(فدفع القصعةَ الصحيحة، وأبقى (١) المكسورة): ليس فيه حجة على ضمان المتقوم بمثله؛ لأن ذلك لم يكن منه ﷺ على سبيل الحكم، إنما هو شيء كان في (٢) بيته [بينه] وبين أهله (٣).
* * *
باب: إِذَا هَدَمَ حائِطَاً، فَلْيَبْن مِثْلَهُ
١٣٩٨ - (٢٤٨٢) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجاً، فَتَعَرضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِياً فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَاماً، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعي، قَالُوا: نَبْنِي صَومَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، إِلَاّ مِنْ طِينٍ".
(المومِسات): الزانيات.
(فقالت امرأة: لأفتنَنَّ جريجاً): في "معجم الطبراني الأوسط": عن
стр. 2277
عمرانَ بنِ حصين: أن التي قالت عنه إنه فعل بها هي (١) [بنتُ] ملكِ القرية (٢).
(فأتت راعياً): قال القسطلاني في "مبهماته": اسمُ هذا الراعي صُهَيْب (٣).
(نبني صومعتك من ذهب، قال: لا (٤)، إلا من طين): قال ابن مالك: فيه شاهد على حذف المجزوم بلا الناهية؛ فإن مراده: [لا تبنونها إلا من طين (٥).
قلت: يحتمل أن يكون التقدير: لا أريدها إلا من طين، فلا شاهد] (٦) فيه.
قال ابن المنير: وليس في الحديث حجةٌ ظاهرة على أن الحكمَ البنيانُ، وذلك أنهم إن (٧) تمسكوا بما عرضوه عليه (٨)، فهم (٩) قد عرضوا عليه مالاً لا (١٠) يلزمهم بالإجماع، وهو بناؤها من ذهب، وإن تمسكوا بما قاله جريج، فإنما قال لهم بعضَ ما التزموه، ولا خلاف أن هادم الحائط لو
стр. 2278
التزم بنيانه، ووافقه الآخر، كان ذلك، ويحمل (١) على أصل مالك إذا قلنا بالقيمة: أنه لا يجوز الإنفاق على البنيان؛ لأنه فسخ ما يجب ناجزاً فيما يتأخر.
* * *
стр. 2279
كِتابُ الشَّرِكَةِ
стр. 2280
باب: الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنِّهْدِ وَالْعُرُوضِ
(كتاب: الشركة).
(في الطعام والنِّهد): بكسر النون.
قال القاضي: هو إخراجُ القوم نفقاتهم، وخلطُها كذلك عند المرافقة في السفر، وهي المخارَجَة.
وفسره القابسي بطعام الصلح بين القبائل.
والأول أصحُّ وأعرف.
قال القاضي: وحكى بعضهم فيه فتح النون أيضاً (١).
١٣٩٩ - (٢٤٨٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثاً قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُ مِئَةٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيقِ، فَنِيَ
(وما كان من خليطين، فإنهما يراجعان (١)(٢) بينهما بالسوِيَّة): قال ابن المنير: هذا منه غرم المستهلك؛ لأنا نقدر: مَنْ يُعْطَ، استهلكَ مالَ مَنْ أعطى؛ إذ (٣) أخذَ منه عن حقٍّ وجبَ على صاحبه.
وقيل: إنما يقدَّرُ متسلفاً من صاحبه على ذلك الخلاف في وقت التقويم عند التراجع، هل يقوم وقت (٤) الأخذ لوقت (٥) الوفاء؟
فالأول: على أنه استهلك، والثاني: على أنه سلف.
وفيه حجة لمذهب مالك ﵁ أن من قام عن غيره بواجب، رجعَ عليه (٦) بالقضاء، وإن لم يكن أذنَ له في القيام، وأما لو ذبح أحدُ الخليطين أو الشريكين من الشركة شيئاً، فهو مستهلِكٌ، فالقيمةُ يومَ الاستهلاك، قولاً واحداً؛ بخلاف ما يأخذه الساعي.
* * *
باب: قِسْمَةِ الغَنَمِ
١٤٠٣ - (٢٤٨٨) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بْنُ الْحَكَمِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ
(إن لهذه البهائم أوابدَ): أي: نوافرَ وشواردَ، جمعُ آبِدَة، يقال: أَبَدَتْ -بفتح الباء المخففة- تَأْبُد -بكسرها وضمها- أُبوداً: إذا تَوَحَّشَتْ.
(وليس لنا (١) مُدىً): -بضم الميم-: جمعُ مُدْيَةِ -مثلث الميم-، وهي السكين، سميت بذلك؛ لأنها مدى الأجل.
(ما أنهرَ الدمَ): أي: صَبَّه بكثرة كصبِّ النهرِ، وهو بالراء.
[قال الزركشي: وروي بالزاي، حكاه القاضي، وهو غريب (٢).
قلت: هذا تحريف في النقل؛ فإن القاضي] (٣) قال في "المشارق" (٤): ووقع للأصيلي في كتاب "الصيد": "نهر" (٥)، وليس بشيء، والصواب ما لغيره: أنهر؛ كما في سائر المواضع (٦). فالقاضي (٧) إنما حكى هذا عن الأصيلي في كتاب "الصيد"، لا في المكان الذي نحن فيه، وهو كتاب الشركة، وكلام الزركشي ظاهرٌ في روايته -بالزاي- في هذا المحل الخاص، وهو تحريف بلا شك.
(وذُكر اسمُ الله عليه، فكلوه): دليل على اشتراط التسمية؛ فإنه علَّقَ
стр. 2286
الإذنَ في الأكل بمجموع أمرين، والمعلَّق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدِهما.
فإن قلت: الضميرُ من قوله: "فكلوه" لا يعود على "ما"؛ لأنها عبارة عن آلة التذكية، وهي لا تؤكل، فعلى ماذا يعود؟
قلت: على المذكَّى [المفهوم من الكلام؛ لأن إنهار الآلة للدم يدل على شيء أُنهر دمُه ضرورة، وهو المذكَّى] (١).
فإن قلت: يلزم عدمُ الارتباط حينئذ.
قلت: لا نسلِّم، بل الربطُ حاصل، وذلك لأنا نقدِّر التركيب هكذا (٢): ما أنهر الدمَ، وذُكر اسمُ الله عليه على مُذَكَّاة، فكلوه؛ أي (٣): فكلوا مَذَكَّاةً (٤)، فالضميرُ عائد على ملتبِس، فحصل الربط.
وقد قال الكسائي، وتبعه ابن مالك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]: إن "الذين" مبتدأ، و"يتربصن" الخبر، والأصلُ: يتربصنَ أزواجَهم، ثم جيء بالضمير مكان الأزواج؛ لتقدم ذكرِهنَّ، فامتنع ذكر الضمير؛ لأن النون لا تضاف؛ لكونها ضميراً، وجعل الربط بالضمير القائم مقامَ الظاهر المضاف إلى الضمير، وهذا مثلُ مسألتنا، وقد فهمتَ معادَ الضمير أيضاً من قوله:
(ليس السنَّ والظُّفُرَ): قال الزركشي: "ليس" هنا للاستثناء، وما بعدها
стр. 2287
بالنصب على الاستثناء (١).
قلت: الصحيحُ أنها ناسخة، وأن اسمها ضمير راجع للبعضِ المفهومِ مما (٢) تقدم، واستتاره (٣) واجب، فلا يليها في اللفظ إلا المنصوب.
(وسأحدِّثكم عن ذلك): أي: سأبين لكم العلةَ في ذلك.
(أما السنُّ، فعظم): وهذا يدل على أن النهي عن الذكاة بالعظم كان متقدماً، فأحال بهذا القول على معلومٍ قد سبق، وقد قيل: إن العظم غالباً لا يقطع، وإنما يجرح ويُدمي، فتزهق النفس من غير أن يتيقن الذكاة.
وقيل: أراد بالسن: السنَّ (٤) المركبَ في الإنسان.
وقيل: بل المنزوع.
وجاء في رواية: "أَمَّا السِّنُّ، فَنَهْسٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ، فَخَنْقٌ" (٥).
* * *
باب: الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ
(باب: القِرانِ في التمر بين الشركاء حتى يستأذنَ أصحابه): كذا ثبت في جميع النسخ، وفيه إشكال، فقيل: معناه: [لا يجوز حتى يستأذن.
стр. 2288
وقيل: صوابه: "حين" مكان "حتى".
وقيل: لعله باب: النهي عن القران] (١) حتى (٢)، فسقط لفظُ (٣) النهي (٤).
قلت: وأسهلُ من هذا كلِّه أن يكون من حذف المضاف، وإقامةِ (٥) المضافِ إليه مقامَه؛ لوجود (٦) الدليل، والأصل: بابُ (٧) تركِ القران، فحذف الترك؛ لأن الغاية المذكورة تدل عليه.
* * *
١٤٠٤ - (٢٤٨٩) - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعاً حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ.
(جَبَلة): بفتح الجيم والموحدة.
(ابنُ سُحيم): بسين وحاء مهملتين، مصغر.
* * *
١٤٠٧ - (٢٤٩٢) - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ مَمْلُوكهِ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ".
(ثم استُسعي) -بضم تاء الاستفعال، على البناء للمفعول-؛ أي: أُلزم للسعي فيما يفك بقيةَ رقبته من الرقِّ.
(غيرَ مشقوق عليه): بنصب "غير"، على أنه حال من الضمير المستتر العائد على العبد، و"عليه" في محل رفع على أنه النائب عن الفاعل؛ أي: ثم استُسعي العبدُ مرفَّهاً أو مسامَحاً.
* * *
باب: هَلْ يُقْرَعُ فِي الْقِسْمَةِ؟ وَالاِسْتِهَامِ فِيهِ
(باب: هل يُقرع في القسمة؟): قال ابن بطال: القرعة سنة لكل من أراد العدلَ بين الشركاء، والفقهاءُ متفقون على القول بها، وخالف فيها بعض الكوفيين (١).
١٤٠٨ - (٢٤٩٣) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِراً يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى
стр. 2291
سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا، هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً".
(كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها، وبعضُهم أسفلَها): قال ابن المنير: فيه جواز قسمة العقار المتقارب في الجملة بالقرعة، ولو كان فيه عُلْوٌ وسُفْل، وانظر هل اقتسموا رقبة السفينة، أو تهايؤوا في منفعتها، وانظر في قسمة المهايأة، هل تصح بالسهم أو لا؟
وهي عندهم -إن وقعت- غيرُ لازمة؛ بخلاف قسمتها على المُدَدِ، كان يسكن هذا سنةً، ويسكن (١) هذا (٢) سنةً، فهذه إجارة لازمة، ولم أقف فيهما (٣) جميعاً على جريان السهم، والظاهر أنه لا يجري في المهايأة.
(فكان الذي (٤) في أسفلها إذا استقوا من الماء): يظهر لي أن "الذي" صفة لموصوف مفرد اللفظ؛ كالجمع، والفوج، فاعتُبر لفظه، فوصف بالذي، واعتُبر معناه، فأُعيد عليه ضمير الجماعة في قوله: "إذا استقوا (٥) "، وهو أولى من أن يجعل "الذي" مخففاً من الذين، فحذف النون.
стр. 2292
باب: الاشْتِراكِ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وما يكونُ فيهِ الصَّرفُ
١٤٠٩ - (٢٤٩٧ و ٢٤٩٨) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي: ابْنَ الأَسْوَدِ-، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَداً بِيَدٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئاً يَداً بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ، فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً، فَذَرُوهُ".
(اشتريت أنا وشريكٌ لي شيئاً يداً بيد، ونسيئةٍ): يعني: عقداً واحداً اشتملَ على المناجزةِ والتأخير.
(فقال: ما كان يداً بيد، فخذوه، وما كان نسيئة، فردوه (١)): قال ابن المنير: فيه حجة للقول بتفريق الصفقة، وأنه يصح منها (٢) الصحيح، ويبطل منها الفاسد، وفيه أن استحقاق العين في الصرف لا ينقضُه، وأن الخيارَ الحكميَّ ليس كالشَّرْطِيِّ (٣)، وهو أحد القولين؛ لأن اقتضاء النقد في الحديث دون النسيئة يَستدعي التقويمَ وكأنه عقدٌ جديد متأخر، ولكنه جَرَّتْ إليه (٤) الأحكام، فاغْتُفِر.
стр. 2293
باب: الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ رَجُلاً سَاوَمَ شَيْئاً، فَغَمَزَهُ آخَرُ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ لَهُ شَرِكَةً
(ويذكر أن رجلاً ساومَ شيئاً، فغمزه آخر، فرأى عمرُ أَنَّ له شركةً): يشير إلى ما رواه سفيان، عن هشام بن حجير، عن إياس بن معاوية، قال: بلغني أن عمرَ بنَ الخطاب ﵁ قضى في رجلين حضرا سلعةً، فسام بها أحدُهما، فأراد صاحبه أن يزيد، فغمزه بيده، فاشترى، فقال: أنا شريكك، فأبى أن يشركه، فقضى له عمرُ بالشركة (١).
* * *
باب: الشَّرِكَةِ في الرَّقيقِ
١٤١٠ - (٢٥٠٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ، يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ".
(وجب عليه أن يعتقَ كلَّه): الغالبُ على "كل" أن تكون تابعةً؛ نحو جاء القومُ كلُّهم، وحيثُ يخرج (٢) عن التبعية (٣)، فالغالبُ ألا يَعملَ فيها إلا
(اعجلْ أو أَرِنْ): -بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون- مثل أَقِمْ، وضبطه الأصيلي: "أرني" -بكسر النون بعدها ياء (١) -، وسيأتي الكلام عليه في الصيد.
* * *
стр. 2296
كِتابُ الرَّهْنِ
стр. 2297
باب: في الرَّهْنِ في الحَضَرِ
١٤١٢ - (٢٥٠٨) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَا أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَاّ صَاعٌ، وَلَا أَمْسَى"؛ وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ.
(كتاب: الرهن).
(ولقد رهن النبي ﷺ ): قال ابن المنير: فيه من الفقه أن قِنية آلة الحرب (١) لا تدل على تحبيسها (٢).
* * *
باب: الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَخْلُوبٌ
١٤١٣ - (٢٥١٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ،
стр. 2298
أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ".
(وعلى الذي يركب ويشرب النفقةُ): مذهب مالك ﵁: أن النفقة على الرهن (١) الواجبةَ قبلَ رهنه باقيةٌ بعده.
قال في "المدونة": كفنُ العبدِ المرهونِ إن مات ودفنُه على راهنه.
بقي الكلام فيما إذا أنفق المرتهن، فهل تكون العين المرهونة رهناً بالنفقة أيضاً؟
قال ابن المنير: لا تكون رهناً بها حتى يأذنَ له المالكُ، ويصرِّحَ بأن الرهنَ رهنٌ بنفقتك أيضاً، أو يغيبَ ربُّها، فيرفع المرتهنُ القضيةَ (٢) للإمام، فينفق بأمره، فيكون الرهنُ رهناً بالنفقة أيضاً، وإلا فهو فيها أسوة الغرماء، وفي لفظ "المدونة": فيها تقديم وتأخير وإشكال.
قلت: الذي نقله شيخنا عنها لا إشكال فيه، وذلك أنه قال: وفيها: إن أنفق المرتهنُ على الراهن بأمر ربه، أو بغيره، اتَّبَعَهُ بما أنفق، [ولا يكُون ما أنفق] (٣) في الرهن إن أنفق بأمره؛ لأنه سَلَف؛ بخلاف المنفِق على الضالة، هو أحقُّ بها من الغرماء حتى يستوفي نفقتَه؛ إذ لا نقدر على ربها، ولابد من النفقة عليها، والمرتهنُ ياخذ راهنَه بنفقته، فإن غاب، رفع ذلك للإمام. انتهى.
стр. 2299
وفي المذهب خلاف في المسألة.
بقي هنا فرع، وهو أنه لو قال الراهن للمرتهن: أنفقْ ونفقتُكَ في الرهن، فهل يكون رهناً بالنفقة؛ كما إذا صرح، أو يكون فائدة ذلك حبس الرهن عن ربه في النفقة، لا أنه (١) رهن بها؟ قولان للشيوخ.
* * *
باب: إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والمُرْتهِنُ ونحوُه، فالبينّةُ على المُدَّعي، واليمينُ على مَنْ أَنْكَرَ
١٤١٤ - (٢٥١٤) - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ناَفِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى: أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(فكتب إلي أَن (٢) النبي ﷺ ): بكسر إن على الحكاية، وبفتحها، على تقدير الجار؛ أي: كتب إلي بأن النبي ﷺ .
* * *
١٤١٥ - (٢٥١٦) - ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ:
مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ
وَاللهِ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَاهِدُكَ أَوْ يَمِينُهُ". قُلْتُ: إِنَّهُ إِذاً
(كتاب: العتق): عرفه شيخنا ابن عرفة (١) ﵀ بقوله: رَفْعُ مِلْكٍ حقيقيٍّ لا بسباءٍ (٢) محرَّمٍ عن (٣) آدميٍّ حَيٍّ (٤).
خرجَ بحقيقي: استحقاقُ عبدٍ بحرية، وبسباء (٥) محرم: فداء المسلم من حربي سباه، أو ممن (٦) صار له منه، وبقوله: عن آدمي حي (٧): رفعه عنه بموته (٨).
وقول ابن عبد السلام: استغنى ابنُ الحاجب عن تعريف حقيقته؛ لشهرتها عند العامة والخاصة، يُرَدُّ بأن ذلك من حيثُ وجودُها، لا من حيثُ
стр. 2303
إدراكُ حقيقتها، بل كثير من المدرسين لو قيل له: ما حقيقةُ العتق (١)؟ لم يجب بشيء، ومن تأمل وأنصف، أدركَ ما قلناه، والله أعلم بمن اهتدى.
* * *
باب: في العِتْقِ وفَضْلِهِ
١٤١٦ - (٢٥١٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ بْنُ مَرْجَانَةَ، صَاحِبُ عَلِيِّ ابْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِماً، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ".
قَالَ سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَلِيُّ ابْنُ حُسَيْنٍ ﵄ إِلَى عَبْدٍ لَهُ، قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ -، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ-، فَأَعْتَقَهُ.
(أَيُّما رجلٍ أعتقَ امرأً مسلماً): قال ابن المنير: الآية التي تلاها في أول الباب، وهي قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] في فضل العتق مطلقاً، ولو كانت الرقبة كافرةً، وهذا الحديث يخص المؤمنةَ، ولا يمكن أن يقال بقياس الكافرة عليها في خصوص الوعد بالعتق من النار؛ لئلا يلغو مزيَّةُ الإيمان، فعلى هذا لا يستقيم تعليلُ مَنْ علل (٢) تكميلَ العتق بتكميل (٣) نجاته من النار؛ لأن مقتضاه ألا يكمل على الشريك عتق الرقبة الكافرة،
стр. 2304
والمذاهبُ على خلافه. نعم، يدل التخصيص على اختصاص الكفارات بالرقبة المؤمنة؛ لأن سبب الكفارة (١) موجبا للنار، فالكفارة إذن منقذة (٢) من النار، فينبغي ألا تكون إلا بمؤمنة يوجب عتقُها العتقَ من النار، ولهذا لا يُبَعَّض، ولو أعتق نصفين من رقبتين، لم يجزئه؛ لعدم مطابقة الأعضاء.
* * *
باب: أيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ
١٤١٧ - (٢٥١٨) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قُلْتُ: فأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَناً، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: "تُعِينُ صَانِعاً، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ". قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: "تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ".
(قال: أغلاها ثمناً): بالغين المعجمة، ويروى بالمهملة.
(تُعين ضائعاً): -بالضاد المعجمة-، هكذا رواية هشام التي رواها البخاري من جهته؛ أي: ذا ضَياع؛ من فقر، أو عيال، أو حال قصر عن القيام بها.
وروي بالصاد المهملة والنون.
стр. 2305
وقال الدارقطني: إنه الصواب؛ لمقابلته (١) الأخرق، وهو الذي لا يحسن العمل.
وقال معمر: كان الزهري يقول: صَحَّفَ هشام، إنما هو الصانع (٢)(٣). (أو تصنعُ لأخرقَ): أي: جاهل بما (٤) يجب أن يعملَه، ولم يكن في يده صنعة يكتسب بها.
* * *
باب: مَا يُسْتحبُّ مِنَ العَتَاقَةِ في الكُسُوفِ أو الآياتِ
١٤١٨ - (٢٥٢٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: كنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالْعَتَاقَةِ.
(عثام): -بالعين المهملة والثاء المثلثة-: هو ابنُ علي، ذكره (٥) هنا خاصة.
(بالعَتاقة): بفتح العين.
* * *
стр. 2306
باب: إِذَا أَعْتَقَ عَبْداً بينَ اثْنينِ، أَو أَمَةً بينَ الشُّركَاءِ
١٤١٩ - (٢٥٢١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْداً بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِراً قُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ".
(من أعتقَ عبداً بين اثنين): قال ابن المنير: فيه دليل لطيفٌ على صحة إطلاق الجمع على الواحد؛ لأنه (١) قال: "عبداً (٢) بين اثنين"، ثم قال: فأعطى (٣) شركاءه حصصهم، والمراد: شريكه قطعاً.
قلت: هذا سهو (٤) منه ﵀؛ فإن الحديث الذي فيه: "مَنْ أعتقَ عبداً بينَ اثنين" ليس فيه: "فَأَعْطَى شُرَكاءَهُ"، وإنما فيه: "فإنْ كان موسِراً، قُوِّمَ عليه، ثم يُعتق"، والحديث الذي فيه: "فأعطى شركاءه حصصَهم" ليس فيه: "مَنْ أعتقَ عبداً بين اثنين"، وإنما فيه: "من أعتقَ شِرْكاً له في عَبْدٍ".
(ثم يُعتقُ): بضم المثناة من تحت ومن فوق.
فيه حجة قوية للمشهور من مذهبنا: في أن العتق بالحكم لا بالسراية.
* * *
١٤٢٠ - (٢٥٢٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ
стр. 2307
ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِلَاّ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ".
(فأُعطي شركاؤُه): ببناء أُعطي للمفعول، وشركاءه نائب عن الفاعل، هذا هو المشهور في الرواية.
ويروى: ببناء أعطى للفاعل، ونصب شركاءه على المفعولية.
(حصصهم): أي: قيمةَ حصصِهم.
(وإلا، فقد عَتَق): -بفتح العين والتاء-، ولا يبنى للمفعول إلا إذا كان بهمزة التعدية، فيقال: "أُعْتِقَ"، وهي رواية هنا.
* * *
١٤٢١ - (٢٥٢٣) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ".
(فعليه عتقه كلِّه): بالجر على أنه تأكيد للضمير المضاف إليه.
* * *
باب: الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلَاّ لِوَجْهِ الله
(باب: الخطأ والنسيان في العَتاقة والطلاق): قال ابن المنير: اشتهر
стр. 2308
عن مالك ﵀ قولان في الطلاق بالنية، والعتق بالنية، فأشكل على كثير قولُ الإلزام بمجرد النية، حتى قال بعض أهل المذهب: لا يثبت عن مالك هذا القول إلا مخرجاً تخريجاً معترضاً، فظن هذا القائل أن الناقل تلقى ذلك من مسألة من قال: اسقني الماء، ونوى الطلاق أو العتق، فقال مالك ﵀: يلزمه ذلك.
قال المخرج: وليس هذا لفظاً يتناول عتقاً ولا طلاقاً، فوجودُه كعدمه، فالحكمُ حينئذ إنما يحال على النية.
ورُدَّ هذا التخريج بأن النية هنا صاحَبَها قولٌ اصطلاحي، وإذا لزمه اصطلاحُ غيره إجماعاً، فاصطلاحُه مع نفسه أجدُر، فلا يؤخذ منه اللزوم بمجرد النية.
والصحيح عندنا أن النقل ثابتٌ صريحاً عن مالك (١) غير مخرج.
ووجهُ الإشكال الذي حمل المنكرين للنقل على الإنكار: أن النية عبارةٌ عن القصد في الحال، أو العزم في الاستقبال، فكما لا يكون قاصدُ الصلاة مصلياً حتى يفعلَ المقصود، وكذا قاصدُ الزكاة والنكاحِ، وهَلُمَّ جراً، كذلك ينبغي أن يكون قاصدُ الطلاق.
ثم قول القائل: يقع الطلاق بالقصد، متدافعٌ، وحاصلُه: يقعُ ما لم يوقعه المكلَّف؛ إذ القصدُ ضرورة يفتقر إلى مقصود النية، فكيف يكون القصدُ نفسَ المقصود؟ هذا (٢) قلبٌ (٣) للحقائق، فمن هنا اشتد الإنكار حتى
стр. 2309
حمل (١) على التأويل أو (٢) التوريك في النقل.
والذي يرفع الإشكال: أن النية التي أُريدت هنا، هي (٣) الكلام النفسي، والذي يعبر عنه بقول القائل: أنت طالق، فالمعنى الذي هذا لفظه هو المراد بالنية، وإيقاعُ الطلاق على من تكلم بالطلاق وأنشأه حقيقة لا ريب فيه، وذلك أن الكلام يطلق على النفسي حقيقةً (٤)، وعلى اللفظي، قيل: حقيقةً (٥)، وقيل: مجازاً، ولهذا نقول: قاصدُ الإيمان [مؤمن؛ أي: المتكلمُ بالإيمان] (٦) كلاماً نفسياً مصدقاً عن معتقده مؤمن، ولذلك (٧) المعتقدُ الكفرَ بقلبه المصدِّقُ له كافرٌ، وكذلك عندي المتكلِّم في نفسه بالبيع والشراء أو (٨) الإجارة عاقدٌ فيما بينه وبين الله، لكن لا يتصور لخصمه مطالبته في الدنيا؛ لأنه لا يطلع على ذلك.
وأما المتكلمُ في نفسه بإحرام الصلاة، وبالقراءة (٩)، فإنما لم يُعَدَّ مصلياً، ولا قارئاً بمجرَّد الكلام النفسيِّ؛ لتعبُّدِ الشرع في هذه المواضع الخاصةِ بالنطق اللفظيِّ، ألا ترى أن المتكلمَ بإحرام الحج في نفسِه محرمٌ،
стр. 2310
وإن لم يلبِّ؟ وقد نصَّ مالكٌ نصاً (١) لا يُدفع على أن المخَيَّرة (٢) إذا تستَّرَتْ، ونقلت قماشها ونحو ذلك، كان ذلك اختياراً للطلاق، وإن لم (٣) تتكلم بلفظ؛ لأنها قد تكلمت في نفسها، ونصبَتْ هذه الأفعالَ دلالاتٍ على الكلام النفسي؛ فإن الدليل عليه لا يَخُصُّ النطقَ، بل تدخل فيه الإشاراتُ والنقراتُ والرموزُ والخطوطُ، ولهذا كانت المعاطاة عنده بيعاً (٤)؛ لدلالتها على الكلام النفسي عرفاً، فاندفع السؤال، وصار ما كان مشكلاً هو اللائح، وتكون ترجمة البخاري تؤيد قول (٥) ابن القاسم [في عتق مرزوقٍ بالنية، ولا يعكُسُه مع ذلك على عتق ناصح باللفظ؛ لأن ابن القاسم] (٦) إنما فرض الكلام فيما إذا ضبطت النيةُ اللفظَ، وهذا لا ينبغي أن يُختلف فيه؛ فإن من شهدت عليه بينةٌ بإقرارٍ ونحوه، فادَّعى أنه أخطأ في لفظه، وأنه أراد غيرَ ذلك، لا تُقبل هذه الدعوى منه اتفاقاً، والأصل في الألفاظ أنها منبعثة عن القصود (٧)، غيرَ أن ذلك يُشكل على أصل ابن القاسم من وجهٍ آخرَ، وذلك أنه منعَ الشهادةَ على الكلام حتى يستوعبه الشاهدُ أولَه وآخرَه.
لكن الفرض أن الشاهد اجتهد في الضبط، فلم يسمع إلا قولَه لناصحٍ
стр. 2311
عقيبَ قولِ (١): نعم أنت حر، ولو ضيقنا الفرض بأن نفرضه قال بحضرة البينة: قد عزمتُ على أن أناديَ مرزوقاً فأعتقَه، ثم قال: يا مرزوقُ! فقال ناصح: نعم، فقال: أنت حر؛ لكان الأظهر هنا أن لا يعتق إلا مرزوق، لاسيما إذا زدنا (٢) الفرض تضييقاً؛ بأن يقول للبينة: اعلموا أني لا أعتق إلا مرزوقاً، [وإن أجابني غيره، فقلت: إنه حر، فإنما أعني مرزوقاً] (٣)، فهنا لا يُتصور خلاف في أنه لا يُعتق إلا مرزوق (٤).
* * *
١٤٢٢ - (٢٥٢٨) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ".
(إن الله تجاوزَ عن أمتي ما وسوسَتْ به صُدُورُها): -بضم صدورها- نحو: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
ورواه الأصيلي بالفتح، ووسوست على هذا بمعنى: حدثت، وهو كما وقع في الرواية الأخرى: "ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها" -بفتح أنفسَها-، ويدل
стр. 2312
عليه أن أحدنا يحدِّثُ نفسَه (١).
* * *
باب: إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: هُوَ لِلَّهِ، وَنَوَى الْعِتْقَ، وَالإشْهَادِ فِي الْعِتْقِ
(باب: إذا قال لعبده: هو لله، ونوى العتق، والإشهادِ في العتق): هو بجر الإشهادِ؛ أي: وبابُ (٢) الإشهادِ، فينبغي، حذف التنوين من باب، فيصح العطف على المضاف إليه.
١٤٢٣ - (٢٥٣٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ، وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ". فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ، قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
(هو (٣) حين يقول: يا ليلةً من طولها وعَنائها على أنها من دارة الكفر نَجَّتِ): هو من بحر الطويل، ودخلَ الجزءَ الأولَ منه الثَّلم.
ابْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ". مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ"؛ مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب: أم الولد).
(يا سودةَ بنتَ زمعةَ): -بفتح سودةَ وضمِّها- على الوجهين المشهورين في مثل: يا زيدَ بنَ عمرٍو، وأما بنتَ زمعةَ، فبالنصب لا غير؛ لأنه مضاف إضافة معنوية، وما كان كذلك (١) من توابع المنادى وجبَ نصبُه.
وفي الزركشي: يجوز رفعُ بنت (٢)، وهو خطأ منه، أو من الناسخ.
وسأل ابن المنير عن وجه مطابقة الترجمة على أم الولد لحديثَي الباب، وهما حديث: "مِنْ أَشْرَاطِ (٣) السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا"، وحديثُ ابنِ وليدةِ زمعةَ؟
وأجاب: بأن البخاري أراد إثباتَ حرمة أم الولد، وأنها لا تُباع، واستدل بقوله: "تلد الأمةُ ربتها" من جهة كونِه من أشراط (٤) الساعة؛ أي: يعتق الرجلُ والمرأةُ أُمَّهما الأمةَ، ويعاملانها معاملةَ السيدِ للأمة؛ تقبيحاً
стр. 2315
لذلك، وعدَّه من الفتن في الدين، ومن أشراط الساعة، فدل ذلك (١) على أنها محترمة شرعاً.
واستدل أيضاً بقوله: "الولدُ للفراشِ" [على أن أمَّ الولدِ فِراشٌ] (٢) كالحرة؛ بخلاف الأَمَة، ولهذا سوَّى بينهما في هذا اللفظ العام.
وقد استُشْكِل هذا الحديثُ من جهة خروجه عن الأصول المجتمع عليها، وذلك أن الاتفاق على أنه لا يَدَّعي أحدٌ عن أحد إلا بتوكيل من المدير له، ولم يذكر توكيلَ عتبَة (٣) لأخيه سعدٍ، وأيضاً (٤) فعبدُ بنُ زمعة ادَّعى على أبيه ولداً (٥) بقوله: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، ولم يأت ببينة (٦) على إقرار أبيه، ولا يجوز دعواه على أبيه، ولا يستلحق غير الأب.
وجوابه من ثلاثة أوجه: إما أن يكون (٧) [فتوى.
إما أن يكون] (٨) حكماً، واستوفيت الشروط، ولم تستوعب الرواة القصة.