه، وهذا متفق عليه؛ إذ لا يتجاوز المظلوم قدرَ حقه أصلاً، وإنما الكلام إذا أسقط الحق، هل يشترط معرفته بقدره، أو لا؟
стр. 2246
والحديث يدل على عدم الاشتراط؛ لأنه أطلق التحلل من غير تعرض إلى معرفة القدر، وهو أصل مالك ﵀ في صحة هبة المجهول؛ خلافاً لغيره.
* * *
باب: إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ، فَلَا رُجُوعَ فِيهِ
(باب: إذا حلله من مظلمة (١)، فلا رجوع فيه): ساق في هذه الترجمة قول عائشة ﵂ في هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨].
قال الزركشي: استُشكل تطبيقُ (٢) الترجمة على الحديث؛ فإنها تتناول إسقاط الحق من المظلمة الواقعة، والآية مضمونُها إسقاطُ الحقِّ المستقبَل حتى لا يكون عدمُ الوفاء به (٣) مظلمة؛ لسقوطه.
وأجيب: بأن مراد البخاري: أنه إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقَّع، فلأنْ ينفذَ في الحق المحقَّق أولى (٤).
قلت: السؤال والجواب كلاهما لابن المنير ﵀.
* * *
أحدهما: أن يكلَّف (١) نقلَ ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطوق في عنقه.
الثاني: أن يُعاقب بالخسف إلى سبع (٢) أرضين.
قال ابن المنير: وفيه دليل على أن الحكم إذا تعلق بظاهر الأرض، تعلَّقَ بباطنها إلى التخوم (٣)، ولهذا تقول: من ملكَ ظاهرَ الأرض، ملكَ باطنَها من حجارة وأبنية ومعادن وكنزٍ (٤) في بعض الأرضين (٥)، ومن حَبَّسَ أرضاً مسجداً أو غيره، يتعلق التحبيس بباطنه، حتى لو أراد إمامُ المسجد أن يحتفر تحت أرض المسجد، ويبني مطامير تكون أبوابها إلى جانب المسجد تحت مصطبة له، أو نحوها، أو جعل المطامير حوانيتَ ومخازنَ، لم يكن له ذلك؛ لأن باطن الأرض تعلَّق (٦) بها الحبسُ كظاهرها (٧)، فكما لا يجوز اتخاذُ قطعة من المسجد حانوتاً، كذلك لا يجوز ذلك (٨) في باطنه.
* * *
١٣٧٧ - (٢٤٥٣) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجَ النَبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِباب حُجْرَتهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَناَ بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا، أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا".
(إنما أنا بشر): من باب قصر الإفراد؛ إخراجاً للكلام لا على مقتضى الظاهر تنزيل (١) استعظامهم؛ لعدم اطلاعه على بواطن الأمور؛ من حيث هو رسول يوحى إليه بالمغيبات عن الخلق بمنزلة إنكارهم لذلك، حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصف البشرية، والاطلاع على البواطن، فقصر (٢) على البشرية؛ نفياً للاطلاع على بواطن الأمور.
(فلعل بعضَكم أن يكون أبلغَ من بعض): فيه اقترانُ خبر "لعل" التي اسمها جُثَّةُ بـ "أن" المصدرية، وقد تقدم التنبيهُ عليه مرات.
وسأل ابن المنير: كيف يتوصل الفصيح الخصم إلى الباطل، مع سلامة القاضي من (٣) الإثم، مع أن القاضي مدفوعٌ إلى النظر في المعاني، [وردِّ الفروع إلى الأصول، والحكمِ في الوقائع بالاجتهاد، والمعاني] (٤) لا تختلف باختلاف الألفاظ فصاحةً ولُكْنَةً؟
стр. 2251
وأجاب: بأن ذلك إنما ينتظم بأن يكون أحدُ الخصمين يحسن التعبير عما هو حجة، ويكون الآخر قاصرَ الفهم عما يُدْلي به، وقد اختلفت (١) الأجوبة عما يسوغُ للقاضي أن يعلمه أحد الخصمين إذا فهم عنه (٢) القصورَ عن الأداء، والضابطُ: أنه لا (٣) يُعينه على باطل، ولا يُمسك عن (٤) إعانته على التعبير عما يفهم أنه فيه مُحِق.
(فمن قضيتُ له بحقِّ مسلم، فإنما هي قطعةٌ من النار): هذا دليل لمن يرى أن القضاء لا يَنفذُ (٥) في الباطن إذا كان مخالفاً للظاهر، والمخالفُ يشمله في الأموال، ولا شك أن الفروج كذلك من باب الأولى (٦).
* * *
باب: قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ
(باب: قصاص المظلوم إذا وجد مالَ ظالمه): اختلف المالكيون فيه على أقوال، المفتى به منها: أنه يأخذ قدرَ شيئه إن أَمِنَ من فتنة، أو نسبة إلى رذيلة (٧)، هذا في الأموال، وأما العقوبات البدنية، فلا يقتص فيها
(لا يَقرونا): -بفتح أوله-؛ من القرى، وروي: "يَقْروننَا"، بنونين (١).
* * *
باب: مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ
(باب: ما جاء في السقائف): أراد التنبيه على جواز اتخاذها، وصورتها: أن صاحب جانبي الطريق يجوز أن يبني سقفاً على الطريق تمر المارةُ تحته، ولا يقال: إنه تصرف في هواء الطريق، وهو تابع لها يستحقه المسلمون؛ لأن الحديث على جواز اتخاذها، ولولا ذلك، لما أقرها النبي ﷺ ، ولا جلس تحتها.
١٣٨٢ - (٢٤٦٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ. وَأَخْبَرَنِي يُونُسٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ ﵃، قَالَ: حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بِنَي سَاعِدَةَ.
(في سقيفة بني ساعدةَ): نُسبت (٢) إليهم؛ لأنهم كانوا يجتمعون فيها، أو (٣) لأنهم بنوها.
* * *
стр. 2254
باب: لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ
(أن يغرز خشبة): روي بالإفراد، وبالجمع، وقال عبد الغني بن سعيد (١): كل الناس يقولونه بالجمع، إلا الطحاوي (٢).
وهذا عند المالكية أمر مندوب إليه، وتجوز المعاوضة فيه، فإن أخذ عوضاً على (٣) الإذن، وقيده بمدة معينة، فتلك إجارة، فإن انهدم الحائط، انفسخت فيما بقي، ورجع المستأجر من الأجرة بحسابها، وإن أطلق الإذن، تأبَّد بيعاً، وكان الحائط مضموناً على صاحبه، فإن انهدم، ألزم بعمارته؛ ليحمل الآخر (٤) عليه خشبه؛ كالعلو والسُّفْل.
١٣٨٣ - (٢٤٦٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
(بين أكتافكم): -بالمثناة من فوق-؛ أي: بينكم.
وروي في "الموطأ" بالنون؛ جمع كَنَف -بفتح النون-، وهو الجانب (٥).
* * *
стр. 2255
باب: صَبِّ الْخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ
(باب: صَبِّ الخمرِ في الطَّريق (١)): قال المهلب: إنما جاز ذلك؛ لإظهار نبذِها، وشياع اطِّراحِها، ولولا ذلك، لم يحسن صبُّها في الطريق؛ لأنها قد تؤذي الناسَ في ثيابهم، ونحن نمنعُ من إراقة الماء في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم، فكيف الخمرُ؟
قال ابن المنير: إنما أراد البخاري التنبيهَ على جواز مثل هذا في الطريق للحاجة، فعلى هذا يجوز تفريغُ الصهاريجِ ونحوِها في الطرقات، ولا يُعد ذلك ضرراً، ولا يضمن فاعلُه ما ينشأ عنه من زَلَقٍ ونحوه.
وترجم ابن أبي زيد في "النوادر" على من حفر بئراً حيث يجوز له، أو وَقَّفَ (٢) دابةً هنالك (٣)، أو رَشَّ فِناءه (٤)، فذكر سقوطَ الضمان في الصور كلها، ولم يذكر مسألة رَشِّ الماء، وكذلك عادتُه، يترجم على المسائل المتماثلة في اعتقاده، ويطلب الفروعَ في النقل، فقد لا يجد الفرعَ منقولاً، فيبقي الترجمة ولا فرعَ لها، وقد نقله غيرُه على إسقاط الضمان، وإياه أراد البخاري.
قلت: حكى السفاقسي عن سحنون: أنه منع أن يُصَبَّ ماءُ بئرٍ وقعتْ فيه فأرةٌ في الطريق (٥).
стр. 2256
١٣٨٤ - (٢٤٦٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: كنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِياً يُنَادِي: "أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ". قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
(كنت ساقيَ القوم في منزل أبي طلحة): جاء ذكرُ القوم في روايتين (١) ستأتيان؛ في إحداهما: "كنت أسقي أبا عُبيدةَ، وأبا طلحةَ، وأبيَّ بن (٢) كَعْبٍ" (٣)، وفي الأخرى: "أبا دُجانةَ، وسهيلَ بنَ بَيْضاءَ" (٤)، وفي مسلم: "ومُعاذَ بْنَ جَبَلٍ" (٥).
(فجرت في سِكك المدينة): جمع سِكَّة -بكسر السين في المفرد والجمع-، والمراد: طرقها وأَزِقَّتُها.
ذكرت هنا ما وقع بثغر الإسكندرية (٦) من تغيير سِكَّة الفلوس وتبديلها مراراً، فحدث في المعاملات من الضرر ما آثارُه باقية إلى هذا الوقت،
الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ".
(إياكم والجلوسَ على الطرقات): لأن الجالسَ بها (١) لا يسلَم غالباً من رؤيةِ ما يكره، وسماعِ ما لا يحلُّ، إلى غير ذلك من المفاسد، لكنه ﵊ فسحَ لهم في الجلوس بها حين قالوا: "ما لنا بدٌّ" على (٢) شريطة أن يُعطوا الطريقَ حقَّها، وفسر لهم، فرجَّحَ أولاً (٣) عدَم الجلوس على الجلوس، وإن كان فيه مصلحة؛ لأن القاعدة تقتضي تقديمَ دَرْءِ المفسدة على جانب المصلحة.
* * *
باب: الآبَارِ التي عَلَى الطُّرُقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
(باب: الأَبْآر): -بهمزة ثم باء ساكنة وبعدها همزة ثم مدة قبل الراء- هذا هو الأصل في الجمع، ويجوز تقديم الهمزة على الباء (٤)، ولم أقف على رواية عن (٥) البخاري في ضبط ذلك.
* * *
стр. 2259
باب: إِمَاطَةِ الأَذَى
وَقَالَ هَمَّامٌ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "تُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ".
(تميطُ الأَذى عن الطريق صدقة): أي: تُنَحِّيه.
قال السفاقسي: قال أبو عُبيد عن الكسائي: مِطْتُ عنه الأَذى، وأَمَطْتُ: نَحَّيْتُ (١)، وهذا التركيب على حدِّ قولهم: تسمع (٢) بالمعيدي (٣) خيرٌ من أن تراه، وإذا كانت الإماطة صدقةً وطاعة (٤)، فإلقاءُ الأذى في الطريق [ضدُّ ذلك أَذِيَّةٌ وعُدوانٌ، ولهذا نقول: من ألقى في الطريق] (٥) ما يُتأذى به، ضمن من تَأَذَّى به (٦)، ولو سارقاً.
* * *
باب: الْغُرْفَةِ وَالْعُلِّيَّةِ الْمُشْرِفَةِ وَغَيْرِ الْمُشْرِفَةِ فِي السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا
(باب: الغُرفه والعِلِّيَّة): الغُرفة: بضم الغين المعجمة فقط، والعُلِّيَّة: بضم العين المهملة وكسرها مع كسر اللام والمثناة من تحت.
تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً، وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ". قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُوناَ يَأمُرَانِي بِفِرَاقِكَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ -إلى قوله- ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ". قُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ.
(إني كنتُ وجارٌ لي): -بالرفع- عطفاً على الضمير المرفوع المتصل بدون فاصل، وهو قليل.
قال الزركشي: ويجوزُ النصبُ؛ عطفاً على الضمير في قوله: "إني " (١).
قلت: لكن الشأن في الرواية، وأيضاً فالظاهر أن قوله: "في بني أميةَ ابنِ زيدٍ" خبر كان، وجملة كان ومعمولها خبر "إن"، فإذا جعلتَ جاراً معطوفاً على اسم "إنَّ"، لم يصح كونُ الجملة المذكورة خبراً لها إلا بتكلفِ (٢) حذفٍ لا داعيَ إليه، فتأمله.
(نتناوب النزول): قال الزركشي: أي: ينزل هو يوماً، وأنا أنزل يوماً (٣).
قلت: إتيانه (٤) بهذا التفسير عجيب، مع أن عمر ﵁ فسره في متن الحديث بعقب قوله: نتناوب النزول، فقال: فينزل يوماً، وأنزل
стр. 2264
يوماً، فماذا أفاده الزركشي بتفسيره (١)؟
(من أَرَبِ (٢) نساءِ الأنصارِ): أَرَبِ: بالراء، ويروى بالدال المهملة.
(لتهجره اليومَ حتى الليلِ): بجر الليل بـ "حتى".
(أفتأمن): فاعلُه ضمير غيبة مستتر عائدٌ على إحداكن.
(فتهلِكَ): -بكسر اللام وفتح الكاف-، وفاعله ضمير كالأول.
(ولا يغرنَّكِ): بنون التوكيد الثقيلة.
(أَن كانتْ جارتُك): "أن" -بفتح الهمزة- على أنها المصدرية، والمصدرُ المسبوك هو الفاعل.
(هي أَوْضَأَ): -بهمزة أوله وآخره-؛ أي: أحسنَ، أَفْعَلُ تفضيلٍ من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، و (٣) منه يقول: وَضُؤَ الرجلُ؛ أي: صار وَضيئاً.
(أَنَّ غسانَ): هم رهط من قحطان، نزلوا (٤) حين تفرقوا من مَأرِبَ بماء يقال له: غَسَّانُ، فسُمُّوا به، وسكنوا بطرف الشام.
(تُنْعِلُ النِّعالَ): -بضم أول الفعل-، يقال: أَنْعَلْتُ الدابةَ، ولا يقال: نعَلْتُ الدابة، قاله الجوهري (٥)، لكن القاضي حكاه، وأورد الحديث:
стр. 2265
"تنعل الخيل" (١)، والموجود في البخاري: "تنعل النعال (٢) " كما حكيناه (٣).
(فقلت لغلام أسود): اسمه رَباح.
(على رِمالِ حصيرٍ): الرُّمال -بكسر الراء وبضمها (٤) -: ما رُمِلَ؛ أي: نُسج من حصيرٍ وغيره، والمراد: أنه لم يكن فوق الحصير فراشٌ ولا غيرُه، ولم يكن بينهما حائل.
(ثم قلت وأنا قائم أستأنس): أي أتبصَّر هل يعودُ إلى الرضا، أو أقول قولاً أُطَيِّبُ به قلبَه، وأُسَكِّنُ غَضَبَه.
(غير أَهَبَةٍ (٥) ثلاثة): أَهَبَة -بفتحتين- جمع إهاب على غير قياس، وضُبط أيضاً بضمهما؛ أي: الهمزة والهاء: الجلدُ مطلقاً، وقبلَ أن يُدبغ، وبه جزم ابنُ بطال في كتاب: النكاح (٦).
(أَوَفي شك أنت؟!): -بفتح الواو والهمزة- للإنكار التوبيخي.
(من شدة موجِدته (٧)): -بكسر الجيم-؛ أي: غضبه، يقال: وَجَدْتُ من الغضبِ مَوْجِدَةً، ومن الحزن، وَجْداً -بفتح الواو-، ومن الحال وُجْداً -بضمها-.
стр. 2266
(إنك أقسمتَ أن لا تدخُلَ علينا شهراً): تريد: ولم تستكمل ثلاثين يوماً، إنما تركت الدخول تسعاً وعشرين ليلة كما صَرَّحَتْ به.
(الشهرُ تسعٌ وعشرون): قال ابن المنير: فيه حجة قوية لمن قال: إن من نَذَرَ شهراً، فصام في أثناء شهر، أجزأه تسعةٌ وعشرون، وإن لم يصم للهلال.
(ولا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتى (١) تستأمري أبويكِ (٢)): جعل فيه ابن المنير دليلاً على أن (٣) الخيار لا يتقيد بالمجلس، ولهذا أبقاه لها، وإن انفصل المجلس، واجتمعت بأبويها، وما كان التخيير أولاً (٤) مقيداً بزمان، بل مطلقاً.
قلت: فيه نظر؛ فإنه لم يخبرها إلا بعد تقديم هذه المقالة، ولم يقع قبلها تخيير، إنما قال أولأ: "إني ذاكرٌ لكِ أمرأ"، ووصله بقوله: "ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، فلقائل أن يمنع كونَ التخيير وقعَ مطلقاً، بل مقيداً، إنما أشار إليه من التأني (٥)، واستئمار الأبوين.
* * *
стр. 2267
باب: مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْبَلَاطِ، أَوْ بَابِ الْمَسْجِدِ
(باب: من عقلَ بعيرَه على البلاط، أو بابِ المسجد): يشير بذلك إلى أن مثلَ هذا الفعل لا يكون موجباً للضمان.
قال ابن المنير: ولا ضمانَ على مَنْ ربطَ دابته بباب المسجد، أو السوق؛ لحاجة عارضة، إذا رَمَحَت، ونحوه؛ بخلاف أن يعتاد ذلك، ويجعله مربطاً لها دائماً وغالباً، فيضمن.
١٣٨٨ - (٢٤٧٠) - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ، قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي ناَحِيَةِ الْبَلَاطِ، فَقُلْتُ: هَذَا جَمَلُكَ، فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ، قَالَ: "الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ".
(في ناحية البلاط): موضع عند مسجد (١) المدينة.
(فجعل يُطيف): مضارع أَطافَ، ويروى (٢): "يَطوفُ"، مضارع طافَ.
* * *
باب: الوقُوفِ والَبْولِ عنَد سُبَاطةِ قَومٍ
١٣٨٩ - (٢٤٧١) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ،
التفاوت؛ كما يُنثر (١) على رؤوس الصبيان، وفي الأعراس، كرهه (٢) مالك ﵁، وجماعة، وأجازه الكوفيون، وإنما كرهه مالك؛ لأنه خارج عن القواعد إلا بتكلف (٣)، وهو على صورة النهبى (٤) المحرمة، وذلك أن الذي ينثر الشيء للجماعة ظاهرُ الحال أنه ملَّكهم إياه سواء؛ لأن المعاطاة هنا أو اللفظ الدال عليها يقتضي التسويةَ؛ كقوله (٥): هذا (٦) لكم، أو دونكم فخذوه، أو قد أعطيتكم هذا، فكيفما دار الأمر، فإنما أعطاه صاحبُه للجماعة، ومقتضى عطيتهم التسويةُ، ومقتضى النهبى التفاوتُ (٧)، وحرمانُ قوم، ونيلُ قوم، وتفاوتُهم -أيضاً- فيما ينالون غالباً، وإنما سهله أحد أمرين: إما أنه مدخول عليه بين الجماعة؛ كطعام المخارجة، وفيه التفاوت، وإما حمل التمليك على التعليق، كأنه ملك كلَّ واحد ما عساه أن يحصل بيده، فلأجل هذا كرهه (٨) مالك، و (٩) إن أجازه في الجملة إذا وقع.
(والمثلة): هي العقوبة الفاحشة في الأعضاء؛ كجَدْع الأنف، وقطع الأذن، وفَقْءِ [العين]، ونحو ذلك.
стр. 2270
١٣٩٢ - (٢٤٧٥) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ الناسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ".
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ): قال الزركشي: فيه حذف الفاعل بعد النفي؛ فإن الضمير لا يرجع إلى الزاني، بل لفاعل مقدر دل (١) عليه ما قبله؛ أي: ولا يشرب الشارب.
قلت: في كلامه تدافع، فتأمله.
ثم انظر ما الحكمةُ في تقييد الفعل المنفي بالظرف في الجميع؛ أي (٢): لا يزني الزاني حين يزني، ولا يشرب الخمر حين يشربها، ولا يسرق حين يسرق، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها!!
ويظهر لي -والله أعلم-: أن ما أضيف إليه الظرف من باب التعبير عن الفعل بإرادته، وهو كثير في كلامهم؛ أي (٣): لا يزني الزاني حين إرادته الزنا وهو مؤمن؛ ليتحقق قصدُه وانتفاءُ ما عداه (٤) بالسهو؛ لوقوع الفعل منه
стр. 2271
في حين إرادته، وكذا (١) البقية، فذكر القيد؛ لإفادة كونه متعمداً لا (٢) عذر له. والله [أعلم].
قال الخطابي: إنما سلبَه (٣) كمالَ الإيمان دونَ أصلِه، وقد يكون المرادُ به: الإنذارَ بزوال (٤) الإيمان إذا اعتاد هذه المعاصي، واستمرَّ عليها.
قال: و (٥) بعضهم يرويه: "ولا يَشْرَبِ الخمرَ" -بكسر الباء-، يقول: إذا كان مؤمناً، فلا يفعلْ ذلك (٦).
وذكر غيره: أنه سلبه الإيمانَ بسبب استحلاله لذلك (٧).
* * *
باب: هَلْ تُكْسَرُ الدِّناَنُ الَّتِي فِيهَا الْخَمْرُ، أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ ؟
(الدِّنان): -بكسر الدال المهملة- جمع دَنٍّ، بفتحها.
(الزِّقاق): -بكسر الزاي- جمعُ زِقٍّ، بكسرها أيضاً.
* * *
стр. 2272
١٣٩٣ - (٢٤٧٧) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَاناً تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: "عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ "، قَالُوا: عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، قَالَ: "اكْسِرُوهَا، وَأَهْرِقُوهَا"، قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: "اغْسِلُوا".
(على ما توقد (١)؟): إثبات ألف "ما" الاستفهامية (٢) مع دخول الجار عليها، وهو قليل، ويروى: "عَلامَ" -بحذف الألف- على اللغة المشهورة.
(هذه النَّيران): -بكسر النون الأولى-: جمعُ نار، والياء منقلبة عن واو.
(الحمر الإنسية): أي: التي تألف البيوت.
وفي "المشارق": قال البخاري: كان ابن أبي أويس يقول: "الأَنَسِيَّة" -بفتح الألف والنون-.
قال القاضي: وأكثرُ روايات الشيوخ فيه: "الإنسية" -بكسر الهمزة وسكون النون-، وكلاهما صحيح. انتهى (٣).
فالأول: على أنه منسوب إلى الأَنَس -بفتح الهمزة والنون-، وهو التآنس.
والثاني: على أنه منسوب إلى الإِنْس، وهم بنو آدمَ، الواحدُ إِنْسِيٌّ.
تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.
(اتخذَتْ على سَهوة): -بفتح السين (١) المهملة-: كالصُّفَّةِ تكون بين (٢) يَدَي البيت، وقيل: هي شبيهة (٣) بالرَّفِّ، أو (٤) الطَّاقِ يوضع فيه الشيء.
(نمرقتين): بضم النون والراء وبكسرهما.
* * *
باب: مَنْ قَاتَلَ دُوْنَ مَالِهِ
١٣٩٦ - (٢٤٨٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيد، -هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ-، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ".
(من قتل دون ماله، فهو شهيد): قال ابن المنير: فلو قتل في داره من زعم صاحبُ الدار أنه أرادَ حريمه بالإفساد، ولم تقم له بينة؟
فقال ابن القاسم: إن كان قد عُرف بالفساد، وتقدَّم إليه صاحبُ المنزل قبلَ ذلك بأن يباعده، صُدِّقَ، ولا قَوَدَ عليه، وإلا، فالقَوَدُ.
стр. 2275
ويدل على القود حديثُ اللِّعان حيث قال: "الرجلُ يجدُ مع امرأته رجلاً، أيقتله (١) فتقتلونَه، أم كيف يصنع؟ " (٢) ولم ينكر ﵇ عليه ذلك، ولا أَعْلَمَه بأن دم الرجل هدرٌ بمجرد قول المدعي (٣)، وهذا هو القياس، وتصديقُ القائل بالقرائنِ -كما قاله ابن القاسم- استحسانٌ.
* * *
باب: إِذَا كَسَر قَصْعَةً أو شيئاً لغَيرِهِ
١٨٩٧ - (٢٤٨١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: "كُلُوا". وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ.
(أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه): هي عائشة ﵂.
(فأرسلت إليه إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة): وهل هذه المرسلةُ زينبُ أو أُمُّ سلمةَ، أو صفيةُ، أو حفصةُ (٤)؟ أقوال (٥).
والقصعةُ: -بفتح القاف-، والجمع قِصَعٌ، وقِصاعٌ.
стр. 2276
(فدفع القصعةَ الصحيحة، وأبقى (١) المكسورة): ليس فيه حجة على ضمان المتقوم بمثله؛ لأن ذلك لم يكن منه ﷺ على سبيل الحكم، إنما هو شيء كان في (٢) بيته [بينه] وبين أهله (٣).
* * *
باب: إِذَا هَدَمَ حائِطَاً، فَلْيَبْن مِثْلَهُ
١٣٩٨ - (٢٤٨٢) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجاً، فَتَعَرضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِياً فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَاماً، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعي، قَالُوا: نَبْنِي صَومَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، إِلَاّ مِنْ طِينٍ".
(المومِسات): الزانيات.
(فقالت امرأة: لأفتنَنَّ جريجاً): في "معجم الطبراني الأوسط": عن
стр. 2277
عمرانَ بنِ حصين: أن التي قالت عنه إنه فعل بها هي (١) [بنتُ] ملكِ القرية (٢).
(فأتت راعياً): قال القسطلاني في "مبهماته": اسمُ هذا الراعي صُهَيْب (٣).
(نبني صومعتك من ذهب، قال: لا (٤)، إلا من طين): قال ابن مالك: فيه شاهد على حذف المجزوم بلا الناهية؛ فإن مراده: [لا تبنونها إلا من طين (٥).
قلت: يحتمل أن يكون التقدير: لا أريدها إلا من طين، فلا شاهد] (٦) فيه.
قال ابن المنير: وليس في الحديث حجةٌ ظاهرة على أن الحكمَ البنيانُ، وذلك أنهم إن (٧) تمسكوا بما عرضوه عليه (٨)، فهم (٩) قد عرضوا عليه مالاً لا (١٠) يلزمهم بالإجماع، وهو بناؤها من ذهب، وإن تمسكوا بما قاله جريج، فإنما قال لهم بعضَ ما التزموه، ولا خلاف أن هادم الحائط لو
стр. 2278
التزم بنيانه، ووافقه الآخر، كان ذلك، ويحمل (١) على أصل مالك إذا قلنا بالقيمة: أنه لا يجوز الإنفاق على البنيان؛ لأنه فسخ ما يجب ناجزاً فيما يتأخر.
* * *
стр. 2279
كِتابُ الشَّرِكَةِ
стр. 2280
باب: الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنِّهْدِ وَالْعُرُوضِ
(كتاب: الشركة).
(في الطعام والنِّهد): بكسر النون.
قال القاضي: هو إخراجُ القوم نفقاتهم، وخلطُها كذلك عند المرافقة في السفر، وهي المخارَجَة.
وفسره القابسي بطعام الصلح بين القبائل.
والأول أصحُّ وأعرف.
قال القاضي: وحكى بعضهم فيه فتح النون أيضاً (١).
١٣٩٩ - (٢٤٨٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثاً قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُ مِئَةٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيقِ، فَنِيَ