← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

-﵄ كَانَ وَصِيّاً، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟! وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي-، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟! (فلقد انخنث): -بنون فخاء معجمة فنون فمثلثة-؛ أي: انثنى، ومالَ عندَ فراق الحياة، صلوات الله عليه وسلامه. * * * باب: أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغنياءَ خَيرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ ١٥٣١ - (٢٧٤٢) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَناَ بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: "فَالثُلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ، وُيضَرَّ بِكَ آخَرُونَ". وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَاّ ابْنَةٌ. (يرحم الله ابنَ عفراءِ): قال (١) الدمياطي: وقولُه: ابنَ عفراء، وَهْمٌ، والمحفوظ: ابنَ خَوْلَةَ، ولعلَّ الوهمَ فيه أتى من سعدِ بنِ إبراهيمَ، وقد

стр. 2522

ذكره البخاري في الفرائض من حديث (١) الزهري، عن عامر، وفيه: "ولكن البائس سعد بن خولة"، والزهري (٢)؛ أي: أحفظُ من سعدِ بنِ إبراهيمَ. قال شيخنا قاضي القضاة شيخُ الإسلام (٣) جلالُ الدين البلقيني (٤) -ذكره الله بالصالحات (٥) -: وابنُ عفراءَ هو (٦) سعدُ بنُ خولةَ المذكورُ في حديث سعيد [في] غير ما موضعٍ، ويدل عليه أن في النسائي: "يَرْحَمُ اللهُ سَعْدَ (٧) بْنَ عَفْرَاءَ" (٨). ثم حكى معنى ما تقدم عن بعض الشيوخ معزواً إلى الداودي، ثم قال: ويقال على هذا: إذا أمكن التأويلُ، فلا توهيم، يجوز أن يكون أبو خولة، وأمه اسمها عفراء، أو يكون لأمه اسمان إن كانت خولة اسم أمه، وفيه بُعد. * * * باب: الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ ١٥٣٢ - (٢٧٤٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ

стр. 2523

عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁، قَالَ: مَرِضْتُ، فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي، قَالَ: "لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ، وَيَنْفَعُ بِكَ ناَساً". قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ، قُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قَالَ: -النِّصْفُ كَثِيرٌ-، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ". قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ. (وإنما لي ابنةٌ): هذه البنت اسمها عائشة. * * * باب: لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ١٥٣٣ - (٢٧٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. (وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس): قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]: لكل واحد منهما بدلٌ بإعادة العامل؛ إذ لو (١) قال: لأبويه السدس، اشتركا فيه، ولو قال:

стр. 2524

لأبويه الثلث، تُوُهِّمَ قسمتُه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، أو بالسواء (١). واعترضه ابن المنيِّر في "الانتصاف": بأن هذا من بدلِ الشيء من الشيء (٢)، وهما لعينٍ واحدة، فيصير الكلام: والسدسُ لأبويه لكلِّ واحدٍ منهما، ومقتضى الاقتصار على المبدَلِ منه اشتراكُهما (٣) في السدس، ومقتضى البدل وإفراد الأول إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما بالسدس (٤)، وهو تناقض، فإذا تعذر البدل، قدرنا مبتدأ محذوفاً تقديره: ولأبويه الثلث، ثم فصله بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم على هذا جعلُه من بدل التقسيم؛ كقولك: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها، ولعمرو (٥) ثلثها، ولبكر ثلثها (٦)، ولا يستقيم ذلك على الأول (٧). وانفصل الشيخ سعد الدين (٨) التفتازاني عن (٩) هذا الاعتراض: بأن الحكمَ المتعلِّقَ بالمثنى (١٠) أو المجموع قد يُقصد تعلُّقُه [بالمجموع، وقد

стр. 2525

يُقصد تعلقه] (١) بكل فردٍ، فبيَّن بالبدل أن القصد إلى الثاني. قال: وبهذا يندفع ما يقال: إن البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أُسقط، استقامَ الكلام معنى، وهاهنا لو قيل: لأبويه السدس، لم يستقم. وإذا فهمت هذا، عرفتَ إعرابَ التركيب الواقع في متن البخاري. * * * باب: إِذَا وَقَفَ، أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ ؟ وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ أَنسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: "اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَاَرِبِكَ". فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ، قَالَ: "اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ". قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، وَكَاناَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي، وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ، فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرامٍ، وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ، وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانُ أَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيٌّ إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ. وَهْوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ابْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيّاً. وَقَالَ بَعْضُهْمْ: إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ فِي الإِسْلَامِ.

стр. 2526

(باب: إذا أوقفَ (١)): قال (٢) القاضي: هو بالألف لغة قليلة، والفصيح: وَقَفَ، وهي روايةُ الأصيلي في بعض المواضع (٣). (فهو يجامع حسان أبا طلحة وأبياً (٤) إلى آخره): قال الحافظ الدمياطي: ظاهرُ هذا الكلام مُشكلٌ يحتاج إلى تبيين وإيضاح، وإيضاحه: أن أبا طلحة زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حَرامٍ، [وحسان بنُ ثابتِ بنِ المنذرِ بنِ حَرامِ] (٥) بنِ عمرِو بنِ زيدِ مَناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النجار، وأبيُّ ابنُ كعبِ بنِ قيسِ بنِ عبيدِ بنِ زَيْدِ (٦) بنِ معاويةَ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النجار، فيجتمع أبو طلحةَ، وحسانُ، وأبيُّ بنُ كعبٍ (٧) في عمرِو بنِ مالكِ ابنِ النجار، ويجتمع أبو طلحةَ وحسانُ في حَرامٍ وجدِّ أبويهما، و (٨) بنو عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكٍ يقال لهم: بنو مَغالة، وبنو معاوية بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو حُديلة، بطنان من بني مالك بن النجار، فقوله: "فهو يجامع حسانُ أبا طلحة وأُبياً" جملة اسمية، المبتدأ منهما (٩) "هو"، و"هو" ضمير شأن، وَالفعلية خبره، وفي رواية المروزي والهروي: "وهو يُجامع"

стр. 2527

بالواو، وفي رواية: "هو (١) مجتَمعٌ حسانُ، وأبو طلحة، وأبيٌّ" برفع الجميع، وهو صواب أيضاً (٢). * * * باب: هل يَدْخُلُ النِّسَاءُ والولَدُ في الأَقَارِبِ ؟ ١٥٣٤ - (٢٧٥٣) - حَدَّثَنَاَ أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! -أَوْ كلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ! شَيْئاً، وَيَا صَفِتَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ! لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً". (يا عباسُ بن عبد المطلب!): وبعده: (ويا صفيةُ عمة رسول الله!) وبعده: (ويا فاطمةُ بنت محمد!): قال الزركشي: يجوز في عباس: الرفعُ والنصبُ، [وكذا في: "يا صفيةُ عمة"، وكذا في: "يا فاطمةُ بنت" (٣). قلت: يريد بالرفع والنصب] (٤): الضمَّ والفتحَ؛ إذ مثلُه من المناديات

стр. 2528

مبني على الضم، وفُتحَ للإتباع، أو للتركيب، على الخلاف، وظاهرُ كلامه: أن ضمَّ صفيةَ وفاطمةَ وفتحَهما (١) كذلك، وأن الفتح (٢) إنما جاء باعتبار الصلة، ولذلك (٣) قال: يا صفية عمة، يا فاطمة بنت، وليس كذلك قطعاً. أما الوصفُ بالعمة، فظاهر (٤)، وأما الوصفُ ببنت في النداء، فلا يؤثر في الموصوف شيئاً، لا جوازاً، ولا وجوباً، نعم يجوز في كل من صفيةَ وفاطمةَ الضمُّ، ووجهه ظاهر، والفتح، ووجهه أن هاء التأنيث قُدر حذفُها ترخيماً، فاقحمتْ مفتوحة. هكذا قال ابن مالك، وجماعة. وقيل: أقحمت التاء بين الميم وحركتها، ثم فتحت الميم؛ لأن التاء لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً. وقيل: كأن الأصل يا فاطمةُ، ثم رُخِّمَ فقيل: يا فاطمةَ. وذهب أبو حيان إلى قول في المسالة ما زلتُ أستحسنه. قال في "التدريب": والذي حملَهم على تكلُّف (٥) هذه الأشياء، وادعاءِ الإقحام: ما استقر في هذا النوع من بناء المفرد المعرفة على الضم، فلما وجدوا التاء في مثل هذا مفتوحةً، تطلَّبوا لذلك وجهاً حتى لا ينكسر القانون الذي تقرر في المعرفة المفرد، ولو ذهب ذاهب إلى أن الاسم الذي فيه هاء التأنيث يجوز فيه وجهان:

стр. 2529

أحدهما: البناءُ على الضم؛ نحو: يا طلحةُ [كما استقر في بناء المفرد المعرفة. والآخر: إعرابُه إعرابَ المضاف والمشبَّهِ به (١)، فقالوا: يا طلحةَ] (٢)؛ كما قالوا: يا ضاربَ زيدٍ، ويا ضارباً زيداً، لكان مذهباً حسناً، ووجهاً قوياً، ولم يحتج إلى شيء من هذه التحملات، ولم أر أحداً من النحويين ذهب إلى هذا، وأنا أختاره، وللنصب (٣) في مثل (٤): يا طلحةَ؛ نوعٌ من القياس، وذلك أن المؤنث بالتاء فرعٌ عن المذكر (٥)، ويتنزل التاء منزلةَ كلمة أخرى، ألا ترى أنها تسقط في النسب كما يسقط ثاني المركب، ولا يلحق بها؛ بخلاف (٦) الألف؛ فإنها تكون للتأنيث، وتكون للإلحاق، والمضافُ والمشبَّهُ به فَرعانِ عَن المفرد، فشُبه به المؤنثُ بالتاء؛ لاشتراكهما في الفرعية، فجاز نصبه، ولما كان شبهاً ضعيفاً، لم يتحتم النصب، بَل هو مرجوح، والبناءُ على الضم أعرفُ؛ لأن شبهه بالمفرد الخالي من التاء أقوى من شبهه بالمضاف، فلذلك كان ضمُّه أكثرَ من نصبه. * * *

стр. 2530

باب: مَن تَصَدَّقَ إلى وكيلِهِ ثُمَّ ردَّ الوكِيْلُ إلَيْهِ ١٥٣٥ - (٢٧٥٨) - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! يَقُولُ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ -قَالَ: وَكَانَتْ حَدِيقَةً، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا-، فَهِيَ إِلَى اللهِ ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَعْهَا أَيْ رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَبِلْنَاهُ مِنْكَ، وَرَدَدْناَهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ"، فَتَصَدَّقَ بِهِ وأَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيٌّ، وَحَسَّانُ، قَالَ: وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟! فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ؟! قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الْحَدِيقَةُ فِي مَوْضعِ قَصْرِ بَنِي حُدَيْلَةَ الَّذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ. (في موضع قصرِ بَني حُدَيْلَةَ): -بحاء مهملة مَضمومة-: بطنٌ من الأنصار، وقد تقدم آنفاً في كلام الدمياطي. * * *

стр. 2531

باب: مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تُوُفِّي فُجاءَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقَضَاءُ النُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ (تُوُفِّي فُجاءَةً): -بضم الفاء والمد، وبفتح الفاء مع إسكان الجيم-: هي البَغْتَةُ دون تقدُّم مرضٍ ولا سَبَب. ١٥٣٦ - (٢٧٦٠) - حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أِبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ، تَصَدَّقَتْ، أَفَا تَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا". (افتلتَتْ نفسَها): أي: ماتت فجأة، "ونفسَها" ضبطه بعضهم بالنصب على [أنه] مفعول (١) ثانٍ؛ أي: افتلتَها اللهُ نفسَها، وَبالرفع على أنه المفعول الآخر. وَقال صاحب "النهاية": افتلتَ متعدٍّ لواحد، فنفسُها قائمٌ مقام الفاعل، وتكون التاء للنفس؛ أي: أُخذَتْ نفسُها فلتةً (٢). [(وأُراها): -بضم الهمزة-؛ أَي: أَظُنُّها] (٣). * * * باب: قَولِ الله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٦ - ٧] وَمَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ في مَالِ اليتيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدرِ عُمَالَتِهِ ١٥٣٧ - (٢٧٦٤) - حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي

стр. 2532

هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلاً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالاً، وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ"، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي الرِّقَابِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلذِي الْقُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ. (وكان يقال له: ثَمْغ): -بمثلثة مفتوحة فميم ساكنة فغين معجمة-، كذا قيده النووي (١) وغيره، وحكى المنذري فتح الميم (٢). * * * باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾): أي: ما يَجُرُّ إلى النار (٣)، فكأنه نارٌ في الحقيقة. * * *

стр. 2533

باب: إِذَا وَقَفَ أَرْضاً، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ (باب: إذا وَقف أرضاً (١)، وَلم يُبَيِّنِ الحدُود): نازعه المهلب بأن الأرض إذا كانت مَعلومةً معينة كبير حاء، استغني بذلك عن معرفة الحدود، ولما كان المخرافُ معيناً عند من أشهدهُ، وأما إذا لم يكن (٢) معيناً، فلابد من التحديد، قال: ولا خلاف في هذا. وأجاب ابن المنير فيما أظنه: بأن البخاري أراد جوازَ الوقف بهذه الصيغة، وأما التحديد، فلا مَعنى لتوقف الصحة، ولا يجوز الاستشهاد عليه (٣). ١٥٣٨ - (٢٧٧٠) - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَناَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أُمَّةُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافاً، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا. (فإن لي مخرافاً): كذا بالألف، وقال الدمياطي: صوابُه: "مِخْرَفاً"، وَقد مرَّ. * * *

стр. 2534

باب: إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضاً مُشَاعاً، فَهْوَ جَائِزٌ (باب: إِذَا وَقف جماعةٌ أرضاً مشاعاً، فهو جائز): قال الزركشي: هذا بناءٌ منه على أَن بني النجار وقفوا الحائطَ مسجداً، ولم يبيعوه (١). قلت: لم يبنه البخاري على هذا أصلاً، وإنما بناهُ على أنهم أرادوا وقفَه حيث قالوا: لا نطلبُ ثمنه إلا إلى الله، ولم يُبينْ لهم النبي ﷺ أن هَذا الذي قصدوه باطل، وإنما طلبَ شراءه منهم؛ ليكون مُتَعَبَّدَهُ (٢) ليس لأحد فيه علقة، ولا شُبهة منه، قاصداً بذلك وجهَ الله، وقد قدمنا الكلام في شأن هذا الحائط في باب: حَرَم المدينة. * * * باب: وقفِ الدَّوابِّ والكُراعِ والعُرُوضِ والصَّامِتِ ١٥٣٩ - (٢٧٧٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَعْطَاهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلاً، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَهَا، فَقَالَ: "لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ". (فأُخبر عمرُ أَنه وقفها يبيعها (٣)): -بفتح القاف وتخفيفها-، يقال:

стр. 2535

وَقَفَتِ الدابَّهُ، [وَ] وقَفْتُها (١) أنا وَقْفاً، وَقد صرح في الحديث بأن وَقْفَها إنما هو تعريضُها (٢) للبيع، لا تحبيسُها. ولأبي زيد: "دَفعَها"، بدال مهملة وفاء وعين مهملة (٣). * * * باب: نَفَقَةِ القَيِّم للوَقْفِ ١٥٤٠ - (٢٧٧٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَاراً، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةِ عَامِلِي، فَهْوَ صَدَقَةٌ". (لا يقتسم ورثتي): سماهم ورثة مجازاً، وإلا فقد قال: "إِنَّا -مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ- لا نُورَثُ" (٤). * * * باب: إِذَا وَقَفَ أَرْضاً أَوْ بِئْراً، أوَ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ أَنَسٌ دَاراً، فَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا، نَزَلَهَا. وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ

стр. 2536

بِزَوْجٍ، فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ. وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ. (وقال للمردودة من بَناتِه): ويروى: "من نسائه"، قال الزركشي: وهو أصوب (١) (٢). (غيرَ مضِرَّة ولا مضَرٍّ بها): الأولى بكسرِ الضاد المعجمة، والثانية بفتحها. * * * باب: قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ. . .﴾ [المائدة: ١٠٦] ١٥٤١ - (٢٧٨٠) - وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جَاماً مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصاً مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَلَفَا: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].

стр. 2537

(عَدِيُّ بنُ بَدَّاء): -بتشديد الدال المهملة- تأنيثُ أَبَدَّ. (مخوَّصاً من ذهب): -بخاء معجمة وواو مشددة مفتوحة وصاد مهملة-؛ أي: عليه صفائحُ من ذهب مثل خوصِ النخل. * * * باب: قضاءِ الوَصيِّ ديونَ الميِّتِ بِغَيرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ ١٥٤٢ - (٢٧٨١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ ﵄: أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْناً، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ، أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْناً كَثِيراً، وَإنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، قَالَ: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى ناَحِيَتِهِ"، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ، أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَراً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ أَصْحَابَكَ"، فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَناَ -وَاللهِ- رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ -وَاللهِ- الْبَيَادِرُ كُلُّهَا، حَتَّى أنَّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً. (لم ينقص تمرةً): بمثناة تحتية ونصب تمرة، وبمثناة فوقية ورفع تمرة (١).

стр. 2538

كِتابُ الجَهادِ وَالسَّيِر

стр. 2539

وقَولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ١٥٤٣ - (٢٧٨٢) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْعَيْزَارِ: ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:" الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَنِي. (كتاب: الجهاد). (ابن العيزار): بعين مهملة فمثناة تحتية فزاي فألف فراء، وقد مر. (ثم أَي؟ قال: الجهاد): وفي حديث آخر في الباب: دُلَّني على (١) عملٍ يعدلُ الجهادَ، قال: "لا أَجِدُ" (٢).

стр. 2540

قال ابن المنير: وجهُ الجمع بين الحديثين: أن يُحمل حديث من قال: "دُلَّني على عملٍ" على أنه سألَ عن عمل من النوافلِ يعدلُ الجهاد، فقال له ﵇: "لا أَجِدُ"، وبرُّ الوالدين، والصلاةُ لوقتها من الواجبات، فلا يُنافي كونُ البرِّ يعدلُ الجهادَ ويزيدُ عليه أن لا يعدلَ الجهادَ عملٌ من النوافل. * * * ١٥٤٤ - (٢٧٨٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّهٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا". (لا هجرةَ بعدَ الفتح): يريدُ: لمن لم يكنْ هاجرَ قبلَ فتح مكة؛ بدليل الحديث الآخر: "يُقِيمُ المُهَاجِرُ ثَلَاثاً بَعْدَ قَضَاءِ الحَجِّ" (١). (وإذا استُنفرتم، فانفروا): أي: إذا دُعيتم إلى الغزو، فاخرجوا. * * * ١٥٤٥ - (٢٧٨٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَناَ عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ: أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ: قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: "لَا أَجِدُهُ"،

стр. 2541

قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ، فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ "، قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ. (محمد بن جُحادة): بجيم مضمومة وحاء مهملة. (أبو حَصين): -بحاء مهملة مفتوحة وصاد مهملة (١) -: هو غُنْدَرُ بنُ عامر (٢). (ليستنُّ): أي: يعدو نشيطاً. و (٣) في المثل: استَنَّتِ الفِصَالُ حَتَّى القَرْعَى؛ أي: مَرِحَتْ. (في طِوَله): -بكسر الطاء المهملة وفتح الواو-: حبلٌ تُشد به (٤) الدابة، ويُمسك صاحبُها بطرفه، ويرسلها ترعى. (فيكتب له حسناتٍ (٥)): أي: فيُكتب له استنانُها حسناتٍ، فالضمير راجعٌ إلى المصدر [الذي دلَّ عليه ليستنُّ، فهو مثل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].

стр. 2542

باب: أفضلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ في سَبيلِ اللهِ ١٥٤٦ - (٢٧٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ". (وتَوَكَّلَ الله للمجاهد): وفي رواية: "وهو يَكْفُل"، وهو بمعناه. (أو يَرْجِعهَ سالماً مع أجرٍ أو غنيمة): قيل: "أو" بمعنى الواو، وقد رواها أبو داود كذلك (١). قال ابن دقيق العيد: وهذا -مع (٢) ما فيه من الضعف من جهة العربية- فيه إشكالٌ من حيث إنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلاً في الضمان، فيقتضي أنه لابد من حصول أمرين لهذا المجاهد إذا رجع سالماً، وقد لا يتفق ذلك؛ بأن يتلفَ ما حصل [في الرجوع] من الغنيمة، اللهم إلا أن يُتجوز في لفظة الرجوع إلى الأهل، ويُجعل المعية في مطلق الحصول، لا في الحصول في الرجوع (٣). قال الزركشي: وقيل: "أو" للتقسيم؛ أي: فله الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت، فلا، وهو ضعيف، ففي "الصحيح": "مَا مِنْ غَازِيَة تَغْزُو،

стр. 2543

فَتُصيبُ وَتَغْنَمُ إِلَاّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ" (١)، فهذا تصريحٌ ببقاء بعض الأجر مع (٢) حصول الغنيمة (٣). قلت: إنما يَرِدُ إشكالُه إذا كان القائل بأنها للتقسيم قد فسرَ المرادَ بما ذكره هو من قوله: "فَلَهُ الأَجْرُ إِنْ فَاتَتْهُ الغَنِيمَةُ" إلى آخره، وأما إن سكت عن هذا التفسير، فلا يتجه الإشكال؛ إذ يجوز أن يكون التقدير: أو يرجعَه سالماً مع أجر وَحْدَهُ، أو غنيمةٍ وأجرٍ، وحذف الأجرُ من الثاني، والتقسيمُ بهذا الاعتبار صحيح، والإشكال ساقط. على أنه لو سلم أن القائل بأنها للتقسيم صرح بأن المراد هو ما ذكره الزركشي، لم يرد الإشكال المذكور عليه؛ لاحتمال أن يكون تنكير الأجر لتعظيمه (٤)، ويراد به: الأجرُ الكامل، فيكون معنى قوله: "فله (٥) الأجرُ إن فاتته الغنيمة"؛ أي: فله الأجرُ المذكورُ في الحديث، وهو الكامل، ويكون معنى قوله: "وإن حصلت، فلا": وإن حصلت الغنيمة] (٦)، فلا يحصل له ذلك الأجر المخصوص، وهو الكامل (٧)، فلا يلزم انتفاء مطلق (٨) الأجر عنه، فتأمله.

стр. 2544

باب: الدُّعَاءِ بالجِهَادِ والشَّهَادَةِ للرِّجَالِ والنِّسَاءِ ١٥٤٧ - (٢٧٨٨ و ٢٧٨٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ناَسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". شَكَّ إِسْحَاقُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ناَسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ"؛ كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ. (على أم حَرام): بحاء وراء مهملتين. (بنت مِلحان): -بكسر الميم-، نقل النووي في "شرح مسلم" الإجماعَ على أنها كانت مَحْرَماً له، وإنما اختلفوا في كيفية ذلك، هل هي خالته من الرضاع، أو النسب (١)؟

стр. 2545

وردَّ عليه ذلك، وقيل: الصواب أنه لا محرميةَ بينهما، وقد بين ذلك الحافظُ الدمياطي في جزء أفرده فيه، وأما خلوتُه بها مع كونها أجنبية، فأمر جائز، وهي من خصائصه ﵇؛ لأنه (١) معصوم قطعاً (٢). (تَفْلي رأسه): -بفتح التاء وإسكان الفاء-؛ أي (٣): تفتش شعر الرأس؛ لتستخرج هوامَّهُ. (ثَبَج هذا البحر): -بمثلثة فموحدة مفتوحتين فجيم-: وسطه، أو معظمه، أو هوله، أقوال (٤). (ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها): قال ابن المنير: مدخله في الفقه أن الدعاء بالشهادة حاصِلُه: أن يدعو الله أن يمكن منه كافراً يعصي الله بقتله، فيقلَّ عددُ المسلمين، ويدخلَ السرور على قلوب المشركين، وقد استشكل أجر الدعاء بالشهادة على القواعد؛ إذ مقتضاها أن لا يتمنى معصيةَ الله أحدٌ، لا لنفسه، ولا لغيره. ووجهُ تخريجه (٥) على القواعد: أن المدعُوَّ به قصداً إنما هو نيلُ الدرجةِ الرفيعةِ المعدَّةِ للشهداء، وأما قتلُ الكافرِ للمسلم، فليس بمقصودٍ للدَّاعي، وإنما هو من ضرورات الوجود؛ لأن الله أجرى حكمَها أن لا ينالَ تلكَ الدرجةَ إلا شهيدٌ، فلهذا أدخلَ البخاري هذه الترجمةَ، وعَضَدَها

стр. 2546

بالأحاديث، وانظر هل لأحد أن يتمنى الشهادة لغيره، أو يدعو له بها؟ وافهمْ بعدَ ذلك أن تعددَ الجهات صحيح في النظر عقلاً وشرعاً، وربما يلتحق هذا بالمشروع بأصله الممنوع بوصفه؛ لأن الشهادة لا تنفكُّ من مفسدةِ [قتلِ الكافر للمسلم بحالٍ، ومع ذلك انغمرت المفسدة] (١) في جانب المصلحة. وقد تقدم في كتاب الإيمان شيءٌ من هذا المعنى، ونقلناه هناك عن القرافي، وهو مشهور بين العلماء، ووقع للزمخشري مثلُه في تفسير سورة آل عمران (٢). (فركبتِ البحرَ في زمن معاوية): ظاهرُه زمنَ إمارته. وقال الزبير بن بكار: كان ركوب معاويةَ البحرَ في خلافة عثمان، قيل: سنة ثمانٍ وعشرين (٣). * * * باب: دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ ١٥٤٨ - (٢٧٩٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ ابْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ،

стр. 2547

كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا نُبِشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ -أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ: "وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". (الفردوس): قيل: هو البستان بلغة الروم، وهو معرب. (فإنه أوسط الجنة): أي: أفضلُها؛ كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: خِياراً. و (فوقه عرشُ الرحمن): قيده الأَصيلي بضم القاف؛ أي: أعلاه. والجمهور على النصب، ولم يصحح ابن قُرقُول تقييد الأَصيلي، وقال: إنه وهم عليه. قلت: وجهه أن فوق من الظروف الملازمة للظرفية، فلا تستعمل غيرَ منصوبة أصلاً. والضمير المضاف إليه "فوق" ظاهر التركيب عَوْدُه إلى الفردوس. وقال السفاقسي: هو راجع إلى الجنة كلِّها (١). قلت: والتذكير حينئذ باعتبار كون الجنة مكاناً، وإلا، فمقتضى الظاهر على ذلك أن يقال: وفوقها.

стр. 2548

باب: الغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ في سَبيلِ اللهِ، وقَابَ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ ١٥٤٩ - (٢٧٩٢) - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". (لغَدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحة): -بفتح الغين المعجمة- من "غَدْوة" فَعْلَة (١) من غدا يغدو، و-بفتح الراء- من "روحة"، فَعْلَة من راح يروح؛ أي: لخرجَةٌ واحدة في الجهاد من أول النهار أو آخره. (خيرٌ من الدنيا وما فيها): أي: ثوابُ ذلك في الجنة خيرٌ من الدنيا وما اشتملتْ عليه، والمراد: أن اليسير (٢) من عمل البر [في الجهاد خيرٌ من الدنيا كلِّها؛ أي: من نعيمِها؛ إذ هذا اليسيرُ] (٣) يوجب النعيمَ الدائم، والدائمُ (٤) خيرٌ من المنقطع (٥)، فينبغي أن يغتبطَ صاحبُ الغَدْوة والروحة بغدوته (٦) وروحته أكثرَ مما يغتبط أن لو حصلتْ له الدنيا بحذافيرها نعيماً محضاً غيرَ محاسَب عليه، مع أن (٧) هذا لا يُتصور.

стр. 2549

الحُوْرُ العِيْنُ وَصِفَتُهُنَّ ١٥٥٠ - (٢٧٩٦) - وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوْ مَوْضعُ قِيدٍ -يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْهُ رِيحاً، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". (ولنصيفُها (١)): -بنون وصاد-؛ أي: خِمارها. * * * باب: تَمَنِّي الشَّهَادَةِ ١٥٥١ - (٢٧٩٨) - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابنُ عُلَيَّهَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ، فَفُتِحَ لَهُ"، وَقَالَ: "مَا يَسُرُّناَ أَنَّهُمْ عِنْدَناَ". قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَناَ". وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. (ما يسرنا أنهم عندنا): لعلمه ﵇ بما صاروا إليه من الكرامة.

стр. 2550

(أو قال: ما يسرُّهم أنهم عندنا): لتحققهم (١) خيريةَ ما حصلوا عليه من السعادة العظمى والدرجة الرفيعة. (وعيناه تذرفان): هذا راجع إلى تعدُّد (٢) الجهات، فَسُرَّ ﵊ باعتبار ما صاروا إليه من النعيم، وبكى باعتبار ما تعجله من فراقهم، أو رحمةً لمن (٣) خلفوه من عيال وأطفال يحزنون لفراقهم، ولا يعرفون مقدار عاقبتهم ومآلهم. * * * باب: فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ في سَبيلِ اللهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ ١٥٥٢ - (٢٧٩٩ و ٢٨٠٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، قَالَتْ: ناَمَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْماً قَرِيباً مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَبَتَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: "أُناَسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الأَخْضَرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ ناَمَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِياً، أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا

стр. 2551

الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ. (عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّان): بحاء مهملة مفتوحة وباء موحدة. (البحرَ الأخضر): قيل: المراد به: الأسود (١). (مع معاوية): أي: في خلافة عثمان، كما قدمناه، فكانت (٢) الغزوة إلى قبرص، ومر تاريخها. (قافلين): أي: راجعين. (فقُرِّبَتْ إليها دابة لتركبَها، فصُرعتْ فماتت): فيه دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة للقتال، له من الأجر مثلُ ما للمباشِر، والنساءُ كُنَّ إذا غزونَ يسقين الماء، ويداوين الكَلْمى، ويصنعْنَ للجيش طعامَهم وما يُصلحهم. * * * باب: مَنْ يُنْكَبُ في سَبِيلِ اللهِ ١٥٥٣ - (٢٨٠١) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَاماً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا، قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإلَاّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيباً، فَتَقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَؤُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ

стр. 2552

فَأَنْفَذَه، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلَاّ رَجُلٌ أَعْرَجُ صَعِدَ الْجَبَلَ -قَالَ هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ -فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ : أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا، أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَاناَ. ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً؛ عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَبَنِي لِحْيَانَ، وَبَنِي عُصَيَّةَ، الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . (بعث النبي ﷺ أقواماً من بني سُليم (١)): بضم السين. قال الدمياطي: هذا وهم؛ لأن بني سُليم هم الذين قتلوا السبعين أصحابَ رسولِ الله ﷺ (٢). (فكنا نقرأ أن بَلِّغوا قومنا (٣)، أَنْ قد لَقينا ربَّنا فرضيَ عنا وأرضانا، ثم نُسخ بعد): أي: نسخ لفظُه فأُسقط من التلاوة. قال (٤) الداودي: يريد: سكتَ عن ذكره؛ لتقادم عهده إلا أن يذكره بمعنى الرواية، وليس النسخ بمعنى التبديل؛ لأن الخبر لا يدخله نسخ (٥). قلت: الكلام في نسخ الخبر، والاختلاف فيه مقرر في أصول الفقه. قال بعض المتأخرين (٦): والحق في المسألة ما ذكره القاضي في

стр. 2553

"مختصر التقريب" من بناء المسألة على أن النسخ بيانٌ أو رفعٌ، فمن قال بالأول، جوزَ ذلك، فقال: إذا أخبر الله سبحانه عن ثبوت شريعة، فيخبر بعدها فيقول: أردت ثبوتها بإخباري (١) الأول إلى هذا الوقت، ولم أُرِدْ أولاً إلا ذلك، فهذا لا يفضي (٢) إلى خلف. وأما من قال بالثاني كالقاضي، فلا (٣) يُجوِّزُ ذلك، كيف ونسخُ الخبر حينئذ يستلزم الكذبَ قطعاً (٤)؟ ثم ثبوتُ نسخِ تلاوةِ ما هو من القرآن [شكك الهنديُّ عليه بأنه يتوقَّفُ على كونه من القرآن، وكونُه من القرآن] (٥) لا يثبت بخبر الواحد. وأجاب: بأن القرآن المثبَتَ بين الدفتين هو الذي لا بدَّ في نقله من التواتر، وأما المنسوخُ، فلا نسلِّم أنه لا يثبت بخبر الواحد، سلَّمنا، لكن الشيء (٦) قد يثبت ضِمْناً بما لا يثبت (٧) به استقلالاً، كما قال بعض الأصوليين: إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: إنه كان قبل الآخر، قُبِلَ، ولزم منه نسخُ المتأخر، وإن لم يُقبل قولُه في نسخ المعلوم.

стр. 2554

واعترض القاضي تاجُ الدين السبكي كلاً من الجوابين. أما الأول: فإنا لا نعقل كونَه منسوخاً حتى يُعقل كونُه قبل ذلك من القرآن، وكونُه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد. وقوله: لا نسلم أن القرآن المنسوخ (١) لا يثبت بخبر الواحد، قلنا؛ لأن نسخه لا يكون إلا بعد ثبوت كونِه من القرآن، ثم يَرِدُ النسخ بعدَ ذلك متأخراً في الزمان، فيصدُقُ إثباتُ القرآنِ غيرَ منسوخ بخبر الواحد، ثم إثباتُ نسخه بخبر الواحد. وأما الثاني (٢): ففيما نحن فيه لم يتعارض دليلان، وفيما استشهدَ (٣) به تعارضَ دليلان، فلذلك (٤) رجحنا في موضع (٥) التعارض بمرجِّحٍ ما (٦)، وهو قولُ الصحابي: هذا متقدمٌ. وإنما الذي يظهر لي في الجواب عن هذا السؤال: أن زماننا هذا ليس زمان النسخ، وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد. ثم هنا فرع (٧): قال الآمدي: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسَّها المحدِثُ

стр. 2555

ويتلوها الجنب؟ تردد فيه الأصوليون، والأشبهُ المنعُ من ذلك (١). وكلام (٢) السهيلي يقتضي خلافَ ذلك، قال: هذا المذكور ليس عليه رونق الإعجاز، ويقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم معجز كنظم القرآن. [فإن قيل: إنه خبر، فلا ينسخ، قلنا: لم ينسخ (٣) منه الخبر، وإنما نُسخ منه الحكمُ؛ فإن حكمَ القرآن أن (٤)] (٥) يتلى في الصلاة، وأن لا يمسه إلا الطاهر، وأن يكتب بين الدفتين، وأن يكون تعلمه فرض كفاية، فكل ما ينسخ رُفعت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظاً، فهو منسوخ، فإن تضمن حكماً، جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولاً به، وأنكرت ذلك المعتزلة، وإن تضمن خبراً (٦)، بقي ذلك الخبر مصدقاً به، وأحكام التلاوة عنه منسوخة، هكذا في "الروض الأنف"، خبر بئر معونة (٧). * * *

стр. 2556

١٥٥٤ - (٢٨٠٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَقَدْ دَمِيَتْ إصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَاّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ". (فقال: هل أنتِ إلا إصبغٌ دَميتِ، وفي سبيل الله ما لَقيتِ): هذا مما تعلق (١) به الملحدون في الطعن، فقالوا: هذا شعرٌ نطق به، والقرآنُ يشهد بخلافه. وأجاب القاضي: بأن الوزن في هذا الكلام غيرُ مقصود، فليس بشعر، وذلك غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلامٌ موزون، ولا يُعَدُّون بذلك شعراء؛ مثل قولهم: اسْقِني في الكُوزِ ماءً يا غُلامْ ... وَاسْرِجِ البَغْلَ وَجِئْني بِالطَّعَامْ وقولهم: مَنْ يَشْتَرِي لي أَلْفَ بَاذِنْجَانَهْ وساق من ذلك أشياء، ثم قال: والرجزُ عندي غيرُ شعر. قال ابن المنير: وقفتُ على كلام القاضي في هذا الفصل من كتاب "الانتصار" (٢)، وما استحسنت استشهاده بالعامة، ولا ذِكْرَه للفظِ الباعَة، ولا حاجة عند العلماء بكلام العرب إلى هذا؛ فإن العرب لا تَعُدُّ الشعرَ بيتاً واحداً، بل أقلُّه بيتان، وهذا لم يَجْرِ على لسانه ﵇ قَطُّ.

стр. 2557

وأما هذا الرجز، فالصحيح أنه بيت واحد، ثم الرجزُ على الخصوص قريبٌ من النثر، بل قيل فيه: إنه ليس بشعر، وشرطُ الشعر أن يَشعر به قائله، ويقصده، ويدل على أن الرجز نثر، أو قريب منه: أن البيت الواحد من غيره كان لا يلتئم على لسانه ﵇؛ لأنه شعر، فَغَيَّرَهُ الله على لسانه؛ كقوله يحكي قولَ العباسِ بنِ مرداسٍ: أنت القائلُ: أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ ... بَيْنَ الأَقْرَعِ وَعُيَيْنَه (١)؟ فقال أبو بكر: أشهدُ أنك رسولُ الله حقاً. قلت (٢): بين أول كلامه وآخره تدافُع، وذلك أنه قرر أولاً أن البيت الواحد ليس بشعر، وقرر آخراً (٣) أن البيت الواحد من غير الرجز شعر، ولذلك لم يلتئم على لسانه ﵊. ثم (٤) ادعاؤه أن ما في الحديث بيتٌ واحد من الرجز على الصحيح لا يقوم عليه دليل؛ لجواز كونه بيتين من مشطور السريع. والمخلص هو ما أشار إليه من أن القصد إلى الوزن معتبر في كون الكلام شعراً، ولا نسلم وجوده فيما في الحديث، سواء كان بيتاً، أو بيتين. ثم تعريفُهم الشعر بأنه (٥) الكلامُ الموزونُ بوزنٍ مقصودٍ عربيٍّ (٦) ينطبق

стр. 2558

على البيت وحده، وعليه مع غيره. * * * باب: مَنْ يُجْرَحُ في سَبِيلِ اللهِ ١٥٥٥ - (٢٨٠٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَاّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ". (لا يُكلَم) -بضم أوله وفتح ثالثه (١) مبني للمفعول-؛ أي: لا يُجْرَح. (واللهُ أَعْلَمُ (٢) بمن يُكْلَم في سبيله): فيه إشارة إلى (٣) أنه ليس كلُّ مَنْ جُرِحَ (٤) في الغزو تكون هذه حالته عند الله حتى تصح نيته، ويعلمَ اللهُ من قلبه أنه خرج مخلصاً لوجه الله تعالى، لا يشوب ذلك شيء آخر (٥). (و (٦) اللونُ لونُ الدم، والريحُ ريحُ المسك): أُخذ منه أن الشيء (٧) إذا

стр. 2559

حال عن حالة إلى غيرها، كان الحكمُ لما انتقل إليه؛ كالماء تحلُّ فيه نجاسة، فتغير أحدَ أوصافه. وعورض بأن المرادَ بالخبر (١) التذاذُ المجروح (٢) بأثر جرحه كالتذاذِ المتضمِّخِ بالمسك برائحته (٣)، وهذا لا يشبه الأحكام الشرعية. وما أحسنَ قولَ ابنِ نُباتةَ مقتبساً من هذا الحديث: لايُنْكِرُ الكاسِرُ أَجْفَانَهُ ... دَمَ الشَّهِيدِ الصَّابِرِ المُغْرَمِ فَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ في خَدِّهِ ... كَمَا تَرَى واللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ * * * باب: قَوْلِ اللهِ : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] وَالْحَرْبُ سِجَالٌ (باب قولِ الله : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾، والحرب سجال): جعل ابنُ بطال وجهَ تعلُّق حديث ابن عباس: "الحربُ (٤) سجالٌ" بالآية المذكورة أنها مصدِّقَةٌ له، وهو مُبيِّنٌ لها؛ لأن الحرب إذا كانت (٥) سجالاً، فهي إحدى الحسنيين؛ لأنها إن كانت علينا، كانت الشهادة،

стр. 2560

وهي أكبر الحسنيين، وإن كانت لنا، فالغنيمة، وهي أصغرهم (١)، فالحديث مطابق (٢). قال ابن المنير: والتحقيق أن البخاري ما ساق الحديث إلا لقوله فيه: "وكذلكَ الرسُلُ تُبتلى، ثم تكونُ لهم العاقبة"، فبهذا يتحقق أنهم على إحدى الحسنيين، إن انتصروا، فلهم العاجلة والعاقبة، وإن انتصر عدوهم، فللرسل العاقبة، وهي خير من العاجلة وأحسنُ، ففي تمام حديث هرقل تظهر المطابقة، بل تحصل المطابقة من مجرد قوله: الحربُ سِجال؛ لأن المراد: لنا تارة، ولهم تارة، فإن كانت شهادة، فالدولة للعدو، وإن كانت غنيمة، فالدولة للمسلمين، إلا أن الفرق أن الدولة إذا كانت للمسلمين، لم يكن للعدو ما يجبرهم (٣)، وإن كانت الدولة للعدو، كان (٤) للمسلمين ما يجبرهم، وهو فضل الشهادة. * * * باب: قَولِ اللهِ : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ١٥٥٦ - (٢٨٠٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَاَلْتُ أَنسَاً. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ، قَالَ:
следующие страницы →