← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

على أن التلاحي، وهو المماراة والمجادلة، غيرُ السباب الذي هو فسق. (في السبع والتسع (١)): في أكثر النسخ هكذا بتقديم الأدنى، وفي بعضها بالعكس (٢). * * * باب: سؤالِ جبريلَ النبيَّ ﷺ عن الإيمانِ، والإِسلامِ، والإحسانِ، وعلمِ الساعةِ ٤٤ - (٥٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبَو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بالْبَعْثِ". قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ"، ثُمَّ تَلَا النَّبيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: "رُدُّوهُ". فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ".

стр. 282

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإيمَانِ. (أبو حيان): بحاء مهملة وياء آخر الحروف. (بلقائه): مجاز عن رؤية الله حيث لا مانع؛ كما في حق الكفار والمنافقين، أو بلقاء جزائه من ثواب وعقاب. (وتؤمن بالبعث): وهو حشر الأجساد وإحياؤها يوم القيامة، وفي تكرير الباء مع اللقاء والبعث، وتكرير الفعل من قوله: "وتؤمن" مزيدُ اعتناء بهذين الأمرين. (وتقيم الصلاة): أي: تؤديها وتوقعها في الخارج. (الزكاة المفروضة): قيل: إنما قُيدت دون غيرها؛ لأن العرب كانت تدفع المال؛ للسخاء والجود، فنبه بالفرض على رفض نية ما كانوا عليه. قال الزركشي: والظاهر أنها للتأكيد (١). قلت: لكنه لا يدفع سؤال الاختصاص. وغايَرَ في هذا الحديث بين الإيمان والإسلام، وقد علمت أن البخاري يراهما مترادفين، والخلاف في ذلك مأثور. قال ابن عبد السلام: إن حُمل الإيمان على التصديق، فإنْ حُمِلَ الإسلام على الشهادتين، أو على (٢) الدعائم الخمس، فلا عمومَ ولا خصوصَ، وإن حُمل على الانقياد اللغوي؛ كان (٣) أعم من الإيمان؛ إذ

стр. 283

كلُّ مؤمن مُنقاد، ولا عكس، وإن حُمل الإيمان على التصديق وأعمال الجوارح، فإن حمل الإسلام على ما سبق، كان الإيمان أعم، وإن حمل على الانقياد اللغوي، فهو (١) أعم، قال: وإن بنينا على الظاهر، وهو أن الإيمان إذا أُطلق، حُمل على التصديق بالشهادتين، [والإسلام إذا أطلق، حُمل على] (٢) النطق بهما (٣)، فلا عموم ولا خصوص. (أشراطها): جمع شَرَط -بتحريك الراء-، وهو العلامة. (رُعاة الإبل البُهمِ): البُهم -بضم الباء- جمع بهيم وهو الأسود، أو المجهول الذي لا يعرف، كما قاله الخطابي (٤). وهو إما مجرور صفة للإبل بالمعنى الأول، أو مرفوع صفة للرعاة على المعنى الثاني، وروي بفتح الباء، ولا وجه له هنا، فإن البَهم -بالفتح- من ولد الضأن والمعز. (في البنيان): أي: بعد أن كانوا أصحاب بوادٍ ينتجعون مواقع الغيث ولا يستوطنون مكانًا. (في خمس): خبر مبتدأ محذوف. وقال الزركشي: متعلق بمحذوف؛ أي: هي في خمس (٥). قلت: الصواب ما تقدم. (هذا جبريل جاء (٦) يعلم الناس دينهم): أي: يريد تعليم الناس؛

стр. 284

ليصح كونه حالًا مقيدة للعامل، وإلا، فتعليمه إنما كان بعد مجيئه، لا في حين المجيء. قال ابن المنير: وفيه ما يدل على أن السؤال من جملة العلم، فإنه اعتدَّ سؤالَ جبريل علمًا وتعليمًا، ولهذا قيل: السؤالُ نصفُ العلم، ويمكن أن يؤخذ (١) من هنا؛ لأن الفائدة انبنت فيه على السؤال والجواب، وقد احتسب السؤال علمًا، ولا خفاءَ بأن (٢) الجواب علم، فالسؤال حينئذ النصف. قلت: وفيه: أن المستفهِم (٣) قد يكون عالمًا بما استفهم عنه، وإنما يطلب أن يُفهم السامعَ الجواب، ويكون الاستفهام حينئذ حقيقيًّا؛ إذ هو طلبُ الفهم في الجملة، لا طلبُ فهمِ السائل على الخصوص، وعليه: فلا يُنكر الاستفهام الحقيقي بهذا المعنى في كلام الله تعالى، وقد بينا ذلك في "شرح مغني ابن هشام". * * * باب: فضل من استبرأَ لدينهِ ٤٥ - (٥٢) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ

стр. 285

حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". (النُّعمان): بضم النون. (ابن بَشِير): -بفتح الباء وكسر الشين المعجمة- هو من صغار الصحابة. قال الداوودي: لا نعلم أحدًا في سنه يقول: سمعت النبي ﷺ إلا هو، وسيأتي الكلام على حديثه في: البيوع. (في أرضه): ثبتت (١) في رواية الكشميهني، وسقطت عند الجمهور (٢). * * * باب: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ (باب أداء الخُمس من الإيمان): قال الزركشي: روي: -بضم الخاء وفتحها-، وفي الحديث شاهد للأمرين (٣)، فإن فيه ذكر الغنيمة، وذكر قواعد الإسلام (٤). * * *

стр. 286

٤٦ - (٥٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ؟ " قَالُوا: رَبيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بالْقَوْمِ، أَوْ بالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبرْ بهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بالإِيمَانِ باللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإيمَانُ باللَّهِ وَحْدَهُ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ". وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبرُوا بهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ". (أبو جَمْرَة): بجيم مفتوحة وراء. (الوفد (١)): اسم جمع، لا جمعٌ لوافد على الصحيح. قال القاضي: وهم القوم يأتون ركبانًا (٢)، ويؤيده تفسير ابن عباس له بذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] (٣).

стр. 287

(غير): -بالنصب- على الحال، قال النووي: وهو المعروف -وبالجر (١) - على الصفة (٢). (خزايا): جمع خَزْيان، قال القاضي (٣): أي: غير مذلين ولا مهانين ولا مفضوحين (٤) بوطء البلاد وقتل الأنفس (٥) وسبي (٦) النساء. (ولا ندامى): قال (٧) الزركشي: هو من باب الإتباع؛ كالغدايا والعشايا؛ لأن ندامى (٨) جمع ندمان من المنادمة (٩)، لا من الندم (١٠). قلت: في "الصحاح (١١) ": ورجل ندمان؛ أي: نادم (١٢). وكذا في "جامع القزاز" على ما حكاه السفاقسي (١٣)، وحينئذٍ فيكون جاريًا على الأصل. (الشهر الحرام): بتعريفهما، ويروى: بتعريف الحرام، وإضافةِ

стр. 288

الشهر إليه (١)؛ كمسجد الجامع؛ أي: شهر الوقت الحرام، و (٢) يعنون به: رجبًا؛ لتفرده بالتحريم [بين شهور الحل؛ بخلاف سائر الأشهر الحُرُم] (٣)؛ لتواليها، ويروى: شهر حرام، بتنكيرهما، وهو يصلح لرجب، ولغيره من الأشهر. (الحي): أصله: منزلُ القبيلة، ثم سميت به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض، قاله القاضي (٤). (فصل): ينفصل به المراد، ولا يشكل. (نخبرُ): -بالرفع على الصفة لأمر- كذا ضبطه القرطبي، قال: وأما "ندخلُ به الجنة": فقيدناه بالرفع أيضًا على الصفة، وبالجزم على جواب الأمر (٥). قلت: يريد على رواية حذف الواو (٦) من ندخل، وأما على رواية البخاري هنا بإثباتها، فلا يتأتى الجزم في الثاني مع رفع الأول. (فأمرهم بأربع): وعد خمسة، فإما أن زاد (٧) أداءَ الخمس بعد عد الأربع، وإما أن تكون الشهادة غير معدودة؛ لعلمهم بها.

стр. 289

(الحَنْتَم): -بفتح الحاء المهملة وسكون (١) النون وفتح المثناة من فوق-: جِرارٌ خضرٌ (٢) مطلية بما يسدُّ مسامَّ الخزف، ولها تأثير في النبيذ كالمزفت، الواحد حنتمة. (الدُّبَّاء): -بالمد وضم الدال (٣) وتشديد الباء الموحدة-: القرع. (النَّقير): -بنون مفتوحة وقاف:- أصل (٤) النخلة يُنقر فيُتخذ منها وعاءٌ يُنبذ فيه. (المزَفَّت): -بزاي وفاء (٥) مشددة-: وعاء مطلي (٦) بالزفت. وإنما نهى (٧) عن الانتباذ في هذه؛ لأنها تُسرع الشدة من (٨) الشراب، وتحريمُ الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام، ثم نسخ. ففي "صحيح مسلم": "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الاِنْتِبَاذِ إِلَّا فِي الأَسْقِيَةِ، فَانْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" (٩). قال الزركشي: هذا مذهبنا، وذهب (١٠) مالكٌ وأحمدُ إلى بقاء التحريم (١١).

стр. 290

قلت: إنما مذهبُ مالك كراهةُ ذلك، لا تحريمه، هذا الذي عليه الفتوى عند علمائنا. (مَن وراءكم): -بفتح مَنْ- في البخاري، وبكسرها عند ابن أبي شيبة (١). قال ابن المنير: وفيه حجة للعمل بخبر الواحد، وقول المعترض في الاحتجاج ببعث رسله ﵇ إلى الآفاق، وهم آحاد: أنهم كانوا حكامًا ونوابًا عنه، وحكمُ الواحد مقبول، والشأن في خبره ساقط هنا؛ لأن الوفد جاؤوا متعلمين لأنفسهم، ومتطوعين بالنقل إلى قومهم، فخبرهم حينئذ خبر (٢) واحد حقيقة. * * * باب: مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالْوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]: عَلَى نِيَّتِهِ، "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ"، وَقَالَ: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". (الأعمال بالنية): أي: تُعتبر أو تصح (٣) أو تُجتلب، والأول أعم فائدة. وقيل: الأولى تقدير: واقعة؛ لأنه على القاعدة المطَّرِدة، وهذا مسلَّم في تقدير ما يتعلق به الظرف مطلقًا مع قطع النظر عن صورة خاصة.

стр. 291

وأما الصورة (١) المخصوصة، فبقدر ما يليق مما يدل عليه المعنى أو (٢) السياق؛ كما في قولك: زيد على الفرس، فيقدر: راكب، ولا ضير. والنِّيَّة -بالتشديد-: من نوى؛ أي: قصد، والأصل: نَوْيَة، فقلبت الواو ياء، وأدغمت، وقد تخفف ياؤه، فتكون من وَنَى: إذا أبطأ؛ لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء وتأخر، والباء للسببية (٣)، أو (٤) المصاحبة، وفي بعض الروايات: "بالنيات"، ومقابلتها الأعمالَ (٥) مقابلةُ الآحاد بالآحاد؛ أي: لكل عمل نيةٌ، أو (٦) إشارة إلى (٧) تنوع النيات؛ يعني: إن (٨) كان القصد رضا الله (٩)، فله مزية، أو دخول الجنة، فله مزية، أو الدنيا، فهو بقَدْرِها. (وإنما (١٠) لكل امرئ ما نوى): هذه غير الأولى، فإن الأولى (١١) منبهة على (١٢) أن العمل لا يصير حاملًا (١٣) لثواب و (١٤) عقاب إلا بالنية.

стр. 292

والثانية: على أن العامل يكون له من العمل على (١) قدر نيته، ولهذا أخرت الثانية على (٢) الأولى؛ لترتبها (٣) عليها. وقدَّره الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما (٤) يحصل لكل امرئ ثوابُ العمل الذي نواه. وعلى (٥) هذا: فالجملة الأولى لبيان ما يُجزى من الأعمال الدنيوية، والثانية؛ لبيان (٦) ما ترتب (٧) عليها (٨) من الثواب في الآخرة. وقال الخطابي: أفادت (٩) الثانية اشتراط تعينِ (١٠) المنوي، فلا يكفيه في الفائتة مجردُ نية الفائتة، بل لا بد أن يعينها، ولولا الثانية، لاقتضت الأولى صحة النية بلا تعيين، أو أوهمت ذلك، ثم من الأعمال ما لا يشترط فيه النية؛ كقضاء الدين، ومنها ما يشترط فيه؛ كالصلاة (١١). قال ابن المنير: وضابطه أن العمل الذي مقصودُه الثواب في الآخرة

стр. 293

هو محلُّ الاشتراط، والعمل الذي تظهر فائدته ناجزًا، و (١) تتقاضاه الطبيعة قبل الشريعة؛ لملاءمةٍ بينهما، لا تشترط فيه النية، فمن الأول: التيمم، ومن الثاني: إزالة النجاسة، وقد تختلف في بعض الصور؛ لتحقيق مناطٍ؛ كالوضوء، وحيث لا تشترط النية في إزالة النجاسة، وردِّ الوديعة، وقضاء الدين، فإنها تشترط لمن يرد (٢) مع الغرض العاجل الثواب الآجل. قال العلماء: والنيةُ والإيمان مما يُطلب به الثوابُ الآجل، مع أنه لا تشترط نيتهما، وما ذلك (٣) إلا لما يفضي إليه الاشتراط في النية من التسلسل، وفي الإيمان من (٤) الدور. قال: فالحق أن النية نفسَها تتعلق بنفسها، وبالمنويِّ، فهي كالعلم الذي يتعلق بنفسِه، وبالمعلوم، فلا تسلسل، وأما الإيمان، فلأنه نفسَه حضورٌ وتعظيم (٥) للحق، فهو متميز (٦) بنفسه؛ كالخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، فلا تحتاج إلى نية تشترط فيها (٧) شرعًا. هذا معنى كلامه (٨). قلت: وقد جعل القرافي النية مما صورته كافية في تحصيل مصلحته؛ إذ مصلحتها التمييز، وهو حاصل بها مع القصد وبدونه.

стр. 294

٤٧ - (٥٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله): مؤول على إقامة السبب مقام المسبب؛ لاشتهار المسبب (١)؛ أي: فقد استحق الثواب العظيم المستقر للمهاجرين. وقدر (٢) ابن دقيق العيد: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وعقدًا (٣)، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا (٤). ورده الزركشي: بأن المقدر حينئذٍ حال مُبَيِّنةٌ، فلا تحذف، واستند إلى نقل ذكره عن الزبيدي في "شرح الجمل" (٥). قلت: ظاهرُ نصوصهم جوازُ الحذف، ويؤيده: أن الحال خبر في المعنى، أو صفة، وكلاهما يسوغ حذفه؛ لدليل، فلا مانع في الحال أن يكون كذلك. وفيه: وضعُ الظاهر موضعَ المضمر؛ إذ الأصل: فهجرتُه إليهما، وفيه وجهان:

стр. 295

أحدهما: قصد الاستلذاذ بذكره، ولهذا لم يُعَدْ في الثانية، وهي قوله: "ومن كانت هجرته إلى دنيا" إعراضًا عن تكرير لفظ الدنيا، هذا معنى (١) كلام الفاكهاني في "شرح العمدة" (٢). وثانيهما: خشية الجمع بينهما في ضمير واحد (٣)، وفيه بحث قد مر. (دُنيا (٤)): -بضم الدال لا بكسرها- على المشهور تأنيث أَدْنى، فهي (٥) من باب أَفْعَلِ التفضيل، وهي نكرة، فكان حقُّها أن تلزم الإفرادَ والتذكير، لكنها خلعت عنها الوصفية غالبًا، فأجريت (٦) مجرى ما لم يكن وصفًا قطُّ؛ كرُجعى، وقد ظهر أنها ممنوعة من الصرف، وحُكي تنوينها. قال ابن جني: وهي نادرة. (أو امرأةٍ): قال الزركشي في تعليقه على "عمدة الأحكام": هو من عطف الخاص على العام؛ بدليل حديث: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" (٧).

стр. 296

وفيه ردٌّ على ابن مالك في "شرح عمدته": إذ زعم أن عطف الخاص على العام إنما يكون بالواو. قلت: إنما يرد (١) إذا قلنا: إن النكرة في سياق الشرط للعموم الشمولي، وفيه بحث؛ فقد قيل: إنما هي في سياقه (٢) للعموم البدلي؛ بدليل أنه إذا قال: إن رأيتِ رجلًا، فأنتِ طالق، وقع الطلاقُ برؤيةِ واحدٍ. * * * ٤٨ - (٤٨) - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ". (فِي فِي امرأتك): ويروى: "في فم امرأتك" (٣)، وهي لغة قليلة، قال القاضي: وفيه ست لغات: فَمٌ وفُمٌ وفِمٌ، ثم التشديد (٤). * * *

стр. 297

باب: قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ"، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] (باب قول النبي ﷺ : الدينُ النصيحةُ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم): قال ابن المنير: جاء حديث بلفظ (١) الترجمة، ولم يدخله البخاري، إنما أدخل معناه في الحديث الذي أورده. ووجه المطابقة: أنه ﵇ بايعهم على النصيحة كما بايعهم على الإسلام، فدل أنها معتبرة بعد الإسلام؛ خلافًا للمرجئة؛ إذ لا يعتبر عندهم سوى الإسلام، ولا يضر الإخلال بما عداه. وظن ابنُ بطال أن مقصود البخاري: الردُّ على من زعم أن الإسلامَ التوحيدُ (٢)، ويدخل فيه الأعمال، وهم القدريةُ (٣)، وهو ظاهر في العكس؛ لأنه لما بايعه على الإسلام، قال له: وعلى النصيحة، فلو دخلت في الإسلام، لما استأنف لها بيعة. ٤٩ - (٥٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. (قيس بن أبي حازم): بحاء مهملة وزاي. * * *

стр. 298

٥٠ - (٥٨) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ باتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ، فشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَب هَذَا الْمَسْجدِ! إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. (عِلاقة): بكسر العين. (فشرط علي: والنصحِ لكل مسلم): النصح -بالجر- معطوف على محذوف تقديره: فشرط عليَّ المبايعةَ على الإسلامِ، والنصحِ. * * *

стр. 299

كتاب العلم

стр. 300

كِتابُ العِلمِ باب: مَنْ سُئِلَ علمًا وهو مشتغلٌ في حديثهِ، فأتمَّ الحديثَ ثم أجابَ السائلَ ٥١ - (٥٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ح. وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ، قَالَ: "أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ". قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". (كتاب: العلم). (فُلَيْح): -بضم الفاء- مصغَّر.

стр. 301

(جاءه أعرابي): فيه استعمال جواب بينما (١) بدون إِذْ وإِذا، وهو فصيح، كما أن إثبات أحدهما فيه كذلك، وقد مر. (أين): مبتدؤه محذوف، وفسره (٢) الراوي بقوله: (أُراه: السائلُ عن الساعة): وأُراه (٣) -بضم الهمزة-؛ أي: أظنه، ويصح في السائل -الرفعُ- على معنى أراه يريد: أين السائل؟ فحُذف ما ذُكر، وذُكر ما حُذف، و -النصب- على معنى أُراه يريد: السائلَ. (قال: ها أنا): أي: حاضر. (قال: فإذا ضُيعت الأمانة): أي: إن شئت معرفة وقتها، فالفاء رابطةُ جواب الشرط. (وُسِّد): -بواو مضمومة- عند الجمهور، وزاد القابسي: "أُسِّد" -بهمزة- كوُقِّتت وأُقِّتت (٤)؛ أي: جُعل وأُسند (٥) (٦)، وفي باب: رفع الأمانة، أواخر الكتاب: "إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ" (٧). (إلى غير أهله): قال الزركشي: أي: جعل له غير أهله وسادًا، فتكون إلى (٨) بمعنى اللام (٩).

стр. 302

قال ابن المنير: وينبغي أن يُجعل هذا الحديث أصلًا في أخذ الدروس والقراءة والحكومات والفتاوى عند الازدحام على (١) السبق. * * * باب: من رفعَ صوتَه بالعلمِ ٥٢ - (٦٠) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبي بشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْركَنَا -وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ-، وَنَحْنُ نتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بأَعْلَى صَوْتهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَاب مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا. (عارم): بعين وراء مهملتين. (ماهَك): -بفتح الهاء- ولا ينصرف للعجمة والعلمية. وعن الأصيلي: -كسر الهاء، وصرفه-، ورأيت من نقل أن الدارقطني قال في "الأفراد": إن ماهك أُمه، واعتذر هذا الناقل عما في الترمذي: "عن يوسفَ بنِ ماهك، عن أمه مُسَيْكة" (٢) بتجويز أن تكون مُسيكةُ لقبًا (٣)، فإن صح هذا، فمنعُ الصرف متحتمٌ. (وقد أرهقتنا): -بتاء التأنيث- ونا ضمير نصب، وقوله: "الصلاة": مرفوع على أنه فاعل؛ أي: أعجلتنا الصلاة؛ لضيق

стр. 303

وقتها، ويروى: "أَرْهَقْنا" (١) بدون تاء، ونا فاعل، والصلاةَ مفعول؛ أي: أخرناها. (ويل للأعقاب من النار): يحتمل أن تكون الألف واللام للعهد (٢)، والمراد: الأعقاب التي رآها (٣) لم ينلها ماء، ويحتمل أن (٤) لا يخص بتلك الأعقاب المرئية له، بل المراد: كلُّ عَقِبٍ لم يعمَّها المطهرُ (٥)، فتكون عهديةً جنسية، ولا يجوز أن تكون الأداة للعموم المطلق. * * * باب: قولِ المحَدِّث: "حدثنا" أو "أخبرنا" أو "أنبأنا " ٥٣ - (٦١) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ". فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". (وإنها مَثَل المسلم): -بفتح الميم والثاء المثلثة-، وهو في الأصل (٦) بمعنى المِثل -بكسر الميم-، وهو النظير، واستعير للحال، أو (٧)

стр. 304

الصفة، أو (١) القصة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة، كأنه قيل: وإن مثلها؛ أي: حالها العجيبة الشأن كحال المسلم. (قال: هي النخلة): قال السهيلي في "التعريف": زاد فيه الحارث ابن أسامة في "مسنده": زيادة تساوي رحلةً عن النبي ﷺ أنه قال: "هِيَ النَّخْلَةُ (٢) لا تَسْقُطُ لَهَا أُبْلُمَةٌ (٣)، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ لا تَسْقُطُ لَهُ دَعْوَةٌ" (٤)، فبيَّنَ وجهَ الشبه، وساق الطحاوي هذا الحديث في معرض الاستدلال على أن الخبر والحديث واحد. وردَّه ابنُ المنير: بأنه أطلق فيه الحديث على المشافهة، ولا خلاف فيه (٥)، وإنما الخلاف في إطلاقه على البلاغ فقط. قال: وأحسنُ ما يشهد لذلك قولُ الرجلِ المؤمنِ الذي هو يومئذٍ خيرُ أهلِ الأرض للدجال: "أَنْتَ الدَّجَّالُ الكَذَّابُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " (٦)، وذلك الرجل إنما سمع (٧) بلاغًا، لا شِفاهًا. * * *

стр. 305

باب: طرحِ الإمامِ المسألةَ على أصحابه ليختبرَ ما عندهم من العلمِ ٥٤ - (٦٢) - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ". قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". (مَخْلَد): بميم مفتوحة وخاء معجمة ساكنة. * * * باب: الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بحَدِيثِ ضمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبيِّ ﷺ . أَخْبَرَ ضمَامٌ قَوْمَهُ بذَلِكَ فَأَجَازُوهُ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلَانٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ الْقَارِئُ: أَقْرأَنِي فُلَانٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ، فَلَا بَأْسَ

стр. 306

أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِم وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. (ضمام (١)): بضاد معجمة مكسورة. (بالصَّكِّ): -بفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف-: الكتاب، قال الجوهري: وهو فارسي معرب (٢). (محمد بن سَلام): -بتخفيف اللام- على الصحيح المشهور. * * * ٥٥ - (٦٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ -هُوَ الْمَقْبُرِيُّ-، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي نَمِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي الْمَسْجدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب؟ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ". فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ: أَسْأَلُكَ برَبكَ وَرَب مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ

стр. 307

السَّنَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أن تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ". فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بمَا جِئْتَ بهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ مُوسَى، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ بهَذَا. (ابن أبي نَمِر): بنون مفتوحة وميم مكسورة. (بين ظهرانَيْهم): يقال: أقام بين أَظْهُرِ القوم، وبينَ ظَهْرَيْهِم (١)، وبينَ ظَهْرانَيْهِم؛ أي: بينهم، وإقحامُ الأظهر، وهو جمعُ ظهر على معنى: أن إقامته فيهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ثم زيدت الألف والنون على ظهر عند التثنية للتأكيد (٢)، وكأَنَّ معنى التثنية: أن ظهرًا منهم قدامه، وآخر وراءه (٣)، فهو محفوف (٤) من جانبيه، ثم كثر حتى استُعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا. قلت: ثبوت النون مع الإضافة مشكل. (فقال له الرجل: ابنَ عبدِ المطلب): قال الزركشي: هو -بفتح الهمزة والنون- على النداء للمضاف، لا على الخبر، ولا على الاستفهام؛

стр. 308

بدليل قوله ﵊: "قد أجبتك"، ورواية (١) أبي داود: "يا بنَ عبدِ المطلب! " (٢) (٣). قلت: إن ثبتت الرواية -بفتح الهمزة-، فلا كلام، وإلا، فلا مانع من أن تكون همزة الوصل التي في ابن سقطت للدرج، وحرف النداء محذوف، وهو في مثله قياس مطَّرِدٌ بلا خلاف، ولا دليل في شيء مما ذكره على تعيين فتح الهمزة. (أَنشُدُك): -بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة-؛ أي: أسألك. (آللهُ): بالمد (٤) مع الرفع. (أن نصلي الصلوات (٥)): -بالنون- عند الأصيلي، و -بالتاء (٦) - عند غيره، قال القاضي: والأولُ أوجه (٧). (فتَقسمها): -بفتح التاء-، ولم يسأله عن الحج، لأنه (٨) كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم (٩).

стр. 309

(آمنت بما جئتَ به): وليس مستندُه في الإيمان السؤالَ والجوابَ والقسمَ خاصة، بل مستندُه (١) المعجزات التي آمنَ عليها البشر، وإنما هذا السؤالُ والاستفهام على (٢) الوجه الذي (٣) وقع من بقايا جَفاءِ (٤) الأعراب الذين وَسِعَهُمْ حلمُه ﵊. * * * باب: مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ، وَكِتَاب أَهْلِ الْعِلْمِ بالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بهَا إِلَى الآفَاقِ. وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بحَدِيثِ النَّبيِّ ﷺ ؛ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بأَمْرِ النَّبيِّ ﷺ . (نسخ عثمانُ المصاحفَ، فبعث بها (٥) إلى الآفاق): سُئل ابن المنير عن وجه إدخال هذا في المناولة والإجازة مع أن القرآن إنما يثبت بالتواتر؟ وأجاب (٦): بأنَّ المستفاد من بعث المصاحف والمناولة فيها إنما هو

стр. 310

الإسناد إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن، فإذا رأينا في الإمام (١) حرفًا مما اختلف السبعة فيه، جاز أن يسند إلى عثمان أنه قرأ بذلك، وإن كنا لم نسمع قراءته، وهذا كما يروي التلميذ عن المقرئين السبع (٢)، ويسند إليهم (٣)، وإن كانت السبع (٤) متواترة عنده من غير الشيخ. قال: وهذا تحقيق يرتفع به الإشكال عن عنعنة (٥) القرآن، وإسنادِها إلى الآحاد، [فلا يظن أنّا أثبتنا القرآن بالآحاد، بل بالتواتر، وأولئك الآحاد] (٦) من جملة عدد التواتر، ومزيتهم (٧) الشهرةُ بالحذقِ والتجويد في الأداء. قلت: وبهذا يجاب عما حكاه شيخنا أبو عبد الله بن عرفة عن شيخه ابن عبد السلام، وابنِ إدريسَ من أن السبعَ غيرُ متواترة، مستدِلَّيْنِ بأن شرط التواتر استواءُ الطرفين فيه والوسطِ، والسبعُ تنتهي إلى أبي عمرٍو الداني. قال شيخنا ﵀: وكان جوابي للشيخين (٨): منعُ حصرِ وقفِها على الداني، بل شاركه في ذلك عدد كثير، والخاصُّ به شهرتُها فقط، وهذا قريب مما سبق.

стр. 311

(حيث كتب لأمير السرية كتابًا): أمير السرية عبدُ الله بن جحش ﵁، وهي ثمانيةُ رَهْطٍ من المهاجرين: سعدُ بنُ أبي وَقَّاص، وعُكَّاشَة، وعُتْبَةُ بنُ غَزوانَ، وأبو حذيفةَ بنُ عتبةَ بنِ ربيعةَ، وسُهَيل بنُ بيضاءَ، وعامرُ بنُ ربيعةَ، وواقدُ بنُ عبد الله، وخالدُ بنُ البُكَير. ونص الكتاب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" أمّا بعد: "فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ بمَنْ مَعَكَ (١) مِنْ أَصْحَابكَ حَتَّى تَنْزِلَ ببَطْنِ (٢) نَخْلَةَ (٣)، فَتَرَصَّدْ بهَا عِيرَ قُرَيْشٍ؛ لَعَلَّكَ أَنْ تَأْتِيَنَا بخَبَرٍ مِنْهُ (٤) " (٥). * * * ٥٦ - (٦٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بكِتَابهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ، مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّب قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.

стр. 312

(بعث بكتابه رجلًا): هو عبدُ اللهِ بنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ، وقيل: خُنَيْسٌ أخوه، ذكره ابن بَشْكَوالَ عن عُمَرَ بنِ شَبَّةَ (١)، وتُعقِّب بأن خُنيسًا مات في أُحد، وهي في (٢) الثالثة، والرسلُ إلى الملوك إنما كانوا في السابعة. وحكى ابنُ بَشْكوال في رواية: أن هذا الرجل كان شُجاعَ بنَ وَهْبٍ (٣)، وتُعُقِّبَ بأن شجاعًا كان الرسولَ إلى الحارثِ بنِ أبي شَمِرٍ الغَسَّاني. (فدفعه (٤) عظيم البحرين): قلت (٥): لعله المنذِرُ بنُ ساوَى العَبْدِيُّ. (إلى كَسرى): -بفتح الكاف وكسرها-: هو ابنُ هُرْمُزَ، وهو أَبْرَويز (٦)، ومعناه بالعربية: المظفَّر. قال ابن المنير: ووجهُ (٧) دخولِ كسرى في المناولة: أنه ﵊ لم يقرأ كتابه على رسوله، ولكنْ ناولَه إياه، وأجازَ له أن يُسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتابُ رسولِ الله ﷺ ، ويلزم المبعوثَ إليه العملُ بما فيه، وهذه ثمرة الإجازة من (٨) الأحاديث.

стр. 313

(فحسبت أن ابن المسيَّب): -بكسر الياء وفتحها-، قال السفاقسي: -وبالفتح- رويناه (١). * * * باب: مَنْ قَعَدَ حيثُ ينتهي به المجلسُ، ومن رأى فرجةً في الحلْقة فجلس فيها ٥٧ - (٦٦) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ، فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَلَا أُخْبرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ، فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ". (مولى عَقيل): بفتح العين. (نَفَر): -بالتحريك-: عدة (٢) رجال (٣) من ثلاثة إلى عشرة. (فُرْجَة): -بضم الفاء وفتحها-: هي الخالية بين شيئين.

стр. 314

قال السفاقسي: -وبالضم- رويناها، وهي -بالفتح- انفراجُ الهمِّ؛ كقوله: [من المنسرح] رُبَّمَا تَجْزَعُ (١) النُّفُوسُ مِنَ الأَمْـ (٢) ... ـرِ لَهُ (٣) فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ (٤) (٥) (في الحلْقة): -بإسكان اللام لا فتحها- على المشهور. قال العسكري: وهي كلُّ مستديرٍ خالي (٦) الوسطِ، والجمعُ حَلَق -بفتح الحاء واللام (٧) - (٨). (فأوى إلى الله): أي: انضم إلى فضل الله. (فآواه الله): أي: جعل له (٩) في المجلس مكانًا وفُسحةً. وقيل: قَرَّبَه إلى (١٠) موضعِ نبيه. وقيل: يحتمل أن يؤويه يوم القيامة إلى (١١) ظل عرشه. قال القاضي: أشهر ما يُقرأُ بقصر الألف من الكلمة الأولى، ومدِّها من

стр. 315

الثانية المعدَّاة، وإن كان عند أهل اللغة في كل من الكلمتين الوجهان (١). (فاستحيا، فاستحيا الله منه): يجوز أن يكون للمشاكلة (٢)، وأن يكون من الاستعارة كما في: "إِنَّ (٣) اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي (٤) إِذَا رَفَعَ العَبْدُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا حَتَّى يَضَعَ فِيهِمَا خَيْرًا" (٥). * * * باب: قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ " (رُبَّ مبلَّغ): اسمُ مفعول، فاللام (٦) -مفتوحة-، وغلط من كسرها. (أوعى): صفة لمجرورِ رُبَّ، والعاملُ الذي يتعلق به محذوف؛ أي: يوجد، هذا هو (٧) مذهب الأكثرين. ٥٨ - (٦٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبيهِ: ذَكَرَ النَّبيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بخِطَامِهِ -أَوْ بزِمَامِهِ-، قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ

стр. 316

هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بغَيْرِ اسْمهِ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ بذِي الْحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". (بشْر): بكسر الباء وبالشين المعجمة. (عن أبيه، قال ذكر النبي ﷺ ): الضمير في "قال، وذكر": يعودان على أبي بكرة، والنبيَّ مفعول بذَكَر، فهو منصوب، وذكر جملة حالية من فاعل قال، فيقدر قد؛ مثل: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]؛ أي: قال أبو بكرة في حال كونه قد ذكر النبي ﷺ . (قعد على بعيره): معمول القول، وإنما قعد (١) لحاجته إلى إسماع الناس، والنهي عن اتخاذ ظهورها منابرَ محمولٌ على ما إذا لم تَدْعُ إليه حاجة (٢). (وأمسك إنسان بخِطامه): بكسر الخاء المعجمة. (أو بزمامه): كلاهما بمعنىً، وإنما شك الراوي في اللفظِ المسموعِ منها. وفي "الطبراني الأوسط": "عن أُمِّ الحُصَيْنِ، قالت: حججتُ مع رسول الله ﷺ حجةَ الوداع، فرأيت بلالًا وأسامةَ، و (٣) بلالٌ يقود خِطام

стр. 317

راحلته، والآخرُ رافعًا ثوبَه يستُره (١) من الحر حتى رمى جمرةَ العقبة، ثم انصرفَ، فوقف على الناس، فقال قولًا كثيرًا" الحديث (٢). فيحتمل أن يفسر الإنسان المبهم في البخاري ببلال، وفي النسائي (٣): حديث أم الحصين، وفيه التصريح بأن القائد بلال، فتأمله. (بذي الحِجة): هو في "الصحاح" (٤) -بكسر الحاء-، وأباه قوم (٥). وقال القزاز (٦): الأشهر فيه الفتح. (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام): هذا من باب المقتضى، وذلك أن الذوات لا تحرم، فلا بد من تقدير شيء يصحح الكلام. قال الزركشي: هو على حذف مضاف (٧)؛ أي: سفكَ دمائكم، وأخذَ أموالكم، وثلبَ أعراضكم، فيقدر لكل ما يناسبه (٨). قلت: أولى من تقديره أن يقدر كلمة انتهاك مرة واحدة، والأصل: فإن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، ولا حاجة إلى تقديره مع كل واحد من هذه الأمور؛ لصحة انسحابه على الجميع (٩)، وذلك لأن انتهاك الشيء: تناولُه بغير حق، نص عليه القاضي، مع أن في هذا التقدير

стр. 318

غنيةً عما يحتاج إليه الأول، وذلك لأن سفكَ الدم وأخذَ المال وثلبَ العرض إنما يحرم إذا كان بغير حق، فلا بد من تقدير ذلك على الأول، وأما مع تقدير الانتهاك الذي هو (١) مفهومُه: تناولُ الشيء بغير حق، فلا يحتاج إليه. (كحرمة يومكم هذا): استشكل؛ لأن حرمة الدماء أعظمُ من حرمة حشيش الحرم وقتل صيده، فكيف شبهت بما هو (٢) دونها؟ وأجيب: بأن مناط التشبيه ظهورُه عند السامع، وتحريمُ اليوم كان أثبتَ في نفوسهم من حرمة الدماء؛ إذ هي عادةُ سلفهم، وتحريمُ الشرع طارئ، فإنما شبه الشيء بما هو فوقه باعتبار ظهوره عند السامع. (فإن الشاهد عسى أن يبلغه (٣) من هو أوعى له): أي: الحديث (٤). (منه): فيه أنه (٥) قد يأتي مَنْ يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك قليل؛ لأن ربَّ للتقليل، وعسى للطَّمَع، لا للتحقيق. وفيه (٦): الأخذ عن حامل العلم، وإن جهل معناه، وهو مأجور في تبليغه، قيل: ويعد من العلماء. قال ابن المنير: وفيه: أن تفسير الراوي مقبول، وأنه أولى من اجتهاد المتأخر (٧)؛ لأنه ﵇ قلل كونَ المتأخر مرجَّحَ النظر على المتقدم.

стр. 319

باب: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فَبَدَأَ بالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبيَاءِ -وَرَّثُوا الْعِلْمَ- مَنْ أَخَذَهُ، أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بالتَّعَلُّمِ". وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ-، ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ، لأَنْفَذْتُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ: الَّذِي يُرَبي النَّاسَ بصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. (باب: العلم قبل القول والعمل): قال ابن المنير: ترجم (١) على مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذهن من قولهم: إن العلم لا ينفع إلا بالعمل الصحيح (٢) في طلب العلم، فأراد البخاري: أن العلم شرط في القول، وفي العمل (٣)، لا يعتبران إلا به، وهو متقدم عليهما، وواجب قبلهما؛ لأنه مصحح للنيةِ (٤) المصححةِ للعمل.

стр. 320

(وإنما العلم بالتعلم): -بضم اللام مشددة-، قيل: هو الصواب، ويروى: "بالتعليم"، وهو حديث رواه الحافظ أبو نعيم في "رياضة (١) المتعلمين": عن أبي الدرداء مرفوعاَ: "إِنَّمَا العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ (٢)، وَمَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ (٣) " (٤). (الصَّمصَامة): -بفتح الصادين المهملتين-: السيف الصارم. (أُنفذ): مضارع للمتكلم -بذال معجمة-؛ أي: أُمضي. (تجيزوا): مضارع أجاز -بزاي-؛ أي (٥): تقتلوني. * * * باب: ما كان النبيُّ ﷺ يتخوّلُهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ٥٩ - (٦٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ؛ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. (يتخولنا): -بخاء معجمة (٦) ولام-؛ أي (٧): يتعهدنا (٨)، أو يتخذنا
следующие страницы →