مرةً فرساً لأبي طلحة لفزعٍ كان بالمدينة، وركب يومَ حنين بغلةً ليسرَّ المسلمين إذا رأوه عليها، وأيضاً: فهو أدلُّ على الشجاعة وقوة الجأش، ووقفَ بعرفةَ على راحلته، وسار عليها من هناك إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، وإلى مكة.
(وهي أرضٌ سبِخة): -بكسر الباء-؛ أي: ذاتُ سِباخ.
(فقال رجلٌ من الأنصار): هو عبد الله بنُ رواحة ﵁.
(فكان بينهَم): أي: بين الجماعة المختصِمين، وفي نسخة: "بينهما"؛ أي: بين الطائفتين: طائفةِ عبدِ الله بنِ رواحةَ، وطائفة ابنِ أُبَيٍّ.
(ضربٌ بالجريد): -بالجيم والراء- كذا لأكثرهم، ولأبي زيد: "بالحديد" بالحاء المهملة والدال.
قال ابن الملقن: وقال ابن عباس في "تفسيره": ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف، فقد كذب (١).
(فبلغنا (٢) أما نزلت: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]): قال ابن بطال: يستحيل نزولُها في عبد الله بن أُبي وأصحابه؛ لأن أصحابَ عبدِ الله ليسوا بمؤمنين، وقد تعصَّبوا له بعدَ الإسلام في قصة الإفك، [وقد] رواه البخاري في كتاب: الاستئذان عن أسامة بن زيد (٣): أن النبي ﷺ مرَّ في مجلس فيه أخلاطٌ من المشركين
стр. 2454
والمسلمين وعبدةِ الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بْن أبي (١)، وذكر الحديث، فدل على أن الآية لم تنزل (٢) فيه، وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حق (٣)، واقتصر الزركشي على ذلك (٤).
قلت: كأنه ظنّ أن لا جواب عنه (٥) لو استبعد الجواب.
قال مغلطاي: وفي "تفسير ابن عباس": وأعانَ ابنَ أُبيٍّ رجالٌ من قومه، وهم مؤمنون، فاقتتلوا، وهذا فيه ما يزيلُ استبعادَ ابنِ بطال.
وأخذ ابنُ الملقن هذا الجواب مُغيراً (٦) عليه على عادته مع هذا الرجل وغيره، مصرِّحاً بأنه من كلام نفسه بقوله: قلت.
* * *
باب: ليسَ الكَاذِبُ الذي يُصْلِحُ بينَ النَّاسِ
١٥٠٠ - (٢٦٩٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُمِّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَّةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً".
стр. 2455
(فينمي خيراً): -بتخفيف الميم-، يقال: نَمَيْتُ الحديثَ أَنْمِيهِ (١): إذا بَلَّغْتُهُ على وجه [الإصلاحِ وطلبِ الخير، فإذا بَلَّغْتُهُ على وجه] (٢) الإفسادِ والنميمةِ، قلتُ: "نَمَّيْتُه": -بتشديد الميم-، كذا قال أبو عبيدة، وابنُ قتيبة، وغيرُهما من الأئمة.
وقال الجوهري (٣): هي مشددة، وأكثر المحدثين يخففها، وهذا لا يجوز، ورسول الله ﷺ لا يلحن، ومن خَفَّفَ، لزمه أن يقول: "خَيْر"، يعني: بالرفع.
قال ابن الأثير: وهذا ليس بشيء، فإنه [ينتصب بـ "ينمي"، كما] ينتصب بـ: قال، وكلاهما على زعمه لازم، وإنما نمى متعدٍّ، يقال: نميتُ الحديثَ؛ أي: رفعتُه وأبلغتُه (٤)(٥).
(أو يقول خيراً): قال الشارحون: هو شكٌّ من الراوي، والمعنى واحد.
وأطلق بعضُهم القولَ بجواز الكذبِ في الصور الثلاث: الصلح، وعدةِ امرأته بشيء يستصلحُها، وخدعة.
стр. 2456
وبعضهم يقول: لا يجوز الكذب في شيء أصلاً، وإنما يجوز الإلغاز؛ كما تقول للظالم: فلان يدعو لك؛ يعني: قوله (١) في الصلاة: "اللهم اغفرْ للمسلمينَ والمسلمات" (٢).
قلت: وليس في تبويب البخاري ما (٣) يقتضي جوازَ الكذب في الإصلاح، وذلك أنه قال: باب: ليس الكاذبُ الذي يُصلح بين الناس، وسلبُ الكاذب عن المصلح لا يستلزمُ كونَ ما يقوله كذباً؛ لجواز أن يكون صدقاً بطريق التصريح أو (٤) التعريض، وكذا الواقع في الحديث؛ فإن فيه: "ليسَ الكذابُ (٥) الذي يُصلح بينَ الناس".
فإن قلت: لِمَ لم يعبر في الترجمة بالكذب كما وقع في المتن؟
قلت: فعل ذلك تنبيهاً على أن نفيَ صيغة المبالغة غيرُ شرط ولابدَّ، بل تثبتُ لمن لم يبالغ (٦) ولم يَكْثُرْ ذلك منه.
* * *
باب: قَولِ الإمامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
١٥٠١ - (٢٦٩٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
стр. 2457
عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ".
(الفَرْوي): بفتح الفاء وإسكان الراء وبواو فياء نسب.
(اذهبوا بنا نصلحُ بينهم): برفع "نصلح"، على أن الجملة حال مقدرة، وبجزمه، على أنه جواب الأمر.
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]
﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: هذا مما جعل العلماء فيه الألف واللام لاستغراق الجنس، واستدلوا به على خيرية (١) كلِّ صلحٍ لم يحلِّلْ حراماً، ولا حَرَّمَ حلالاً، ولم يجعلوا الأداةَ فيه للعهد الذِّكْرِيِّ مع ظهوره؛ مثل: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦].
ونقضَ (٢) به ابنُ هشام في "مغنيه" قولَ النُّحاة: إن النكرةَ إذا أُعيدت معرفةً كانت عينَ الأول (٣). وقد صرح بعضُ الأئمة بما يدفعُ اعتراضه،
стр. 2458
فقال: إنما هو أَكْثَرِيٌّ، لا كُلِّيٌّ، وقد أشبعتُ الكلامَ على ذلك في "حاشية المغني"، فمن أحبَّ الوقوفَ على ذلك، فليراجعْها.
* * *
باب: إذا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَورٍ فالصُّلْحُ مَرْدُودٌ
١٥٠٢ - (٢٦٩٥ و ٢٦٩٦) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄، قَالَا: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِئَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ، فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنيسُ -لِرَجُلٍ-، فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا". فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ، فَرَجَمَهَا.
(فقال: يا رسولَ الله! اقض بيننا بكتاب الله (١)): كتابُ الله ينطلق على القرآن خاصَّةً، وقد ينطلق على حكم الله مطلقاً (٢)، والأَوْلى هنا الثاني؛ إذ ليس ذلك منصوصاً في القرآن، إلا أن يؤخذ (٣) ذلك بواسطة
стр. 2459
الأمر بطاعة الرسول واتباعه.
[(عَسيفًا): -بالعين المهملة والفاء-؛ أي: أجيراً.
(ففديت [ابني] منه): أي: من الرجم الذي قيل لي: إنه حَدُّه] (١).
(فسألت أهلَ العلم): فيه دليل على الفتوى (٢) في زمن النبي ﷺ ، ودليل على استصحاب الحال، والحكم بالأصل في الأحكام الثابتة، وإن كان يمكن زوالها بالنسخ في حياته ﵊.
(فقالوا: إنما على ابنك جلدُ مئة): قال القاضي: رواية الجمهور بتنوين "جلدٌ"، يعني: مع رفعه، وبنصب مئةً؛ يعني: على التمييز، وجاء عن الأصيلي: "جلدُه مئة" بالإضافة مع إثبات الهاء؛ يعني: أن رواية الأصيلي: "إنما على ابنك جلدُه (٣) " بإضافة المصدر إلى ضمير الغائب (٤) العائد على الابن؛ من باب إضافة المصدر إلى المفعول، قال: وهو بعيد، إلا أن يُنصب "مئةً" على التفسير، أو يُضمن المضاف إلى عدد مئة، أو نحو ذلك (٥).
وقد قيل: إن الذين كانوا يُفتون في عهد النبي ﷺ : الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: معاذُ بنُ جبل، وأُبَيُّ بنُ كعب، وزيدُ بْن ثابت ﵃ أجمعين.
стр. 2460
قال شيخنا قاضي القضاة شيخُ الإسلام (١) جلال (٢) الدين البلقيني -أمتع الله بعلومه الشريفة (٣) -: ولعلّ هذا حكمة الفقهاء السبعة، وهي الموطأة لما كان في زمان (٤) النبي ﷺ .
وأخرج ابن سعد (٥) في "الطبقات" عن ابن عمر: أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن النبي ﷺ ؟ فقال: أبو بكر، وعمر، ما أعلم غيرَهما.
ثم أخرجَ عن القاسم بنِ محمد، قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يُفتون الناس على عهد رسول الله ﷺ (٦).
ثم أخرج عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، قال: كان عبدُ الرحمن بنُ عوف ممن يفتي في عهد رسول الله ﷺ (٧).
ثم أخرج عن كعب بن مالك: أنه قال: كان معاذُ بنُ جبل يفتي بالمدينة في حياة النبي ﷺ (٨).
[ثم أخرجَ عن محمدِ بنِ سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، عن أبيه، قال: كان الذين يُفتون على عهد رسول الله ﷺ ] (٩) ثلاثة من المهاجرين، وثلاثة من
стр. 2461
الأنصار: عمر، وعثمان، وعليٌّ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ، ومعاذُ بنُ جَبَل، وزيدُ ابنُ ثابت (١).
(أما الوليدةُ والغنمُ، فَرَدٌّ عليك): أي: فمردودةٌ عليك، فأطلق المصدر على المفعول.
قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على أن ما أُخذ بالمعاوضة الفاسدة يجب ردُّه، ولا يُمْلَكُ، وبه يتبين ضعفُ عذرِ منِ اعتذرَ من أصحاب الشافعي عن بعض العقود الفاسدة، بأن المتعاوِضين أَذن كلٌّ منهما للآخر في التصرف في ملكه، وجعل ذلك سبباً لجواز التصرف، فإن ذلك الإذن ليس مطلقاً، وإنما هو مبني على المعاوضة الفاسدة (٢).
(وأما أنت يا أنيس -لرجلٍ-): أي: يقول ذلك لرجل، وأُنيس المذكورُ هو أُنيس بنُ الضحَّاك الأسلميُّ، ووَهِمَ من زعم أنه أنيسُ بنُ مرثدِ ابنِ أَبي مرثدٍ (٣)؛ لأن هذا غَنَوِيٌّ.
وفي الحديث: أنه قال ذلك لرجلٍ من أسلم، ووهمَ من زعم أنه تصغير أَنَسِ بنِ مالك خادمِ النبي ﷺ ؛ لما تقدم (٤).
* * *
١٥٠٣ - (٢٦٩٧) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
قال القاضي: كذا ضبطناه عن المتقنين، وعامةُ الفقهاء والمحدِّثون يشدِّدونها، وهي قرية ليست بالكبيرة، سُميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة، وبين الحديبية والمدينة تسع (١) مراحل، وقد جاء في الحديث: "وهي بئر" (٢).
قال مالك: وهي من الحرم.
قال ابن القصار (٣): وبعضها من الحِلِّ (٤).
وقال الخطابي: سُميت بشجرة حَدْباءَ كانت هناك (٥).
(فقال لعلي: امحه): أي: امحُ الخطَّ الذي لم يريدوا (٦) إثباتَه، يقال: مَحَوْتُ الكتابة ومَحَيْتُها.
(ما أنا بالذي أمحاه): هذا مثل: قَلَى يَقْلَى وسَعَى يَسْعَى، والذي في القرآن: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩].
(إلا بجُلُبَّان السلاح): قد فسر في المتن (٧) بأنه القِراب (٨) بما فيه، وهو (٩) بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة.
стр. 2464
قال القاضي: كذا ضبطناه، وكذا صوبه ابنُ قتيبة، ورواه بعض الناس: "جُلْبان": -بإسكان اللام-، كذا ذكره الهروي، وصوّبه هو وثابت، ولم يذكر ثابتٌ سواه، وهو مثل الجلبان الذي هو من القَطاني (١).
وإنما اشترطوا أن يكون السلاح في القِراب؛ ليكون ذلك أَمارة للسِّلم؛ لئلا يُظَنَّ أنهم دخلوها قهراً، "والقِراب": شيء يُحْرَزُ من الجلود (٢) يضع الراكب (٣) فيه أداته (٤).
* * *
١٥٠٥ - (٢٦٩٩) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ"، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: "امْحُ: رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: لَا وَاللهِ! لَا أَمْحُوكَ أَبَداً، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلَّا فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ
стр. 2465
يَتَّبِعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا. فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ، أَتَوْا عَلِيّاً فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا؛ فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ: يَا عَمِّ يَا عَمِّ! فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵍: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ احْمِلِيهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهْيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". وَقَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي". وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا".
(حتى قاضاهم): من القضاء، وهو إحكامُ الأمر وإمضاؤه.
(فأخذ رسول الله ﷺ الكتابَ فكتَب): قال أبو الفرج: إطلاقُ يده بالكتابة وهو لا يحسنها كالمعجزةِ له، ولا ينافي هذا كونهَ أُمياً لا يُحسن الكتابة؛ لأنه (١) ما حرك يدَه تحريكَ من يحسن الكتابة، إنما حركها فجاء المكتوبُ صواباً.
وقال السهيلي: في البخاري كتبَ وهو لا يحسن الكتابة، فتوهم أن الله تعالى أطلقَ يده بالكتابة حينئذٍ، وقال: هي آية، فيقال: لكنها مناقضة لآية أخرى، وهو كونه أمياً لا يكتب، وفي ذلك إفحامُ الجاحد، وقيامُ الحجة، والمعجزاتُ يستحيل أن يدفع بعضُها بعضاً، فمعنى كتب: أمر، وكان الكاتب يومئذٍ علياً (٢).
стр. 2466
قلت: كان أبو الوليد الباجي من أئمة المالكية يذهب إلى الرأي الأول، وقد أخبرنا شيخنا الإمام العالم (١) جمالُ الدين إبراهيمُ بنُ محمدِ ابنِ عبدِ الرحيم الأسيوطيُّ (٢) الشافعي نزيلُ مكةَ المشرفةِ ﵀ إجازةً، قال: أخبرني (٣) الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمدُ بنُ جابر القيسيُّ الواديُّ: أنبأني بقراءتي عليه في سادسَ عشرَ جُمادى الأولى سنة خمسٍ وأربعين وسبع مئة، بالخانقاة الشرابيشية من القاهرة، أنا قاضي الجماعة أبو العباس أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حسنِ بنِ الغماز الخزرجيُّ قراءة عليه وأنا أسمع في أواخر ذي الحجة عام تسعةٍ وثمانين وست مئة، أنا الحافظ أبو الربيع سليمانُ بنُ موسى بنِ سالمِ [بن] حسانَ الكلاعيُّ إجازةً إن لم يكن سماعاً، أخبرني الوزيرُ الحافظ أبو بكر عبدُ الرّحمن بنُ محمدِ (٤) بنِ مقارب قراءةً عليه وأنا أسمع بشاطبةَ يومَ الأربعاء السادس والعشرين من صفر سنة ست وثمانين وخمس مئة، حدثني أبي، ثنا (٥) أبو جعفر أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن ابن جَحْدر، ثنا (٦) الحافظ أبو الحسن طاهر (٧) بنُ مفوز بن أحمد المعافريُّ، قال: كان أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ الحاج من أهل جزيرة شَقْر صديقاً
стр. 2467
للقاضي أبي الوليد سليمانَ بنِ خلفٍ الباجيِّ ﵀، قد لزمَه، وتفقَّه عنده، وكان حسنَ الفهم، جيدَ القريحة، وكان يعجبه تأويلُ الفقيه أبي الوليد في حديث المقاضاةِ حين قاضى رسولُ الله ﷺ سهيلَ بنَ عمرٍو من المشركين يومَ الحديبية، وقول إسرائيل فيه: فأخذ رسولُ الله ﷺ [الكتابَ، فكتب، ومرّة قال: فأخذَ رسولُ الله ﷺ الكتابَ، وليس يُحسن أن يكتبَ، فكتب، وكل ذلك من رواية عبيد الله بن موسى عنه، فتأول أبو الوليد ﵀ أَنَّ رسولَ الله ﷺ ] (١) باشر الكتابَ بيده، وخرَّج ذلك على وجهين: على أنه كتبَ عالماً بما يكتب القلم، وعلى وجهٍ آخر: أنه كتبَ كتاباً مستوياً على حسب المراد، وجرى القلمُ بما أراد من ذلك، من غير أن يعلم هو ﷺ حقيقةَ ما كتب؛ ليكون ذلك زيادةً في الإعجاز، وكان أبو محمد عبدُ الله بنُ أحمدَ يعجبه هذا القول، ويًسَرُّ به، فأنكره عليه، وأنقضَه بضروب من النقض يطولُ ذكرُها، وكنت أقول له (٢): هذا القولُ لا يصح، ولا يقوله أحدٌ ممن يقتدى بقوله، ولا بلغنا عن أحد من سلف هذه الأمة، وأبينُ له الوهمَ بأكثرَ من هذا، فيأبى إلا التمادي في الإعجاب به، والإصرار (٣) عليه، فلما كان بعدَ برهة، قصدني زائراً على عادته، ققال لي: يا سيدي! ذكر لي بعض إخواني مناماً كان يراه، ورغب إليَّ أن أقصَّه عليك؛ لأنتهي (٤) إلى تأويلك فيه، فقلت له: قُصَّه، فقال: أخبرني أنه كان
стр. 2468
يرى في النوم أنه في المدينة مدينةِ رسولِ الله ﷺ ، قال: فكنت أرى أني أدخلُ في المسجد إلى قبر رسول الله ﷺ ، وأرى القبر أمامي، فكنت أجد للقبر هيبةً عظيمة في نفسي، حتى كنت أجد قُشَعريرة؛ إجلالاً وتعظيماً لمن فيه ﷺ ، فبينما أنا على تلك الحال، إذ كنت ألتفت، فأرى القبر ينشقُّ، وكأنه يميل ولا يستقر، فكنت يعتريني فزعٌ عظيم، وأتأمل القبرَ فأراه لا يستقرُّ، وأنا فيما لا يعلمه إلا الله من الفزع، ثم قال لي: يا سيدي! ما عندكَ في تأويل هذا المنام؟!
فأطرقتُ حيناً، ثم قلت له: أخشى على صاحب هذا المنام أن يصف رسول الله ﷺ بغير صفته، أو يَنْحَلَه ما ليس له بأهل، أو لعله يفتري عليه، قال لي: ومن أين تخلصت إلى هذا؟ فقلت له: من قول الله ﵎: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١].
فقال لي أبو محمد: لله (١) درك يا سيدي! وأقبلَ يقبِّل رأسي وبَيْنَ عينيَّ، ويبكي مرةً، ويضحك أخرى فرحاً منه وسروراً بحسن التأويل الموافق للمنام، ويقول: ما سمعتُ قَطُّ بأبدعَ من هذا التأويل، ولا بأصحَّ منه، وإني للرجلُ الذي رأى هذا المنام، واسْمَع أُتِمُّهُ لك؛ فقد بقيتْ منه بقيةٌ تشهد بصحة تأويلك، فقلت: هاتِ، قال: فلما رأيتني في ذلك الفزع العظيم، كنت -والله- أقولُ ما هذا إلا لأني أقولُ وأعتقدُ أن رسولَ الله ﷺ كتبَ، فكنت أبكي وأقول: أنا تائبٌ يا رسول الله، وكنت أقول ذلك مراراً بجدٍّ وإخلاص، فكنت أتأمل القبر، فأراه قد عاد إلى هيئته
стр. 2469
التي هو عليها، وسكن ذلك الميل عنه، واستيقظت. قال لي أبو محمد: وأنا أُشهدك يا سيدي: أن (١) رسول الله ﷺ ما كتب حرفاً قط، هذا قولي، وعليه ألقى الله تعالى (٢)، فقلت: الحمدُ لله الذي أراكَ هذا البرهان، وصرفَكَ عن قولك الذي كنت تعتقدُه، فاشكرِ الله كثيراً، وأحمدْه جزيلاً.
(فتبعتْهم ابنةُ حمزة): هي أُمامة، وقيل: عُمارة، وقيل: فاطمة كما تقدم. قال ابن الأثير: أُمامة بنتُ حمزةَ بنِ عبدِ المطلب، وأُمها سلمى بنتُ عُميس، وهي التي اختصم فيها عليٌّ، وجعفرٌ، وزيدٌ (٣) ﵃ لما خرجتْ من مكة، فاجتاز بها عليٌّ، فأخذها، وطلب جعفرٌ أن تكون عنده؛ لأن خالتَها أسماءَ بنتَ عميس عنده، وطلب زيدٌ أن تكون عنده؛ لأنه قد كان آخى بينَهما رسولُ الله ﷺ ، فقضى بها رسول الله ﷺ لجعفرٍ؛ لأن خالتها (٤) عنده، ثم زوجها رسول الله ﷺ من سَلَمَةَ بْن أم سلمةَ، وقال حين زوجها: "هَلْ جُزِيتَ سَلَمَةُ؟ "؛ لأن سلمةَ هو الذي زوج أُم سلمة من النبي ﷺ (٥).
ونقل (٦) عن محمد بْن نصر: أنها إذ ذاك كانت غيرَ مدركة.
стр. 2470
وعن الكلبي: أن سلمة هلك قبل أن يجتمعا.
(وقال: الخالةُ بمنزلة الأُم): هذا الحديث أصلٌ في باب الحضانة، وصريح أن الخالة فيها كالأم عندَ عدمِ الأم، وسياقُ الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة، وقد يستدل بإطلاقه من يُنزلها منزلةَ الأم في الميراث.
قال ابن دقيق العيد: إلا أن الأول أقوى؛ فإن السياق طريقٌ إلى بيانِ المجملات، وتعيينِ المحتملات (١)، وتنزيلِ الكلام على المقصود منه، وفهمُ ذلك قاعدةٌ كبيرة من قواعد أصول الفقه (٢).
(قال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي (٣)، وقال لزيد: أنت (٤) أخونا ومولانا): مقالته لزيد هي من قوله تعالى (٥): ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، والولاءُ المذكور هنا بمعنى الانتساب فقط، لا الموارثة؛ لأنه قد نسخ التوارث بالتبني والحلف، [فلم يبقَ من ذلك إلا انتسابُ الرجل إلى حلفائه ومعاقديه خاصة، وإلى من أسلم على يديه] (٦)، وهذا الذي قاله النبي ﷺ لهؤلاء الجماعة من الكلامِ المطيِّبِ (٧) لقلوبهم من حسن أخلاقِه ﵊.
стр. 2471
قال ابن دقيق العيد: ولعلك تقول: أما ما ذكره لعلي وزيد، فقد ظهرت مناسبتُه؛ لأن حرمانهما من مرادهما مناسبٌ لجبرهما بذكر ما يُطَيِّب قلوبَهُما، وأما جعفرٌ، فإنّه حصل له مرادُه من أخذ الصَّبِيَّة، فكيف ناسبَ ذلك جبره (١) بما قيل له؟
فيجاب عن ذلك: بأن الصَّبِيَّةَ استحقتها الخالةُ، والحكمُ بها لجعفرٍ بسبب الخالة، لا بسبب نفسه، فهو في الحقيقة غيرُ محكوم له، فناسب ذلك جبره بما قيل له (٢).
* * *
باب: الصُّلْحِ معَ المُشْرِكِينَ
١٥٠٦ - (٢٧٠٠) - وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ، وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ. فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ.
قَالَ: لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ عَنْ سُفْيَانَ: أَبَا جَنْدَلٍ، وَقَالَ: إِلَّا بِجُلُبِّ السِّلَاحِ.
стр. 2472
(ولا يدخلها إلا بجلبَّان السِّلاح: السَّيفِ والقوسِ ونحوِه): قال الزركشي: كذا وقع مفسَّراً هنا، وهو مخالفٌ لقوله في السياق السابق: "فسألوه: ما جلبَّان السِّلاح؟ قال: القِرابُ بما فيه" (١)، وهو الأصوب.
قال الأزهري: الجُلُبَّان: يشبه الجِرابَ من الأَدَم، يضعُ فيه الراكبُ سيفَه مغموداً، ويضع فيه سوطَه وأداتَه، ويعلِّقها في آخر الرحل أو وسطه. انتهى (٢).
قلت (٣): فعلى ما قاله الأزهريُّ لا يخالف ما في هذا الحديث السِّياقَ الأولَ أصلاً؛ فإنه هنا فسر السّلاح الذي يوضع فيه الجلبان بالسيف والقوس ونحوه، ولم يفسره في الأول حيث قال (٤): القراب بما فيه، فأي تخالف وقعَ؟ فتأمله.
(قال: إلا بجُلُبِّ السلاح): -بضم الجيم واللام وتشديد الباء-: جمعٌ (٥).
قال القاضي: ولعله بفتح اللام، جمع جُلْبَة، وهي الجلدة تغشى القَتَب (٦).
* * *