← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

(قال: أَوَفعلت؟): بفتح الواو والهمزة للاستفهام. (أَمَا إنك): قال الزركشي: بفتح "أَما" وتخفيفها، بمعنى: حقاً، و"أن" مفتوحة (١). قلت: إن تثبت روايته بذلك، فحسن، وإلا، فيجوز أن تكون استفتاحية، "وإن" مكسورة، وقد رأيت كسرة (٢) الهمزة في "إن" في (٣) بعض النسخ المعتنى بها. * * * ١٤٥٠ - (٢٥٩٣) - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أخبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَراً، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ ﷺ . (حِبَّانُ بنُ موسى): بحاء مهملة مكسورة وباء موحدة. * * *

стр. 2347

مصابيح الجامع وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه تأليف الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين [المجلد السادس] إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 2348

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2349

مَصَابِيحُ الجَامِعِ [٦]

стр. 2350

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 2351

باب: بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَديَّةِ ؟ ١٤٥١ - (٢٥٩٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، -رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ-، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إَنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ باباً". (قال: إلى أقربهما منكِ باباً): وفي بعض النسخ: "أقربهما" بالجر على حذف الجار وإبقاءِ عمله. * * * باب: مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّهَ لِعِلَّةٍ وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَدِيَّةً، وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ. (واليوم رِشوة): بتثليث الراء. ١٤٥٢ - (٢٥٩٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁،

стр. 2352

قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ، عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: "فَهَلَاّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئاً إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ -ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِه حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ:- اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثاً". (فينظرَ أَيُهدى له أم لا): بنصب المضارع المقترن بالفاء في جواب التحضيض المتقدم، وهو: "هَلَاّ جلسَ في بيتِ أبيهِ وأُمه"، والظاهر أن النظر هنا بَصَريّ، والجملة الواقعة بعده مقترنة بالاستفهام في محل نصب، وهو معلَّق عن (١) العمل، وقد صرح الزمخشري بتعليق النظر البصري؛ لأنه من طريق العلم، وتوقف فيه ابن هشام في "مغنيه" مرة، وقال به أخرى (٢). * * * باب: إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ (باب: إذا وهب هبةً أو وعدَ -عِدَةً- ثم مات قبل أن تصل إليه): نقل الزركشي عن الإسماعيلي أنه قال: لا تدخل في الهبة بحال، وليس اقاله (٣) النبي ﷺ لجابر هبةً، وإنما هو عِدَةٌ (٤).

стр. 2353

قلت: الترجمة صحيحة، وما وقع فيها مطابق لها، وذلك لأنه ترجم على أمرين: أحدهما: إذا وهب، ثم مات قبل وصولها، فساق لهذا ما ذكره عن الحسن وعبيدة في عين الهبة. الثاني: إذا وعد، ثم مات قبلَ وصولها، وساق لهذا حديث جابر، وهو قوله ﵊ لجابر: "لو جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ أعطيتُكَ هَكَذا، ثلاثًا" (١)، وهذا وعدٌ بلا شك، فلم يقع في البخاري إخلالٌ بما وقع في الترجمة، والوعدُ له تعلُّق بالهبة، فيحسن ذكره في الكتاب المعقود لها، ولم يزل فقهاؤنا يذكرونه في كتاب الهبة، ولا يخفى أنها (٢) [من] أنواع العطية. وعرفها شيخُنا ابنُ عرفةَ بقوله: تمليكٌ متموَّلٌ بغيرِ عوضٍ إنشاءً (٣). وعرف العِدَةَ بقوله: إخبارٌ عن (٤) إنشاءِ المخبِرِ معروفاً في المستقبل (٥). * * * باب: إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الآخَرُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ (باب: إذا وهب هبة، فقبضها الآخَرُ، ولم يقل: قبلتُ): ساق فيه

стр. 2354

حديثَ المحترق الذي جامعَ أهلَه في نهار رمضان. قال الإسماعيلي: ليس في حديثه أنه أعطاه هبةً، بل لعله كان من الصدقة (١)، فيكون قاسماً لا واهباً (٢). * * * باب: إذا وَهَبَ ديْنَاً على رَجُلٍ ١٤٥٣ - (٢٦٠١) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي، وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَائِطِي، وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: "سَأَغْدُو عَلَيْكَ". فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى (٣) أَصْبَحَ، فَطَافَ فِ النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا، فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرَ: "اسْمَعْ -وَهْوَ جَالِسٌ- يَا عُمَرُ"، فَقَالَ: أَلَاّ يَكُونُ؟ قَدْ عَلِمْنَا أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَاللهِ! إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ.

стр. 2355

(فجدَدْتها): أي: قطعتُها (١). قال السفاقسي: يقال: بدالين مهملتين ومعجمتين. * * * باب: هِبَةِ الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ (باب: هبة الواحد للجماعة): ساق فيه حديثَ الشراب الذي أُتي به إلى (٢) النبي ﷺ . ١٤٥٤ - (٢٦٠٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: "إِنْ أَذِنْتَ لِي، أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ"، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَداً، فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ. [(وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ): قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث هبةٌ، لا للواحد، ولا للجماعة، وإنما هو شراب أُتي به للنبي ﷺ ]، (٣)، ثم سُقي على وجه الإباحة والإرفاق؛ كما لو قدَّمَ للضيف طعاماً يأكله، وقوله للغلام: "أتأذن لي؟ " ليس على جهة أنه حق له بالهبة، لكن الحقَّ من جهة السُّنة في الابتداء به، وللأشياخِ حقُّ السنِّ.

стр. 2356

قال الزركشي: ويؤخذ منه أنه إذا تعارضت الفضيلة المتعلقة بالمكان والمتعلقة (١) بالذات، تُقدم الفضيلةُ بالذات، وإلا لم يستأذنه، ويحتمل خلافه (٢). قلت: وقع في (٣) "النظائر والأشباه" للقاضي تاج الدين السبكي: أنه بحث مرةً مع والده في صلاة الظهر بمنى يومَ النحر إذا جعلنا مِنى خارجةً عن حدود الحرم، أيكون أفضل من صلاتها في المسجد؛ لأن النبي ﷺ صلاها بمنى؟ والاقتداء (٤) به أفضلُ، أو في المسجد لأجل المضاعفة؟ فقال: بل في منى، وإن لم تحصل بها المضاعفة، فإن في الاقتداء بأفعال رسول الله ﷺ من الخير ما يربو على المضاعفة. * * * باب: الهِبَةِ المَقْبوضَةِ وغيرِ المَقْبُوضَةِ، والمَقْسُومَةِ وغَيْرِ المَقْسُومَةِ ١٤٥٥ - (٢٦٠٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ دَيْنٌ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَاُبهُ، فَقَالَ: "دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا". وَقَالَ: "اشْتَرُوا لَهُ

стр. 2357

سِنّاً، فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ". فَقَالُوا: إنَّا لَا نَجدُ سِنّاً إِلَّا سِنّاً هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: "فَاشْتَرُوهَا، فَأَعْطُوهَا إيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً". (فإن من خيركم أحسنكم (١) قضاء): يروي: بنصب "خيرَكم وأحسنَكم (٢) "، فعلى هذا يكون الخبر محذوفاً بالنسبة إلى خيركم، وذلك لأن أصل التركيب: فإن من خيركم أحسنَكم قضاء، فأحسنَكم اسمُ إن مؤخَّر، و"من خيركم" خبر لها مقدَّم، وقوله: أو خيركم، تقديره: أو إن خيركم، [فيكون الخبر محذوفاً من هنا؛ للدلالة عليه. ويروى: بنصب "خيرَكم"] (٣)، ورفع "أحسنُكم" على أنهما اسم إن وخبرها، فيكون الاسم من الأول محذوفاً، والخلاف في المسألة معروف مقررٌ في كتب العربية، والله أعلم. * * * باب: مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ، فَهْوَ أَحَقُّ (باب: من أُهدي له هدية وعنده جلساؤه، فهو أحق به): ساق فيه حديث الذي جاء (٤) يتقاضاه، ثم قضاه أفضلَ من سنه. ووجهُ مطابقته للترجمة: أنه ﵊ وهبه الفضلَ

стр. 2358

بين السِّنَّيْنِ، فامتاز به دون الحاضرين، بناءً على أن الزيادة في الثمن تبرُّعاً، حكمُها حكمُ الهبة لا الثمن، أو فيها شائبةُ الهبة والثمن، فنزَّلَ البخاريُّ الأمرَ على ذلك. * * * باب: هَدِيَّةِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهَا (باب: هدية ما يُكره لبسُه (١)): قال ابن المنير: أراد بهذه الترجمة التفرقةَ بين أواني الذهب والفضة، وبينَ ثياب الحرير، إذ يجوز اقتناؤه لجواز الانتفاع به في الجملة؛ إذ ليس محرماً على النساء، ولا كذلك الأواني؛ لحرمتها عموماً، فلذا (٢) لم يجز اقتناؤها على الأصح إلا بعد إفساد (٣) صورتها. ١٤٥٦ - (٢٦١٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنِّي رَأَيتُ عَلَى بَابِهَا سِتْراً مَوْشِيّاً". فَقَالَ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ ". فَأَتَاهَا عَلِيٌّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قَالَ: "تُرْسِلُ بِهِ إلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَة".

стр. 2359

(قال: ترسلي (١) به إلى فلان): فيه شاهد على حذف لام الأمر وبقاء عملها؛ مثل: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبالا هذا مع كونِ مرفوعِ فعلِ الطلب فاعلاً مخاطباً؛ كقراءة جماعة: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وفي الحديث: "لتَأْخُذُوا مَصَافَّكُمْ" (٢). ويحتمل، وهو الأولى، أن يخرج على حذف "أن" (٣) الناصبة وبقاء عملها؛ أي: آمُرُكِ أن ترسلي به. * * * ١٤٥٧ - (٢٦١٤) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: أَهْدَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. (فشققتها بين نسائي): في "مبهمات عبد الغني بن سعيد" من حديث أم هانئ: "فراحَ (٤) عَلِيٌّ وهي عليه"، فقال ﵇: "إِنَّما

стр. 2360

كَسَوْتُكَهَا (١) لِتَجْعَلَهَا خُمُراً لِلْفَوَاطِمِ". والحديث في (٢) "صحيح مسلم" في كتاب: اللباس: عن عَلِيٍّ: أَنَّ أكيدرَ دومةَ أهدى إلى النبي ﷺ ثوبَ حرير، فأعطاه علياً (٣)، فقال: "شَقِّقْهُ خُمُراً بَيْنَ الفَوَاطِمِ" (٤). وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب: "الهدايا" عن علي، قال: فشققت منها أربعةَ أخمر لفاطمةَ بنتِ أَسَدٍ أمي، ولفاطمةَ زوجتي، ولفاطمة بنتِ حمزةَ ابنِ عبدِ المطلب قال: ونسي الراوي الرابعةَ. قال القاضي: يشبه (٥) أن تكون فاطمةَ [بنتَ شيبةَ بنِ ربيعةَ امرأةَ عقيلٍ أخي عَلِيٍّ. وعند أبي العلاء بن سلمان: بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ. وقيل: فاطمة] (٦) بنت الوليد بنِ عقبة، وقيل: فاطمة بنت عقبة بن ربيعة. حكاهما القرطبي (٧). * * *

стр. 2361

باب: قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ". وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْداً، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ. (وأُهديت إلى النبي ﷺ شاةٌ فيها سم): قال القاضي: فيه -يعني: في السم- ثلاثُ لغات: الفتح، والضم، والكسر، والفتحُ أفصح. ومُهديةُ الشاة هي زينبُ بنت الحارث أختُ مرحبٍ زوجُ سلام بنِ مشكم، وقيل: زينب بنت أخي مرحب (١). (وكتب له ببَحْرِهم): -بموحدة وحاء مهملة-؛ أي: ببلدِهم وأرضِهم، والإسناد فيه مجازي؛ أي: أمر أن يُكتب له. * * * ١٤٥٨ - (٢٦١٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁، قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا". (لمناديلُ سعدٍ): إنما ضرب له المثل بالمناديل؛ لأنها ليست من

стр. 2362

غلبة اللباس، بل تبذل (١) في صون الثياب، وتُمسح بها الأيدي، ويُنفض بها الغبار على حدِّ قوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] (٢). * * * ١٤٥٩ - (٢٦١٦) - وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . (أكيدر دُومة): -بفتح الدال المهملة وضمها-، وهو أكيدر بن عبد الملك صاحبُ دومةِ الجندلِ، قيل: إنه بقي (٣) على نصرانيته، وقيل: أسلم ثم ارتدَّ (٤). * * * ١٤٦٠ - (٢٦١٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ يَهُودِيَّهً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ:"لَا". فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (لَهَوَات): -بالفتح- جمع لهاة. قال الداودي: هي ما يبدو من فيه عند التبسم.

стр. 2363

وقال ابن فارس: لهاة الفم: هي اللحمةُ المشرِفَةُ على الحلق، قال: ويقال: بل هي أقصى الحلق (١). * * * ١٤٦١ - (٢٦١٨) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ "، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ، مُشْعَانٌ طَوِيلٌ، بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْعاً أَمْ عَطِيَّةً، -أَوْ قَالَ:- أَمْ هِبَةً"، قَالَ: لا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللهِ! مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِئَةِ إِلَّا قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِداً، أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِباً، خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كَمَا قَالَ. (بسواد البطن): هو الكبد. * * * باب: الهَدِيَّةِ للمُشْرِكيْنَ ١٤٦٢ - (٢٦٢٠) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ

стр. 2364

هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ". (عن أسماء بنتِ أبي بكر قلت (١): يَا رسول الله! قدِمَتْ عليَّ أُمي): هي قُتيلة -بالتصغير-، ويقال: قَتْلَة -على التكثير- بنتُ عبدِ العزي بنِ عبدِ أسعد بنِ جابرِ بنِ نصرِ بنِ مالكِ بنِ حُسيلِ بنِ عامرِ بنِ لؤيٍّ، وهي (٢) أمُّ عبدِ الله بنِ أبي بكر، فهما شقيقان، وذكرها المستغفري في جملة الصحابة، وقال: تأخر إسلامها. قال (٣) أبو موسى المديني: ليس في شيء من الحديث ذكرُ إسلامها (٤). وقد ذكرها ابن الأثير -أيضاً-، وساق (٥) نحوَ ما تقدم (٦). (وهي راغبة): أي: عن الإِسلام كما وقع مصرَّحاً به في غير هذا الموضع. وقيل: راغبة في صِلَتي.

стр. 2365

قال الزركشي: وروي: "راغمة" -بالميم-؛ أي: كارِهَة للإسلام، ساخِطَة له (١). قلت: هذا يوهم أن الرواية في البخاري، وليس كذلك، بل هذه الرواية رواها أبو داود ﵁، وفسرها الخطابي بما تقدم. وقال غيره: هاربة من قومها (٢). وفيه نظر. * * * باب ١٤٦٣ - (٢٦٢٤) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ، ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْباً، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَدَعَاهُ، فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صُهَيْباً بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ. (فقضى مروان بشهادته لهم): هذا محمول على أنه قضى بشهادته مع يمين الطالب؛ لأن الحكم في مال، ولا يحتمل أنه قضى بشهادته فقط؛ لأنه خلاف السُّنة.

стр. 2366

باب: ما قِيْلَ في العُمْرى والرُّقْبَى ١٤٦٤ - (٢٦٢٥) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى: أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. (فقضى النبي ﷺ بالعُمْرى [أنها] لمن وُهبت له): يحتمل أن تكون الباء ظرفية؛ أي: قضى في العمرى أنها لمن وهبت؛ أي: بأنها، ويحتمل أن تكون ظرفية، وأنها لمن وهبت له بدلُ اشتمال من العمري. * * *

стр. 2367

كِتَابُ العَارِيَةِ

стр. 2368

باب: مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ ١٤٦٥ - (٢٦٢٧) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَساً مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً". (يقال له: المندوب): قال القاضي: يحتمل أنه لقب، أو اسمٌ لغير معنى كسائر الأسماء، ويحتمل أنه سُمي بذلك؛ لنَدْبٍ فيه، وهذا من الجرح، أو من الندب وهو الخطر الذي يُحمل في السباق (١). (إن وجدناه لبحراً): أي: واسعَ الجري، ومنه سُمي البحرُ بحراً؛ لسعته، ومنه تَبَحَّرَ فلان في العلم: إذا اتسع فيه. وقيل: شبهه (٢) بالبحر؛ لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد ماء البحر. قال ابن الملقن: وذكر القاضي عياض أن من خَيْل رسول الله ﷺ

стр. 2369

فرساً يسمى البحر، اشتراه من تجار قدموا من اليمن، سبقَ عليه مرات، ثم قال: فيحتمل مصيره إليه بعد أبي طلحة. وهذا نقض للأول، لكن لو قال: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم؛ لكان أقرب (١). قلت: ليس في احتمال صيرورته إليه [بعد أبي طلحة ما ينفي شراءه ﵊ له] (٢) أولاً (٣)؛ إذ يجوز أن يكون اشتراه أولاً، ثم خرج عن ملكه بطريق من الطرق، وملكه أبو طلحة، ثم ملكه النبي ﷺ بعد أبي طلحة، فلا تناقض. قال الخطابي: و"إن" هنا نافية، والسلام بمعنى "إلا" (٤)، وعليه اقتصر الزركشي (٥). قلت: وهو قصور، فهذا إنما هو مذهب كوفي، ومذهب البصريين: أنَّ (٦) "إن" مخففة من الثقيلة، واللام فارقة بينها (٧) وبين النافية؛ كما سبق. * * *

стр. 2370

باب: الاسْتِعَارَةِ للعَرُوسِ عِنْدَ البِنَاءِ ١٤٦٦ - (٢٦٢٨) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ، ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ. (درع قِطْر): -بكسر القاف وسكون الطاء المهملة-: ضربٌ من بُرود اليمن فيها حمرة، ولها أعلام، فيها بعض الخشونة. قال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها: قُطَر (١)، وأحسب الثيابَ القطريةَ تنسب إليها (٢)، فكسروا القاف للنسبة، وخففوا (٣). قال القاضي: ورواه القابسي وابن السكن: "فطر (٤) "، بالفاء (٥). (فإنها تُزهَى أن تلبسَه في البيت): تُزْهى -بضم أوله وفتح ثالثه، مبني للمفعول-؛ من الزهو، وهو التكبر؛ أي: تتكبر أن تلبسَه في البيت، يقال: زهِيَ الرجل (٦): إذا تكبر، وأُعجب بنفسه، وهو من الأفعال التي لم

стр. 2371

ترد إلا مبنية لما لم يسم فاعله. (فما كانت امرأة تُقَيّن بالمدينة): تقين -بضم حرف المضارعة وفتح القاف وتشديد المثناة من تحت، على البناء للمفعول-؛ أي: تزين. قال صاحب "الأفعال": قانَ الشيءَ قِيانة: أصلحَه. وقيل: معناه: تخلى على زوجها. ويروى: "تُزَفَّفُ"، ويروى: "تُزَفُّ" (١). * * * باب: فَضْلِ المَنِيحَةِ ١٤٦٧ - (٢٦٢٩) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ، تَغْدُو بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ". (نعم المنيحةُ): أي: العطية، وهي هنا عاريَّةُ ذواتِ الألبان، يُمنح لبنُها، ثم تُرَدُّ هي. (اللِّقحة): -بكسر اللام (٢) -: التي لها لبن، وقيل: فيها لغتان: كسر اللام، وفتحها (٣).

стр. 2372

(الصَّفِيّ): الخيارُ، والأشهرُ استعمالها [بغير هاء كما ورد هنا، وقد تستعمل] (١) بالهاء. (منحةً): نصب على التمييز. قال ابن مالك: فيه وقوع التمييز بعد فاعل نعم ظاهراً، وسيبويه يمنعُه، وإنما يُجيز وقوعَه إذا كان الفاعل مضمراً، نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] , وجوَّزه المبرد، وهو الصحيح (٢). قلت: يحتمل أن يقال: إن فاعل نعم في الحديث مضمر، والمنيحة الموصوفة بما ذكره هي المخصوص بالمدح، ومنحةً تمييزٌ تأخر عن المخصوص، فلا شاهد فيه على ما قال، ولا يَرِد على سيبويه حينئذ. (تغدو بإناء، وتروح بإناء): أي: تحلب إناء بالغداة، وإناء بالعشي. * * * ١٤٦٨ - (٢٦٣٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ، -يَعْنِي: شَيْئاً-، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَؤُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ، كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِذَاقاً، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

стр. 2373

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: أَخْبَرَناَ أَبِي، عَنْ يُونسُ: بِهَذَا، وَقَالَ: مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ. (عِذاقاً): -بعين مكسورة مهملة وذال معجمة-: جمعُ (١) عَذْق؛ مثل: كَلْب، وكِلاب، وهو النخلةُ نفسُها، وتجمع أيضاً على عُذوق وأَعذاق، وقيل: إنما يقال للنخلة عذق: إذا كانت بحملها (٢)، والعرجون عذق: إذا كان قائماً بشماريخه وثمره (٣). * * * ١٤٦٩ - (٢٦٣١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً، أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ". قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْناَ مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ

стр. 2374

الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً. (أربعون خصلة أعلاهن منيحة (١) العنز): قال ابن بطال: ما أبهمها (٢) ﵇ إلا لمعنى هو أنفعُ من ذكرها، وذلك -والله أعلم- خشية أن يكون التعيين والترغيب فيها مُزَهِّداً في (٣) غيرها من أبواب الخير وسبل المعروف، و (٤) قول حسان: فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة، ليس بمانع أن يوجد (٥) غيرها، ثم عدد خصالاً كثيرة (٦). قال ابن المنير: التعداد سهل، ولكن الشرط صعب، وهو أن يكون كلُّ ما تُعدده من الخصال دون منحة العنز (٧)، ولا يتحقق فيما عدده الشارح، بل هو منعكس، وذلك أن من (٨) جملة ما عدده: نصرة المظلوم والذب عنه ولو بالنفس، وهذا أفضل من منحة العنز (٩)، والأحسنُ في هذا أن لا يعد؛ لأن النبي ﷺ أبهمه، وما أبهمه الرسولُ كيف يتعلق الأملُ ببيانه

стр. 2375

من غيره؟ مع أن الحكمة (١) في إبهامه ولا ينافي بيانه، والغرضُ من ذلك في الجملة أن (٢) لا يحتقر شيء من وجوه البر وإن قل. والله أعلم. * * * باب: إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهْوَ جَائِزٌ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ (باب: إذا قال: أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس، فهو جائز، وقال بعض الناس: هذه عارية، وإن (٣) قال: كسوتك هذا الثوب، فهو هبة): قال ابن المنير: غرضُ البخاري أن لفظ الإخدام للتمليك، وكذلك الكسوة، والحمل في سبيل الله، والعُمْرى (٤)، واستند (٥) في حمل الإخدام [على التمليك إلى العرف، ولا خفاء عند مالك بأن لفظ الإخدام] (٦) لا يقتضي التمليك، إنما هو مصروف إلى المنفعة، والكسوةُ للتمليك بلا شك؛ لأن ظاهرها الأصلي لا يراد؛ إذ أصلها لمباشرة الإلباس، لكنا نعلم أن الغني إذا قال للفقير: كسوتُك هذا الثوبَ، لا يعني

стр. 2376

أنني باشرتُ إلباسكَ إياه، فإذا تعذر حملُه على الوضع (١)، حُمل على العرف، وهو العطية، والظاهر أن الحمل في سبيل الله على التمليك. وأما العُمْرى: فإنها مقيدة بالعمر، فلو كانت تمليكاً للرقبة، لم يتقيد؛ [لأن الملك لا يتقيد] (٢)، ولهذا كانت عند مالك راجعة إلى المالك. * * * باب: إذا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فهو كالعُمْرى والصَّدَقَةِ ١٤٧٠ - (٢٦٣٦) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكاً يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ". (قال عمر: حملتُ على فرس في سبيل الله، فرأيته يُباع): هذا الفرس اسمه الورد. قال المزي في "أفراس النبي ﷺ ": وكان له الورد أهداه له تميمٌ الدارِيُّ، فأعطاه عمر بن الخطاب ﵁، فحمل عليه في سبيل الله، فوجده يُباع. وكذلك قال الدمياطي في "سيرته". والورد: بين الكُمَيْت الأحمر والأشقر.

стр. 2377

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ

стр. 2378

(كتاب: الشهادات): قال القرافي في "قواعده" (١): أقمت نحو ثماني سنين أطلب الفرق بين الشهادة والرواية، وأسأل الفضلاءَ عنه، فيقولون: الشهادةُ يُشترط فيها: العددُ، والذكورية، والحرية؛ بخلاف الرواية، فأقول لهم: اشتراطُ ذلك فرعُ تصورِ الشهادة وتمييزها عن الرواية، فلو عُرفت بأثرها وأحكامها التي لا تُعرف إلا بعد معرفتها، لزمَ الدورُ، ولم أزل كذلك في شدةِ قلقٍ حتى طالعتُ "شرح البرهان" للمازري ﵁، فوجدته حقق المسألة، وميز بين الأمرين، فقال: هما خبران، غير أن المخبَرَ عنه إن كان عاماً لا يختص بمعين، فهو الرواية؛ نحو: "الأعمالُ بالنيات"، أو (٢) "الشفعة فيما لم يُقسم" لا يختص بشخص معين، بل هو عام في كل الخلق والأعصار والأمصار؛ بخلاف قولِ العدلِ عند الحاكم: لهذا عندَ هذا دينار إلزامٌ (٣) لمعينٍ لا يتعداه، فهذا هو الشهادة، والأولُ الرواية.

стр. 2379

قال شيخنا أبو عبد الله بن عرفة ﵀: كان بعض شيوخنا يتعقب قول القرافي: "أقمتُ مدةَ كذا أطلبُ الفرقَ بينهما حتى وقفتُ على كلام المازري" بأن الفرقَ الذي ذكره مذكورٌ في أيسر الكتب المتداوَلَة بين مبتدئي الطلبة، وهو "التنبيه" لابن بشير. قال في كتاب الصيام: لما كان القياس عند المتأخرين ردَّ ثبوتِ الهلالِ لبابِ الإخبار، إذ رأوا أن الفرقَ بين باب الخبر وباب (١) الشهادة: أن كل ما خَصَّ للمشهود عليه، فبابه بابُ (٢) الشهادة، وكلَّ ما عمَّ، فلزم القائلَ منه ما يلزم غيره، فبابه بابُ الإخبار، جعلوا في المذهب قولةً بقبول خبر الواحد في الهلال. قال شيخنا: وما ارتضاه، وتبع (٣) فيه المازريَّ؛ من أن الشهادة هي الخبر المتعلِّق بجزئي، والروايةَ الخبرُ المتعلق بكلي، يُرَدُّ بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيراً؛ كحديث (٤): "يُخرب الكعبةَ ذو السُّوَيقتين من الحبشة" (٥)، والصواب: أن الشهادةَ قولٌ هو (٦) بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكمَ بمقتضاه إن عُدِّلَ قائلُه مع تعدده، أو حلف الطالب، فتخرج الروايةُ، والخبرُ القسيمُ للشهادة، وإخبارُ القاضي بما ثبتَ عنده قاضياً آخرَ يجب

стр. 2380

عليه الحكمُ بمقتضى ما كتب إليه؛ لعدم شرطه بالتعدد أو الحلف، وتدخل الشهادة قبل الأداء، وغير التامة؛ لأن الحيثية لا توجب حصولَ مدلولِ ما أُضيفت إليه بالفعل حسبما ذكروه في تعريف الدلالة. * * * باب: مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي (باب: ما جاء في البينة على المدعي): تلا فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. ووجه الاستدلال بذلك على الترجمة: أن المدَّعِيَ لو كان مصدَّقاً بلا بينة، لم يكن حاجة [إلى الإشهاد، ولا إلى كتابة الحقوق، وإملائها، فالإرشاد إلى ذلك يدل على الحاجة إليه] (١)، وفي ضمن ذلك أن البينة على المدَّعي. * * * باب: إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ رَجُلٌ فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْراً، أَوْ مَا عَلِمْتُ إِلَاّ خَيْراً (باب: إذا عَدَّلَ رجلٌ رجلاً): ويروى: "أحداً". (فقال: لا نعلم إلا خيراً) (٢).

стр. 2381

١٤٧١ - (٢٦٣٧) - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَبَعْضُ حَدِيثهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّاً وَأُسَامَةَ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ، فَقَالَ: أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْراً، وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْراً أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُناَ مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَاّ خَيْراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَاّ خَيْراً". (أهلَكَ (١)، ولا نعلم إلا خيراً): أي: أمسكْ أهلَكَ، أو الزمْ، ونحوه. قاله القاضي (٢). وروي بالرفع؛ أي: هم أهلك، على الابتداء والخبر؛ أي: العفائف المعروفات (٣) بالصيانة (٤). قال ابن المنير: التعديلُ إنما يكون بتقييد (٥) الشهادة، وعائشةُ هنا لم تكن شاهدةً، ولا محتاجة للتعديل؛ لأن الأصل البراءة، وإنما البينةُ على

стр. 2382

المدَّعي، وتزكية البينة [أيضاً، وغايةُ ما في الباب: أن المراد: نفيُ الظِّنةِ عنها، وإبطالُ التهمة] (١) حتى لا تكون الدعوى عليها مشتبهة، ولا قريبة من الصدق، ويكفي في هذا النوع هذا اللفظ، ولهذا -والله أعلم- التزمَ الموثقون (٢) في الوثائق التي تُكتب بالتبرئة من التُّهم هذه الصيغةَ، فيقولون: لا يعلم شهودُه على فلانٍ إلا خيراً، وقولُ القائل: إنه ربما يُلقي كناسته في الطريق، فيعلم ذلك منه، وإلقاءُ الكناسةِ ليس من الخير، ولا من الشر، يريد القدحَ بذلك في (٣) هذه الصيغة، غيرُ مستقيم؛ فإن المراد بقوله: "ما علمتُ عليه إلا خيراً" باعتبار ما يُسأل عنه، وما علمت شراً، ولابد مع (٤) ذلك من حاطة ما ومباطنة (٥). ونُقل عن بعض السلف: أنه دُعي إلى الشهادة في مثل ذلك لمن لا يعرفه (٦) ليتخلصَ من ظالم يطلبه، فقال للسائل: قل: لا إله إلا الله، فقالها، فشهد عند ذلك الظالم: أنه لا يعلم على هذا إلا خيراً و (٧) هذا من المعاريض، وإلا، فلابد في جواز مثل هذه الشهادة من خبرة ومباطنة. وكذلك قوله: لا أعلم له وارثاً، ولا أعلم له مالاً، كلُّه من قبيل واحد.

стр. 2383

قلت: إن بنينا على أن المباح حسن؛ لأنه مأذون فيه شرعاً، سقطَ اعتراضُ (١) ذلك القائل بأن الشاهد (٢) ربما علم من المشهود له (٣) إلقاءَ كناسته (٤) في المحل المباح له، فيكون قوله: لا نعلم إلا خيراً، ليس بصحيح؛ لأنه علم منه ما ليس بخير ولا شر. ووجهُ سقوط الاعتراض على ذلك القول: أن المباحَ من جملة الخيور، فإذا اطلعَ منه على فعل مباح، ولم يطلعْ منه على فعل منهيٍّ عنه، صدق قوله: ما علمتُ إلا خيراً. (حين استلبثَ): هو استفعلَ؛ من اللبث، وهو الإبطاءُ والتأخُّر. (أَغْمِصُه): -بفتح الهمزة وإسكان الغين المعجمة وكسر الميم بعدها صاد مهملة-؛ أي: أَعيبها به. (الداجن): الشاةُ تألفُ البيوت. * * * باب: شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي ١٤٧٢ - (٢٦٣٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ

стр. 2384

عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْباب يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟! (باب: شهادة المختبي). (جاءت امرأةُ رفاعةَ القرظي): هذه المرأة هي تُميمة -بضم التاء-، وقيل (١) بفتحها، القرظيةُ، وقيل (٢): سُهَيْمة، وقيل: عائشة، حكى الأقوالَ الثلاثةَ ابنُ الأثير في مواضع من كتابه (٣). وقيل: اسمها الغُميصاء، وقيل: الرُّميصاء، وقيل: أُميمة بنتُ الحارث، والكلام في ذلك طويل (٤). (عبد الرحمن بن الزَّبير): بفتح الزاي. (إنما معه مثل هدبة الثوب): تريد ذَكَرَه، شبهته بذلك إما لصغره، وإما لاسترخائه وعدم انتشاره. (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟): وكأن هذا بسبب أنه فهم عنها إرادةَ فراقِ عبدِ الرحمن، وأن يكون فراقه سبباً للرجوع إلى رفاعة. (لا، حتى تذوقي عُسَيلته): يدل على أن الإحلال بالزوج الثاني

стр. 2385

يتوقف على الوطء. قال ابن دقيق العيد: وقد يَستدل به من يرى الانتشارَ شرطاً في الإحلال؛ من حيث إنه يرجِّحُ حملَ قولها: إنما معه مثلُ هدبة الثوب، على الاسترخاء، وعدم الانتشار؛ لاستبعاد أن يكون الصغر (١) قد بلغ إلى حد لا (٢) تغيب منه الحشفة، أو مقدارُها الذي يحصل به التحليل. وجمهورُ الفقهاء على أن التحليل لا يحصل (٣) إلا بالدخول، ولم ينقل فيه خلاف إلا عن سعيد بن المسيب فيما قالوه. واستعمالُ لفظِ العُسيلة مجازٌ عن اللذة، ثم عن مظنتها، فهو مجاز في الرتبة الثانية على مذهب الجمهور الذين يكتفون بمغيب الحشفة (٤). قيل: وأَنَّثَ العُسيلة؛ لأنه شبهها بالقطعة من العسل، وقيل: أشار إلى الإلمامة الواحدة. وعن أبي زيد: العُسيلة: ماءُ الرجل، والنطفةُ تسمى العسيلة، وعليه فلا مجاز (٥). (وخالد بن سعيد بن العاص بالباب (٦) ينتظر (٧) أن يؤذن له، فقال: يا أبا بكر! ألا تسمع هذه ما تجهر به؟!): كأنه استعظمَ تلفُّظَها
следующие страницы →