قالت (١): إن أحبوا أن أعدّها لهم، ويكونَ ولاؤك لي، فعلتُ): ظاهر هذا أن تسع الأواقي كانت كلها باقيةً، ولم تؤدِّ منها شيئاً؛ لقولها: "أن أعدَّها لهم"؛ أي: الأواقيَّ التسعَ، وهو مما يُشكل على التأويل الذي كنا قدمناه في الجمع بين حديث خمس الأواقي والتسع، على أن هذا -أيضاً- ليس ببعيد عن (٢) التأويل إذا تأملت.
* * *
باب: إِذَا اشْتَرطَ في المُزَارَعَةِ: إذا شِئْتُ أَخْرَجْتُكَ
١٥٢٣ - (٢٧٣٠) - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الْكِنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيباً، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: "نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ". وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ، أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ، وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّيّ نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ "، فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ، قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ
стр. 2490
مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ، مَالًا وَإِبلًا وَعُرُوضاً مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(لما فَدَعَ أهلُ خيبرَ): -بفاء ودال وعين مهملتين مفتوحتين-؛ أي: أزالوا يدَ عبدِ الله بنِ عمرَ ورجلَه من مَفْصِلِهما، فاعوجت (١).
(فعُدي عليه): -بضم العين، مبني للمفعول-؛ من العدوان، وهو الظلم، يقال: عدا فلان على فلان: إذا ظلمه.
(ففُدِعَتْ يداه ورجلاه): ببناء الفعل للمفعول أيضاً.
قال الزركشي: وفي حديث ابن عمر: أن أباه بعثه إليهم ليقاسمهم الثمرة، فدفعوه، ففُدِعت قدمُه (٢).
(وهم (٣) عدوُّنا وتُهَمَتُنا): قال السفاقسي: التُّهَمَةُ أصلُها الواو؛ لأنها من الوَهْم، وهي محركة الهاء، وضبطه في بعض النسخ: بالسكون (٤).
(وقد أردت (٥) إجلاءهم): يقال: جلا القومُ عن مواضعهم، وأَجْلَيْتُهم أنا إجلاءً ويقال أيضاً: جَلَوْتُهم.
(تعدو بك): بعين مهملة.
(قَلوصُك): القَلوص (٦) -بفتح القاف-: الأُنثى من الإبل، وتطلق
стр. 2491
على أنثى النَّعامِ، وقيل: هي الناقةُ الطويلةُ القوائمِ.
(كان ذلك (١) هُزَيَلةً): تصغيرُ هزلةٍ؛ أي: كانت كلمةً هزلةً؛ أي: لم تكن حقيقة، وكذبَ عدوُّ الله.
(وعُروضاً (٢)): -بضم العين-: جمع عَرْض -بفتحها-؛ كفَلْس وفُلوس.
(من أقتاب): جمع قَتَب، هو إكافُ الجمل، وقال القاضي: ويجمع -أيضاً- على أقتاب، القِتْب -بكسر القاف-: إكافٌ صغير يُجعل على كتفي بعير السانية (٣).
(وحبال): -بحاء مهملة-: جمع حَبْل.
واعلم أن الترجمة على جواز اشتراط الخيار من المالك إلى غير أمدٍ، والحديثُ لا يدل على ذلك كما نبه عليه ابن المنير؛ إذ ليس في قوله: "نُقِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمُ اللهُ" ما يقتضي ذلك.
* * *
باب: الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ
١٥٢٤ - (٢٧٣١ و ٢٧٣٢) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا
حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.
(باب: الشروط (١) في الجهاد).
(بالغَمِيم): -بفتح الغين المعجمة وكسر الميم- مثل رَغيف، وبضم الغين وفتح الميم، -كذا في "المشارق"-: وادٍ بالحجاز بين عسفان وبطن مرو، إليه يُضاف كُراع الغَميم، وهو جبل أسودُ مستطيلٌ شُبه بالكراع هنالك (٢).
(طليعة): أيْ مقدِّمةً للجيش.
(بَقَتَرة الجيش): القَتَرَة -بفتحات-: الغبار.
(فقال الناس: حَلْ حَلْ): زَجْرٌ للناقة إذا حملَها على السير.
قال الزركشي: يقال لها: حَلْ -ساكنة اللام-، فإذا كررتَ، وقلتَ: حَلٍ حَلْ، كسرتَ لام الأولى منوناً، وسكنت لام الثانية (٣).
قلت: أظنه أخذه من قول الجوهري: وحَلٍ أيضاً، بالتنوين في الوصل (٤).
ولا متمسَّكَ له فيه إذا تأملتَ، والثابتُ في النسخ: سكونُ اللام فيهما.
(فألَحَّتْ): أي: في البُروك، وبالَغَتْ، والمعنى: لَزِمَتْ مكانهَا.
قال أهل اللغة: ألحت الناقة: إذا قامَتْ فلم تبرحْ (٥).
стр. 2499
(خَلأَت): -بخاء معجمة مع (١) الهمز-: حَرَنَتْ وتَصَعَّبَتْ (٢)، والخِلاءُ في الإبل: كالحِران في الدوابِّ.
(القَصواء): بفتح القاف والمد.
قال السفاقسي: وضبطه في بعض النسخ بالضم وبالقصر؛ مثل الدُّنْيا.
قال الخطابي: كانتْ مقصورةَ الأُذن، وهو قطعُ طرفها (٣).
وقال الداودي: سُميت بذلك؛ لأنها كانت (٤) لا تكاد تُسبق، قال: وكأنهم يقولون: لها أفضلُ السَّبق والجري؛ لأن آخرَ كلِّ شيء أقصاه، قال: ويقال لها: العَضْباء؛ لأن طرفَ ذنبها كان مقطوعاً.
وقال ابن فارس: العضباء: لقبٌ لها. قيل: وكذا القصواء (٥).
(وما ذاك لها بخُلُقٍ): أي: وما الخلاء لها بعادة.
(ولكن حبسَها (٦) حابسُ الفيل): أي: الذي حبسَ الفيلَ عن دخول مكة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١].
ووجهه: أنه لو دخل ﵊ مكةَ عامئذٍ، لم يُؤْمَنْ من (٧)
стр. 2500
وقوع قتال كبير، و (١) قد سبق في العلم القديم إسلامُ جماعةٍ منهم، فحُبس عن ذلك كما حُبس الفيل؛ إذ لو دخلَ أصحاب مكة قتلوا خلقاً، وقد سبق العلم بإيمان (٢) قومٍ منهم، فلم يكن للقتل عليهم سبيل (٣)، فمُنع بسبب ذلك (٤).
وقال الداودي: أراد الأشرمُ هدمَ الكعبة في العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ ، فلما قربوا منها (٥)، برك (٦) الفيلُ، وذلك أن بعضَ من كان مأسوراً عند الأشرم قال في أذن الفيل (٧): إنما يريدون أن يذهبوا بك لتهدمَ الكعبةَ، [فبرك، فجعلوا يضربونه فلا يتحرك] (٨)، فإذا أرادوا صرفه إلى غير مكّة، أسرعَ، فرماهم الله بالحجارة من مناقير الطير وأرجلِها، وتقطعت مفاصلُ الأشرم عُضواً عضواً، فلما رأى النبي ﷺ القصواء بركتْ، علم أن الله أراد صرفَهم عن القتال؛ ليقضيَ الله أمراً كان مفعولاً.
قلت: وتتميم (٩) هذا الكلام أن يقال: إنه ﷺ كان خرج إليهم على
стр. 2501
أنهم إن صدوه عن البيت، قاتلهم، فصدوه (١)، فبركت الناقة، ففهم وجودَ الصارف عن ذلك من قِبل الله لأمرٍ أراده، فصالحهم.
(لا يسألوني خُطَّةً): -بضم الخاء المعجمة-: الحالة.
وقال الداودي: [الخصلة.
وقال الزركشي] (٢): الخصلة (٣) الجميلة (٤).
قلت: ولا أرى أن زيادة هذا الوصف هنا مستقيم، فكم من خصلةٍ غيرِ جميلة سألوها، واحتمل (٥) النبي ﷺ المشقة في الإجابة إليها؛ لما يترتب على ذلك من المصالح.
(يعظمون فيها حُرُماتِ الله): أي: يَكُفُّون بسببها عن القتال في الحَرَم تعظيماً له.
(إلا أعطيتُهم إياها): أي: وإن كان في ذلك تحمُّلُ مشقةٍ.
(ثَمَدٍ): -بفتح المثلثة والميم-: الماء القليل الذي لا مادة له (٦)، كذا فسره الجوهري (٧) وغيره، وانظر كيف وُصف بقوله: "قليلِ الماء".
стр. 2502
قال السفاقسي: هي توكيد.
قلت: لو اقتصر على "قليل"، أمكن، أما مع إضافته إلى "الماء"، فيشكل، وذلك لأنك لا تقول: هذا ماء قليلُ الماء، نعم قال الداودي: إن الثمدَ: العين، فإن صح، فلا إشكال.
(يَتَبَرَّضُه الناس): -بالضاد المعجمة-؛ أي: يأخذونه قليلاً قليلاً.
(فلم يُلْبِثْه الناس): -بإسكان اللام- مضارع أَلْبَثَ، وبفتحها: مضارع لَبَّثَ، بالتشديد.
(حتى نَزَحوه): أي: لم يُبقوا منه شيئاً، يقال: نزحتُ البئرَ فنَزَحَتْ، على صيغة واحدة في التعدي واللزوم.
(من كِنانَتِه): هي الجعبة التي يُجعل فيها النَّبْل.
(ما زال يجيش): -بجيم وشين معجمة-؛ أي: يفور ويرتفع.
(حتى صدروا): أي: رجعوا عنه وهم رِواءٌ.
وذكر في "أسد الغابة": في الذي نزل بئر الحديبية حتى وضعَ فيها سهمَ النبي ﷺ ثلاثة أقوال: قيل: هو البراء بن عازب، وقيل: ناجيةُ بنُ جندب، وقيل: عبادُ بنُ خالدٍ الغفاريُّ (١).
(بُدَيل بْن ورقاء): بضم الموحدة وفتح الدال المهملة، مصغَّر.
(وكانوا عَيْبةَ نصحِ رسول الله ﷺ ): -بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالموحدة-؛ أي: موضع سِرِّهِ وأمانته؛ كعيبة الثياب التي يوضع فيها المتاع.
стр. 2503
(نزلوا أَعدادَ مياهِ الحديبية): الأَعداد -بفتح الهمزة-: جمع عِدٍّ -بكسر العين-: وهو الماء الذي لا انقطاعَ لمادته؛ كالعين والبئر، وفي الحديث: "إنما أَقْطَعْتُهُ الماءَ العِدَّ" (١).
(العُوذ): -بضم العين المهملة وآخره ذال معجمة-: جمعُ عائذ؛ أي (٢): النوقُ الحديثاتُ النتاجِ.
(المطافيلُ): جمع المُطْفِلِ، وهي التي معها أطفالها، فرفقت بها في السير، وجمعه (٣): [مَطافِل، وقد نطقوا به] (٤).
قال ابن قتيبة: يريد: النساء والصبيان، ولكنه استعار ذلك، يريد: أن هذه القبائل قد احتشدت لحربك، وساقت أموالها وأهليها معها (٥).
(قد نهِكتهم الحرب): -بكسر الهاء وفتحها-: أضعفَتْهم.
(مادَدْتُهم مُدَّةً): أي: صالحتهُم مدةً معينة، وتركتُ قتالهم.
(وإلا فقد جَمُّوا): -بجيم مفتوحة-؛ أي: استراحوا من جهة القتال.
(حتى تنفرد سالِفَتي): أي: تَبِينَ رقبتي، والسالفةُ: ناحيةُ مقدَّمِ العنق، وقيل: صَفْحَةُ العنق.
(ولينفِّذَن الله أمره): -بتشديد الفاء المكسورة وفتح الذال المعجمة-؛
стр. 2504
أي: ليُمْضِيَنَّ الله أمره، وليُتِمَّنَّه.
(هاتِ): -بكسر التاء-؛ أي: أعطِني، وتقول (١) للاثنين: هاتيا، وللجمع: هاتوا، وهاتِينَ، وللواحدة: هاتي.
قال الخليل: أصلُ هاتِ: آتِ -بالهمزة (٢) -؛ من آتَى يُؤْتي، فقلبت الهمزة هاء (٣).
(أني استنفرتُ أهلَ عُكاظ): أي: دعوتهم للقتال نصرةً لكم.
(فلما بلّحوا): -بباء موحدة ولام تشدد (٤) وتخفف وحاء مهملة-؛ أي: تأخروا، يقال: بَلَحَ بُلُوحاً، وبَلَّحَ تَبْليحاً، مأخوذٌ من البَلَح، وهو الّذي لا يبدو فيه (٥) نقطة الإرطاب (٦).
(استأصَلْتَ): أهلكْتَ.
(اجتاح): -بتقديم الجيم على الحاء المهملة-؛ أي: أهلكَ (٧).
(وإن تكنِ (٨) الأُخرى): جواب الشرط محذوف.
قال الزركشي: والتقدير: وإن كانت الأخرى، كانت الدولة للعدو،
стр. 2505
وكان الظفر لهم عليك وعلى أصحابك (١).
قلت: هذا التقدير غير مستقيم؛ لما يلزم عليه من اتحاد الشرط والجزاء؛ لأن الأخرى هم انتصار العدو وظفرُهم، فيؤول التقدير إلى أنه إن انتصر أعداؤك وظفروا، كانت الدولة لهم وظفروا، وإنما الذي ينبغي أن يقدر فيما يظهر لي: وإن تكن (٢) الأخرى، لم ينفعْك أصحابك، ويدل عليه:
(فإني والله! لأرى وجوهاً، وإني لأرى (٣) أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك): أشواباً -بشين معجمة وباء موحدة-؛ أي: أخلاطاً، وفي رواية: "أوباشاً"؛ أي: جماعة من قبائل شتى (٤).
(خليقاً): أي: جديراً، ويروى: "خلقاء" جمع خَليق.
(امْصَصْ بَظْرَ اللَاّتِ): هي كلمة تقولها العرب عند الذم والمشاتمة، تقول: لِيَمْصَصْ بَظْرَ أُمِّه، فاستعار ذلك أبو بكر ﵁ في اللَاّت؛ لتعظيمِهم إياها، وامْصَصْ: -بفتح الصاد الأولى-؛ لأن أصلَ ماضيه مَصَصَ؛ مثل: مَسَّ يَمَسُّ، وكذلك هو مضبوط في رواية أبي ذر، وهو في رواية الشيخ أبي الحسن: بضمها.
قال الداودي: البَظْر: فرجُ المرأة.
قال السفاقسي: والذي عند أهل اللغة أن البظر ما يُخْفَضُ من فرج المرأة؛ أي: يقعُ عند خِفاضِها.
стр. 2506
(فكلما كلَّمه (١)، أخذَ بلحيته): قيل: إن ذلك عادةٌ للعرب (٢) يستعملونها كثيراً، وأكثرُ من يستعملُها أهلُ اليمن، ويقصدون بها الملاطفةَ، وإنما منعه المغيرةُ من ذلك؛ تعظيماً للنبي ﷺ ؛ إذ كان هذا الفعلُ إنما يفعله الرجل بنظيره، وكان ﷺ لا يمنعه من ذلك تألفاً واستمالةً لقلبه (٣)(٤).
(أي غُدَرُ!): أي: يا غُدَرُ! معدول من غادرٍ.
(أَلَستُ أسعى في غدرتك؟): أي: أسعى لأتبرأ من خيانتك؛ أي: أسعى ببذل المال لأدفع عني شرَّ خيانتك، والغَدْرَة: -بالفتح-: المرة الواحدة من الغدر، و -بالكسر-: اسم لما فعل من الغدر.
(أما المال، فلستُ منه في شيء (٥)): وأصلُ القصة: أن المغيرة خرج (٦) مع نفر من بني مالك إلى المقوقس، فوصلهم بجوائز، وقصر بالمغيرة؛ لأنه ليس من القوم، فجلسوا في بعض الطريق يشربون، فلما سكروا وناموا، قتلهم المغيرة جميعاً، وأخذَ ما كان معهم، وقدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم، فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيّون الذين (٧) كانوا
стр. 2507
معك؟ قال: قتلتُهم، وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ للخميس، أو ليرى فيها رأيه، فقال ﵊: "أما المالُ، فلستُ منه في شيء"، يريد: في حِل؛ لأنه علم أن أصله غصب، وأن أموال المشركين -وإن كانت مغنومة (١) عند القهر- فلا يحل أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحباً لهم، فقد أمن كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فسفكُ الدماء، وأخذُ الأموال عند ذلك غدرٌ، والغدرُ بالكفار وغيرِهم محظورٌ، فلما بلغ ثقيفاً فعلُ المغيرة، تداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن يحمل عنه عروةُ ابنُ مسعودٍ عمُّ المغيرةِ ثُلُثَ عُشْرِ الدية، فهذا هو سبب قوله له (٢): أي غُدَر! [ألستُ أسعى في غدرتك؟] (٣).
(نُخامةً): -بضم النون-: هي (٤) ما يصعد إلى الفم من الصدر ومن الرأس، وهو البصاقُ الغليظ.
(على وَضوئِهِ): أي: على فَضلة الماء الذي (٥) تُوُضِئ به، أو على ما يجتمع من القطرات، وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء.
(ما يُحِدُّون إليه النظر): يُحِدُّون -بضم أوله وكسر الحاء المهملة-؛ أي: ما يتأملونه، ولا يديمون النظر إليه تعظيماً.
стр. 2508
(فقال رجلٌ من كنانة: دعوني آته): قيل: هو حليس بنُ علقمة، قاله الأمير ابنُ ماكولا، فقال: قال (١) الزبير: الحُلَيْس بنُ علقمة الحارثيُّ سيدُ الأحابيش، هو الذي قال النبيُّ ﷺ يوم الحديبية: "هذا من قومٍ يُعَظِّمونَ البُدْنَ، فابعثوها في وَجْهِهِ (٢) " (٣).
(مِكْرَز): بميم مكسورة فكاف ساكنة فراء مفتوحة فزاي.
(وهو رجل فاجر): يحتمل أنه أخبر بذلك من طريق الوحي، ويحتمل أن يكون ظاهر حاله، وأراد: مساوئَ أفعاله غيرَ الشرك.
(لما جاء سهيل، قال النبي ﷺ : قد سهل لكم من أمركم): تسارع الشارحون إلى أن هذا من التفاؤل، وكان ﵊ يعجبه الفألُ الحسن، وكان تفاؤله حقاً؛ لأنه يُلْقَى في رُوعه.
قلت: هذا أمر ظاهر، لكن بقي فيه لطيفةٌ لم يتنبهوا لها، وهي الحكمةُ في كونه ﵇ أتى بـ "من" التبعيضية في قوله: "سَهُلَ [لكم] من أمركم"، وفيه إيذان بأن السهولة الواقعة في هذه القضية ليست عظيمة، فمن أيِّ شيء أخذ ﵊ ذلك؟
وأظن أن ابن المنير قال: إن ذلك مأخوذ من التصغير الواقع في سُهيل؛ فإن (٤) تصغيره يقتضي كونَه ليس كبيراً (٥) ولا عظيماً، فمن ثَمَّ
стр. 2509
أدخل "من" التبعيضية إيماءً إلى ذلك، فقلت ذلك من حفظي؛ لعدم حضور الجزء الذي في هذا الموضع عندي الآن.
"وسَهُل": بفتح السين وضم الهاء (١)، وبضم السين وكسر الهاء مشددة.
(فدعا النبي ﷺ الكاتبَ): أبهمه هاهنا، وهو علي بن أبي طالب، كما تقدم مصرَّحاً به.
(ضُغْطَة): -بضم الضاد-، قال الجوهري: أَخَذْتُ فلاناً ضُغْطَة: إذا ضَيَّقتَ عليه لتكرهَه على الشيء (٢).
(أبو جندل): اسمه: العاصي بنُ سهلٍ.
(يرسُف في قيوده): -بضم السين المهملة-؛ أي: يمشي فيها مشيَ المقيَّدِ المثقل.
(فلمَ نُعطي الدّنِيَة؟): -بتشديد الياء-: صفة لمحذوف؛ أي: الحالة الدنية الخبيثة، والأصل فيه: الهمز، لكنه خفف.
(إني رسول الله ﷺ ، ولست أَعصيه (٣)): فيه تنبيهٌ لعمر على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﵇ لم يفعل ذلك [إلا لأمرٍ أطلعه الله عليه، وأنه لم يفعل ذلك] (٤) برأيه فقط.
(فقال عمر: فعملتُ لذلك أعمالاً): يعني: من المجيء والذهاب،
стр. 2510
والسؤال عما اللهُ ورسولُه أعلمُ به.
(فقالت (١) أم سلمة: يا نبي الله! أتحبُّ ذلك؟ اخرجْ، ثم لا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بُدْنَك): قال (٢) إمام الحرمين في "النهاية": قيل: ما أشارت امرأةٌ بصوابٍ إلا أُمُّ سلمةَ في هذه القضية (٣).
(وتَدْعُوَ حالقك): بنصب الفعل عطفاً على الفعل المنصوب قبله، والحالق هو خِراشُ بنُ أميةَ الكعبيُّ الخزاعيُّ.
(فطلّق عمرُ يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشِّرْك): قد ذكرَ في الرواية
التي بعدَ هذه تسميةَ إحداهما، وهي قُرَيْبَةُ بنتُ أبي آمنة (٤)، ونعتَ (٥) الأخرى بأنها ابنةُ جَرْوَلٍ الخزاعيِّ، وتكنى هذه أُمَّ كُلثوم، ذكره ابنُ بشكوال، واسمها مُلَيْكَة.
لكن في هذه الرواية: أنه تزوج إحداهما معاويةُ، وتزوج الأخرى صفوانُ بنُ أمية، وفي تلك: أنه تزوجَ قُريبة معاويةُ، وتزوج الأخرى أبو جَهْم.
(فجاء أبو بَصير): -بفتح الباء الموحدة- اسمه عبدُ الله.
(رجلٌ من قريشٍ): بدلٌ من "أبو بصير"، ومعنى كونه من قريش: أنه منهم بالحلف، وإلا فهو ثقفي.
стр. 2511
وأطلق الزركشي القول بأن هذه الرواية وَهْم؛ لكون أبي بصير (١) ثقفياً حليفاً لقريش (٢).
(فأرسلوا في طلبه رجلين): وقع في "طبقات ابن سعد": أنه كتب الأخنسُ بنُ شريق (٣) الثقفيُّ حليفُ بني زُهرة، وأزهرُ بنُ عوفٍ الزهريُّ إلى رسول الله ﷺ [كتاباً، وبعثا إليه رجلاً من بني عامر بْن لُؤَيٍّ، وهو خُنَيْسُ ابن جابر، استأجراه (٤) ببُكَيرٍ ابن لَبون، وسألا رسول الله ﷺ ]، (٥) أن يرد أبا بَصير إليهما على ما اصطلحوا عليه يومَ الحديبية أن يردَّ إليهم مَنْ جاء منهم، فخرج خُنيس بنُ جابر ومعه مولًى له (٦) يقال له: كوثر، فقدما على النبي ﷺ بكتاب الأخنس بنِ شريق، وأزهرَ بنِ عوف، فقرأه، ودفع أبا بصير إليهما، فلما كانا بذي الحليفة، عدا أبو بصير على خُنيسِ بنِ جابرٍ، فقتله بسيفه، وهرب منه (٧) كوثر حتى قدم المدينة، فأخبر النبيَّ ﷺ ، ورجع أبو بصير فقال: وفيتَ بذمتك يا رسول الله، فدفعتني إليهم، فخشيتُ أن يفتنوني عن ديني، فامتنعت، فقال رسول الله ﷺ لكوثر: "خذه فاذهب"، فقال: إني أخاف أن يقتلني، فتركه ورجع إلى مكة، فأخبر
стр. 2512
قريشاً بما كان من أمر أبي بصير (١).
(وَيْلُ أمِّهِ مِسْعَرَ حرب): يصفُه بالمبالغة في النجدة والحرب والإيقاد لنارها، و"وَيْ": من أسماء الأفعال بمعنى أتعجَّبُ (٢)، واللام متعلقةٌ به، ومِسْعَرَ حربٍ: نصبٌ على التمييز، أو الحال؛ مثل: لله (٣) دَرُّه فارساً.
وقال ابن مالك: أصلُ ويلُمِّهِ: وَيْ لأُمه، فحذفت الهمزة تخفيفاً؛ لأنه كلام كثر (٤) استعمالهُ، وجرى مجرى المثل، ومن العرب من يضم اللامَ إتباعاً للهمزة (٥).
(سِيفَ البحر): -بكسر السين المهملة-: ساحلَه.
* * *
١٥٢٥ - (٢٧٣٣) - وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ: أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قُريبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قُريبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ،
المُكْتَرِي أيضاً (١)، وهي على صيغة (٢) فَعِيل.
* * *
١٥٢٦ - (٢٧٣٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
(مئة إلا واحدة (٣)): أنث الاسم؛ لأنه كلمة.
قال سيبويه: الكلمةُ (٤): اسمٌ وفعلٌ وحرف (٥). بهذا استدل بعضُهم، وهو غيرُ محتاج إلى نَصًّ (٦) شخصٍ معين، فالإجماعُ قائمٌ على صحة إطلاق الكلمة على الاسم، وعلى أن الثلاثةَ أنواعٌ لها.
(من أحصاها، دخلَ الجنة): قال الهروي: أحصاها عِلماً وَإيماناً.
وقيل: معنى الإحصاء: العَدُّ لها حتى يستوفيَها، يريد: لا (٧) يقتصر على بعضها، ولكن يدعو الله بجميعها، ويُثني عليه بها كلِّها، فيستوجب بذلك الموعودَ عليها من الثواب.
(غيرَ متأثل مالاً): أي: لا يتملَّكُ شيئاً من رقابها.
قال الزركشي: و"مالاً" نصب على التمييز (١).
قلت: هو خطأ، وإنما نصب على أنه مفعول به (٢)، ويقال: تَأَثَّلْتُ المالَ؛ أي: اتخذتُه.
* * *
стр. 2517
كِتابُ الوَصَايَا
стр. 2518
باب: الوَصَايَا، وقَوِل النَّبِي ﷺ :
"وَصيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبةٌ عِنْدَهُ "
١٥٢٨ - (٢٧٣٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ".
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(كتاب: الوصايا).
(ما حقُّ امرئ مسلم له شيءٌ فيه يبيتُ ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عنده): الظاهر أن (١) "يبيت" ارتفع بعد حذف "أن"؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤].
ثم الوصيةُ على وجهين:
أحدهما: الوصيةُ بالحقوق اللازمة، وذلك واجبٌ.
стр. 2519
وهل الحكم كذلك حتى في الشيء (١) اليسير الذي (٢) جرت العادة بتداينه، ورده مع القرب؟
فيه كلام لبعضهم، مال فيه إلى أن مثل هذا لا تجبُ الوصيةُ به على التضييق و (٣) الفور؛ مراعاة للمشقة.
الثاني: الوصيةُ بالتطوُّعات والقُرُبات، وذلك مستحبٌّ.
والظاهرُ حملُ الحديث على النوع الأول، والترخُّصُ في الليلتين دفعاً للحرج.
قيل: وفيه دليل على العمل بالخَطِّ؛ لقوله: "ووصيته مكتوبة عنده".
والمخالفون يقولون: المرادُ: ووصيته مكتوبة بشروطها، ويأخذون الشروط من خارج.
قلت: من جملة كون الوصية مكتوبة: أن يكتبها الموصي بخطه، ولا يُشهد عليها أحداً، فتوجد في تركته، ويُعرف أنها خَطُّه بشهادة عدلين.
وهذه الصورة قد حكى الباجيُّ فيها أنها لا يثبت شيء (٤) منها، قد
يكتب، ولا يعرف، رواه ابن القاسم في "المجموعة"، و"العتبية"، ولم يحكِ
شيخُنا ابنُ عرفةَ فيه (٥) [خلافاً.
стр. 2520
(تابعه محمد بن مسلم): هو الطائفيُّ، ولم يخرج عنه إلا في المتابعة] (١).
* * *
١٥٢٩ - (٢٧٣٩) - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَخِي جُويْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَماً، وَلَا دِينَاراً، وَلَا عَبْداً، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئاً، إلَاّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا صَدَقَةً.
(خَتَنِ رسول الله ﷺ ):-بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية-، والأَختانُ من قِبَل المرأة.
ووجهُ إدخال حديثه في باب الوصية: أن الصدقة التي ذكرها في قوله: "وأرضاً جعلَها صدقة" يحتمل (٢) أن تكون على ظاهرها، ويحتمل أن تكون موصًّى بها (٣).
* * *
١٥٣٠ - (٢٧٤١) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَناَ إِسمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ: أَنَّ عَلِيّاً
ذكره البخاري في الفرائض من حديث (١) الزهري، عن عامر، وفيه: "ولكن البائس سعد بن خولة"، والزهري (٢)؛ أي: أحفظُ من سعدِ بنِ إبراهيمَ.
قال شيخنا قاضي القضاة شيخُ الإسلام (٣) جلالُ الدين البلقيني (٤) -ذكره الله بالصالحات (٥) -: وابنُ عفراءَ هو (٦) سعدُ بنُ خولةَ المذكورُ في حديث سعيد [في] غير ما موضعٍ، ويدل عليه أن في النسائي: "يَرْحَمُ اللهُ سَعْدَ (٧) بْنَ عَفْرَاءَ" (٨).
ثم حكى معنى ما تقدم عن بعض الشيوخ معزواً إلى الداودي، ثم قال: ويقال على هذا: إذا أمكن التأويلُ، فلا توهيم، يجوز أن يكون أبو خولة، وأمه اسمها عفراء، أو يكون لأمه اسمان إن كانت خولة اسم أمه، وفيه بُعد.
* * *
باب: الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ
١٥٣٢ - (٢٧٤٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ
стр. 2523
عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁، قَالَ: مَرِضْتُ، فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي، قَالَ: "لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ، وَيَنْفَعُ بِكَ ناَساً". قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ، قُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قَالَ: -النِّصْفُ كَثِيرٌ-، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ". قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ.
(وإنما لي ابنةٌ): هذه البنت اسمها عائشة.
* * *
باب: لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
١٥٣٣ - (٢٧٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمَالُ
لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ
مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ
الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
(وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس): قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]: لكل واحد منهما بدلٌ بإعادة العامل؛ إذ لو (١) قال: لأبويه السدس، اشتركا فيه، ولو قال:
стр. 2524
لأبويه الثلث، تُوُهِّمَ قسمتُه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، أو بالسواء (١).
واعترضه ابن المنيِّر في "الانتصاف": بأن هذا من بدلِ الشيء من الشيء (٢)، وهما لعينٍ واحدة، فيصير الكلام: والسدسُ لأبويه لكلِّ واحدٍ منهما، ومقتضى الاقتصار على المبدَلِ منه اشتراكُهما (٣) في السدس، ومقتضى البدل وإفراد الأول إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما بالسدس (٤)، وهو تناقض، فإذا تعذر البدل، قدرنا مبتدأ محذوفاً تقديره: ولأبويه الثلث، ثم فصله بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم على هذا جعلُه من بدل التقسيم؛ كقولك: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها، ولعمرو (٥) ثلثها، ولبكر ثلثها (٦)، ولا يستقيم ذلك على الأول (٧).
وانفصل الشيخ سعد الدين (٨) التفتازاني عن (٩) هذا الاعتراض: بأن الحكمَ المتعلِّقَ بالمثنى (١٠) أو المجموع قد يُقصد تعلُّقُه [بالمجموع، وقد