← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

١٥٥٤ - (٢٨٠٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَقَدْ دَمِيَتْ إصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَاّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ". (فقال: هل أنتِ إلا إصبغٌ دَميتِ، وفي سبيل الله ما لَقيتِ): هذا مما تعلق (١) به الملحدون في الطعن، فقالوا: هذا شعرٌ نطق به، والقرآنُ يشهد بخلافه. وأجاب القاضي: بأن الوزن في هذا الكلام غيرُ مقصود، فليس بشعر، وذلك غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلامٌ موزون، ولا يُعَدُّون بذلك شعراء؛ مثل قولهم: اسْقِني في الكُوزِ ماءً يا غُلامْ ... وَاسْرِجِ البَغْلَ وَجِئْني بِالطَّعَامْ وقولهم: مَنْ يَشْتَرِي لي أَلْفَ بَاذِنْجَانَهْ وساق من ذلك أشياء، ثم قال: والرجزُ عندي غيرُ شعر. قال ابن المنير: وقفتُ على كلام القاضي في هذا الفصل من كتاب "الانتصار" (٢)، وما استحسنت استشهاده بالعامة، ولا ذِكْرَه للفظِ الباعَة، ولا حاجة عند العلماء بكلام العرب إلى هذا؛ فإن العرب لا تَعُدُّ الشعرَ بيتاً واحداً، بل أقلُّه بيتان، وهذا لم يَجْرِ على لسانه ﵇ قَطُّ.

стр. 2557

وأما هذا الرجز، فالصحيح أنه بيت واحد، ثم الرجزُ على الخصوص قريبٌ من النثر، بل قيل فيه: إنه ليس بشعر، وشرطُ الشعر أن يَشعر به قائله، ويقصده، ويدل على أن الرجز نثر، أو قريب منه: أن البيت الواحد من غيره كان لا يلتئم على لسانه ﵇؛ لأنه شعر، فَغَيَّرَهُ الله على لسانه؛ كقوله يحكي قولَ العباسِ بنِ مرداسٍ: أنت القائلُ: أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ ... بَيْنَ الأَقْرَعِ وَعُيَيْنَه (١)؟ فقال أبو بكر: أشهدُ أنك رسولُ الله حقاً. قلت (٢): بين أول كلامه وآخره تدافُع، وذلك أنه قرر أولاً أن البيت الواحد ليس بشعر، وقرر آخراً (٣) أن البيت الواحد من غير الرجز شعر، ولذلك لم يلتئم على لسانه ﵊. ثم (٤) ادعاؤه أن ما في الحديث بيتٌ واحد من الرجز على الصحيح لا يقوم عليه دليل؛ لجواز كونه بيتين من مشطور السريع. والمخلص هو ما أشار إليه من أن القصد إلى الوزن معتبر في كون الكلام شعراً، ولا نسلم وجوده فيما في الحديث، سواء كان بيتاً، أو بيتين. ثم تعريفُهم الشعر بأنه (٥) الكلامُ الموزونُ بوزنٍ مقصودٍ عربيٍّ (٦) ينطبق

стр. 2558

على البيت وحده، وعليه مع غيره. * * * باب: مَنْ يُجْرَحُ في سَبِيلِ اللهِ ١٥٥٥ - (٢٨٠٣) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَاّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ". (لا يُكلَم) -بضم أوله وفتح ثالثه (١) مبني للمفعول-؛ أي: لا يُجْرَح. (واللهُ أَعْلَمُ (٢) بمن يُكْلَم في سبيله): فيه إشارة إلى (٣) أنه ليس كلُّ مَنْ جُرِحَ (٤) في الغزو تكون هذه حالته عند الله حتى تصح نيته، ويعلمَ اللهُ من قلبه أنه خرج مخلصاً لوجه الله تعالى، لا يشوب ذلك شيء آخر (٥). (و (٦) اللونُ لونُ الدم، والريحُ ريحُ المسك): أُخذ منه أن الشيء (٧) إذا

стр. 2559

حال عن حالة إلى غيرها، كان الحكمُ لما انتقل إليه؛ كالماء تحلُّ فيه نجاسة، فتغير أحدَ أوصافه. وعورض بأن المرادَ بالخبر (١) التذاذُ المجروح (٢) بأثر جرحه كالتذاذِ المتضمِّخِ بالمسك برائحته (٣)، وهذا لا يشبه الأحكام الشرعية. وما أحسنَ قولَ ابنِ نُباتةَ مقتبساً من هذا الحديث: لايُنْكِرُ الكاسِرُ أَجْفَانَهُ ... دَمَ الشَّهِيدِ الصَّابِرِ المُغْرَمِ فَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ في خَدِّهِ ... كَمَا تَرَى واللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ * * * باب: قَوْلِ اللهِ : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] وَالْحَرْبُ سِجَالٌ (باب قولِ الله : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾، والحرب سجال): جعل ابنُ بطال وجهَ تعلُّق حديث ابن عباس: "الحربُ (٤) سجالٌ" بالآية المذكورة أنها مصدِّقَةٌ له، وهو مُبيِّنٌ لها؛ لأن الحرب إذا كانت (٥) سجالاً، فهي إحدى الحسنيين؛ لأنها إن كانت علينا، كانت الشهادة،

стр. 2560

وهي أكبر الحسنيين، وإن كانت لنا، فالغنيمة، وهي أصغرهم (١)، فالحديث مطابق (٢). قال ابن المنير: والتحقيق أن البخاري ما ساق الحديث إلا لقوله فيه: "وكذلكَ الرسُلُ تُبتلى، ثم تكونُ لهم العاقبة"، فبهذا يتحقق أنهم على إحدى الحسنيين، إن انتصروا، فلهم العاجلة والعاقبة، وإن انتصر عدوهم، فللرسل العاقبة، وهي خير من العاجلة وأحسنُ، ففي تمام حديث هرقل تظهر المطابقة، بل تحصل المطابقة من مجرد قوله: الحربُ سِجال؛ لأن المراد: لنا تارة، ولهم تارة، فإن كانت شهادة، فالدولة للعدو، وإن كانت غنيمة، فالدولة للمسلمين، إلا أن الفرق أن الدولة إذا كانت للمسلمين، لم يكن للعدو ما يجبرهم (٣)، وإن كانت الدولة للعدو، كان (٤) للمسلمين ما يجبرهم، وهو فضل الشهادة. * * * باب: قَولِ اللهِ : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ١٥٥٦ - (٢٨٠٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَاَلْتُ أَنسَاً. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ، قَالَ:

стр. 2561

حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ ابْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ، لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: أَصْحَابَهُ-، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: الْمُشْرِكينَ-، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ! الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعاً وَثَمَانِينَ: ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْناَهُ قَدْ قُتِلَ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَاّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى، أَوْ نظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلَى آخِرِ الآيَةِ. (فلما كان يومُ أحد): برفع "اليوم" على أنه فاعل بـ "كان" التامة. (وانكشف المسلمون): أي: انهزموا. (قال): جواب لما. (اللهم أني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: أصحابه-، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين-): هذا من (١) أبلغ كلام وأفصحِه؛ حيث قال في حق المسلمين: أعتذرُ إليك، وقال في حق المشركين: أبرأُ إليك،

стр. 2562

فاعتذرَ عن الأولياء، وَتَبَّرأ عن الأعداء، مع (١) أنه لم يرضَ الأمرين جميعاً، لكنهما متقاربان، قاله ابن المنير. * * * باب: عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤]. (باب: عمل صالح قبل القتال). (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾): قال ابن المنير: المطابقة بين الترجمة وما بعدها ظاهر، إلا في هذه الآية، لكن وجهها على الجملة: أن الله عاتبَ مَنْ (٢) قال: إنه يفعل (٣) الخير، ولم يفعله، ثم أعقبَ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، فأثنى على مَنْ (٤) وَفَى وثبتَ، ثم قاتل، والله أعلم (٥). وأنكر اللهُ على من قدَّمَ على القتال قولاً غيرَ مَرْضي؛ لأنه قد كشف

стр. 2563

الغيب أنه أخلف، مفهومه: أن الفضلَ (١) في الصدقِ، والعزمِ (٢) الصحيح على الوفاء، وذلك من أصلح الأعمال. انتهى. و (٣) ليس كلامه هذا بالقوي، فتأمله (٤). * * * باب: مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ ١٥٥٧ - (٢٨٠٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرِاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ-؛ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ، صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". (أن أم الرَّبَيِّع): بتشديد المثناة التحتية. (بنتَ البراء (٥)، وهي أم (٦) حارثةَ بنِ سُراقةَ): المعروف أن أم حارثةَ بنِ سراقة هي الرُّبَيِّعُ بنتُ النَّضْرِ بنِ ضَمْضَم، فهي عمةُ أنسِ بنِ مالك؛ لأن مالكاً

стр. 2564

وأنساً والربيع أولادُ النضرِ بنِ ضمضمٍ، قاله ابن الأثير (١)، وغيره. وقد أخرج الترمذي الحديث من طريق قتادة عن أنس: أن الربيعَ بنتَ النَّضْرِ أتتِ النبيَّ ﷺ ، وكان ابنها حارثةُ أُصيب يومَ بدرٍ، (٢) الحديث، وهذا قد انفرد البخاري به من رواية شيبان، عن قتادة. (أصابه سَهْمٌ غَرَبٌ): أي: لا يُعرف راميه، يقال: بفتح الراء وإسكانها، وبالإضافة على الصفة لسهم، وقيل: هو بالسكون: إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح: إذا رماه فأصابَ غيره (٣). (فإن كان في الجنة، صبرتُ): قال ابن المنير: وإنما شَكَّتْ في أمره (٤)؛ لأن العدو لم يقتله قَصْداً، وكأنها فهمتْ أن الشهيدَ هو الذي يُقتل قصداً؛ لأنه الأغلب، فَنَزَّلَتِ الكلامَ على الغالب حتى بَيَّنَ لها الرسولُ العمومَ. * * * باب: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا ١٥٥٨ - (٢٨١٠) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ

стр. 2565

كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجلُ يُقاتِل للمغنم): هذا الرجل [يحتمل تفسيره بما ذكره في "أسد الغابة" في اللام، فقال: لاحِقُ بنُ ضُمَيرةَ الباهِلِيُّ] (١)، فأخرج عن سليم بن عامر، قال: سمعتُ لاحِقَ بنَ ضميرةَ الباهليَّ يقول: وفدتُ على رسول الله ﷺ ، فسألتُه عن الرجل يغزو و (٢) يلتمس الأجرَ والذِّكْرَ، فقال النبي ﷺ : "لا شَيْءَ لَهُ؛ إِنَّ اللهَ ﵎ لا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَاّ مَا كَانَ خَالِصاً، وَمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ" (٣). وفي "جزء ابن أبي الحديد": عن معاذ بن جبل: أنه قال: يا رسولَ الله! كُلُّ بني سَلِمَةَ يُقاتل، فمنهم من يُقاتل رياءً، ومنهم مَنِ القتالُ خليقَتُهُ، ومنهم من يُقاتل، احتساباً، فقال: "كُلُّ هَذِهِ الخِصَالِ، مَنْ يُقَاتِلْ عَلَيْهَا وَأَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ" (٤). فيستفاد من هذا الحديث أن القائل مُعاذٌ. وفيه فائدة أخرى، وهي تعيين بني (٥) سَلِمَةَ، ولكن العبرةَ بعموم اللفظ، لا بخصوصِ (٦) السبب. * * *

стр. 2566

باب: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] (باب: من اغبرَّت قدماه في سبيل الله، وقولِ الله (١) -: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية (٢)): ووجه المطابقة بينها وبين الترجمة بآخر الآية عند قوله: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فأثابهم بخطواتهم، وإن لم يلقوا قتالاً. ١٥٥٩ - (٢٨١١) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أِبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَناَ عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ -هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ". (يزيد بنُ أبي مريم): -بالمثناة التحتية والزاي-، روى له (٣) البخاري هذا الحديث الواحد، وفي الجمعة (٤). * * * باب: مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ النَّاسِ في السَّبِيلِ ١٥٦٠ - (٢٨١٢) - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَهَّابِ،

стр. 2567

حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآناَ، جَاءَ، فَاحْتَبَى وَجَلَسَ، فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ الْمَسْجدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ، وَقَالَ: "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". (فأتيناه وهو وأَخوهُ في حائطٍ لهما (١)): قال الدمياطي: لم يكن لأبي سعيدٍ الخدريِّ أخٌ بالنَّسَب سوى قَتادةَ بنِ النعمانِ الظفريِّ؛ فإنه كان أخاه لأمه، ومات قتادةُ في عهد عمرَ، وكان عُمْرُ أبي (٢) سعيد حين بُني المسجد نحوَ عشرِ سنين (٣). (لَبِنه لَبِنة): بفتح اللام وكسر الموحدة. قال الزركشي: بكسر اللام وإسكان الباء (٤). (ويح عمار): يترحَّم له. * * * باب: الْغَسْلِ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْغُبَارِ (باب: الغسل بعد الحرب والغبار): قال ابن المنير: إنما بوب عليه؛ لئلا يُتوهم كراهيةُ غسلِ الغبار؛ لأنه من جميل الآثار؛ كما كره بعضُهم

стр. 2568

مسحَ ماء الوضوء بالمنديل، فبين جوازَه بالعمل المذكور (١). * * * ١٥٦١ - (٢٨١٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، بنُ سلامٍ أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَوَضَعَ السِّلَاحَ، وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ فَوَاللهِ! مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَيْنَ؟ "، قَالَ: هَاهُنَا، وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . (وقد عصبَ رأسَه الغبارُ) (٢): -بتخفيف الصاد المهملة-؛ أي: أحاطَ به كالعصابة تُحيط بالرأس، ومنه سُميت قَرابةُ الرجلِ لأبيه عَصَبَةً (٣). * * * باب: فَضْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١] (باب: فضل (٤) قول الله (٥) -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي

стр. 2569

سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وساق في هذا الباب ما رواه عن جابر بن عبد الله: * * * ١٥٦٢ - (٢٨١٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: اصْطَبَحَ ناَسٌ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ، فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا فِيهِ. (اصطبحَ ناسٌ (١) الخمرَ يومَ أُحد، ثم قتلوا شهداء): قال المهلب: يعني: والخمرُ في بطونهم، [وإنما كان هذا قبل نزول تحريمها، فلم يمنعْهم ما كان في علم الله من تحريمها، ولا كونها في بطونهم] (٢) من حكمِ الشهادةِ وفضلِها؛ لأن التحريمَ إنما يلزمُ بالنهي، وما (٣) كان قبل النهي، فهو مَعْفُوٌّ عنه. قال ابن المنير: إن أراد بمعفو عنه: غيرَ مخاطَب به، فصحيح، وإن أراد: أن هناك ذنباً أو شبهةَ ذنب، فُعفي عنه، فغيرُ صحيح؛ إذ لا حكمَ قبل ورود الشرع. وأما مطابقة الترجمة لحديث جابر: فعسِرٌ جداً، إلا أن يكون مرادُه

стр. 2570

التنبيهَ على أن الخمر التي شربوها لم تضرّهم؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم بعدَ موتهم، ورفعَ عنهم الخوفَ والحزن، وما ذاك إلا لأن (١) الخمر كانت يومئذ مباحةً، ولا يتعلق التكليفُ (٢) بفعل المكلف باعتبار ما في علم الله تعالى حتى يُبَلِّغه (٣) رسولُه. قلت: لم تحصل النفس على شفاء من مطابقة الحديث للترجمة؛ لأن هؤلاء الذين اصطبحوا ثم ماتوا وهي في بطونهم، لم يفعلوا ما يُتوقع عتابٌ ولا عقابٌ؛ ضرورةَ أنها كانت مباحةً حينئذ، فهي كغيرها من مباحاتٍ صدرت منهم في ذلك اليوم، فما الحكمة (٤) في تخصيص هذا المباح بالذكر دون غيره؟ فتأمله (٥). * * * باب: ظِلِّ المَلَائِكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ ١٥٦٣ - (٢٨١٦) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ابْنُ عُيَيْنَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: جِيءَ بِأَبي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَوُضعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو،

стр. 2571

فَقَالَ: "لِمَ تَبْكِي؟ -أَوْ: لَا تَبْكِي-، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا". قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أَفِيهِ: حَتَّى رُفِعَ؟ قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ. (لم تبكي؟ أو لا تبكي): هذا شكٌّ من الراوي هل قال لغيرها: لم تبكي؟ أي: لم تبكي (١) هي؟ وإلا، فلو كان مخاطِباً لها، لقال: لم تبكين؟ أو نهاها عن البكاء، فقال لها: لا (٢) تبكي (٣). * * * باب: الْجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ (باب: الجنةُ تحتَ بارقةِ السيوف): لمعِها، مأخوذٌ من البريق. ولابن السكن: "تحت الأبارقة"، والإبريق: السيف، ودخلت الهاء عوضاً عن الياء (٤). قال ابن المنير: ولم يذكر البخاري في الحديث ما يوافق لفظَ الترجمة، فكأنه (٥) أشار بها إلى حديثٍ ليس على شرطه، واستنبطَ معناه بما هو على شرطه؛ فإنه إذا أُثبت لها (٦) ظِلال، ثبت لها بارقةٌ ولمعان (٧)، وهذا معنى

стр. 2572

كلامه، وذكر [٥] الزركشيُّ على العادة غيرَ مَعْزُوٍّ (١). * * * باب: مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلْجِهَادِ ١٥٦٤ - (٢٨١٩) - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِئَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ-، كُلُّهُنَّ تأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَاّ امْرَأَةٌ واحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَاناً أَجْمَعُونَ". (فقال صاحبه: إن شاء (٢) الله، فلم [يقل: إن شاء الله، فلم] (٣) تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشِقِّ رجلٍ): قال المهلب: في الحديث حضٌّ على طلب الولد بنيةِ الجهاد في سبيل الله، وقد يكون الولد يخالف ما أَمَّلَه (٤)، فيكون كافراً، ولكنْ قد تم له الأجرُ في نيته وعمله. وفيه (٥): أن المستثني بمشيئة الله جديرٌ بأن يُعطى أُمنيته.

стр. 2573

وفيه: أن الاستثناء قد يكون بإثر القول، وإن كان فيه سكوت يسير لم ينقطع به دونه (١)، فيكن حائل بين الاستثناء والتمييز. قال ابن المنير: مذهبُ مالك: الاستثناءُ متى انفصل من الكلام بغير سُعال ونحوِه، لم يُفِدْ، وإن قلَّ زمنُ السكوت، والاتصالُ عندنا شرط، ومحْملُ حديثِ سليمان ﵊: أن صاحبه قال له قبلَ أن يُتم كلامه: قل: إن شاء الله؛ بحيث لو استثنى، لاتصل استثناؤه، فليس فيه نقضٌ لمذهب مالك. قلت: هذا خلافُ ظاهر الحديث، وذلك أن نصَّ المتن: "قالَ سليمانُ ابنُ داودَ: لأطوفنَّ الليلةَ على مئة امرأة، أو تسع وتسعين، كلُّهن تأتي بفارسٍ يجاهد في سبيل الله، فقال صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل" إلى آخره. فظاهر الحديث أو صريحه في أن إشارة الملك عليه بقوله: "إن شاء الله" كانت بعد تمام كلام سليمان ﵇؛ لعطفه الجملةَ الفعليةَ المتعلقةَ بالملك بالفاء المقتضيةِ للتعقيبِ على الجملة الفعلية بتمامِها المتعلقةِ بسليمان. ثم قال ابن المنير: لا يقال: الاستثناءُ المشروطُ اتصالُه هو الرافِعُ للتمييز، وأما الاستثناء المفروضُ في هذا الكلام، فهو استثناءُ التبرُّكِ، ولا يَحل اليمينَ؛ لأنا نقول: اشتراطُ الاتصال قضيتُه (٢) لفظية يستوي فيها أنواع الاستثناء.

стр. 2574

إن قلت: ظاهره (١): أن من نسي الاستثناء بالمشيئةِ المقصودِ بها (٢) التبركُ، ثم استدركَ عن قُرب، لا يحصل له فضل التبرك؛ لفواتِ شرطه، وهو الاتصال. وفيه نظر. [ثم قال: وقوله: إن ثوابَ من ينوي الولدَ يكمُل بمجرد نيته. وفيه نظر] (٣)، فليس ثوابُ مَنْ وُلد له ولدٌ فجاهدَ على وَفْقِ نيةِ الأبِ ما شاء الله من الأعوام، ودفعَ ونفعَ كثوابِ من خرجَ ولدُه كافراً، أو زَمِناً، أو مُتهاوِناً، وإن كان أبوه نوى غير ذلك، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤]. قلت: ليس في كلام المهلب ما يقتضي ورودَ النقض (٤) بما قاله، وذلك لأنه قال: من طلب الولدَ بنية الجهاد؛ يعني: وعَمِلَ عَمَلَ (٥) ما يكون غيرَ الولد من وِقاع أهله، فقد تم الأجرُ بنيته وعمله؛ أي: على نيته وعمله هو في نفسه، وهذا أمرٌ لا نزاع فيه، ولا دلالة فيه على (٦) ثبوت أجر ما كان يتصوره هو (٧) من جهاد ولده، وإن لم يقع، [ولا يخفى أن عمل الولد غيرُ عمل الأب، فكيف يحصل الثواب (٨) من غير عمله الذي لم يقع في

стр. 2575

الوجود؟] (١) هذا ما لا سبيل إليه هنا أصلاً، نعم يُثاب على نيته، والسعيِ في تحصيل الولد بهذا القصد الجميل، وهو مراده بقوله: عمله؛ كما قدمناه، فتأملْه. * * * باب: الشَجَاعَةِ في الحَرْبِ والجُبْنِ ١٥٦٥ - (٢٨٢١) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً، وَلَا كَذُوباً، وَلَا جَبَاناً". (مَقْفَلَه (٢)): -بميم مفتوحة فقاف ساكنة ففاء فلام مفتوحتين-: اسمُ زمان، فقوله: "من حُنين": -بحاء مهملة مضمومة ونونين (٣) بينهما ياء تصغير-، وكان ذلك في سنة ثمان. (فعلقت الأعراب (٤)): يقال: علق كذا مثل طَفِقَ. (فخطِفت): بكسر الطاء المهملة.

стр. 2576

(لو كان لي عددُ هذه العِضَاهِ نَعَماً): نصب على التمييز، و"لي": خبر كان. وجوز فيه أن يكون منصوباً على أنه خبر كان، والعِضاه: -بكسر العين المهملة وبضادٍ معجمة وهاء أصلية بعد الألف-، وهي شجر كثيرُ الشوك، واحده عِضَةٌ -بهاء التأنيث-، وقيل: عِضاهَةٌ، وقيل (١): عِضَهَةٌ (٢). (ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً): أي: لا تجدوني ذا بخلٍ، ولا ذا كذبٍ، ولا ذا جُبْنٍ، فالمراد: نفيُ الوصفِ من أصله، لا نفيُ المبالغة التي يدلُّ عليها. قال ابن المنير: و (٣) في جمعه ﵇ بين هذه الصفات لطيفةٌ (٤)، وذلك لأنها متلازمة، وكذا أضدادها: الصدقُ والكرمُ والشجاعةُ، وأصلُ المعنى هنا: الشجاعة؛ فإن الشجاع (٥) واثقٌ من نفسه بالخلف من كسب سيفه، فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء، لا يكذب بالخُلْف في الوعد؛ لأن الخلفَ إنما ينشأ من البخل، وقوله: "لو كان لي مثلُ هذه العضاهِ" تنبيهٌ بطريق الأولى؛ لأنه إذا سمح بمال نفسه، فلأن يسمح (٦) بقَسْم غنائمهم عليهم (٧) أولى.

стр. 2577

و (١) استعمال ["ثم" هنا بعدما تقدم ذكرُه ليس مخالفاً لمقتضاها، وإن كان الكرمُ يتقدم العطاء، لكنْ عِلْمُ] (٢) الناسِ بكرم الكريم إنما يكون بعدَ العطاء، وليس المراد هنا بـ "ثم" الدلالةَ على تراخي العلم بالكرم (٣) عن العطاء، [وإنما التراخي هنا لعلوِّ رتبةِ الوصف؛ كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاءُ] (٤) عن كرم، فقد يكون عطاءٌ بلا كرم؛ كعطاء البخيل ونحو ذلك. * * * باب: ما يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْنِ ١٥٦٦ - (٢٨٢٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ". (إني أعوذ بك من العجز): هو ذهابُ القدرة. (والكسل): هو القعودُ عن الشيء مع القدرة على عمله (٥). (والجبن): هو الخَوَرُ من تعاطي الحرب ونحوِها خوفاً على المُهْجَة.

стр. 2578

قال ابن المنير: وفيه دليل على أن الغرائز قد تتبدل من خير إلى شر، ومن شرٍّ إلى خير، ولولا ذلك، لما صحَّ تعوذُ الجبان من الجبن بِطمعه في فضل الله. * * * باب: وُجُوبِ النَّفِيرِ، وَما يَجِبُ مِنَ الجِهادِ والنِّيَةِ وَقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١ - ٤٢]، وَقَوْلِهِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ. . . عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]. يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: انْفِرُوا ثُبَاتٍ: سَرَايَا مُتَفَرِّقينَ، يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ: ثُبَةٌ. (سرايا متفرقين): ووقع في رواية القابسي: "ثباتاً" -بالألف-، قال الزركشي: ولا وجه له؛ لأنه جمع مؤنث سالم؛ كَهِنْداتٍ (١). قلت: مذهبُ الكوفيين جوازُ إعرابه في حالة النصب بالفتح مطلقاً، وجوزه قومٌ في محذوف اللام، وعلى كل من الرأيين يكون لهذه الرواية [وجه؛ ومن ذا الذي أوجبَ اتباعَ المذهب البصري، وإلغاءَ المذهب

стр. 2579

الكوفي حتى يقال بأن هذه الرواية] (١) لا وجهَ لها؟! * * * ١٥٦٧ - (٢٨٢٥) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّتةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا". (وإذا استُنفرتم، فانفروا): جعل (٢) المهلبُ وجوبَ (٣) النفير على ما إذا كان الاستنفار لعدوٍّ (٤) غالبٍ، وأما ما عداه، فسنة (٥) مؤكدة (٦). والمنصوصُ في كتب أصحابنا: أن الجهاد يتعين على من نزل بهم عدو، وفيهم قوة عليهم، فإن ضعفوا، تَعَيَّنَ على من يَليهم، وهَلُمَّ جَرّاً حتى يكتفوا، وأنه يتعينُ أيضاً على من عَيَّنَهُ الإمام مطلقاً، ولا معنى للتعيّن (٧) إلا وجوبُ الفرض عيناً، وقولُ المهلب يخالف هذا، فتأمله. * * *

стр. 2580

باب: الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ يُسْلِمُ، فَيُسَدِّدُ بَعْدُ، وَيُقْتَلُ (باب: الكافر يقتل المسلم، ثم يسلم، فيسدد بعدُ، ويقتل): يريد: أن القاتل الأول كان كافراً، وتوبتُه إسلامُه، والمراد: الحربيُّ (١). ١٥٦٨ - (٢٨٢٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ". (يضحك الله إلى رجلين): أي: يتلقاهما بالفضل والإحسان (٢) واستحسن تقديم (٣) هذا الحديث على حديث أبي هريرة الآتي؛ لما (٤) ستعرفه إذا تأملتَ حديثه. (ثم يتوب الله على القاتل فيستشهَد): أبدى ابن المنير الحكمة الباعثة له على عدوله أن يقول في الترجمة: فيستشهد، مع أنها التي في الحديث إلى قوله: فيسدّد، فقال: صنع ذلك؛ لينبه على أن الشهادة، إحدى وجوه التسديد، وأن كلَّ تسديد كذلك، وإن كانت الشهادة (٥) أفضلَ، لكن دخول الجنة مشترَك بين الشهيد المسدَّد بالشهادة، وبين المسدَّد (٦) بغير

стр. 2581

الشهادة، والإسلامُ بمجرد تسديد كافٍ في دخول الجنة، فجعل البخاري هذا الكلام في الترجمة بمعنى الحديث، وإزالةً لوهم من يتوهم أن هذا خاص بمن استُشهد. * * * ١٥٦٩ - (٢٨٢٧) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحُوهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَسْهِمْ لِي، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ، فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبا لِوَبْرٍ، تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ، وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ. (فقلتُ: يا رسول الله! أسهمْ لي، فقال (١) بعضُ بني سعيد بنِ العاص: لا تُسهم له): القائل هو أبانُ بنُ سعيدِ بنِ العاص، قاله النووي في "مبهماته" تبعاً للخطيب (٢). (قال أبو هريرة: هذا (٣) قاتل ابنِ (٤) قَوقَل): -بقافين مفتوحتين-، واسمه النعمان: رجلٌ مسلمٌ قتله أبانٌ في حال كفره، وكان إسلام أبانٍ بين

стр. 2582

الحديبية وخيبرَ، وهو الذي أجار (١) عثمانَ يومَ الحديبيةِ حين بعثه النبي ﷺ رسولاً إلى مكة. قال أبو الفرج: و (٢) لا أدري من (٣) يعني بابن قوقل، إلا أن النعمانَ بنَ مالكِ بنِ ثعلبةَ الأنصاريَّ، وثعلبةُ هو قَوْقَلٌ، كان يقول للخائف: قَوْقِلْ حيثُ شئتَ؛ فإنكَ آمِنٌ، وقُتل النعمانُ يومَ أُحُدٍ شهيداً، والذي قتلَه صفوانُ بنُ أمية، وقُتل من القواقل العباسُ بنُ عبادة، قتله صفوانُ أيضًا (٤). (واعجبا): أصله: واعَجَبي، فأُبدلت كسرةُ الباء فتحةً، والياء ألفاً؛ كما فُعل (٥) في: يا أَسَفَا (٦)، ويا حَزَناَ، وفيه شاهد على استعمال "وا" حرفَ نداءٍ في غير النداء كما يقوله المبِّردُ (٧). (لوَبْرٍ): -بإسكان الباء-: دُوَيبة تُشبه السِّنَّوْر، والجمعُ وبارٍ. ويروى: بفتح الباء، من وَبَر الإبل، فعلى الأول: شُبِّه في قُدومه بوبرٍ تدلَّى من موضعِه، وعلى الثاني: شُبه في حقارةِ شأنه بالوَبَر الذي لا خَطْبَ له (٨) (٩).

стр. 2583

(تدلَّى): أي: انحدر، وقد روي كذلك، ويروى: "تردَّى"، والكل بمعنى واحد (١). (من قَدُوم ضَأْنٍ): أي: من طَرَف جبلٍ، وضَأْن: اسمُ جبل في أرض دَوْسٍ، وقَدوم -بفتح القاف-: ثنيةٌ به (٢). ونحوه لأبي ذر. وضبطه الأصيلي بضم القاف. قال ابن بطال: يحتمل أن يكون جمعَ قادم؛ مثل: راكع ورُكوع، وساجد وسُجود، ويكون المعنى: تدلَّى علينا من ساكِني ضأْنٍ، [ويحتمل أن يكون مصدراً وُصِفَ به، وفي الكلام حذف؛ أي: من ذوي قَدومٍ] (٣)، ويحتمل أن يكون معناه (٤): تدلَّى علينا من مكان قدوم (٥). وقال أبو عبيد: رواه الناس عن البخاري: "ضَأْنٍ" -بالنون- إلا الهمداني، فإنه رواه: "من قدوم ضَالٍ" -باللام-، وهو الصواب إن شاء الله، والضال: السِّدْرُ البري (٦). قال ابن بطال: وإنما سكت أبو هريرة عن أبان في قوله هذا؛ لأنه لم

стр. 2584

يرمه بشيء ينقص دينه، إنما نقصه بقلة العشيرة، أو بضعف المُنَّةِ (١). (ينعَى عَلَيَّ): أي: يعيبُ عليَّ -بفتح العين المهملة- من "ينعَى". (أكرمَه الله على يَدَيَّ): -[بتشديد الياء- تثنية يد؛ يعني: أنه كان إكرامُ ذلك المسلم بالشهادة على يديه؛ فإنه هو الذي قتله. (ولم يُهِنِّي على يديه)] (٢): يعني: لم يقدِّر موتي بقتله إياي كافراً. (فلا أدري أسهمَ له، أو لم يسهمْ): فيه حذف الهمزة؛ إذ (٣) الأصلُ: لا أدري أَأَسهمَ له. وقد رواه أبو داود، وقال: "ولم يَقْسِمْ له رسولُ الله ﷺ (٤). * * * باب: الشَّهَادَةُ سَبعٌ سِوَى الْقَتْلِ (باب: الشهادةُ سبعٌ سوى القتل): ساق فيه حديثَ أبي هريرة: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ" (٥). وقد أشكلَ (٦) على ابن بطال مطابقةُ الترجمة للحديث، فقال: هذا دليلٌ

стр. 2585

أن البخاريَّ مات ولم يهذِّبْ كتابه، وكأنه أراد أن يدخلَ في الترجمة حديثَ مالكٍ، وفيه: "إِنَّ الشُّهَدَاءَ سَبْعَةٌ سِوَى القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ" (١) (٢). قال ابن المنير: ويحتمل عندي: أن البخاري أراد التنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل، بل لها أسباب أُخر، وتلك الأسبابُ أيضاً اختلف الأحاديث في عددها، ففي بعضها: خمسة، وهو الذي صح عند البخاري، ووافق شرطَه، وفي بعضها: سبعة، ولم يوافق شرطَه، فنبه عليه في الترجمة؛ إيذاناً بأن الوارد في عددها من الخمسة والسبعة ليس على معنى التحديد (٣) الذي لا يزيد ولا ينقص، بل هو إخبار عن خصوص فيما ذكر (٤)، والله أعلمُ بحصرها. قال الزركشي: قال الإسماعيلي: الترجمة مخالفة للحديث. قلت: بل أشير بالترجمة إلى أن الحديث قد ورد، لكنه ليس على شرطه (٥). هذا نصه، وهو كما رأيت عينُ كلام ابن المنير، نسبه إلى نفسه صريحاً. * * * باب: قَوْلِ اللهِ : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ١٥٧٠ - (٢٨٣١) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ

стр. 2586

قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: لَمَّا نزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْداً، فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتبَهَا، وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. (فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾: صدرُ الحديث: سمعتُ البراءَ قال: "لما نزلتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيداً، فجاء بكَتِفٍ (١) فكتبها، وشكا ابنُ أم مكتوم ضرارَتَه، فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ". فسأل ابن المنير: لم (٢) كرر الراوي الآية؟ وهلَاّ اقتصر على: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]؟ وأجاب: بأن الاستثناء والنعت [لا يجوز فصلُهما عن أصل الكلام، فلابد أن تعاد الآية الأولى حتى يتصل بها الاستثناء أو (٣) النعت]. قلت: ليس (٤) هذا فصلاً (٥)، ولا يضر ذكره مجرداً (٦) عما قبله؛ لأن المراد حكايةُ الزائد على ما نزل أولاً، فيقتصر عليه؛ لأنه الذي تعلق به الغرض، ولهذا قال في الطريق الثانية عن زيد في ذكر هذه القصة: فأنزل الله

стр. 2587

تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فماذا يعتذر به عن زيد بن ثابت، مع كونه لم يصل (١) الاستثناء أو النعت بما قبله؟ (٢) والحق أن كلا الأمرين شائع، ثم استثناء أولي الضرر يُفهِمُ التسويةَ بين القاعدين للعذر، وبين المجاهدين؛ إذ الحكمُ المتقدمُ عدمُ الاستواء، فيلزم ثبوتُ الاستواء لمن استثني؛ ضرورة أنه لا واسطة بين الاستواء وعدمه. * * * باب: التَّحْريْضِ عَلَى القِتَالِ وقَوْلِ اللهِ : ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ١٥٧١ - (٢٨٣٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسَاً ﵁ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"، فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا (اللهم إن العيش عيشُ الآخرة): قال الداودي: إنما قال ابن رواحة: "لا هُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ"، فأتى به بعض الرواة على المعنى،

стр. 2588

وإنما يتزن هكذا (١). قلت: هذا توهيمٌ للرواة من غير داع إليه، فلا يمتنع أن يكون ابن رواحة قال: اللهم -بألف ولام- على جهة الخزم، وهو الزيادة على أول البيت حرفاً فصاعداً إلى أربعة، فكذا على أول النصف الثاني حرفاً أو اثنين على الصحيح، هذا أمر لا نزاع فيه بين العروضيين، ولم يقل أحد منهم بامتناعه، وإن لم يستحسنوه، [ولا قال أحد: إن الخزم يقتضي إلغاء ما هو فيه على أن يعد شعراً، نعم، الزيادة لا يُعتد بها في الوزن ويكون] (٢) ابتداءُ النظم ما بعدها، فكذا ما نحن فيه. * * * باب: حَفْرِ الخَنْدَقِ ١٥٧٢ - (٢٨٣٥) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يُجيبُهُمْ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَاّ خَيْرُ الآخِرَهْ، فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ". (على متونهم): جمعُ مَتْن، وهو ما يكتنف الصلبَ من العصب واللحم.

стр. 2589

(على الجهاد ما بقينا (١)): قال الزركشي: هذا هو الصواب، وفي نسخة: "على الإسلام" وليس بموزون (٢). قلت: لكن كونه غيرَ موزون لا يُعد خطأ، فلم لا يجوِّزُ أن يكون هذا الكلام نثراً مسجعاً، وإن وقع بعضُه موزوناً؟ ومن ذا الذي نقل لنا (٣) أنهم ذكروا هذه القطعة على (٤) أنها كلام موزون؛ بحيث إذا روى أحد فيها شيئاً لا يدخل في الوزن، حكم بخطئه؟ * * * ١٥٧٣ - (٢٨٣٧) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا (لولا (٥) أنت ما اهتدينا): [قال الزركشي: هكذا روي، وصوابه في

стр. 2590

الوزن: لاهُمَّ، أو تاللهِ لولا أنتَ ما اهتدينا] (١) (٢). قلت: هذا عجيب؛ فإن النبي ﷺ هو الممتثل (٣) بهذا الكلام، والوزن لا يجري على لسانه الشريف غالباً. (إن (٤) الأُلى قد بغوا (٥) علينا): هكذا روي أنه ﵇ تمثل به، وليس بمتزن على هذه الصورة، فيحتمل أن يكون ناظمُ هذا الكلام أولاً قال: إن الأُلى هم (٦) قد بغوا علينا. ويروى أيضاً: إن الأعادي قد بَغَوا علينا، ولا يتزن إلا بزيادة هم، أو قد، إن كانت الرواية بتسكين ياء الأعادي (٧)، وإن كانت بتحريكها، وهو الظاهر، فالوزن مستقيم بدون تقدير، والجزء الثاني دخله الزحاف المسمى (٨) بالخَبْل -باللام-، وهو عندهم مستعمل في الجملة، وليس وجوده بالذي يقتضي انكسار الوزن. * * *

стр. 2591

باب: فَضْلِ النَّفَقَةِ في سَبيلِ اللهِ ١٥٧٤ - (٢٨٤١) - حَدَّثَنَي سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ، دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ باب: أَيْ فُلُ! هَلُمَّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ". (من أنفق زوجين): أراد أن يشفعَ المنفقُ ما ينفقه من دينار، أو درهم، أو سلاح، أو غيره. قال الداودي: يقع الزوجُ على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد (١). (أي فُلُ!): -بضم اللام وإسكانها-؛ أي: يا (٢) فلان! وقد اختُلف أهو (٣) ترخيمُ فلان أو لا؟ والجمهور على أنه ليس ترخيماً له. قال الزركشي: لأنه لا يقال إلا بسكون اللام. قلت: لم يذكر القاضي غيرَ الضم؛ فإنه قال: هو ترخيمُ يا فلان (٤)! على لغة يا حارُ. قال سيبويه: ليست ترخيماً، وإنما هي صيغة مرتَجَلَة في النداء، وقد

стр. 2592

جاءت في غير النداء، ولهذا قال: في لُجَّة أمسكْ فلاناً عن فُلِ والقائلون بأنه ترخيم "فلان" يقولون: حذفت النون للترخيم، والألف لسكونها، وتفتح (١) اللام وتضم (٢) على المذهبين المعروفين (٣). وقد علمت أن القاضي لم يضبطه إلا بالضم. (ذاك الذي لا تَوى عليه): تَوَى -مقصور-؛ أي: لا بأس عليه، هذه (٤) الرواية. وقال ابن فارس: يُمَدُّ أيضاً؛ والمعنى: إن هذا الرجل لا بأسَ عليه أن يتركَ باباً ويدخلَ من آخرَ (٥). * * * باب: فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِياً، أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ (باب: فضل (٦) من جهز غازياً، أو خَلَفه بخير): خلفه -بتخفيف اللام-؛ أي: أقام بعده فيهم، وقام عنه بما كان يفعله. ١٥٧٥ - (٢٨٤٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إسْمَاعيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ

стр. 2593

بَيْتاً بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أخُوهَا مَعِي". (لم يكن يدخل بيتاً بالمدينة غيرَ بيتِ أُمِّ سُليم): يريد: على سبيل العادة والكثرة، وإلا، فقد دخل على أختها أم حَرام، ثم قيل: المعنى بيتاً من بيوت النساء اللاتي لسن (١) بمحرم له. (إني أرحمها، قتل أخوها معي): هو حَرام بن ملحان، والمراد بالمعية: الصحبة اللائقة؛ أي: قتل مع صحبتي، وفي نصرتي، فإنه إنما قُتِل ببئر معونَة، ولم يحضرها النبي ﷺ ، وقد ظهرت مناسبةُ هذا الحديث للترجمة من حيث إنه ﵇ خلف أخاها في أهله بخير بعدَ وفاته، وحسنُ العهد من الإيمان، وكفى بجبر الخاطر والتودد خيراً لاسيما من سيد الخلق، صلوات الله عليه وسلامه. * * * باب: التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ ١٥٧٦ - (٢٨٤٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنسٍ، قَالَ -وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ- قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ! مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا بْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الْحَنُوطِ-، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافاً مِنَ

стр. 2594

النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَى نُضَارِبَ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نفعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ. (بئسما عَوَّدْتم أقرانَكم): ولأبي زيد: "عَوَّدْتم أقرابَكم" من تركهم اتباعكم، وقتلكم، حتى اتخذتم الفرار عادة للنجاةِ وطلبِ الراحة من مجالدة الأقران (١). * * * باب: فَضْلِ الطَّلِيْعَةِ ١٥٧٧ - (٢٨٤٦) - حدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يَأْتِيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ يَوْمَ الأَحْزَابِ"، قَالَ الزُّبَيْرُ: أَناَ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَناَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيّاً، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ". (إن لكل نبي حَوارياً): أي: ناصراً. قال الزجَّاج: ينصرف؛ لأنه غير منسوب (٢) إلى (٣) حواري، وليس كبَخَاتي (٤)، وكَرَاسي؛ لأن واحده بُخْتيٌّ، وكُرْسِيٌّ، والله أعلم (٥).

стр. 2595

باب: سَفَرِ الاِثْنَيْنِ (باب: سفر الاثنين): أي: سفر الرجلين دون ثالث، ولم يُرِدْ [يومَ الاثنين كما توهَّمَ بعضهم، فالحديثُ إنما فيه سفرُ الاثنين، لا] (١) سفرُ يوم الاثنين (٢). * * * باب: الْجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (باب: الجهادُ ماضٍ مع البر والفاجر): كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: "على البر والفاجر"، فعلى الأول يجب مع الإمام العدلِ وغيره، وعلى الثاني: يجب على كل أحد. قيل: واستنبط البخاري الترجمة من قوله: إلى "يوم القيامة" (٣). وجعل ابن المنير وجهَ الاستنباط: أنه ﵊ لم يجعل الخير معقوداً [بالأمر، إنما جعله معقوداً] (٤) بالخيل؛ أي: على (٥) أي حالةٍ كان الأمر، والخيرُ مطلوب أينما كان، فينبغي أن يُطلب الخير في الخيل، وإن كان الأمير جائراً.
следующие страницы →