باب: فَضْلِ النَّفَقَةِ في سَبيلِ اللهِ
١٥٧٤ - (٢٨٤١) - حَدَّثَنَي سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ، دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ باب: أَيْ فُلُ! هَلُمَّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
(من أنفق زوجين): أراد أن يشفعَ المنفقُ ما ينفقه من دينار، أو درهم، أو سلاح، أو غيره.
قال الداودي: يقع الزوجُ على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد (١).
(أي فُلُ!): -بضم اللام وإسكانها-؛ أي: يا (٢) فلان! وقد اختُلف أهو (٣) ترخيمُ فلان أو لا؟ والجمهور على أنه ليس ترخيماً له.
قال الزركشي: لأنه لا يقال إلا بسكون اللام.
قلت: لم يذكر القاضي غيرَ الضم؛ فإنه قال: هو ترخيمُ يا فلان (٤)! على لغة يا حارُ.
قال سيبويه: ليست ترخيماً، وإنما هي صيغة مرتَجَلَة في النداء، وقد
стр. 2592
جاءت في غير النداء، ولهذا قال:
في لُجَّة أمسكْ فلاناً عن فُلِ
والقائلون بأنه ترخيم "فلان" يقولون: حذفت النون للترخيم، والألف لسكونها، وتفتح (١) اللام وتضم (٢) على المذهبين المعروفين (٣).
وقد علمت أن القاضي لم يضبطه إلا بالضم.
(ذاك الذي لا تَوى عليه): تَوَى -مقصور-؛ أي: لا بأس عليه، هذه (٤) الرواية.
وقال ابن فارس: يُمَدُّ أيضاً؛ والمعنى: إن هذا الرجل لا بأسَ عليه أن يتركَ باباً ويدخلَ من آخرَ (٥).
* * *
باب: فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِياً، أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ
(باب: فضل (٦) من جهز غازياً، أو خَلَفه بخير): خلفه -بتخفيف اللام-؛ أي: أقام بعده فيهم، وقام عنه بما كان يفعله.
١٥٧٥ - (٢٨٤٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إسْمَاعيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ
стр. 2593
بَيْتاً بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أخُوهَا مَعِي".
(لم يكن يدخل بيتاً بالمدينة غيرَ بيتِ أُمِّ سُليم): يريد: على سبيل العادة والكثرة، وإلا، فقد دخل على أختها أم حَرام، ثم قيل: المعنى بيتاً من بيوت النساء اللاتي لسن (١) بمحرم له.
(إني أرحمها، قتل أخوها معي): هو حَرام بن ملحان، والمراد بالمعية: الصحبة اللائقة؛ أي: قتل مع صحبتي، وفي نصرتي، فإنه إنما قُتِل ببئر معونَة، ولم يحضرها النبي ﷺ ، وقد ظهرت مناسبةُ هذا الحديث للترجمة من حيث إنه ﵇ خلف أخاها في أهله بخير بعدَ وفاته، وحسنُ العهد من الإيمان، وكفى بجبر الخاطر والتودد خيراً لاسيما من سيد الخلق، صلوات الله عليه وسلامه.
* * *
باب: التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ
١٥٧٦ - (٢٨٤٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنسٍ، قَالَ -وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ- قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ! مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا بْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الْحَنُوطِ-، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافاً مِنَ
باب: سَفَرِ الاِثْنَيْنِ
(باب: سفر الاثنين): أي: سفر الرجلين دون ثالث، ولم يُرِدْ [يومَ الاثنين كما توهَّمَ بعضهم، فالحديثُ إنما فيه سفرُ الاثنين، لا] (١) سفرُ يوم الاثنين (٢).
* * *
باب: الْجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"
(باب: الجهادُ ماضٍ مع البر والفاجر): كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: "على البر والفاجر"، فعلى الأول يجب مع الإمام العدلِ وغيره، وعلى الثاني: يجب على كل أحد.
قيل: واستنبط البخاري الترجمة من قوله: إلى "يوم القيامة" (٣).
وجعل ابن المنير وجهَ الاستنباط: أنه ﵊ لم يجعل الخير معقوداً [بالأمر، إنما جعله معقوداً] (٤) بالخيل؛ أي: على (٥) أي حالةٍ كان الأمر، والخيرُ مطلوب أينما كان، فينبغي أن يُطلب الخير في الخيل، وإن كان الأمير جائراً.
لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: اللُّحَيْفُ.
(فرس يقال له: اللُّحَيف): -بضم اللام وفتح الحاء المهملة على التصغير، وبفتح اللام وكسر الحاء بوزن رغيف- كذا ضبطه القاضي بالوجهين، وذكر الثاني الهروي، وقال: سمي بذلك؛ لطول ذَنبَه، فَعيل بمعنى فاعل، كأنه يُلحِفُ الأرض بذَنبَه.
قال البخاري: وقال بعضهم: اللُّخَيف، يعني: -بالخاء المعجمة-، قيل: ولا وجه له، والمعروف الأول (١).
قال صاحب "مرآة الزمان": هو بلام مضمومة وخاء معجمة كذا قيده البخاري، وكذا حكاه ابن سعد عن الواقدي، وقال: أهداه له سعدُ بنُ البراء.
وحكى البلاذري: أنه "الحليف" بتقديم الحاء على اللام (٢).
وقيل: "النحيف" بنون (٣).
* * *
١٥٨١ - (٢٨٥٦) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ، حَدَّثَناَ أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ! هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ
стр. 2598
عَلَى اللهِ؟ ". قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا".
(على حمار يقال له: عُفَيْرٌ): -بالعين المهملة- على المشهور، وذكر القاضي في "المشارق": أنه بالغين المعجمة، وأنكروه عليه.
قال صاحب "المطالع": لا أدري هذا، ولا رأيته (١).
وقال ابن دحية: ولا رواه أحد إلا بالمهملة، وهو تصغير ترخيم؛ كسويد في الأسود (٢).
* * *
باب: مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ
١٥٨٢ - (٢٨٥٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّمَا الشُؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ".
(إنما الشؤم في ثلاثة): الشؤم -بالهمز، ويُخَفَّف فيصير (٣) واواَّ-؛
стр. 2599
أي: إن (١) كان ما يُكْرَهُ ويخاف عاقبتُه، فهي هذه الثلاثة، وتخصيصه لها (٢)؛ لأنه لما أبطلَ مذهبَ العرب في التطَيُّر، قال: فإن كان لأحدكم دار يكره سُكناها، أو امرأةٌ يكرهها، أو فرسٌ يكره ارتباطها، فليفارقها.
وقيل: قد يكون الشؤم هنا على غير (٣) المفهوم من معنى التطير، لكن بمعنى قلة الموافقة وسوء الطباع؛ كما في الحديث: "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثٌ: المَرْأَهُ الصَّالِحَةُ، والمَسْكَنُ (٤) الصَّالِحُ، والمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَتِهِ (٥): المرأَةُ السُّوءُ (٦)، والمركَبُ السُّوءُ (٧)، والمَسْكَنُ السُّوءُ (٨) " رواه أحمد في "مسنده" (٩).
* * *
باب: مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غيْرِهِ في الغَزْوِ
١٥٨٣ - (٢٨٦١) - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ
تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]؛ أي: وقفوا.
(قال: الثمنُ والجملُ لك): قال السهيلي: من لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يُعلم أن رسول الله ﷺ لم يكن يفعل شيئاً عبثاً، بل كانت أفعالُه مقرونة بالحكمة، ومؤيدةً بالعصمة، فاشترى الجمل من جابر، ثم أعطاه الثمن، وزاده زيادة عليه، ثم ردَّ الجملَ عليه، وقد كان يمكنه أن يعطيه ذلك العطاء دون مساومة في الجمل، ولا اشتراء، ولا شرط توصيل، فالحكمة في ذلك بديعة جداً، فلتنظر بعين الاعتبار؛ وذلك أنه سأله: "هَلْ (١) تَزَوَّجْتَ؟ "، ثم قال له: "هَلَاّ بِكْراً تُلاعِبُهَا؟ " (٢) فذكر له مقتلَ أبيه، وما خَلَّفَ من البنات، وقد كان الرسول ﷺ قد أخبر جابراً بأن الله قد أحيا أباه، ورَدَّ عليه رُوحه، وقال له (٣): ما تشتهي فأزيدك (٤)؟ فأكد الرسول ﵊ هذا الخبر بمَثَلٍ يُشبهه، فاشترى منه الجملَ وهو مَطِيَّتُه، كما اشترى الله من أبيه ومن الشهداء أنفسَهم بثمنٍ هو الجنةُ، ونفسُ الإنسان مطيتُه كما قال عمر بن عبد العزيز: إن نفسي مطيتي، ثم زادهم الله زيادةً فقال (٥): ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ثم رَدَّ (٦) عليهم أنفسَهم التي اشتراها منهم فقال (٧):
стр. 2602
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فأشار ﵊ باشتراءِ الجمل من جابر، وإعطائِه الثمنَ وزيادةً على الثمن، ثم ردِّ الجملِ المشترى عليه؛ أشار بذلك إلى تأكيد الخبر الذي أخبره به عن فعل الله بأبيه، فتشاكل الفعل مع الخبر كما تراه.
* * *
باب: الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ والفُحُولَةِ مِنَ الخَيْلِ
١٥٨٤ - (٢٨٦٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَساً لأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإنْ وَجَدْناَهُ لَبَحْراً".
(فاستعار النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة): ساق هذا في ترجمة الفحولة من الخيل.
قال ابن المنير: ولا دليل في لفظ الفرس على أنه كان فحلاً؛ لأن الفرس يتناول الفحل والأنثى، إنما الحصانُ يخصُّ الفحل، إلا أن يستدلَّ البخاري على (١) أنه كان فحلاً بِعَوْدِ ضميرِ المذكَّرِ عليه، فهو استدلال ضعيف أيضاً؛ لأن العَوْدَ [يصح على اللفظ، كما] (٢) يصح على المعنى، ولفظ الفرس مذكر، وإن كان يقع على المؤنث، عكس لفظ الجماعة
стр. 2603
مؤنثٌ، ولكنه يقع على الذكر (١)، فلك أن تعيد على اللفظ، وأن تعيد على المعنى، إلا أنهم قالوا في تصغير الفرس الذكر (٢): فُرَيْس، وفي الأنثى: فُرَيْسَة، فاتبعوا المعنى لا اللفظ، فهذا يقوي استدلاله.
قلت: لا يقويه ولا يعضده بوجه، فتأمله تجده كما قلناه.
* * *
باب: مَنْ قَاَد دَاَبَّةَ غَيْرِه في الحَرْبِ
١٥٨٥ - (٢٨٦٤) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْماً رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ، حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُوناَ بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَناَ النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَناَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ".
(والنبي ﷺ يقول: أنا النبيُّ لا كذبْ، أنا ابنُ عبد المطلب): كان بعضُهم لا يقف على قوله: "لا كذب" بالسكون، بل بفتحة؛ ليخرج عن وزن الشعر، وهذا [تغيير للرواية الثابتة (٣) بمجرد خيالٍ يقوم في النفس،
стр. 2604
وقد قدمنا ما يدفع كونَ هذا شعراً] (١)، فلا حاجة إلى إخراج الكلام عما هو عليه في الرواية، والله الموفق.
* * *
باب: رُكُوبِ الْفَرَسِ الْعُرْيِ
(باب: ركوب الفرس العُرْي): المشهور: ضم (٢) العين، وقال السفاقسي: بفتحها وتشديد الياء.
وقال ابن فارس: عَرَوْتُ الفرسَ: إذا ركبتُه عُرياً (٣)، وهي نادرة، وضبطه بإسكان الراء وتخفيف الياء؛ أي: ليس له سَرْجٌ ولا أداة، ولا يُقال مثلُ هذا في الآدميين، إنما يقال: عُريان (٤).
* * *
باب: الفَرَسِ القَطُوفِ
١٥٨٦ - (٢٨٦٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَساً لأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ، -أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ-، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ: "وَجَدْناَ فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْراً"، فَكَانَ
باب: إضْمَارِ الْخَيْلِ لِلسَّبْقِ
(باب: إضمار الخيل للسَّبْق): ذكر ابن بطال هنا سؤالاً وجواباً، فقال: إن قيل: كيف ترجم على إضمار الخيل، وذكر أن النبي ﷺ سابقَ بين الخيل التي لم (١) تُضْمَر؟
فالجواب: أنه أشار بطرف من الحديث إلى بقيته، وأحال على (٢) سائره؛ لأن تمام الحديث: أنه ﵇ سابقَ بينَ الخيل التي أُضمرت، وبين الخيل التي لم تُضْمَر (٣).
فقال ابن المنير: إنما كان البخاري يترجم على الشيء من الجهة العامة قد يكون ثابتاً، وقد يكون منفياً، فمعنى قوله: باب: إضمار الخيل للسبق؛ أي: هل هو شرط، أو لا؟ فبين أنه ليس بشرط؛ لأن النبي ﷺ سابق بها مضمرةً، وغير مضمرةٍ، وهذا أقعدُ بمقاصد البخاري من قول الشارح: إنما ذكر طرفاً من الحديث؛ ليدل على تمامه؛ لأن لقائل أن يقول: إذا لم يكن بُدٌّ من الاختصار، فذكرُ الطرفِ المطابق للترجمة أولى في البيان، لاسيما والطرفُ المطابقُ هو أول الحديث، إذ أولُه (٤): عن ابن عمر: سابق النبي ﷺ بين الخيل التي أُضْمِرَتْ من الحفياءِ إلى ثنيةِ الوادع، ثم ذكر الخيلَ التي لم تُضْمَر (٥)؛ كما ساق في هذه الترجمة، فحملُه على
стр. 2607
تأويلها لا معترضَ (١) عليه.
* * *
باب: بَغْلَةِ النَّبيِّ ﷺ -
١٥٨٨ - (٢٨٧٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ! وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ! مَا وَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ، فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَناَ النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَناَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ".
(ولَّى سَرَعان الناس): -بفتح السين والراء-؛ أي: أخِفَّاؤهم، والمستعجِلون منهم.
قال القاضي: وضبطه بعضهم بسكون الراء، وله وجه (٢).
(والنبي ﷺ على بغلة بيضاء (٣)): تقدم (٤) أن مسلماً ذكر أن (٥) هذه البغلة أهداها له فروةُ بن نُفاثةَ الجذاميُّ (٦)، وسبق أنها غيرُ البغلة التي
ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ في طَلَبِهِ، ثُمَ جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
(وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل): هو قُزْمان الظفريُّ، يكنى: أَبا الغيداق، وهو في عداد المنافقين، وكان قد غاب يومَ أُحد، فعيره النساء، فخرجَ وقاتلَ وبالغَ (١).
(شاذَّة ولا فاذَّة): إما نعتٌ لمحذوف؛ أي: نسمةً شاذةً، وإما للمبالغة؛ كعلَاّمة، والشاذةُ: ما شذتْ عن صوابها، وكذا الفاذَّةُ: هي المنفردةُ، يصفه بأنه (٢) لا يرى شيئاً إلا أتى عليه، وقيل: ما صَغُر وما كَبُر، وقيل: الشاذةُ: ما كانت من القوم، ثم شذَّتْ منهم، والفاذَّةُ: من لم يختلط معهم أصلًا.
(فقال رجل من القوم: أنا صاحبه): هو أكثمُ بنُ أَبي الجَوْن، أو أكثمُ ابنُ الجون، ذكر في "أسد الغابة" حديثاً يدل عليه (٣).
(وذبابه بين ثدييه): الذُّباب: الطَّرَفُ، وقيل: الحَدُّ.
وقال (٤) ابن فارس: الثديُ للمرأة، ويقال للرجل: ثُنْدُؤَة: -بضم
стр. 2619
أوله مع الهمز (١)، وبفتحه مع واو خالصة بلا همز-؛ وقد مر (٢).
(ذكرتَ آنِفاً): -بمد الهمزة-؛ أي: الساعةَ.
(ليعملُ بعمل أهل الجنة فيما يبدو للنَّاس): زيادة حسنة ترفعُ الإشكال من الحديث.
قال ابن المنير: الظاهرُ جواز إطلاق الشهادة، وقد أطلقها السلفُ والخلفُ بناءً على الظاهر، أما من استُشهد مع النبيِّ ﷺ ؛ كشهداء أُحدٍ وبَدْرٍ ونحوِهم، فلا خفاءَ به ظاهراً، والظاهر أن مَنْ بعدَهُم كذلك؛ إذ (٣) لم يمنع أحدٌ (٤) أن يقال فيمن قُتل في سبيل الله: استُشْهِد.
وقد أجمع الفقهاء أن شهيدَ المعترك لا يُغسل، [ويطلقونه عاماً وخاصاً, وللفقيه إذا سُئل عن مؤمنٍ قُتل كذلك أن يقول: هو شهيد، فلا يغسل] (٥)، والذي منعه النبي ﷺ أن يطلقه الإنسان جزماً على الغيب، وهذا ممنوع حتى في زمانه ﵇[إلا بوحي خاص، وقد قال ﵇] (٦): "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً أَخَاهُ وَلَا بُدَّ، فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ، أَوْ أَظُنُّ، لا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا" (٧).
стр. 2620
هذا كلُّه ما لم يَدْعُ إلى التزكية ضرورةٌ، فإن كانت شهادة في حق يُحكم بها، فلا خلافَ أن التزكيةَ على البَتِّ، ولو قال هنا: أظنُّ وأحسبُ؛ لأوردَهُ في غير موضعه؛ لأنه ﵊ خَصَّ لفظَ الظنِّ بغير حال الشهادة في الحقوق، والإجماعُ يبينُ المراد (١)، وفي الشهادة تعبدات.
* * *
باب: التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْي وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]
١٦٠٠ - (٢٨٩٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ ابْنُ إسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أبَاكُمْ كَانَ رَامِياً، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ". قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بَأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ "، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا، فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ".
(على نفرٍ من أَسْلَمَ يَنْتَضِلُون (٢)): -بضاد معجمة-؛ أي: يَرْتَمون، والنضال: الرمي مع الأصحاب.
وقال ابن فارس: نَضَلَ فلانٌ فلاناً في المراماة: إذا غَلَبَه، وناضَلْتُ
стр. 2621
فلاناً فنَضَلْتُهُ؛ أي: غَلَبْتُهُ، وانْتَضَلَ القومُ وتَناضَلوا: إذا رَمَوْا بالسَّبْق (١).
(ارموا بنو (٢) إسماعيل): فيه دليل لمن يقول من النسابة: اليمن من ولد إسماعيل.
قيل: ويمكن أن يكون أراد: بنوةَ (٣) القوة؛ لأنهم رَمَوا مثلَ رميه (٤).
(فأمسك أحدُ (٥) الفريقين): قال المهلب: تأدباً مع النبي ﷺ ؛ لئلا يرموا، فيسبقوا الطائفة التي هو ﵇ معها.
قال ابن المنير: والظاهرُ أن إمساكهم؛ لاستشعارهم قوةَ قلوبِ أصحابِهم بالغَلَبَة (٦)؛ إذ (٧) كانت معهم بركةُ النبي ﷺ وهِمَّتُه، وأيُّ سببٍ في الانتصار أعظمُ من ذلك؟ فوقفوا وقوفَ المغلوبين، فلما قال: "ارموا، وأنا معكم كُلِّكم"، وسوَّى بينهم (٨) في صرفِ الهمةِ إلى الجميع، تساوتْ أقدامُهم حينئذٍ، فعادوا إلى الانتضال.
بقي أن يقال: إذا تقاوت البركةُ من الجانبين، وتعارضَتْ، فأين يظهر (٩) أثرُها؟
стр. 2622
فيقال: يظهر أثرُها (١) إما في تساوي الجزأين جميعاً، فيصيب الكلُّ، ولا يُغْلَب أحدٌ منهم، وإما في (٢) مجموع الجزأين إن ناضل أحدٌ منهم حزباً آخر، فتظهر البركةُ حينئذٍ مع مَنْ خصَّه الرسول بها.
وفيه (٣) أصلٌ في جواز (٤) الادِّعاء والانتماء إلى الإمام أو غيره من جِلَّةِ الناس في السابقةِ ونحوِها، مما هو من فن الجِدِّ لا اللعب.
* * *
١٦٠١ - (٢٩٠٠) - حَدَّثَنَا أَبو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ".
(عبد الرحمن بنُ الغَسيل): -بفتح الغين المعجمة-، سُمِّي غسيلًا (٥)؛ لأن الملائكة غسلته.
(عن حمزةَ): بحاء مهملة وزاي.
(ابن أبي أُسَيْد): بضم الهمزة، مصغَّر (٦).
(إذا أكْثبَوكم): -بمثلثة ثم موحدة-؛ أي: إذا جَعلوكم في كثب منهم،
стр. 2623
والكثَب -بفتح المثلثة-: القُرْب؛ والهمزةُ للتعدية.
وقيل: المعنى إذا تحاملوا عليكم، وتكاثروا، فعليكم بالنَّبْل، وذلك أن النبلَ إذا رمى (١) الجمعَ لم يخطئ، ففيه ردعٌ (٢) لهم (٣).
* * *
باب: الْمِجَنِّ، وَمَنْ يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ
(باب: المِجَنِّ): وجهُ إدخاله في الفقه: أن لا يُتخيل أن التترسَ ينافي التوكُّل، والحقُّ أن الحذرَ لا يردُّ القدرَ، ولكن يضيق مسالكَ الشيطان، ولا (٤) ينافي التوكُّلَ على الرحمن (٥).
١٦٠٢ - (٢٩٠٣) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ، وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيتَهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً، عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا، وَألصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ، فَرَقَأَ الدَّمُ.
(قال: لما كُسرت بيضةُ النبي ﷺ على رأسه، وأُدْمي وجهُه، وكسرت
стр. 2624
رَباعِيَتُهُ): -بفتح الراء وتخفيف الياء (١) -: السن التي بين الثنية والناب، والفاعل لهذه القضيةِ الشنعاءِ قيل: هو عبد الله بنُ قَمِئَةَ، وقيل: عُتبةُ بن أبي وقاص، وذلك يومَ أُحد.
وذكر الثاني الحاكمُ في "المستدرك" في ترجمة حاطبِ بنِ أبي بَلْتَعَةَ عن أنسِ بنِ مالك: أنه سمعَ حاطبَ بنَ أبي بلتعة يقول: إنه طلعَ على النبي ﷺ بأُحدٍ وهو يشدُّ، وبيدِ عليِّ بنِ أبي طالب الترسُ فيه ماء، ورسولُ الله ﷺ يغسل وجهه من ذلك الماء، فقال له حاطب: من فعل بك هذا؟ قال: عتبةُ بنُ أبي وقاص، هشمَ وجهي، ودقَّ رَباعيتي بحجر رماني، قلتُ (٢): أين توجَّه عتبةُ؟ فأشار إلى (٣) حيثُ توجَّه، فمضيت حتى ظفرتُ به، فضربته بالسيف فطرحتُ رأسه، فهبطت فأخذت رأسه وسَلَبَه وفرسَه، وجئت به (٤) النبي ﷺ ، فسلَّم ذلكَ إليّ، ودعا لي فقال (٥): "رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، رَضِيَ اللهُ عَنْكَ" (٦).
وفي "السِّيرة": قال ابن هشام: وذكر رُبَيح بنُ عبدِ الرحمن بنِ أبي سعيدٍ الخدري، [عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري] (٧): أن عُقبةَ (٨) بنَ أبي
حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيٍّ. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً ﵁ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي".
(سمعتُ علياً يقول: ما رأيتُ النبيَّ ﷺ يُفَدّي): بضم حرف المضارعة وفتح الفاء وتشديد الدال المهملة.
(رجلاً بعد سعدٍ، سمعته يقول: ارم فداك أبي وأمي): قال الزركشي: قيل: قد (١) صح أنه فدى الزبير أيضاً، فلعل علياً لم يسمعه (٢).
قلت: إنما يحتاج إلى الاعتذار إذا ثبت أنه فدى الزبير بعدَ سعد (٣)، وإلا، فقد يكون فداه قبلَه، فلا يُعارض قولَ عليٍّ ﵁: ما رأيته يفدِّي رجلًا بعد سعد، فلا يحتاج إلى الاعتذار حينئذ.
والتفديةُ من النبي ﷺ دعاء؛ وأدعيتُه مستجابة. وقيل: إنما فداه بأبويه لِما ماتا عليه.
وقال ابن الزملكاني: الحق أن كلمة التفدية (٤) نُقلت بالعرف عن وضعها (٥)، وصارت علامة على الرضا، فكأنه قال: اِرم مَرْضِيًّا عنك (٦).
стр. 2627
باب: الدَّرَقِ
(باب: الدَّرَق): مقصودُه من هذا وأمثالِه: أن يبين زِيَّ العرب في آلة الحرب، وتمييزَ ما سبق استعماله في زمن النبي ﷺ ؛ ليكون أطيبَ للنفس، وأبرأَ من احتمال البدعة.
* * *
باب: مَا جَاءَ في حِلْيَةِ السُّيوفِ
١٦٠٥ - (٢٩٠٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ، مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِم الذَّهَبَ وَلَا الْفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيتُهُمُ الْعَلَابِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ.
(إنما كانت حِلْيتهم العَلابي): -بفتح العين المهملة- جمع عِلْباء -بكسرها-، وهو عَصَبٌ في عُنق البعير يُشقق (١)، ثم يُشَدُّ (٢) به أسفلُ الجفن وأعلاه، يُجعل موضعَ (٣) الحِلْية، وقيل: ضربٌ [من] الرصاص (٤)، ولذلك قُرن بالآنُكِ، حكاه القزاز (٥)(٦).
стр. 2628
قلت: قرانه بالآنُك يشبه أن يكون مانعاً من تفسيره بالرصاص، لا مقتضياً.
(والآنُك): -بهمزة ممدودة ونون مضمومة بعد الألف وكاف مخففة-: هو الرصاص، وهو واحدٌ لا جمع له، وقيل: هو من شاذِّ كلامهم أن يكون واحدٌ على زِنَةِ أَفْعَل، وقيل: هو القِصْدير (١).
* * *
باب: مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بالشَّجَرِ في السَّفَرِ عِنْدَ القَائِلَةِ
١٦٠٦ - (٢٩١٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنمْنَا نومَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوناَ، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَناَ ناَئِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً"، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: "اللهُ"، ثَلَاثاً، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَلَسَ.
(تحت سَمُرةٍ): -بفتح السين المهملة وضم الميم-: واحدةُ السَّمُرِ:
стр. 2629
وهو شجر الطَّلْح (١).
(وإذا عنده أعرابي): هو غورثُ بنُ الحارث، ويقال: دُعْثور، وقد عدَّه الذهبي في "الصحابة"، فقال في الغين: غَوْرَثُ بنُ الحارث، قال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، فوقع (٢) السيف من يده، وأسلم. قاله البخاري من حديث جابر (٣).
وقال في الدال: دُعثور (٤) بنُ الحارث الغطفاني في حديث عجيب الإسناد.
والأشبه: غورث.
وفي "أسد الغابة": لم يذكره في غورث، وإنما ذكره في دُعثور، فقال: أورده أبو سعيد النقاش في "الصحابة"، وساق سنداً عن الواقدي إلى عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبيه، وفيه: انتهى رسولُ الله ﷺ إلى ذي أمر، فعسكَرَ به، فقالت (٥) غطفانُ لدُعثور (٦) بن الحارث -وكان سيدَها، وكان شجاعاً-: انفردَ محمدٌ عن أصحابه، وأنتَ لا تجده (٧) أخلى (٨) من
стр. 2630
هذه الساعة، فأخذ سيفاً صارماً، ثم انحدر وساق الحديث، وفيه: "ثم أسلم دعثورٌ بعدُ" أخرجه أبو موسى، وقال: كذا أورده.
والمشهور بهذا الفعل غَورث، وربما (١) تصحَّف [أحدُهما من الآخر، ولم يُذكر إسلامُه (٢) إلا في هذه الرواية، وذكره (٣) أبو أحمد العسكري، كما ذكره أبو سعيد] (٤) النقاش، وسماه: دُعثوراً (٥).
وحكى مغلطاي: أن الخطيب في "مبهماته" قال: يقال: اسمه غورك -بالكاف-.
قال شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البلقيني -أمتع الله بعلومه الشريفة-: وأما ما نسبه الذهبي إلى البخاري من إسلامه، فلم أقف عليه؛ فإن (٦) البخاري أعادَ هذا الحديث في الغزوات بعدَ غزوةِ ذاتِ الرقاع، ثم قال في آخره: وقال مسدَّدٌ عن أبي بِشْر: اسمُ الرجل غورثُ ابنُ الحارث، ثم أعاده (٧) بعد غزوةِ بني المصطلق، وهي المريسيع، ولم يذكر إسلامَه، فليحرَّر ذلك.
(اخترط عليَّ سيفي): أي: جَرَّدَه من غِمْدِه.