أنه إذا أريد بأَيّ المؤنثُ، جاز إلحاقُ التاء به، موصولاً كان أو استفهامياً (١)، أو غيرَهما.
(فخرجتُ معه بعد ما أُنزل الحجاب): الحجابُ نزل بعد تزويج زينبَ بنتِ جحش، وتزويجُها في ذي القعدة سنة أربع على الأصح، والإفكُ في غزوة المريسيع (٢)، [وهي غزوة (٣) بني المصطلق في شعبان من سنة خمس على الأصح، وفي البخاري: كانت غزوة المريسيع] (٤) سنة ست، وقال ابن عقبة: سنة أربع، والصحيح ما سبق (٥).
(أُحمل في هَوْدَجٍ): هو القُبَّةُ التي فيها المرأةُ، وهي الخِدْر.
(وقفل): أي: رجع.
وما أحسنَ قولَ صاحبِنا زينِ الدينِ بنِ (٦) العجميِّ -رحمه الله تعالى- بوجه (٧) هذه الكلمة حيث يقول:
سرَى قَلْبِيَ المُضْنَى خِلَالَ رِكَابِهِمْ ... وَنَجْمُ سُرُورِي بَعْدَ بُعْدِهِمُ أَفَلْ
وَقَدْ فَتَحَ التَّسْهِيدُ أَجْفَانَ مُقْلَتِي ... وَسَارَ مَنَامِي خَلْفَ قَلْبِي وَمَا قَفَلْ
стр. 2422
(آذَنَ): روي بمد الهمزة وتخفيف الذال المعجمة، والقصر، وتشديدها؛ أي: أعلمَ.
(فإذا عِقدٌ): بكسر العين (١).
(من جَزْع): -بفتح الجيم وإسكان الزاي-: الخرز المنظوم اليماني.
(أظفار): كذا الرواية بألف.
وقال الخطابي وغيره: الصواب: "ظَفارِ" -بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء- مبني؛ كحَضارِ، وهي مدينة باليمن ينسب [إليها الجَزْعُ]، وكذا ذكره البخاري في كتاب: المغازي.
قالوا: فدل على أن (٢) المذكور هنا وهمٌ.
ومنهم من وَجَّهَ الروايةَ الأولى بأن الأظفارَ عودٌ يُتطيب به، فجاز أن يُجعل كالخرز، ويُتحلى به، إما لحسن لونه، أو لطيب ريحه (٣).
(يَرحلون): بفتح الياء والحاء المهملة المخففة (٤).
قال القاضي: رَحَلْتُ البعيرَ -مخففاً- (٥) شَدَدْتُ عليه الرَّحْلَ (٦).
стр. 2423
وعند (١) أبي ذر (٢): "يُرَحِّلُونَ": -بتشديد الحاء مع ضم الياء وفتح الراء-، وكذا "فَرَحَّلُوهُ" -بتشديد الحاء-، والمعروفُ التخفيف (٣).
(ولم يغشَهُنَّ اللحمُ): وفي المغازي: "لم يَهْبُلْنَ": -بضم الباء الموحدة وكسرها-؛ أي: لم (٤) يكثر شحومُهن عليهن.
(فإنما يأكُلْنَ العُلْقَةَ من الطعام): العُلْقَة: -بضم العين المهملة وبالقاف-: اليسيرُ من الطعام الذي فيه بُلْغَةٌ.
(بعد ما استمرَّ الجيش): استفعلَ من مَرَّ، ومنه: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]؛ أي: ذاهب (٥)، هذا قولُ الفراء، وأما الزجَّاج فقال: معناه: دائم.
(فَأَمَّمْتُ منزلي): -بتشديد الميم-؛ أي: قَصَدْتُ.
وحكى السفاقسي تخفيفها، ومنه: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢].
(وظننت): الظن هنا بمعنى العلم؛ لأن فقدهم إياها محقَّقٌ قطعاً، فهو أمر معلومٌ عندها.
(سيفقِدوني): بقاف مكسورة ونون واحدةٍ.
قال الزركشي: فيحتمل أن يكون حذف إحدى النونين، وأن تكون [النون] مشددة (٦).
стр. 2424
قلت: هذا ظاهر في أنه لم يطلع على رواية معينة في هذه الكلمة، ويروى بنونين.
(صفوان بن المعطَّل): بفتح الطاء المهملة المشدّدة.
(السُّلَمي) بضم السين المهملة وفتح اللام.
(فاستيقظتُ باسترجاعِه): يعني قوله: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، فيحتمل أن يكون شَقَّ عليه ما جرى عليها، أو يكون عَدَّها مصيبةً لما وقع في نفسه أنه لا يسلم من الكلام.
(بعد ما نزلوا مُعَرِّسين): التعريس: النزولُ في آخر الليل.
وقال أبو زيد: هو النزول في أي وقت كان، ويشهد له ما وقع هنا (١)؛ فإنها ﵂ قالت:
(في نَحْرِ الظَّهيرة): أي: حين بلغت الشّمسُ منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر، وهو أعلى الصَّدر.
وقيل: نحرها: أولُها، و (٢) الظهيرة: شدة الحرّ.
(يُفيضون): يُشيعون الحديث، يقال (٣): أماض القومُ في الحديث: إذا اندفعوا فيه.
(ويُريبني): بفتح أوله وضمه، يقال: رابني، وأَرابني بمعنىً؛ من الشك والوهم.
стр. 2425
(اللُّطف): قال الزركشي: بضم اللام؛ أي: الرفق والبر.
قال ابن الأثير: ويروى (١): بفتح اللام والطاء، لغة فيه (٢).
قلت: الذي وقع في "المشارق": ولا أعرفُ منهُ اللَّطَفَ الذي كنتُ أعرفه، كذا رويناه بفتح اللام والطاء، ويقال -أيضاً- بضم اللام وسكون الطاء، و (٣) هو البر والتحَفي (٤).
وهذا صريح في أن الثاني ليس بمروي له، ويحتمل بعد ذلك قوله: ويقال -أيضاً-: أن يكون مروياً في الجملة، أو لغة فيه، ولكنها غير مرويَّة.
(كيف تيكم؟): هي في الإشارة للمؤنث مثل: ذاكم في المذكر.
قال الزركشي: وهي تدل على لطف (٥) من حيث سؤالُه عنها، وعلى نوع جفاء من قوله: "تيكم" (٦).
(حتى نقَهْتُ): -بفتح القاف-؛ أي: أفقتُ من مرضي.
وحكى الجوهري وابن سيده فيه الكسر -أيضاً (٧) -.
(أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ): هي سلمى بنتُ أبي رُهم بن المطلب بن عبد منافٍ
стр. 2426
خالةُ أبي بكر الصديق، وابنُها مِسطحٌ هو (١) بكسر الميم: لقبٌ له، وأصلُه عودٌ من أعواد الخِباء، واسمه عامرٌ، وقيل: عَوْفُ بنُ أُثاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ عبدِ المطَّلبِ ابنِ عبدِ منافٍ (٢).
(قِبَل): بكسر القاف وفتح الباء الموحدة.
(المناصِع): بصاد مهملة.
قال الأزهري: موضعٌ خارج المدينة للحديث كانوا يتبرزون فيه (٣).
(متبرَّزِنا): -بفتح الراء المشددة- وهو بدلٌ من المناصع؛ يعني: أنه موضعُ التبرُّز، وهو قضاءُ الحاجة.
(الكُنُف): -بضمتين- جمع كَنيف، وأصلُه السترُ.
(وأَمرُنا أمرُ (٤) العربِ الأَوَّلُ): قال القاضي: بفتح الهمزة [وضم اللام، نعتٌ للأمر، وقيل: هو وجهُ الكلام.
ورُوي: الأُوَلِ -بكسر اللام وضم الهمزة] (٥) مخففة الواو- وصفاً للعرب، لا للأمر. تريد ﵂: أنهم بعد لم يتخلقوا بأخلاق أهل الحواضر (٦) والعجم (٧).
стр. 2427
فإن قلت: الأُوَل -بضم الهمزة- على هذه الرواية جمعٌ لأُولى، وواحد العرب لا يصح وصفُه به.
قلت: قدر ابنُ الحاجب (١) العربَ اسمَ جمعٍ لجماعات، فواحده جماعةٌ، ووصفُها بالأُولى ممكن، فجاز بهذا الاعتبار.
(بنت أبي رُهْم): بضم الراء وإسكان الهاء.
(في مِرْطِها): -بكسر الميم-: كساءٌ من صوفٍ أو خزّ أو كتان (٢)، قاله الخليل.
وقال ابن الأعرابي: هو الإزار.
وقال النضر: لا يكون المرط إِلا درعاً (٣)، وهو من خَزٍّ أخضرَ، ولا يلبسه إلا النساء.
قال القاضي: وظاهرُ الحديث يصحح قولَ الخليل، ففي الحديث: "خرجَ رسولُ الله ﷺ في مرطٍ مرجلٍ من شعرٍ أسودَ" (٤).
(تعَس): -بفتح العين- قيده الجوهري بمعنى: العثار، وأتعسه الله: أَكَبَّه (٥): دعاءٌ عليه أن لا يستقيل من عثرته، وكلامُ ابن الأثير يقتضي أن
стр. 2428
الأعرفَ كسرُ العين، ثم قال: وقد تفتح (١).
(يا هنْتاه!): بسكون النون وفتحها، والسّكونُ أشهر.
قال صاحب "نهاية الغريب": وبضم الهاء الأخيرة، وتُسَكَّن؛ أي: يا هذه! قاله الخطابي.
وقيل: بل نسبتها للبله وقلة المعرفة بالشر، يقال: امرأة هنتاه (٢)؛ أي: بلهاء (٣).
(وضيئة): بالهمز؛ أي: حَسَنَةٌ؛ من الوضاءة، وهي الحُسْنُ.
(لا يرقَأُ لي دمع): بهمز يرقا؛ أي: لا ينقطع، وَرَقأً الدمعُ -بالهمزة (٤) -: سكنَ.
(وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بَريرَةَ): قال الزركشي: قيل: إن هذا وهم؛ فإن بريرةَ إنما اشترتها عائشةُ (٥) وأعتقتْها قبلَ ذلك.
قال: والمَخْلَصُ (٦) من هذا الإشكال: أن تفسير (٧) الجارية ببريرةَ
стр. 2429
مُدرجٌ في الحديث من بعض الرواة ظناً منه أنها هي (١).
قلت: هذا ضيقُ عَطَن؛ فإنه لم يرفع الإشكال إلا بنسبة الوهم إلى الراوي، مع أن ادعاءه كونَه مدرجاً لا ثبتَ يقوم عليه، والمخلص عندي من الإشكالِ الرافعِ لتوهيمِ الرواة وغيرِهم: أن يكون إطلاقُ الجارية على بريرة، وإن كانت معتقة إطلاقاً مجازياً باعتبار ما كانت (٢) عليه، واندفع الإشكال، ولله الحمد.
(إنْ رأيتُ منها أمراً أَغْمِصه): -بالغين المعجمة وكسر الميم-؛ أي: أَعيبه، يقال: غَمَصْتُ عليه قولاً قاله؛ أي: عِبْتُهُ عليه.
(تنام عن العجين، فتأتي الدّاجنُ فتأكلُه): قال ابن المنير: وقولها: سوى أن الداجنَ تأكل عجينها، من الاستثناء البديع الذي يراد به التسجيل على نفي العيوب؛ كقوله:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ (٣) غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
فغفلتُها عن عجينها (٤) أبعدُ لها من هذا العيب، وأقربُ إلى أن تكون به (٥) من المحصَنات الغافلات المؤمنات.
стр. 2430
قلت: ليس في الحديث صورة استثناء بـ: "سوى" ولا غيرها من أدواته (١)، وإنما فيه: إنْ رأيتُ منها أمراً (٢) أَغْمِصُه عليها قَطُّ أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي (٣) الداجنُ فتأكله، لكن معنى هذا قريبٌ (٤) من (٥) معنى الاستثناء.
(من يَعْذِرني من رجلٍ؟): بفتح حرف المضارعة.
قال في "البارع": أي: مَنْ ينصرني عليه؟ والعذير: الناصر.
وقال الهروي: من يقومُ بعذري (٦) إن كافأتُه على سوء فعله، كذا في "المشارق" (٧).
(فقام سعدُ بنُ مُعاذ): حكى القاضي عن بعض شيوخه: أن ذكرَ سعد ابن معاذ في هذا الحديث وهمٌ؛ لأنه مات سنةَ أربع، وحديثُ الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع (٨).
قلت: وقد مضى (٩) الخلاف فيها، وإن منهم من قال: إنها كانت في سنة أربع.
стр. 2431
قال إسماعيل القاضي: والأولى أن يكون قبل الخندق، قال القاضي عياض: فعلى هذا تخرج هذه أن سعد بن معاذ كان حياً إذ ذاك (١).
(إن كان من الأوس، ضربنا عنقَه، وإن كان من إخواننا [من] الخزرج، أمرتَنا ففعلنا فيه أمرَكَ): قال السفاقسي: وإنما قال سعدُ بنُ معاذ ذلك؛ لأن الأوسَ قومُه، وهم بنو النجار، ومن آذى النبي ﷺ ، وجبَ قتلُه، ولم يقل كذلك في الخزرج؛ لما كان بينهم من قبل (٢)، فبقيت فيهم بعدُ أَنَفَةٌ أن يحكم بعضُهم في بعضه، فإذا أمرهم النبي ﷺ ، امتثلوا أمره (٣).
(فقام سعدُ بنُ عبادةَ، وهو سيدُ الخزرج): وكان من رهط عبد الله بن أَبي رُهْمِ بنِ ساعدة، كذا في السفاقسي (٤).
(وكان احتمَلَتْه الحميَّةُ): -بالحاء المهملة- من "احتملته"، كذا لأكثرهم، ووقع في بعض النسخ (٥): "اجْتَهَلَتْه (٦) ": -بالجيم والهاء-، وصَوَّبه الوقشي، وصوب القاضي كليهما (٧)، فقال: احتمل الرجلُ: إذا غضبَ، قاله يعقوب.
فمعنى احتملته: أغضبته، ومعنى اجتهلته: حملته على أن يجهل؛
стр. 2432
أي: يقولُ قولَ أهل (١) الجهل (٢).
(فقال: كذبتَ لَعَمْرُ اللهِ): أي: إن النبي ﷺ لا يجعل حكمَه إليك، كذا (٣) قال الداودي.
وقال السفاقسي: الظاهر أنه قال له: كذبت؛ أي: إنك لا تقدرُ على قتله (٤).
(فقام أُسيد بنُ حُضير (٥)): كلا العلمين على صيغة المصغَّر.
(فقال: كذبتَ لعمرُ الله): أي: لن يأمرنا النبي ﷺ بقتله.
وقوم أُسيد بنو عبد الأشهل.
وهؤلاء الثلاثة: السَّعدان، وأُسيد، من نقباء الأنصار.
(إذ قال: ﴿صَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: هكذا رأيته في بعض النسخ: ﴿صَبْرٌ﴾ -بدون فاء-، و (٦) صحح عليه، وكلامُ الشيخ بهاءِ الدين أبي حامدٍ السبكيِّ في "شرح مختصر ابن الحاجب" الأصيلي يدل على أنه بالفاء، وذلك أنه قال: إذا كان الكلام المحكيُّ مقروناً بالفاء مثلاً، ولم يذكر الحاكي ما قبله، جاز له إثبات العاطف وحذفُه.
стр. 2433
واستشهد للإثبات بأحاديث، منها: قول عائشة ﵂ في (١) قصة الإفك: "ما أجدُ لي ولكم مثلاً إلا كما قالَ العبدُ الصالحُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] " كذلك هو في "صحيح البخاري"، على أنه في "سيرة ابن إسحاق" بغير فاء. على أن هذا الذي ذكر فيه السبكي إثبات الفاء في البخاري إنما هو في الطريق التي فيها: كما قال العبد الصالح، وما نحن فيه على خلاف هذا، ونصه: "والله! ما أجدُ لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسفَ، إذ (٢) قال"، فتأمله.
(فوالله! ما رامَ مجلسَهُ): أي: ما فارَقَه؛ من: رَام يَريم رَيماً، فأَمَّا مِنْ طلبِ الشيء، فرام يَروم رَوْماً.
(من البُرَحاء): -بضم الباء (٣) الموحدة وفتح الراء، ممدود (٤) -؛ من البَرْح، وهو أشدُّ ما يكون من الكَرْب.
(ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمان): -بضم الجيم (٥) وتخفيف الميم-: الدُّرُّ.
وقال الداودي: هو شيءٌ كاللؤلؤ يُصنع من الفضة (٦).
ويدل للأول قولُ الشاعر:
стр. 2434
كَجُمَانَةِ البَحْرِيِّ جَاءَ بِهَا ... غَوَّاصُهَا مِنْ لُجَّةِ البَحْرِ
(فلما سُرِّيَ (١)): أي: كُشف عنه، والتشديدُ فيه للمبالغة.
(مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ): بهمزة مضمومة وثاءين مثلثتين (٢) بينهما ألف وآخره (٣) هاء (٤) تأنيث.
وضبطه المهلب بفتح الهمزة، ولم يُتابَع عليه (٥).
(لا أُنفق على مسطحٍ بشيء): ويروى: "شيئاً".
(أَحمي سمعي وبصري): [أَحْمي فعلٌ مضارع، فهمزتُه (٦) همزةُ قطع؛ أي: أمنعُهما من المأثم، ولا أكذبُ فيما سمعت وفيما أبصرت، فيعاقبني الله في سمعي وبصري] (٧)، ولكني أَصْدُقُ حمايةً لهما.
(وهي التي كانت تُساميني): أي: تنازعني (٨) الحظوة، والمساماةُ: مُفاعَلَة من السموِّ.
وقد ذكر البخاري في كتاب: الاعتصام معلقاً: أن النبي ﷺ جلد الرامين
стр. 2435
لها (١)، وسيأتي فيه كلام إن شاء الله تعالى.
* * *
باب: إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلاً، كَفَاهُ
وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذاً، فَلَمَّا رَآنِّي عُمَرُ، قَالَ: عَسَى الْغُويرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّةُ يَتَهِمُنِي، قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ: كَذَاكَ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
(وقال أبو جَميلة): بجيم مفتوحة.
(وجدت منبوذاً): أي: لَقيطاً، وهو صغير آدمي، لم يُعلم أبواه ولا رِقُّه، كذلك عرفه شيخنا ابن عرفة، قال: وقول ابن الحاجب تابعاً لابن شاس تابعاً للغزالي: هو طفل ضائعٌ لا كافلَ له (٢)، يبطُلُ طردُه لطفلٍ كذلكَ معلومٍ أبوه؛ لأنه غيرُ لقيط؛ لانتفاء لازمه، وهو كون إرثه للمسلمين (٣).
(فلما رآني (٤) عمر، قال: عسى الغُوَيرُ أَبؤساً): هو مَثَلٌ سائر، قيل: لما قتلت الزبَّاء جذيمةَ الأبرشَ، أتى قصيرٌ إلى ابن (٥) أخيه، فقال له: افعل بي ما أقول لك: اجدعْ أنفي، واضربْ ظهري، ففعلَ ذلك به، فذهب إلى
стр. 2436
الزبَّاء، فقال لها: إنما فعل بي هذا من أجلك لما أشرتُ عليه بالمجيء إليك، فمكَّنَتْه، وأعطته مالًا، فسافر به، وذهب إلى صاحبه من حيث (١) لا تعلم الزباء، فزاده في المال، وأتاها بربح عظيم، وبجواهر وطُرَف، ثم تردد (٢) كذلك مرات، ثم اتخذ توابيتَ، وجعلها في الجوالق، وجعل رباط الجوالق من داخل الرجال في التوابيت، ومعهم السّلاح، ورجع في طريق الغور غير الطريق الأولى، فلما قيل لها: رجع في الغور، والغورُ تهامةُ وما يلي اليمن، قالت: عسى الغوير أبؤساً، صَغَّرت الغور، وأبؤساً جمع بأس؛ مثل: فَلْس وأَفْلُس، وانتصبَ على أنه خبرٌ لـ "يكون" محذوفة؛ أي: عسى الغُوَير أن يكون أبؤساً، فذهبت مثلاً، ولما أقبل قصير، سيق (٣) إليها، وقال: اطلعي على القصر لتنظري (٤) العير، فلما صَعِدَت، رأتِ الجمالَ تمشي مهلاً، فقالت:
مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا ... أَجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدَا
أَمْ صَرَفَاناً بَارِداً شَدِيدَا ... أَمِ الرِّجَالَ جُثَّما قُعُودَا
ففتحوا التوابيت، وخرجوا فقتلوها.
(كأنه يتهمني): قال السفاقسي: وإنما اتهمه عمر أن يكون هو ألقاه، ثم أخذه ليكفله (٥). انتهى.
стр. 2437
ووجهُ ضربهِ المثلَ المذكورَ: أن المعنى: عسى أن يكونَ باطنُ أمرِك رديّاً (١).
(قال عريفي): هو القَيِّمُ (٢) بأمور القبيلة والجماعة من الناس، يلي أمورَهم، ويعرِّفُ الأميرَ أحوالَهم.
(إنه رجلٌ صالح، قال: كذلك): هذا موضع الترجمة؛ فإن عمر ﵁ اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله كذلك، ولهذا قال: اذهبْ، وعلينا نفقتُه.
* * *
١٤٨٨ - (٢٦٦٢) - حدَّثني محمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حدَّثَنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ"، مِرَاراً، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحاً أَخَاهُ لا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَاناً، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَداً، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ".
(من كان منكم مادحاً أخاه لا مَحالة): -بفتح الميم- من محالة.
(فليقل أحسَب): -بفتح السين-، وحُكي الكسر.
قال الجوهري: وهو شاذ؛ لأن ما كان ماضيه مكسور [اً]، فمستقبله
стр. 2438
مفتوح؛ كعَلِم يعلَم، إلا أربعةَ (١) أحرف جاءت نوادر: حَسِبَ، وبَئِس، ونَعِم، ويَئس (٢).
قال الإسماعيلي: وليس (٣) [في] هذا الحديث دلالةٌ على أن تزكية الواحد إذا احتيج (٤) إليها كافيةٌ كما ترجم عليه (٥).
* * *
باب: بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وشَهَادَتِهِم
١٤٨٩ - (٢٦٦٤) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: حَدَّثنِي ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أحُدٍ، وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي. ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
(ثم عرضني يومَ الخندق وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ، فأجازني): جعل الشافعيةُ هذه المدةَ حداً للبلوغ بالسن؛ استناداً إلى هذا الحديث، ولا دليل
стр. 2439
لهم فيه؛ إذ الإجازة المذكورة حكم منوط بإطاقة القتال والقدرةِ عليه، فأجاز (١) ﵇ ابنَ عمر في الخمسَ عشرةَ؛ لأنه رآه مُطيقاً للقتال في هذا السن، ولما عُرض عليه وهو ابنُ أربعَ عشرةَ، لم يره مطيقاً للقتال، فردَّه، فليس في هذا دليل على أنه رأى عدم البلوغ في الأول، ورآه في الثاني (٢)(٣).
* * *
باب: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ "
(شاهداك أو يمينُه): قال القاضي: كذا الرواية بالرفع، وارتفع (٤) شاهداك بفعل مضمر، قال سيبويه: معناه: ما قال شاهداك (٥)، هكذا حكوا عنه، وفيه نظرٌ، وقد سبق أن تقديره: عليك شاهداك، أو عليه يمينُه، ويدل عليه: "البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، وقد يقدر: لكَ شاهداك، اْو يمينه؛ أي: لك إقامةُ شاهديك، أو طلبُكَ يمينَه، فحذف المضاف من كل من المتعاطفين، وأقيم المضاف إليه مقامه (٦).
стр. 2440
باب: إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَيِّنَةَ، وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ
(باب: إذا ادعى أو قذف، فله أن يلتمس البينة، وينطلق ليلتمس البينة): قال الزركشي: مقصودُه بهذه الترجمة: تمكينُ القاذفِ من إقامة البينة على زنا المقذوف؛ لدفع الحدِّ عنه، ولا يرد عليه أن الحديث إنما هو في الزوجين، والزوجُ له مخرج عن الحد باللِّعان [إن عجز عن البينة؛ بخلاف الأجنبي] (١)؛ لأنا نقول: إنما كان هذا، وقوله ﵇: "انطلق" قبل نزول اللعان؛ حيثُ كان الزوجُ والأجنبي سواء، فاستقام الدليل (٢).
قلت: هذا بعينه كلام ابن المنير ﵀.
* * *
١٤٩٠ - (٢٦٧١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلَالَ ابْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّنَةَ، أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً، يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ يَقُولُ: "الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ.
(أن هلالَ بنَ أميةَ قذف امرأته): هي خَوْلَةُ بنتُ عاصم، ذكره الذهبي
стр. 2441
في "التجريد" تبعاً لـ: "أسد الغابة" (١).
(بشَريكِ بنِ سَحْماء): -بسين وحاء مهملتين وبالمد-: هي أُم شريك، وأما أبوه، فهو عَبَدَةُ -بفتحات- ابنُ مُغيثِ بنِ الجدّ بنِ عجلانَ البلويُّ.
وقال أبو نعيم: قيل: إن سحماء لم يكن اسمَ أمه، ولا كان اسمه شريكاً، وإنما كان بينه وبين ابن السحماء (٢) شركة، وهذا ليس بشيء، قاله في "أسد الغابة" (٣).
(البينةَ أو حَدٌّ في ظهرك): بنصب "البينةَ"، ورفع "حَدٌّ"؛ أي: تُحضر البينةَ، أو يقع حدٌّ في ظهرك، وفي هذا التقدير محافظة على تشاكل الجملتين لفظاً، وقدَّره بعضُهم: أحضر البينةَ، أو هو حدٌّ.
* * *
باب: اليَمينِ بَعْدَ العَصْرِ
١٤٩١ - (٢٦٧٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ، وَفَى لَهُ، وَإِلَّا، لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ
стр. 2442
لَقَدْ أعطِيَ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَهَا".
(على فضل ماء): أي: فضلٍ عن كفايةِ السابقِ إليه.
(وَفَى له): -بفاءٍ مخففة-، كذا الرّواية، يقال: وَفَى بعهده يَفي (١) وَفاءً -بالمد-، وأما "وَفَّى" -بتشديد الفاء-، فيستعمل في توفية الحق وإعطائه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]؛ أي: قام (٢) بما كُلِّف من الأعمال (٣).
* * *
باب: يَحْلِفُ المدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُما وَجَبتْ عليه اليَمينُ، ولا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضعٍ إلى غَيرِهِ
١٤٩٢ - (٢٦٧٣) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
(من حلف على يمين): أي: على شيء مما يُحْلَف عليه، سُمِّي المحلوفُ عليه يميناً؛ لتلبُّسِه (٤) باليمين.
* * *
стр. 2443
باب: إِذَا تَسَارعَ قومٌ في اليمينِ
١٤٩٣ - (٢٦٧٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ.
(فأمر أن يُسْهَم بينهم في اليمين): أي: يُقْرَع بينهم.
قال الخطابي: إنما يُفعل هذا إذا تساوت درجاتُهم في أسباب الاستحقاق؛ مثلَ أن يكون الشيء في يدي اثنين، كلُّ واحد منهما يدَّعيه كلَّه، ويريده كلُّ واحد أن يحلف ويستحقه، فيُقرع بينهما، فمن خرج سهمُه، حلفَ واستحقَّه (١).
واعتُرض بأن الحكم في هذه الصورة ليس هكذا (٢)، وإنما الحكم أن يتحالفا، ويقسمانه (٣) نصفين إن ادَّعى كلُّ واحدٍ جميعَه (٤).
قلت: ويمكن فرضُ التشاحِّ في البداءة مع دعوى كلٍّ منهما للكل، وكون الحكم قَسَمَه بينهما نصفين، وذلك بأن يكون لكل منهما غرض في استحقاق ما يوجب الحكمُ استحقاقه بعد يمينه؛ بأن يتصرف فيه عاجلاً بالبيع أو غيره، ويقابله (٥) خصمه بمثل هذا الغرض، فتكون القرعة في هذه
стр. 2444
الحالة طريقاً للعدل بينهما، ورفع تخصيص أحدهما بالبداءة من غير مخصص.
(أيهم يحلف): سبق الكلام فيه في: الصلاة، في قوله في حديث الجمعة: "أَيُّهُما يَكْتُبُها (١) أَوَّل" (٢).
* * *
باب: كيف يُسْتَحْلَفُ ؟
١٤٩٤ - (٢٦٧٩) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، قَالَ: ذَكَرَ نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفاً، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ".
(أو ليصمُتْ): قال الزركشي: بضم الميم وكسرها (٣)، يعني: أنه مضارع ثلاثي، أو رباعي، يقال: صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتاً وصُمُوتاً وصُمَاتاً: سَكَتَ (٤)، وأَصْمَتَ مثلُه، كذا في "الصحاح" (٥)، ولكن الشأن في الضبط من جهة الرواية.
* * *
стр. 2445
باب: مَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ بَعْدَ اليَمينِ
١٤٩٥ - (٢٦٨٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَينَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذْهَا".
(لعلَّ بعضَكم ألحنُ بحجته): أي: أَعْرَفُ بها، وأَفْطَنُ لها من غيره، واللَّحَن -بتحريك الحاء-: الفطنة، وأما بالسكون: فإزالة الإعرابِ عن جهته، يقال: لَحِنَ -بكسر الحاء- يَلْحَن -بفتحها-: إذا فطن، ولَحَنَ يَلْحَنُ -بفتحهما (١) معاً-: إذا زاغ، قاله (٢) الخطابي (٣).
وموضع استنباطِه الترجمةَ على إقامة البينةِ بعدَ اليمين من هذا الحديث: أنه ﷺ لم يجعل اليمينَ الكاذبةَ قاطعةً لحقِّ المحِقِّ، بل نهى الكاذبَ بعدَ يمينه عن القبض (٤).
* * *
باب: مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ. وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. وَقَضَى ابْنُ
стр. 2446
الأَشْوَعِ بِالْوَعْدِ. وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ صِهْراً لَهُ، قَالَ: "وَعَدَنِي، فَوَفَى لِي". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ.
(وقضى ابنُ أشوعَ (١)): -بشين معجمة غير منصرف-: هو سعيدُ بنُ عمرِو (٢) بنِ أشوعَ الهمدانيُّ الكُوفيُّ قاضيها، حدَّثَ عن الشعبي (٣).
(بالوعد): أما الوفاء به، فهو مطلوب اتفاقاً، وأما القضاء به، ففي مذهبنا فيه أربعة أقوال:
- الأول: يُقضى به مطلقاً.
- و (٤) الثاني: مقابله.
- و (٥) الثالث: إن كان على سبب قُضي، وإن لم يدخل بسببه (٦) في ذلك السبب (٧).
- الرابع: إنما يُقضى به إذا كان على سبب بشرط أن يدخل (٨) لأجل
стр. 2447
الوعد في ذلك السبب.
ولعلمائنا في ذلك تفاريعُ كثيرةٌ مبسوطة في كتب الفقه.
(وذكر صهراً له، قال: وعدني فوفى لي): هو أبو العاص بنُ الربيع، ويقال: ابنُ ربيعة، واسمه لقيط، أو مِهْشَم، أو هُشَيم، والأولُ أكثر.
وكان أبو العاص مصاحباً لرسول الله ﷺ ، مصافياً، وكان قد أبى أن يطلق زينبَ لما أمره المشركون بطلاقها (١)، فشكر له رسولُ الله ﷺ ذلك، ولما أطلقه من الأسر، شرط عليه أن يرسل زينبَ إلى المدينة، فعاد إلى مكة، وأرسلها إلى المدينة، فلهذا قال النبي ﷺ : "حَدَّثَني فصَدَقني، ووعَدَني فوَفَى لي" (٢).
* * *
باب: لا يُسْألُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنِ الشَّهَادَةِ وغيرِهَا
١٤٩٦ - (٢٦٨٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نبَيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللهِ، تَقْرَؤُونَهُ لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللهُ، وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، أَفَلَا
مرةً فرساً لأبي طلحة لفزعٍ كان بالمدينة، وركب يومَ حنين بغلةً ليسرَّ المسلمين إذا رأوه عليها، وأيضاً: فهو أدلُّ على الشجاعة وقوة الجأش، ووقفَ بعرفةَ على راحلته، وسار عليها من هناك إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، وإلى مكة.
(وهي أرضٌ سبِخة): -بكسر الباء-؛ أي: ذاتُ سِباخ.
(فقال رجلٌ من الأنصار): هو عبد الله بنُ رواحة ﵁.
(فكان بينهَم): أي: بين الجماعة المختصِمين، وفي نسخة: "بينهما"؛ أي: بين الطائفتين: طائفةِ عبدِ الله بنِ رواحةَ، وطائفة ابنِ أُبَيٍّ.
(ضربٌ بالجريد): -بالجيم والراء- كذا لأكثرهم، ولأبي زيد: "بالحديد" بالحاء المهملة والدال.
قال ابن الملقن: وقال ابن عباس في "تفسيره": ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف، فقد كذب (١).
(فبلغنا (٢) أما نزلت: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]): قال ابن بطال: يستحيل نزولُها في عبد الله بن أُبي وأصحابه؛ لأن أصحابَ عبدِ الله ليسوا بمؤمنين، وقد تعصَّبوا له بعدَ الإسلام في قصة الإفك، [وقد] رواه البخاري في كتاب: الاستئذان عن أسامة بن زيد (٣): أن النبي ﷺ مرَّ في مجلس فيه أخلاطٌ من المشركين
стр. 2454
والمسلمين وعبدةِ الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بْن أبي (١)، وذكر الحديث، فدل على أن الآية لم تنزل (٢) فيه، وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حق (٣)، واقتصر الزركشي على ذلك (٤).
قلت: كأنه ظنّ أن لا جواب عنه (٥) لو استبعد الجواب.
قال مغلطاي: وفي "تفسير ابن عباس": وأعانَ ابنَ أُبيٍّ رجالٌ من قومه، وهم مؤمنون، فاقتتلوا، وهذا فيه ما يزيلُ استبعادَ ابنِ بطال.
وأخذ ابنُ الملقن هذا الجواب مُغيراً (٦) عليه على عادته مع هذا الرجل وغيره، مصرِّحاً بأنه من كلام نفسه بقوله: قلت.
* * *
باب: ليسَ الكَاذِبُ الذي يُصْلِحُ بينَ النَّاسِ
١٥٠٠ - (٢٦٩٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُمِّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَّةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً".
стр. 2455
(فينمي خيراً): -بتخفيف الميم-، يقال: نَمَيْتُ الحديثَ أَنْمِيهِ (١): إذا بَلَّغْتُهُ على وجه [الإصلاحِ وطلبِ الخير، فإذا بَلَّغْتُهُ على وجه] (٢) الإفسادِ والنميمةِ، قلتُ: "نَمَّيْتُه": -بتشديد الميم-، كذا قال أبو عبيدة، وابنُ قتيبة، وغيرُهما من الأئمة.
وقال الجوهري (٣): هي مشددة، وأكثر المحدثين يخففها، وهذا لا يجوز، ورسول الله ﷺ لا يلحن، ومن خَفَّفَ، لزمه أن يقول: "خَيْر"، يعني: بالرفع.
قال ابن الأثير: وهذا ليس بشيء، فإنه [ينتصب بـ "ينمي"، كما] ينتصب بـ: قال، وكلاهما على زعمه لازم، وإنما نمى متعدٍّ، يقال: نميتُ الحديثَ؛ أي: رفعتُه وأبلغتُه (٤)(٥).
(أو يقول خيراً): قال الشارحون: هو شكٌّ من الراوي، والمعنى واحد.
وأطلق بعضُهم القولَ بجواز الكذبِ في الصور الثلاث: الصلح، وعدةِ امرأته بشيء يستصلحُها، وخدعة.