← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

١٤٧١ - (٢٦٣٧) - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَبَعْضُ حَدِيثهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّاً وَأُسَامَةَ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ، فَقَالَ: أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْراً، وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْراً أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُناَ مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَاّ خَيْراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَاّ خَيْراً". (أهلَكَ (١)، ولا نعلم إلا خيراً): أي: أمسكْ أهلَكَ، أو الزمْ، ونحوه. قاله القاضي (٢). وروي بالرفع؛ أي: هم أهلك، على الابتداء والخبر؛ أي: العفائف المعروفات (٣) بالصيانة (٤). قال ابن المنير: التعديلُ إنما يكون بتقييد (٥) الشهادة، وعائشةُ هنا لم تكن شاهدةً، ولا محتاجة للتعديل؛ لأن الأصل البراءة، وإنما البينةُ على

стр. 2382

المدَّعي، وتزكية البينة [أيضاً، وغايةُ ما في الباب: أن المراد: نفيُ الظِّنةِ عنها، وإبطالُ التهمة] (١) حتى لا تكون الدعوى عليها مشتبهة، ولا قريبة من الصدق، ويكفي في هذا النوع هذا اللفظ، ولهذا -والله أعلم- التزمَ الموثقون (٢) في الوثائق التي تُكتب بالتبرئة من التُّهم هذه الصيغةَ، فيقولون: لا يعلم شهودُه على فلانٍ إلا خيراً، وقولُ القائل: إنه ربما يُلقي كناسته في الطريق، فيعلم ذلك منه، وإلقاءُ الكناسةِ ليس من الخير، ولا من الشر، يريد القدحَ بذلك في (٣) هذه الصيغة، غيرُ مستقيم؛ فإن المراد بقوله: "ما علمتُ عليه إلا خيراً" باعتبار ما يُسأل عنه، وما علمت شراً، ولابد مع (٤) ذلك من حاطة ما ومباطنة (٥). ونُقل عن بعض السلف: أنه دُعي إلى الشهادة في مثل ذلك لمن لا يعرفه (٦) ليتخلصَ من ظالم يطلبه، فقال للسائل: قل: لا إله إلا الله، فقالها، فشهد عند ذلك الظالم: أنه لا يعلم على هذا إلا خيراً و (٧) هذا من المعاريض، وإلا، فلابد في جواز مثل هذه الشهادة من خبرة ومباطنة. وكذلك قوله: لا أعلم له وارثاً، ولا أعلم له مالاً، كلُّه من قبيل واحد.

стр. 2383

قلت: إن بنينا على أن المباح حسن؛ لأنه مأذون فيه شرعاً، سقطَ اعتراضُ (١) ذلك القائل بأن الشاهد (٢) ربما علم من المشهود له (٣) إلقاءَ كناسته (٤) في المحل المباح له، فيكون قوله: لا نعلم إلا خيراً، ليس بصحيح؛ لأنه علم منه ما ليس بخير ولا شر. ووجهُ سقوط الاعتراض على ذلك القول: أن المباحَ من جملة الخيور، فإذا اطلعَ منه على فعل مباح، ولم يطلعْ منه على فعل منهيٍّ عنه، صدق قوله: ما علمتُ إلا خيراً. (حين استلبثَ): هو استفعلَ؛ من اللبث، وهو الإبطاءُ والتأخُّر. (أَغْمِصُه): -بفتح الهمزة وإسكان الغين المعجمة وكسر الميم بعدها صاد مهملة-؛ أي: أَعيبها به. (الداجن): الشاةُ تألفُ البيوت. * * * باب: شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي ١٤٧٢ - (٢٦٣٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ

стр. 2384

عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْباب يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟! (باب: شهادة المختبي). (جاءت امرأةُ رفاعةَ القرظي): هذه المرأة هي تُميمة -بضم التاء-، وقيل (١) بفتحها، القرظيةُ، وقيل (٢): سُهَيْمة، وقيل: عائشة، حكى الأقوالَ الثلاثةَ ابنُ الأثير في مواضع من كتابه (٣). وقيل: اسمها الغُميصاء، وقيل: الرُّميصاء، وقيل: أُميمة بنتُ الحارث، والكلام في ذلك طويل (٤). (عبد الرحمن بن الزَّبير): بفتح الزاي. (إنما معه مثل هدبة الثوب): تريد ذَكَرَه، شبهته بذلك إما لصغره، وإما لاسترخائه وعدم انتشاره. (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟): وكأن هذا بسبب أنه فهم عنها إرادةَ فراقِ عبدِ الرحمن، وأن يكون فراقه سبباً للرجوع إلى رفاعة. (لا، حتى تذوقي عُسَيلته): يدل على أن الإحلال بالزوج الثاني

стр. 2385

يتوقف على الوطء. قال ابن دقيق العيد: وقد يَستدل به من يرى الانتشارَ شرطاً في الإحلال؛ من حيث إنه يرجِّحُ حملَ قولها: إنما معه مثلُ هدبة الثوب، على الاسترخاء، وعدم الانتشار؛ لاستبعاد أن يكون الصغر (١) قد بلغ إلى حد لا (٢) تغيب منه الحشفة، أو مقدارُها الذي يحصل به التحليل. وجمهورُ الفقهاء على أن التحليل لا يحصل (٣) إلا بالدخول، ولم ينقل فيه خلاف إلا عن سعيد بن المسيب فيما قالوه. واستعمالُ لفظِ العُسيلة مجازٌ عن اللذة، ثم عن مظنتها، فهو مجاز في الرتبة الثانية على مذهب الجمهور الذين يكتفون بمغيب الحشفة (٤). قيل: وأَنَّثَ العُسيلة؛ لأنه شبهها بالقطعة من العسل، وقيل: أشار إلى الإلمامة الواحدة. وعن أبي زيد: العُسيلة: ماءُ الرجل، والنطفةُ تسمى العسيلة، وعليه فلا مجاز (٥). (وخالد بن سعيد بن العاص بالباب (٦) ينتظر (٧) أن يؤذن له، فقال: يا أبا بكر! ألا تسمع هذه ما تجهر به؟!): كأنه استعظمَ تلفُّظَها

стр. 2386

بذلك (١) بحضرة النبي ﷺ . قال السفاقسي: ورواه الداودي: "تجهر به": أي: إلى ما تأتي به من الكلام القبيح، وهذا موضع الترجمة؛ لأن خالداً نقلَ عنها، [وأنكرَ عليها بمجرد سماعِ صوتها، وإن كان شخصُها محتجباً عنه] (٢)، وهذا حاصل شهادة المختبي. قال ابن المنير: والحرصُ على تحمل الشهادة قادح، واختلفوا في الاختفاء ليشهد؟ فقيل: حرصٌ قادحٌ. والمشهورُ عن مالك: أنه لا يقدح. وقيده محمد بما إذا لم يكن المقرُّ مخدوعاً ولا خائفاً، وهو وفاق، والحجةُ على سماع (٣) شهادته واضحة، وذلك أنا اتفقنا على أنه يشهد على من سمعه يكفر، أو (٤) يؤمن بالله، وقد كان كافرًا، أو تُطلَّق، وإن لم يُشهدوه على أنفسهم، بل لا معنى للإشهاد إلا الإسماع، فإذا أسمعَه، فقد أشهدَه، قصدَ ذلك أم لا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولم يقل: الإشهاد، والسماعُ شهادة، ولكن إذا صرح المقرُّ بالإشهاد، فالأحسنُ أن يكتب الشاهد: أشهدَني بذلك، فشهدتُ عليه؛ حتى يخلص الخصمُ من الخلاف.

стр. 2387

باب: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَو شُهودٌ بشيءٍ، وقال آخرونَ: ما عَلِمْنَا بذلك، يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ ١٤٧٣ - (٢٦٤٠) - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ "، فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ. (كيف وقد قيل؟ ففارقها): حديث عقبةَ المذكورُ في هذا الكلام ليس بمخالف لأصل الباب المقرر (١)؛ لأن النبي ﷺ لم يحكم بشهادة المرأة (٢) المرضعة، ولا قدم قولها على قول عقبة على طريق الإيجاب، وإنما أشار ﵇ إلى أن قول المرأة شبهة تصلُح للتورع والتنزه عن زوجته من أجلها. قال ابن بطال: ويدل عليه الاتفاقُ على أنه لا يجوز شهادةُ امرأةٍ واحدة في الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح (٣). * * *

стр. 2388

باب: الشُّهداءِ العُدُولِ ١٤٧٤ - (٢٦٤١) - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاساً كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْراً، أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءاً، لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا): وذلك لأن الناس كانوا في الزمن الأول على العدالة حتى ظهر منهم خلافُها، فالتمس حينئذ منهم (١) العدالة، وقد نزل بعضُ ذلك في زمن عمر، فقال له رجل: أتيتك لأمرٍ لا رأسَ له ولا ذَنَبَ، قال: وما ذاك؟ قال: شهادة الزور ظهرتْ في أرضنا؟ قال عمر: في زماني وفي سلطاني؟ لا والله لا يُؤَمَّرُ رجل بغير العدول (٢). قال ابن المنير: ونحن نشترط في جواز الدخول تقدمَ الإشهاد على النكاح، ولو دخل قبل أن يُشهد، حُدَّ، ولابدَّ من الفسخ، وقيل: إنه نكاح السر، ثم إنا نجوز شهادة المساتير على إذن المرأة، وهي ركن في العقد للضرورة.

стр. 2389

(فمن أظهر لنا خيراً، أَمِنَّاه): بهمزة مفتوحة مقصورة وميم (١) مكسورة. * * * باب: تَعْدِيلُ كَمْ يجوزُ ١٤٧٥ - (٢٦٤٢) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ: "وَجَبَتْ". ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً -أَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ-، فَقَالَ: "وَجَبَتْ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْتَ لِهَذَا: وَجَبَتْ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: "شَهَادَةُ الْقَوْمِ، الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ". (قلت لهذا: وجبت، ولهذا: وجبت؟ قال: شهادة القوم، المؤمنون شهداءُ الله في الأرض): ضبط بعضهم شهادة: بالرفع والتنوين، على أنها خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي شهادة، ثم استأنف فقال: "القومُ المؤمنون شهداءُ الله في الأرض". وجوز السهيلي كونَ القوم فاعلًا بالمصدر المنون، أو بفعل مضمر؛ أي: شهدَ القومُ، والجملة الاسمية مبتدؤها: المؤمنون. وضبطه بعضهم بإضافة شهادة إلى القوم، وهو ظاهر (٢). * * *

стр. 2390

١٤٧٦ - (٢٦٤٣) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ خَيْرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِيَ خَيْراً، فَقَالَ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ شَرّاً، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقُلْتُ: مَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ"، قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: "وَثَلَاثَةٌ"، قُلْتُ: وَاثْنَانِ، قَالَ: "وَاثْنَانِ". ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. (موتاً ذريعاً): أي: سريعاً (١) كثيراً. (فأُثني خيرٌ): وفي نسخة: "خيراً" بالنصب، ووجهها أن يكون النائب عن الفاعل ضمير المصدر مستكناً في الفعل، و"خيراً" حالٌ منه؛ أي (٢): فأثنى هو؛ أي: الثناء حالةَ كونه خيراً. * * * باب: الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ (باب: الشهادة على الأنساب، والرضاع المستفيض، والموت القديم): قال ابن المنير: ترجم على الأنساب والرضاع والموت، وإنما

стр. 2391

ذكر الشواهد على الرضاع، وما عداه مَقيسٌ عليه. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بتَّ القولَ بأنه رضيعُ حمزة، وإن كان لم يدركِ الرضاع، وإنما سمعه سماعاً، وكذلك (١) عائشةُ بَتَّتِ القولَ بالرضاع في حق نفسِها، ولم تدرك ذلك إلا سماعاً، ومذهبُ مالك جوازُ شهادة السماع في الوقف والموت والملك، وشُرط في ذلك: طولُ الزمان، وانقراضُ الحاضرين غالباً، وقال: خمس عشرة سنة، وقيل: إن كان وباءٌ وانقراضٌ بسبب ظاهر، جاز في خمس عشرة سنة. وأطلق النَّقَلةُ القولَ بذلك، وما أراه يشترط (٢) ذلك في الموت، بل تجوز الشهادة به سماعاً على الفور؛ لأنه ليس مما يعاينه الجمهور غالباً، وما أراه اشترط (٣) الطولَ إلا في الملك والوقف، وكذلك (٤) الرضاع ما ينبغي اشتراطُ طولِ الزمان في قبول السماع الفاشي فيه، وكذلك النسب إذا اشتهر. قيل لابن القاسم: أيشهد أنك ابنُ القاسم من لا يعرف أَبَاك؟ قال: نعم. والأحاديث تدل على قبول شهادة السماع في الرضاع وإن لم يطل الزمان جداً، فإنَّ سِنَّ عائشةَ عند وفاته ﵇ إنما كان ثماني عشرة سنة، ومع هذا كله ثبت القول بسماع الرضاع في حقها (٥). هذا كلامه ﵀.

стр. 2392

قلت: فيه نظر من وجوه: - أما أولاً: فتخصيصُه شهادةَ السماع بالوقف والموت والملك ليس كما ينبغي؛ فقد عدَّ أهلُ المذهب جملةً مستكثرةً من ذلك؛ كالولاية، والعزل، والتعديل والتجريح، والإِسلام والكفر، والرشد والسَّفَه، إلى غير ذلك، وينسب إلى القاضي أبي الوليد بن رشد في عددها نظم. - فأما ثانيًا: فإن قوله: "وما أراه يشترط ذلك في الموت، بل تجوز الشهادة به سماعاً على الفور" مقتضٍ لجواز شهادة السماع (١) فيه في (٢) بلد الموت، أو ما هو قريبٌ منها، وليس كذلك، فقد قال الباجي: ما قرب، أو كان ببلد الموت، إنما الشهادة فيه على البَتِّ؛ لحصول العلم به بالسماع المتواتر. وقال شيخنا أبو عبد الله بنُ عرفة: مقتضى الروايات والأقوال: أن شهادة السماع القاصرة عن شهادة البَتِّ في القطع بالمشهود به يُشترط فيها كونُ المشهود به بحيث لا يدرك بالقطع والبت به عادة، وإن أمكن عادة البتُّ به، لم تجز فيه شهادة السماع، وهو مقتضى قول الباجي. - وأما ثالثاً: فاستشهادُه على شهادة السماع في النسب وإن لم يطل الزمان بما ساقه من كلام ابن القاسم غيرُ محرر؛ لأن كلام ابنِ القاسم في السماع المفيد (٣) للعلم، على ما صرح به ابن (٤) الحاجب وغيره، وهو

стр. 2393

مرتفع عن شهادة السماع القاصر عن ذلك، وحيث يطلق الفقهاء شهادة السماع، فإنما مرادُهم الثاني لا الأول. * * * ١٤٧٧ - (٢٦٤٤) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟! فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي. فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ". (أرضعَتْك امرأةُ أخي): الأخُ المذكور هو أبو القُعَيْس، واسمه: وائلُ ابنُ أفلحَ، ويقال: اسمه الجَعْد، وهو صاحب اللبن. وفي "مختصر الاستيعاب": أنه عم عائشة، وهو متعقَّب، فعمها أفلحُ كما هو مذكور في متن (١) البخاري (٢). * * * ١٤٧٨ - (٢٦٤٥) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: "لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".

стр. 2394

(قال النبي ﷺ في ابنة حمزَة: لا تحلُّ لي): هي أُمامَة، وقيل: عُمارَة، وقيل: فاطمة، ذكرها ابن الأثير في "أسد الغابة"، وجعل الجميعَ واحدةً، قال: وتكنى: أُمَّ الفضل (١). والذي أراده على ذلك علي (٢) بن أبي طالب ﵁، وهو المخاطَب بذلك، كما رواه مسلم عن علي (٣)، وارتضاعُ النبي ﷺ معه كان من ثُوَيْبَة، وكانت قد أرضعت أَيضاً أَبا سلمةَ بنَ عبدِ الأسدِ زوجَ أم سَلَمَةَ ﵂. * * * ١٤٧٩ - (٢٦٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعِنْدِي رَجُلٌ، قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ". (فقال: يا عائشة! من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة): قال شيخُنا قاضي القضاة جلالُ الدين البلقينيُّ -ذكره الله بالصالحات- (٤): وجدتُ

стр. 2395

بخط مغلطاي على "حاشية أسد الغابة": عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، روى عنه عبد الله بن زيد الجرمي، إن كان رضع (١) من أُم رومان، فله صحبة؛ لكون أمه توفيت في عهده ﵊ على الصحيح، ويؤيده ما في "الصحيحين": عن عائشة: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فقال: "من هذا؟ "، فقلت: أخي من الرضاعة (٢)، [ولا نعلم لها أخاً من الرضاعةِ] (٣) غيره، فشبه أن يكون هو، والله أعلم. * * * باب: شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعاً بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ تَابَ، قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ. وَأَجَازَهُ عَبْد اللهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَشُرَيْحٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ." وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأَمْرُ عِنْدَناَ بِالْمَدِينَةِ: إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ،

стр. 2396

فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، جُلِدَ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ، ثُمَّ أُعْتِقَ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحْدُودُ، فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ، ثُمَّ قَالَ: لا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ، جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ، لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ. وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً. وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً. (باب: شهادة القاذف والسارق والزاني): ثم قال بعد كلام طويل: وكيف تعرف توبته؟ وهذا كالترجمة المستقلة المعطوفة، ثم بين كيفيةَ المعرفة بالتوبة بتغريبِ من يُغَرَّب مدةً معلومة، وُيهجر: أن الثلاثة مدة معلومة حتى تتحقق التوبة، ويحسن الحال. وسأل ابن المنير فقال: ليس مجرد الغربة عاماً توبة توجِب قبولَ الشهادة باتفاق، فكيف يتجه كلام البخاري؟ وأجاب (١): بأنه أراد: أن الحال تتغير في السنة، وتنتقل إلى حال لا تحتاج معها إلى تغريب، وكأنها مَظِنةٌ لكسر سورة النفس وهيجان الشهوة،

стр. 2397

ثم لا غربةَ عليه بعدها، فدل ذلك على أن الحال قابلة لتغير الأحكام، يرد بذلك على مَنْ زعم أن التربة لا تُقبل باعتبار الشهادة، وإنما تقبل باعتبار زوال اسم الفسق، وما فيه صريح الرد على الشافعي، بل ساق البخاري الآثار الدالة على أن القاذف لا بد في توبته من إكذابه نفسَه (١)، والآثار الدالة على عدم الاحتياج لذلك، وجعلها مسألة نظرية، والأدلةُ فيها متعارضة، لكن الصحيح بعد ذلك أن إكذابَه لنفسه (٢) لا يشترط. ألا ترى أنه لو كان صادقاً في نفس الأمر، كيف يجوز له إكذابُ نفسه (٣)، وهو حينئذ كاذبٌ في إكذاب نفسه؟ فعلى هذا ينسدُّ على الصادق في قذفه بابُ التوبة. ثم سأل (٤) فقال: إن كان صادقاً في قذفه، فمم يتوب إذن؟ وأجاب: بأنه يتوب من الهَتْك، ومن التحدُّث (٥) بما رآه (٦) وقد ستره الله، وأما إن كان كاذباً في قذفه، فإنه يتوب من البهتان، وقولُه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]؛ أي: هم المكذَّبون في حكم الله، عليكم أن تكذِّبوهم، وإن كانوا صادقين في نفس الأمر؛ لأن علينا أن نبني على ظاهر السلامة والستر والصيانة للمسلم، سواء وافقنا العلمَ، أو خالفناه (٧)؛ كما

стр. 2398

نكذِّبُ (١) المدَّعِيَ إلا ببينة، وإن كان صادقاً في علم الله تعالى. قلت: دعوى المدعي خبرٌ يحتمل الصدقَ والكذب، فليس لنا أن نكذِّبَه ولا نصدِّقَه (٢) بالتشهِّي، وليس طلبُنا منه البينةَ على صحة دعواه دليلاً على تكذيبنا له فيها. ففيما قاله نظر. و (٣) قال البخاري بأثر الباب قبل الترجمة الثانية المذكورة: (وجلدَ عمرُ أبا بكرة، وشبلَ بن معبد، ونافعاً بقذفِ المغيرة، ثم استتابهم، وقال: من تابَ، قُبلت شهادته): قال الطبري: كان المغيرة والياً على البصرة، وله مشربة تقابل مشربة (٤) أبي بكرة، ولكل من المشربتين كَوَّةٌ تقابل كوةَ الأخرى، فكان مع أبي بكرة (٥) في مشربته نافعُ بنُ كَلَدَة، وشبلُ بنُ معبد، وزيادٌ أخو أبي بَكْرة لأمه يتحدثون، فصفقَتِ الريحُ بابَ كوته، فقام ليصفقها، فبصر بالمغيرة -لفتحِ الريح بابَ كوةِ مشربته- بينَ رِجْلَي امرأة توسَّطَها، فقال للنفر: قوموا انظروا (٦) واشهدوا، فنظروا فقالوا: من هذه؟ فقال: أم جميل بنتُ الأفقم، كانت تعشق المغيرةَ وأشرافَ الأمراء، فلما تقدم المغيرة للصلاة، منعه أبو بكرة. وبلغ الأمرُ عمر، فأشخصهم، وبعث أبا موسى والياً على البصرة،

стр. 2399

فلما حضروه (١)، قال المغيرة: يا أمير المؤمنين! سل هؤلاء الأعبد: كيف رأوني، وهل عرفوا المرأة، فإن كانوا مستقبليَّ فكيف استنزوا؟ وإن كانوا مستدبريَّ فبأي شيء استحلوا النظر إليَّ على امرأتي؟ والله! ما كانت إلا زوجتي، وهي تشبهها. فبدأ عمر بأبي بكرة، فشهد أنه رآه بين رجلَي أُمِّ جميل، وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبرهما، فقال: كيف استبنت رأسها؟ قال: تحاملْتُ حتى رأيتها. ثم شهد شبلٌ، ونافعٌ كذلك. وشهد زيادٌ بأن قال: رأيته بين رجلي امرأة، وقدماها مخضوبتان تخفقان، واستين مكشوفتين، وحفزاناً شديداً. قال: هل رأيتَ كالميل في المكحلة؛ قال: لا، قال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أُشَبِّهُها، قال له: تنحَّ، وأمر بالثلاثة فجُلدوا، وتلا قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ [النور: ١٣]. فقال المغيرة: اشفني (٢) من الأَعْبُد يا أمير المؤمنين. فقال له: اسكتْ أسكتَ الله نَأْمَتَكَ، والله! لو تمت الشهادةُ، لرميتُك بأحجارِك. قال الطبري: وردَّ عمرُ شهادتهم، ثم استتابهم، فتابَ نافعٌ وشبلٌ، وقبلَ شهادَتَهما، واستتاب أبا بكرة، فأبى. قال غيره: قال له: تُبْ، وأقبلُ شهادتك، فأبى، وكرّر شهادته.

стр. 2400

قال شيخنا أبو عبد الله بن عرفة: وإلى هذه الآية أشار ابنُ التلمساني في مسألة الإجماع السكوتي في "شرح المعالم" بقوله: كقول عليٍّ لعمرَ ﵄ لما رأى جلدَ أبي بكرة: إن جلدته، فارجم صاحبك، وكان شيخُنا ابنُ عبد السلام ﵀ يستشكل (١) صحة الملازمة في قول علي (٢) مع قبول عمرَ له، ويحكي استشكاله عن شيخه أبي (٣) الحسن البوذري (٤)، وكانت (٥) له مشاركةٌ حسنةٌ في الأصلين، ولم يجيبا عنه بشيء. وكان يجري لنا جوابه بما أقوله: وهو أن القذف الموجبَ للحدِّ قسمان: قذفٌ صدرَ من قائله على وجه التنقيص (٦) للمقذوف، وقذفٌ صدرَ (٧) على وجهِ شهادةٍ لم تَتِمَّ (٨)، وهو الواقع في النازلة، فلما كرر أبو بكرة شهادته، أراد عمرُ جلده للقذفِ بقوله هذا، فقال له علي: إن جلدته، فارجمْ صاحبك؛ [أي: إن أردتَ جلده، لزم إرادتَك رجمُ صاحبك] (٩)؛

стр. 2401

لأن إرادة جلده إما أن تكون لسابق شهادته (١) من حيث كونُه أحدَ الثلاثة، [أو لشهادته لا من حيث كونُه أحدَ الثلاثة] (٢)، فإن كان الأول، لم يحدَّ؛ لأنه قد حُدَّ لها، وإن كان لا من حيثُ كونُه أحدَ الثلاثة؛ لزم كونه -من حيث هو- زائداً عليها، وكلُّ ما كان زائداً عليها، كان رابعاً، وكلُّ ما كان رابعاً؛ لزم تمام النصاب، فيجب حَدُّ المغيرة. وهذا التقدير يدل على صحة قول ابن الماجشون: بصحة افتراق (٣) بينة الزنا في الأداء، وأن تمام النصاب بمن يجبُ قبولُه ولو بعدَ حَدِّ مَنْ لم يكمُلِ النصابُ به يوجِب حَدَّ المشهود عليه، والخلاف في المسألة معروف. قلت: حاصلُ ما ذكره الشيخ: بيانُ الملازمة في القضية الشرطية، وهي: إن جلدته، فارجمْ صاحبَك، يعني: والتالي منتفٍ، فالمقدَّمُ مثله، فذكرَ بيانَ الملازمة لخفائها، وسكتَ عن بيان انتفاء التالي لوضوحه. (ونهى عن كلام كعبِ بنِ مالك وصاحبيه): هما هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبيعِ، [وإذا جعلتَ أسماءَهم مرتبةً على هذا النمط: مرارة بن الربيع] (٤)، كعب بن مالك، هلال بن أمية، اجتمع من أول (٥) أسمائهم على الترتيب [لفظُ: مكة، ومن آخر أسماء آبائهم] (٦) لفظ: عكة.

стр. 2402

١٤٨٠ - (٢٦٤٨) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . (أن امرأة سرقَتْ في غزوة الفتح): هي فاطمةُ بنتُ أبي الأسد المخزوميةُ التي أَهَمَّ شأنُها قريشاً، وشفعَ فيها أسامةُ. ووقع لبعض الشارحين أنها فاطمةُ بنتُ الأسود، وهذا مرجوح، والراجح أنها بنت أبي الأسد، أو (١) بنت أبي الأسود (٢) بن عبد الأسد بنتُ أخي أبي سلمةَ بنِ عبدِ الأسد. * * * باب: لا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ ١٤٨١ - (٢٦٥٠) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِي، وَأَنَا غُلَامٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ، سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ: "ألَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ قَالَ: "لَا تُشْهِدْنِي

стр. 2403

عَلَى جَوْرٍ". وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ". (عن النعمان بن بشير، قال: سألتْ أمي أبي (١) بعضَ الموهبة لي من ماله): أُمه هي عَمْرَةُ بنتُ رَواحةَ أختُ عبدِ الله بنِ رَواحة، كما جاء مصرَّحاً به في البخاري، والموهوبُ عبدٌ، أو أمة، كما جاء مصرَّحاً به أَيضاً. وفي راوية: "غلام" من غير شك، وجاء في رواية: "حديقة"، وحملهما ابنُ حبان على حالتين. (أبو حَرِيز): بحاءٍ مهملة فراء فياء فزاي (٢)، على زنة سعيد. (لا أشهدُ على جَوْر): استُدِلَّ به على تحريم التفضيل بين الأولاد في الهبات. ومذهب مالك والشافعي -رحمهما الله-: أن التفضيل مكروه لا غير، وربما استُدل على ذلك بالرواية التي قيل فيها: "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي"؛ فإنها تقتضي إباحةَ إشهاد الغير (٣)، ولا يُباح إشهادُ الغير إلا على أمرٍ جائز، ويكون امتناعُه ﵊ من الشهادة على وجه التنزُّة، واستضعف هذا ابنُ دقيق العيد بأن الصيغة -وإن كان ظاهرها الإذن- إلا أنها مِشعرةٌ بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل؛ حيث امتنع ﵊ من مباشرة هذه الشهادة مُعَلِّلاً بأنها جَوْر، فتخرجُ (٤) الصيغةُ عن

стр. 2404

ظاهر الإذن بهذهِ القرائن، وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير (١). قال المهلب: وفي هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان لا يضع (٢) اسمه في وثيقة لا تجوز، ومن العلماء من رأى جوازه بقصد (٣) الشهادة على الممنوع ليُرَدَّ. قال ابن المنير: إنما يريد لما يضع خطه في وثيقة بظاهر الجواز مع أن الباطن (٤) باطل، وأما المساطير التي تكتب (٥) لإبطال العقود الفاسدة بصيغة الاستدراك لا البناء، فلا خلافَ ولا خفاءَ في وجوب وضع الشهادة فيها، ولو وضع شهادته (٦) في وثيقة كُتبت بظاهر الجواز، والعقدُ فاسد، زاد في خطه فقال (٧): والأمرُ بينهما في ذلك محمول على ما يصححه الشرع من ذلك أو يبطله، ومثل هذا الوضع (٨) لا يكاد يختلف فيه. * * * ١٤٨٢ - (٢٦٥١) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ،

стр. 2405

قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي، أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْماً يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". (خيركم قرني): القرنُ: أهلُ العصر متقاربةً أسنانُهم، مشتقٌّ من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم. ويقال: إنه لا يكون قرناً حتى يكونوا في زمان نبي أو رئيس يجمعهم على ملَّة و (١) رأي أو مذهب (٢). (يَشهدون ولا يُستشهدون): لا يعارض هذا حديث: "خَيْرُ (٣) الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأتِي بِشَهَادَتِهِ (٤) قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا" (٥)؛ لأن الأولَ في حقوق الآدميين، وهذا في حقوق الله تعالى التي لا طالبَ لها. قال الزركشي: وقيل (٦): الأولُ في الشهادة على الغيب في أمر الخلق،

стр. 2406

فيشهد (١) على قوم أنهم من أهل النار، ولآخرين (٢) بغيره (٣). قلت: هذا مُشكل؛ لأن الذمَّ ورد في (٤) الشهادة بدون استشهاد، والشهادةُ على الغيب مذمومٌ مطلقاً، سواءٌ كان باستشهادٍ، أو بدونه. قال ابن المنير: وطابق هذا الحديث، أعني: "خيرُكم قرني" الترجمةَ، وهي قوله: بابٌ (٥): لا يشهد على جَوْرٍ؛ لأن الحديث فيه ذمُّ المتسرع إلى الشهادة، الذي يَشهد قبل أن يُستشهد، ومثلُ هذا جدير بأن يَشهد على كل ما عُرِض عليه، وإن كان جَوْراً، ولا يتثبت، ولا ينصح الجائر فيصرفه عن الجور. وانظر (٦) إن (٧) كان هذا تعديلاً منه ﵊ للقرون الثلاثة والقرن الأول، فكيف حكم عمر ﵁ بطلب التزكية، [وقد كان قرنُه حينئذٍ من القرن الأول أو (٨) الثاني؟ والجواب: أن التزكية] (٩) التامة إنما حصلت للقرن الأول بدليل قوله

стр. 2407

تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] مع قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: عدلاً خياراً، فشهد لهم الله ورسوله بالعدالة والرضا، فتمت التزكية فيهم. قلت: تعليقُ تمامِ التزكية على شهادة الله ورسوله جميعاً محلُّ بحث لا يخفى عليك. ثم قال: وأما مَنْ بعدهم، فما ثبت لهم إلا أنهم خيرٌ من الذين يتأخرون عنهم، ولا يلزم من ذلك التزكية. (ويَنذِرون): بفتح حرف المضارعة وكسر الذال المعجمة وضمها. وهذا لا يعارض حديثَ النهي عن النذر، وإنما هو تأكيد لأمره، وتحذير من التهاون به بعد إيجابه. قال الزركشي: النذرُ: إيجابُك على نفسِك تبرعاً من عبادة أو صدقة أو غير ذلك (١). قلت: هذا لا يتمشى على مذهبنا؛ فإنه ينطبق على نحو: إن فعلت كذا، فلله عليَّ طلاقُ زوجتي فلانَة؛ إذ يصدق (٢) عليه أنه إيجاب تبرع، ولا يلزم الطَّلاق عندنا في مثل هذه الصورة؛ فإنه غير قربةٍ. قال شيخنا ابن عرفة -رحمه الله تعالى-: النذرُ الأعم من الجائز: إيجابُ امرئٍ على نفسِه لله أمراً؛ لحديث: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله" (٣)،

стр. 2408

وإطلاقُ الفقهاء على المحرَّمِ نذراً (١)، وأخصّه المأمورُ بأدائه التزامُ طاعةٍ (٢) بنيةِ قربةٍ، لا امتناعٌ من أمر، هذا يمين (٣). (ويظهر فيهم السِّمَن): بكسر السين المهملة وفتح الميم، ومعناه: عِظَمُ حرصِهم على الدنيا والتمتعِ بملذاتها (٤) وإيثارِ شهواتها، والترفُّهِ في نعيمها حتى تسمنَ (٥) أجسادُهم. وقيل: المراد: تَكَثُّرهم بما ليس فيهم، وادعاؤهم لشرفٍ (٦) ليس لهم (٧). وقيل: المراد: جمعُهم المال (٨). * * * باب: مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ لِقَوْلِ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ

стр. 2409

بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ﴿تَلْوُاْ﴾ [النساء: ١٣٥]: أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ. (﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]): قال الزمخشري ما حاصلُه: إنما لم يكتف بقوله: آثمٌ حتَّى أضافه إلى القلب؛ لأن الذنبَ هنا كتمانُ الشهادة، وهو [من] أعمال القلوب، فاضيف إلى محله الخاص، كما يؤكد الرواية فيقول: سمعتْه أُذناي، ووسماه قَلبي (١). * * * ١٤٨٣ - (٢٦٥٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ، قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادةُ الزُّورِ". (سئل عن الكبائر): هي جمعُ كبيرة، وقد اختُلف في حَدِّها، فقيل: هي المعصيةُ الموجبةُ لحدٍّ. وقيل: ما لحق صاحبَها وعيدٌ شديد بنصِّ كتابٍ أو سُنة. وقيل: ما آذنَ بقلَّةِ اكتراثِ مرتكبه بالدين. وقيل: ما نص الكتابُ على تحريمه، أو وجبَ في جنسه حدّ. هذا ما ذكروه في الضبط، والتفصيلُ مستوعَبٌ في الفقهيات. * * *

стр. 2410

١٤٨٤ - (٢٦٥٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئاً، فَقَالَ:- "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟): يدل على انقسام الكبائر في عِظَمها إلى كبيرٍ وأكبرَ، ولا يلزم من كونِ هذه أكبرَ الكبائر استواءُ رتبتها هي (١) في نفسها؛ كما إذا قلت: زيدٌ وعمرٌو أفضلُ من بكر؛ فإنه لا يقتضي استواءَ زيد وعمرٍو في الأفضلية أن قد يكونان متفاوتين فيها، وكذلك هنا؛ فإن الإشراك أكبرُ الذنوب المذكورة في الأحاديث التي (٢) ذُكر فيها الكبائر. (وجلس وكان متكئاً): فيه حجةٌ لمن قال: الجلوسُ للنائم، والقعودُ للقائم. (فقال: ألا وقولُ الزور): هذا محمول على شهادة الزور، كما جاء في الحديث الآخر؛ لأنا لو حملناه على عمومه، لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقاً كبيرةً، وليس كذلك، فقد نص الفقهاء على (٣) أن الكذبة الواحدة وما يقاربها لا تُسقط العدالة، ولو كانت كبيرةً، لأسقطتها.

стр. 2411

ومراتبُ الكذب تتفاوت بحسب (١) تفاوت مفاسده. قال ابن دقيق العيد: وقد نص في الحديث الصَّحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة عندي تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبةُ بالقذف كبيرة؛ لإيجابها الحدَّ، ولا تساويها الغيبةُ بقبح الخلقة مثلًا (٢)، أو قبحِ بعضِ الهيئة في اللباس مثلاً. واهتمامه ﵇ بأمر شهادة الزور يحتمل أن يكون؛ لأنها أسهلُ وقوعاً على الناس، والتهاونُ بها أكثرُ، فمفسدتها أيسرُ وقوعاً (٣)، ألا (٤) ترى أن المذكور معها هو الإشراك بالله، ولا يقع فيه مسلم، وعقوقُ الوالدين، والطبعُ صارفٌ عنه، وأما قول الزور، فإن الحوامل (٥) عليه كثيرة؛ كالعداوة وغيرها، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمه بالنسبة إلى ما ذُكر معه -وهو الإشراك- قطعاً (٦). (الجُريريُّ): بجيم مضمومة وياء تصغير بين راءين، منسوبٌ إلى جَرير بن عُبادة. * * *

стр. 2412

باب: شَهَادَةِ الأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِه، وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلاً. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَفْطَرَ، وَيَسْأَلُ عَنِ الْفَجْرِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ طَلَعَ، صَلَّى ركْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَعَرَفَتْ صَوْتِي، قَالَتْ: سُلَيْمَانُ، ادْخُلْ، فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ. (شهادةَ امرأةٍ مُنتقبة): بميم فنون فتاء فوقية، ويروى بتقديم التاء على النون. (باب: شهادة الأعمى): نازعه الإسماعيلي في هذه الترجمة، فقال: ليس في جميع ما ذكره دلالة على قبول شهادة الأعمى، وأطال في ذلك بما هو قابل للقدح فيه (١). ١٤٨٥ - (٢٦٥٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂،

стр. 2413

قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا". وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ: تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّاداً". (سمع النبي ﷺ رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: رحمه (١) الله، لقد أَذْكَرني كذا وكذا): هذا الرجل هو (٢) عبدُ الله بنُ يزيدَ الخَطْمي، نبه عليه عبدُ الغني في "مبهماته". (فسمع صوتَ عباد (٣)): هو عَبَّادُ بنُ (٤) بِشْرِ بنِ وَقْشٍ الأشهليُّ، رفيقُ أُسيد بنِ حُضير في المصباحين (٥). * * * باب: شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾): أي: فإن لم يكن الشهيدان

стр. 2414

رجلين، فالشهيدان رجلٌ وامرأتان، أو فليشهدْ رجلٌ وامرأتان (١)، وهو أنسب من قول الزمخشري: فليشهدْ رجلٌ وامرأتان؛ إذ المأمور هم المخاطبون، لا الشهداء. * * * باب: شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ وَقَالَ أَنَسٌ: شَهَادَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا. وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ ابْنُ أَوْفَى. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إِلَّا الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ. وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ. (وقال شريح): بشين معجمة وحاء مهملة مصغر. (كلكم بنو عبيدٍ وإماء): كذا لأكثر الرواة، وعند ابن السكن: "كلُّكم عبيدٌ وإماءٌ"، وهو ظاهر (٢). ١٤٨٦ - (٢٦٥٩) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ ابْنُ الْحَارِثِ، أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ: قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: "وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ

стр. 2415

أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ ". فَنَهَاهُ عَنْهَا. (فجاءت أَمَةٌ (١) سوداءُ فقالت: قد أرضعتُكما): روى (٢) الإسماعيلي من حديث عمرو (٣) بن سعيد، عن ابن أبي مليكة، حدثني عقبة بن الحارث، قال: تزوجتُ ابنةَ أبي (٤) إهاب، فلما كان صبيحة ملكتها، جاءت امرأةٌ لأهل مكة، فقالت: إني قد أرضعتُكما، قال عقبة: فركبتُ إلى النبي ﷺ وهو بالمدينة، فذكرت له ذلك، وقلت: فسألت أهلَ الجارية فأنكروا، فقال: "كيف وقد قيل؟ "، ففارقتها، ونكحَتْ غيري. قال الإسماعيلي: من حيث صحح البخاري حديثَ ابن جريج، عن أبي مليكة، فقد صح حديثُ عمرو بن سعيد عنه، وهو يروي: "مولاةٌ لأهل مكة"، ومن كانت حرةً وعليها ولاءٌ، فقد تُدعى بهذا الاسم؛ لأنه ممن يريد تحقيرها وتصغيرها (٥). قلت: حاصلُه: أن إطلاقَ الأمة على هذه المذكورة عند البخاري مجازيٌّ باعتبار ما كانت عليه، وإنما هي حرةٌ؛ بدليل قوله في الحديث الآخر (٦): ["مولاةٌ لأهلِ مكةَ"، فإذَنْ ليس هذا من شهادة الإماء في شيء،

стр. 2416

على أنها لم تعمل شهادتها في حديث البخاري] (١)، وإنما دله ﵊ على طريق الورع، وقد سبق حديث الإفك. * * * باب: تَعْديلِ النِّساءِ بَعْضِهنَّ بَعْضاً ١٤٨٧ - (٢٦٦١) - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصاً، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً، زَعَمُوا: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَراً، أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فخَرَجْتُ مَعَهُ، بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، وَدَنَوْناَ مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ

стр. 2417

يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ، وَلَم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإنَّمَا يَأَكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الّذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاستَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِيءَ يَدَهَا فَرَكبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْراً، يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يدخُلُ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ "، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، مُتَبَرَّزِنَا، لا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيباً مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ، أَوْ فِي التَنَزُّهِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي، فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلَاّ شَهِدَ بَدْراً؟! فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ! أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟ فَأَخْبَرتِنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضاً إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ "، فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي إلَى أَبَوَيَّ. قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ

стр. 2418

أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ بهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللهِ! لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ، عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ -وَاللهِ- إِلَّا خَيْراً، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "يَا بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئاً يَرِيبُكِ؟ "، فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْراً أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنِ الْعَجِينِ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْراً، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْراً، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي". فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا وَاللهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ: إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ، ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرجِ، أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحاً، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَامَ أُسُيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ.

стр. 2419

فَثَارَ الْحَيَّانِ: الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ، حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ، قَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْماً، حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي -قَالَتْ:- فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكثَ شَهْراً لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ -قَالَتْ:- فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ الله، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ، تَابَ الله عَلَيْهِ". فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: وَاللهِ! مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: وَاللهِ! مَا أَدْرِي مَا أقولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيراً مِنَ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ! لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُم بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفُ إِذْ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ وَاللهِ! مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْياً، وَلأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ، فَوَاللهِ!

стр. 2420

مَا رَامَ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: "يَا عَائِشَةُ! احْمَدِي اللهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ". فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: لا وَاللهِ! لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَاّ اللهَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآيَاتِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَح بْنِ أُثَاثَةَ؟ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: وَاللهِ! لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئاً أَبَداً، بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ. . . غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ! إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ! مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ؟ "، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلَاّ خَيْراً. قَالَتْ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ. (فأيتهن): بتاء التأنيث. قال الزركشي: هو الوجه، ويروى: "فَأَيَّهُنَّ" (١)؛ يعني (٢): بدون تاء تأنيث. قلت: دعواه أن الرواية الثانية ليست على الوجه، خطأ؛ إذ المنصوص:
следующие страницы →