← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيٍّ. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً ﵁ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي". (سمعتُ علياً يقول: ما رأيتُ النبيَّ ﷺ يُفَدّي): بضم حرف المضارعة وفتح الفاء وتشديد الدال المهملة. (رجلاً بعد سعدٍ، سمعته يقول: ارم فداك أبي وأمي): قال الزركشي: قيل: قد (١) صح أنه فدى الزبير أيضاً، فلعل علياً لم يسمعه (٢). قلت: إنما يحتاج إلى الاعتذار إذا ثبت أنه فدى الزبير بعدَ سعد (٣)، وإلا، فقد يكون فداه قبلَه، فلا يُعارض قولَ عليٍّ ﵁: ما رأيته يفدِّي رجلًا بعد سعد، فلا يحتاج إلى الاعتذار حينئذ. والتفديةُ من النبي ﷺ دعاء؛ وأدعيتُه مستجابة. وقيل: إنما فداه بأبويه لِما ماتا عليه. وقال ابن الزملكاني: الحق أن كلمة التفدية (٤) نُقلت بالعرف عن وضعها (٥)، وصارت علامة على الرضا، فكأنه قال: اِرم مَرْضِيًّا عنك (٦).

стр. 2627

باب: الدَّرَقِ (باب: الدَّرَق): مقصودُه من هذا وأمثالِه: أن يبين زِيَّ العرب في آلة الحرب، وتمييزَ ما سبق استعماله في زمن النبي ﷺ ؛ ليكون أطيبَ للنفس، وأبرأَ من احتمال البدعة. * * * باب: مَا جَاءَ في حِلْيَةِ السُّيوفِ ١٦٠٥ - (٢٩٠٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ، مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِم الذَّهَبَ وَلَا الْفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيتُهُمُ الْعَلَابِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ. (إنما كانت حِلْيتهم العَلابي): -بفتح العين المهملة- جمع عِلْباء -بكسرها-، وهو عَصَبٌ في عُنق البعير يُشقق (١)، ثم يُشَدُّ (٢) به أسفلُ الجفن وأعلاه، يُجعل موضعَ (٣) الحِلْية، وقيل: ضربٌ [من] الرصاص (٤)، ولذلك قُرن بالآنُكِ، حكاه القزاز (٥) (٦).

стр. 2628

قلت: قرانه بالآنُك يشبه أن يكون مانعاً من تفسيره بالرصاص، لا مقتضياً. (والآنُك): -بهمزة ممدودة ونون مضمومة بعد الألف وكاف مخففة-: هو الرصاص، وهو واحدٌ لا جمع له، وقيل: هو من شاذِّ كلامهم أن يكون واحدٌ على زِنَةِ أَفْعَل، وقيل: هو القِصْدير (١). * * * باب: مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بالشَّجَرِ في السَّفَرِ عِنْدَ القَائِلَةِ ١٦٠٦ - (٢٩١٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنمْنَا نومَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوناَ، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَناَ ناَئِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً"، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: "اللهُ"، ثَلَاثاً، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَلَسَ. (تحت سَمُرةٍ): -بفتح السين المهملة وضم الميم-: واحدةُ السَّمُرِ:

стр. 2629

وهو شجر الطَّلْح (١). (وإذا عنده أعرابي): هو غورثُ بنُ الحارث، ويقال: دُعْثور، وقد عدَّه الذهبي في "الصحابة"، فقال في الغين: غَوْرَثُ بنُ الحارث، قال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، فوقع (٢) السيف من يده، وأسلم. قاله البخاري من حديث جابر (٣). وقال في الدال: دُعثور (٤) بنُ الحارث الغطفاني في حديث عجيب الإسناد. والأشبه: غورث. وفي "أسد الغابة": لم يذكره في غورث، وإنما ذكره في دُعثور، فقال: أورده أبو سعيد النقاش في "الصحابة"، وساق سنداً عن الواقدي إلى عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبيه، وفيه: انتهى رسولُ الله ﷺ إلى ذي أمر، فعسكَرَ به، فقالت (٥) غطفانُ لدُعثور (٦) بن الحارث -وكان سيدَها، وكان شجاعاً-: انفردَ محمدٌ عن أصحابه، وأنتَ لا تجده (٧) أخلى (٨) من

стр. 2630

هذه الساعة، فأخذ سيفاً صارماً، ثم انحدر وساق الحديث، وفيه: "ثم أسلم دعثورٌ بعدُ" أخرجه أبو موسى، وقال: كذا أورده. والمشهور بهذا الفعل غَورث، وربما (١) تصحَّف [أحدُهما من الآخر، ولم يُذكر إسلامُه (٢) إلا في هذه الرواية، وذكره (٣) أبو أحمد العسكري، كما ذكره أبو سعيد] (٤) النقاش، وسماه: دُعثوراً (٥). وحكى مغلطاي: أن الخطيب في "مبهماته" قال: يقال: اسمه غورك -بالكاف-. قال شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البلقيني -أمتع الله بعلومه الشريفة-: وأما ما نسبه الذهبي إلى البخاري من إسلامه، فلم أقف عليه؛ فإن (٦) البخاري أعادَ هذا الحديث في الغزوات بعدَ غزوةِ ذاتِ الرقاع، ثم قال في آخره: وقال مسدَّدٌ عن أبي بِشْر: اسمُ الرجل غورثُ ابنُ الحارث، ثم أعاده (٧) بعد غزوةِ بني المصطلق، وهي المريسيع، ولم يذكر إسلامَه، فليحرَّر ذلك. (اخترط عليَّ سيفي): أي: جَرَّدَه من غِمْدِه.

стр. 2631

(وهو في يده صلتاً): أي: مُجَرَّدًا، وفي إعرابه وجوهٌ تقدمَ (١) التنبيهُ على مثلها مَرَّاتٍ. * * * باب: مَنْ لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلَاحِ عِنْدَ الْمَوْتِ (باب: مَنْ لم يرَ كسرَ السلاح عندَ الموت): قال المهلب: كانت الجاهلية إذا مات سلطانُهم أو رئيسُهم، عَهِدَ بكسر سلاحه وحرقِ متاعه وعقرِ دوابه؛ فخالف (٢) النبي ﷺ فعلَهم، و (٣) تركَ بغلَتَه وسلاحَه وأرضَه غيرَ معهودٍ فيها بشيء إلا صدقةً في سبيل الله. قال ابن المنير: كأن الله (٤) أنطقَهم من حالهم، والفأل موكَّلٌ بالمنطق، ألا تراهم يكسرون سلاحهم إقراراً بانقطاعِ أعمالِهم، وبطلانِ آثارهم، [وذهابِ أفعالهم التي فعلوها لغير الله تعالى، وانكسارِ ذكرهم، وخمولِ قدرهم، وصيرورتهم] (٥) بحالِ مَنْ لا ناصرَ له ولا عدةَ؟ وأما المتبعُ للسنة إذا أبقى سلاحه، [فهو عنوانٌ على بقاء ذكره، واستموال أعماله الحسنة التي سنها للناس، وعادته الجميلة التي حمل] (٦)

стр. 2632

عليها العبادَ، فهو إِذَنْ (١) حَيٌّ [وإن مات، وغيرُه ميت] (٢) وإن كان في الحياة. * * * باب: تَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الإمَامِ عِنْدَ القَائِلَةِ والاسْتِظْلَالِ بالشَّجَرِ ١٦٠٧ - (٢٩١٣) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سِنَانُ، بْنُ أَبِي سِنَانٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ جَابِراً أَخْبَرَهُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَناَ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كثِيرِ الْعِضَاهِ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، ثُمَّ ناَمَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي"، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قُلْتُ: "اللهُ"، فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ. (فها هو ذا جالسٌ): -بالرفع- عند الجمهور على أن "ذا" (٣) الخبر، و"جالسٌ" خبرٌ آخر، و"ذا" بدل من "هو"، و"جالس" الخبر، أو "ذا" هو الخبر، و"جالس" خبر مبتدأ مضمَر.

стр. 2633

ورُوي بالنصب على الحال على جعل "ذا" خبر المبتدأ، وعاملُ الحال ما في "ها" من معنى التنبيه، [أو في "ذا" من معنى الإشارة (١). * * * باب: مَا قِيلَ فِي الرِّمَاحِ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي". (جُعل رزقي تحت ظلِّ رمحي): قال ابن المنير: فيه تنبيه] (٢) حسنٌ على أن ظلَّه -بحمد الله- ممدودٌ، وحظَّه من السعد غيرُ محدود؛ لأن العربَ تضربُ المثلَ في الطولِ بظلِّ القَناة. * * * باب: مَا قِيْلَ في دُرُوعِ النَّبي ﷺ والقَميصِ في الحَرْبِ ١٦٠٨ - (٢٩١٥) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ فِي قُبَّهٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ". فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ ألحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهْوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]. وَقَالَ

стр. 2634

وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ. (اللهم إني أَنْشُدُك عَهْدَك ووَعْدَك): ولأبي زيد: "اللهم إني أَسْأَلُكَ"؛ أي: أساَلك إنجازَ وعدك، وإتمامَه بإظهار ديِنكَ (١). (اللهم إن شئت لم تُعبد): ويروى: "إِنْ تَشَأْ لا تُعْبَدُ"، وهذا تسليمٌ لأمر الله فيما يشاء أن يفعلَه، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين بأن الشرَّ غيرُ مرادٍ للهِ (٢). (فقد ألححْتَ): أي: داومتَ الدعاء، وسيأتي فيه كلام إن شاء الله تعالى. * * * باب: الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ (باب: الحريرِ في الحَرْب): يروى: الحرب -بفتح الحاء المهملة وسكون الراء-، ويروى بجيم وراء مفتوحة (٣). ١٦٠٩ - (٢٩٢٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ: شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يَعْنِي: الْقَمْلَ-، فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ.

стр. 2635

(شكيا): هكذا بالياء في بعض النسخ، و"شَكَوا" -بالواو- في (١) بعضِها؛ ولكلٍّ وجهٌ. قال الجوهري: يقال (٢): شَكَيْتُ، وشَكَوْتُ (٣). * * * باب: مَا قِيْلَ في قِتَالِ الرُّوْمِ ١٦١٠ - (٢٩٢٤) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ ابْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَهْوَ ناَزِلٌ فِي سَاحِلِ حِمْصَ، وَهْوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ، وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ، قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قدْ أَوْجَبُوا". قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَناَ فِيهِمْ؟ قَالَ: "أَنْتِ فِيهِمْ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ"، فَقُلْتُ: أَناَ فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا". (العَنْسِيَّ): -بالنون- نسبة إلى قبيلة من العرب يقال لهم: بنو عَنْسٍ، وهم بالشام، وأما بنو عَبْسٍ -بالباء الموحدة-، فبالبصرة (٤). (قد أوجبوا): أي: لأنفسِهم المغفرةَ والرحمةَ بأعمالهم الصالحة.

стр. 2636

(أولُ جيش من أمتي يغزون مدينةَ قيصرَ مغفورٌ لهم): قال المهلب: من هذا الحديث ثبتت (١) خلافةُ يزيدَ بنِ معاوية، [وفيه: أنه من أهل الجنة. قال ابن المنير: تحاملَ في تصحيح خلافة يزيدَ بنِ معاوية] (٢)، ثم في (٣) جعله من المشهود [لهم بالجنة، وما أراه إلا احتملَتْه الحميةُ لبني أُميةَ، ولا خفاءَ بأن المغفرةَ ونحوَها من آثار الخير، إنما] (٤) تتنزل على أسبابها، وإنما تؤتى من أبوابها، وحالةُ يزيدَ عند أهل السنة والجماعة ليست بهذه المثابة، وتخصيصُ واحدٍ من الأمة بقرائنَ تُخرجه من العموم ليس ببدعٍ (٥)، ولا خلافَ في أن قوله ﵇: "مغفورٌ لهم" مشروطٌ بكونهم (٦) من أهل الجنة والمغفرة، والمرادُ: مغفورٌ لمن وُجد شرطُ المغفرة فيه منهم (٧). * * * باب: قِتَالِ اليَهُودِ ١٦١١ - (٢٩٢٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 2637

قَالَ: "تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ، فَيَقُولَ: يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". (إسحاق بن محمد الفَرْوي): -بفاء مفتوحة وراء ساكنة-: نسبة لجدِّه أبي فروة (١). (تقاتلون اليهود): هذا عند نزول عيسى بن مريم ﵇، ويكون اليهود مع الدجال. * * * باب: قِتَالِ التُّرْكِ ١٦١٢ - (٢٩٢٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَلَا تَقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ". (ذُلْفَ الأنوف): -بضم الذال المعجمة وسكون اللام-: جمعُ أَذْلَف، وهو القصير الأنف. وقال ابن فارس: الذُّلْفَةُ: الاستواءُ في طَرَفِ الأنف (٢). والأنوف: جمعُ أَنْفٍ في الكثرة، وآنُفٍ في القِلَّة، كذا رواه القزاز (٣).

стр. 2638

(كأن وجوههم المجَانُّ): -بفتح الميم وتخفيف الجيم (١) وتشديد النون-: جمعُ مِجَنّ، وهو الترس، كما مر. (المُطْرَقَة): -بضم الميم وإسكان الطاء المهملة-: التي يُجعل لها الطِّراقُ، وهو جلدٌ يُقَدَّرُ على قَدْرِ الدَّرَقَة، ثم يُلصق عليها، ويُجعل طاقةً فوقَ طاقة، ومنه: طارَقْتُ النعلَ: إذا صيرت خَصفاً على خَصف، أراد بذلك عرضَ وجوههم (٢). * * * باب: مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الهَزِيْمَةِ وَنزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ واسْتَنْصَرَ ١٦١٣ - (٢٩٣٠) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُل: أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ! مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّراً لَيْسَ بِسِلَاحِ، فَأَتَوْا قَوْماً رُمَاةً، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقاً مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهْوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قَالَ: "أَناَ النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَناَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"، ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ. (شُبان): -بضم الشين-: جمعُ شابٍّ.

стр. 2639

(وأَخِفَّاؤهم): جمع خفيف، ويقال فيه: خِفٌّ أيضاً؛ أي (١): لا سلاحَ معه يُثقله، ويروى: "خِفافُهم" (٢). (حُسّراً): -بضم الحاء المهملة [وتشديد السين المهملة-: جمعُ حاسِرٍ، وهو الذي لا دِرْعَ معه. (جمع هوازنَ)] (٣): مجرور بالفتحة؛ لأنه لا ينصرف (٤). (ما يكاد يسقط لهم سهمٌ): يحتمل أن يكون في "كاد" ضمير شأنٍ مستتر، والجملة الفعلية خبر كاد، ويحتمل أن يكون "سهم" اسمها، و"يسقط لهم" خبرها (٥)؛ مثل (٦): ما كان يقومُ زيدٌ (٧)، على خلاف فيه، والمعنى: أنهم يجيدون الرمي، فلا يسقط لهم سهم في الأرض. * * * باب: الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْهَزِيمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ (باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة): في الباب أحاديثُ ليس فيها الدعاء بالهزيمة والزلزلة إلا في حديث واحد، وبقيةُ الأحاديث

стр. 2640

إنما دعا فيها بغير الهزيمة. قال ابن المنير: إنما خص في الترجمة الدعاءَ بالهزيمة؛ لئلا يتخيلَ متخَيِّلٌ أن الدعاء بها تضجيع في إهلاك المشركين؛ لأن المنهزم ينجو بنفسه، والمراد: البالغُ منهم إنما هو الهلاك والقتل، فأراد البخاري أن الدعاء يكون مقتصداً وبالغاً، وإذا جاز أن يدعو عليهم بالهزيمة، فما (١) فوقها أجدَرُ. قلت: في الأولوية نظر، وذلك لأن الهزيمة فيها سلامةُ نفوسهم، وقد يكون ذلك مطلوباً رجاء أن يتوبوا من الشرك، ويدخلوا في الإسلام، والإهلاكُ الماحقُ لهم مفوِّتٌ لهذا المقصد الصحيح، فتأمله. * * * ١٦١٤ - (٢٩٣٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَناَسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنُحِرَتْ جَزُورٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ، فَأَرْسَلُوا فَجَاؤُوا مِنْ سَلَاهَا وَطَرَحُوهُ عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ"، لأَبي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَهَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَليدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبهَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ فِي قَلِيبِ بَدْرٍ قَتْلَى. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ:

стр. 2641

أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ: أُمَيَّهُ، أَوْ أُبَيٌّ. وَالصَّحِيحُ أُمَيَّةُ. (والصحيح أمية): هو كما قال؛ لأن أُبَيَّ بنَ خلف قتلَه النبي ﷺ (١) يومَ أُحد بعدَ بدر (٢). * * * باب: دَعْوَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَعَلَى مَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ؟ وَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ (باب: دعوةِ اليهود والنصارى): يريد لزومَ الدعوة قبل القتال، وأما حديثُ ابنِ عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عمر في إغارة النبي ﷺ على بني المصطلق، فقد ذكره البخاري في كتاب: الفتن، وكأنه ترك إدخاله في الجهاد؛ [لأنه محمول على أنهم بلغَتْهم الدعوة] (٣) (٤). ١٦١٥ - (٢٩٣٨) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً ﵁ يَقُولُ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَؤُونَ كِتَابًا إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مَخْتُوماً، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.

стр. 2642

(فاتخذ خاتماً من فضة): قال السفاقسي: كان اتخاذه في سنة ستٍّ (١). * * * باب: مَنْ أَرَادَ غَزْوَةً فَوَرَّى بِغَيْرِهَا، وَمَنْ أَحَبَّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (باب: من أراد غزوة فوَرَّى بغيرها): قال الزركشي: وَرَّى بغيرها؛ أي: تَسَتَّرَ بغيرها، وأصلُه من وراء الإنسان؛ إذْ (٢) مَنْ ورّى بشيء، فكأنه جعلَه وراءه. و (٣) قيده السيرافي في "شرح سيبويه" بالهمز، قال: وأصحابُ الحديث لم يضبطوا الهمزَ فيه (٤). قلت: غرّه (٥) هذا الكلام من السيرافي، فظن خطأَ المحدثين، وليس كذلك ففي "الصحاح": وارَيْتُ (٦) الشيء؛ أي: أَخْفَيْتُه، وتَوارَى هو؛ أي: استترَ، قال: ويقول: وَرَّيْتُ الخبرَ توريةً: إذا سترته وأظهرت غيره (٧).

стр. 2643

فإن قلت: قد عقب (١) هذا بقوله: "كأنه مأخوذ من وراء الإنسان، كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر"، ومقتضى هذا أن يكون بالهمز، فكيف يلتئم أولُ كلامه وآخره؟ قلت: همزة وراء ليست أصلية، وإنما هي منقلبة عن ياء، فإذا لوحظ في فعل معنى وراء، لم يجز فيه الإتيانُ بالهمز؛ لفقدان الموجب (٢) لقلبها (٣) في الفعل، وثبوته في وراء، وهذا مما يقضي بالقطع بخطأ الزركشي، ولا أدري مع هذا كيف يصحُّ كلام السيرافي؟ فتأمله. والمرادُ بالتورية: التعريضُ؛ كما إذا قصدَ غزوَ مكان قريب، فقال: ما مكانُ كذا إلا (٤) بعيدٌ (٥)، وسألَ عنه وعن طريقه، فيفهم السامع بسبب ذلك أنه يقصدُ المكانَ القريب، والمتكلمُ صادقٌ، لكن الخللَ (٦) وقعَ في فهم السامع خاصة. * * * ١٦١٦ - (٢٩٤٨) - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ

стр. 2644

كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَاّ وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ عَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ. (حتى كانت غزوةُ تبوكَ): أي: في سنة تسعٍ -بمثناة فوقية-، وكان أول يوم من رجب، واستخلف (١) فيها علياً بالمدينة (٢). (فجلّى للمسلمين): -بجيم ولام مشددة-؛ أي: كشفَ الأمر وأظهرَ لهم؛ لأجل المصلحة الداعية إلى ذلك. (ليتأهبوا أُهبة عدوِّهم): معناه: ليكونوا على أُهْبَةٍ يلاقون بها عدوهم، ويعتدوا لذلك. * * * ١٦١٧ - (٢٩٤٩) - وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ كَانَ يَقُولُ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَقَرٍ، إِلَاّ يَوْمَ الْخَمِيسِ. (وعن يونس، عن الزهري): قال الجَيَّاني: حديثُ يونسَ بهذا صواب، وهو مرسَل، ونازع الدارقطنيُّ في وصل البخاريِّ له من طريق

стр. 2645

معمرٍ عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن النبي ﷺ خرج في غزوة تبوك يومَ الخميس، وكان يحبُّ أن يخرجَ يومَ الخميس، وأطال الدارقطني في تقرير ذلك. قال الحافظ الجياني: والغرضُ من هذا كله: الاستدراكُ على البخاري؛ حيث خرجه على الاتصال، وهو مرسَل، فلينظر ذلك في محله (١). * * * باب: الخُروجِ بَعْدَ الظُّهرِ ١٦١٨ - (٢٩٥١) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعاً. (أن النبي ﷺ صلَّى بالمدينة الظهرَ (٢) أربعاً، والعصرَ بذي الحليفة ركعتين): الاستشهادُ به على الخروج بعدَ الظهر ظاهرٌ، لكن فيه معنى آخر استنبطه ابنُ المنير، فقال: فيه السفرُ في غير يوم الخميس، فتأمله. ويتعين أن يكون هنا يومَ السبت؛ لأن أولَ ذي الحجة كان الخميس قطعاً؛ لأن الوقفة الجمعة، وإذا كان أولُه الخميسَ، كان أولُ ذي القعدة إما الثلاثاء إن كان تاماً، والأربعاء إن كان ناقصاً، فيكون [يومُ] الخامس

стр. 2646

والعشرين [منه إما الجمعة، أو السبت قطعاً. فإن كان أوله الثلاثاء، فالخامس والعشرون] (١) منه الجمعة، وإن (٢) كان أوله الأربعاء، فالخامس والعشرون منه السبت، ويستحيل الأول؛ لأنه صلَّى الظهر بالمدينة أربعاً، والعصرَ بذي الحليفة ركعتين، والجمعةُ لا تصلَّى ظهراً أربعاً، فيتعين أن يكون أولُه الأربعاء، والخامسُ والعشرون منه يكون السبت، والله الموفق. * * * باب: الخُروجِ في رَمَضَانَ ١٦١٩ - (٢٩٥٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ. (بلغ الكَديد): -على زنة رَغيف-: ما بين قديد وعسفان، وقد خلا. * * * باب: التَّودِيعِ ١٦٢٠ - (٢٩٥٤) - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ قَالَ: بَعَثنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، وَقَالَ لَنَا: "إِنْ لَقِيتُم فُلَاناً وَفُلَاناً" -لِرَجُلَيْنِ مِنْ

стр. 2647

قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا-، "فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ". قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْناَ الْخُرُوجَ، فَقَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أَمَرَتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَاناً وَفُلَاناً بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَاّ اللهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا، فَاقْتُلُوهُمَا". (إن لقيتمُ فلاناً وفلاناً -لرجلين من قريش سماهما-): الرجلان هما: هَبَّارُ بنُ الأسود، ونافعُ بنُ عبدِ عمرٍو. وذكره ابنُ بشكوال بعد أن أخرج هذا الحديث من طريق البخاري، ثم أخرجَ من طريق ابنِ لهيعة، قال: أخبرني بُكير بن الأشجع، عن سليمانَ بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، قال: بعث النبي ﷺ سرية، وكان أبو هريرة فيهم، فقال: "إِنْ لَقِيتُمْ هَبَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ، وَناَفِعَ بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو، فَأحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ، لا تَقْتُلُوهُما"، وكانا نَخَسا بزينبَ بنتِ رسولِ الله ﷺ حين خرجَتْ من مكة، فلم تزل ضَنِيَّهً حتى ماتت، فلما ودَّعنا النَّبيَّ ﷺ ، قال: "إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ تُحْرِقُوا هَبَّاراً وَناَفِعاً، وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لأِحَدٍ (١) أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللهِ، فَإِنْ لَقِيتُمُوهُمَا، فَاقْتُلُوهُمَا" (٢). انتهى. فأما هبارٌ، فإنه أسلمَ وحَسُنَ إسلامُه. (ثم أتينا نودعه حين أردْنا الخروج): فيه أن المسافر يودِّعُّ المقيمَ. (فإن وجدتموهما (٣)، فاقتلوهما): بعد أمرِه أولًا بتحريقهما، ففيه النسخُ قبلَ الفعل.

стр. 2648

باب: السَّمْعِ والطَّاعَةِ لِلإْمَامِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ ١٦٢١ - (٢٩٥٥) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ". (فإذا أُمر بمعصية، فلا سمعَ ولا طاعةَ): فيه أن المنفي (١) فيه محمولٌ على الشرعي، لا على الحقيقة، فإن قوله: "لا سمعَ ولا طاعةَ" شرعيين. * * * باب: يُقَاتَلُ مِن وَرَاءِ الإِمَامِ، وَيُتَّقَى بِهِ (باب: يُقاتَلُ من وراء الإمام، ويُتَّقَى به): ساق فيه حديثَ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ". قال ابن المنير: وجهُ مطابقة الترجمة له: أن معنى يقاتَل من ورائه؛ أي: من أمامه، فأطلق الوراء على الأمام؛ لأنهم -وإن تقدموه في الصورة-، فهم أتباعه في الحقيقة، والنبي ﷺ تقدَّم غيرُه عليه بصورة الزمان، لكن المتقدِّم عليه مأخوذٌ (٢) عهدُه أن يؤمنَ به وينصرَه كآحاد أمته، ولذلك

стр. 2649

ينزل (١) عيسى (٢) ﵇ مأموماً، وإمامُ القوم منهم (٣). ويحتمل أن يكون ذكر هذا الحديث ابتداءً؛ لأنه أول "صحيفة هَمَّام ابن منبِّه"، فذكر أحاديث منها: وقال النبي ﷺ "مَنْ أَطَاعَنِي" الحديث، وإنما ذكر أول الصحيفة تحرجاً من الاقتصار على بعضها؛ لأنَّ حالَ المقتصر تُشبه حالَ من حذفَ بعضَ الأحكام المتصلة (٤)، وبتر الحديث. * * * ١٦٢٢ - (٢٩٥٧) - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ: "مَن أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ، فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ، فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْراً، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِه، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ". (وإنما الإمام جُنَّة يُقاتَل من ورائه، ويُتَّقَى به): هذا تنبيهٌ على عِظَمِ حقِّ الإمام، وأن لا يَعتقدَ مَنْ قاتل عنه أنه (٥) حماه، بل ينبغي أن يعتقدَ أنه احتمى به؛ لأنه فيئُه، وبه قويت مُنَّتُهُ. وفيه إشارة إلى صحة تعدد الجهات، وأن لا يُعد من التناقض، وإن توهم فيه ذلك؛ لأن كونه جُنَّةً يقتضي أن يتقدَّم، وكونَه يقاتَل من أمامه

стр. 2650

يقتضي أن يتأخر، فجمع بينهما باعتبارين وجهتين، وفهم الصحابة عنه ذلك بلا كُلْفة، وإنما شوشَ الأذهانَ فيما تأخر اختلافُ العقائد، وتشتتُ (١) المقاصد، وقلةُ الإنصاف، وعدمُ المعرفة أو الاعتراف (٢). (وإن قال بغيره): أي: حكمَ بغير العدل. (فإن عليه منه): كذا الرواية المشهورة، والاسم محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه، وقد جاء في بعض طرقه: "فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ وِزْراً" (٣). * * * باب: البَيْعَةِ في الحَرْبِ ألَاّ يَفِرُّوا ١٦٢٣ - (٢٩٥٩) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَرَّةِ، أَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ يُبَايعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ، فَقَالَ: لَا أُبَايعُ عَلَى هَذَا أَحَداً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (إن ابنَ حنظلةَ يبايع الناس على الموت، قال (٤): لا أبايع على هذا أحداً بعدَ رسول الله ﷺ ): والفرقُ أنه ﵊ يستحقُّ على كل مسلم أن يفديَه بنفسه، بخلاف (٥) غيره.

стр. 2651

وهل يجوز لأحد أن يستهدف عن أحد بقصد وقايته، ويكون ذلك من إلقاء اليد إلى التهلكة؟ تردَّدَ فيه ابنُ المنير، قال: ولا خلاف أنه لا يؤثِرُ أحدٌ أحداً بنفسِه لو كانا في مَخْمَصَة، ومع أحدهما قوتُ نفسِه خاصة، وكذا لا يحلُّ له أن يؤثره بماء وضوئه، ويتيمم هو. * * * ١٦٢٤ - (٢٩٦٠) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ، قَالَ: "يَا بْنَ الأَكْوَعِ! أَلَا تُبَايعُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَأَيْضاً". فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ! عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ. (يا بن الأكوع! ألا تبايع؟ قال: قلت: قد بايعتُ يا رسول الله ﷺ ، قال: وأيضًا): قال ابن المنير: فيه دليل على أن (١) إعادة لفظ عقد النكاح وغيره ليس (٢) فسخاً للعقد الأول؛ خلافًا لبعض الشافعية، ولو كان تكرارُ العقد فسخاً؛ لكان تكرارُ البيعة نَكْثاً. والحكمةُ في تكرار البيعة على سَلَمة: أنه كان شجاعًا بذَّالًا لنفسه، فأَكَّدَ عليه العقدَ احتياطاً حتى يكون بذلُه لنفسه عن رضاً متأكد،

стр. 2652

ولا يلزم مثلُ هذا في المتأني المتثبِّتِ؛ لأن ذلك يحتاط (١) لنفسه قبل أن يُحتاط له، وهو من جنس قولِ مالكٍ في عقد النكاح: إذا قال له: زَوِّجْني، فقال: فعلتُ؛ فقال: لا أرضى، قال مالك: قد لزمه العقد، ولا يُقبل منه أنه قصدَ الاحتياط؛ لأن النكاح بابٌ يُتروَّى فيه، فما بلغ إلى قوله: زَوِّجني، إلا وقد تحقق العزم، ولا كذلكَ البيعُ؛ فإنه قبل قوله: إنه أراد المساومةَ؛ لأن البيعَ يشبه أن يقع فلتةً بدون تثبُّتٍ وتَرَوٍّ. * * * باب: عَزْمِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيما يُطِيقُونَ ١٦٢٥ - (٢٩٦٤) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: لَقَدْ أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً مُؤْدِياً نَشِيطاً، يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ! مَا أَدْرِي مَا أقولُ لَكَ، إِلَاّ أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَاّ مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللهَ، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ، سَأَلَ رَجُلاً، فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ! مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَاّ كَالثَّغْبِ، شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُهُ. (أرأيت رجلاً مُؤْدِيًا): -بميم مضمومة فهمزة ساكنةٍ فدال مهملة

стр. 2653

مكسورة فمثناة تحتية خفيفةٍ (١) -يريد: كاملَ الأداة؛ أي: آلةِ الحرب. (نشيطاً): -بنون وشين معجمة-؛ من النشاط. (فيعزم علينا في أشياءَ لا نحصيها): [قيل: المراد: لا نُطيقها، وقيل: لا ندري هل هي طاعةٌ، أو معصيةٌ] (٢). (فقلت له: والله! ما أدري ما أقول لك): إذا عين الإمام طائفةً للجهاد، أو للحصار، أو لغيره من المهام، تعينوا، وصار ذلك عليهم فرضَ عين، لا فرضَ كفاية، وعلى الإمام (٣) الاجتهادُ، ومجانبةُ التشهي، والاقتصارُ بكلٍّ على طاقته، وعليهم حينئذٍ الطاعةُ في المنشَط والمكرَه، فإن استفتى أحدُهم على الإمام، وادعى أنه كلفه بالتشهي، أشكلت الفُتيا حينئذٍ؛ لأنا إن قلنا: لا يُهم الإمام، عارضنا فساد الزمان، وإن قلنا: يُتهم، وفسحنا لمن طلبَ الرخصةَ، التبسَ ذلك بالخروج عن طاعته، والصواب: التوقُّفُ كما توقَّفَ ابنُ مسعود ﵁، وكثيرٌ من الفتاوى على الحكام تجري هذا المجرى، ويكون الصواب التوقفَ، إلا أن تعضد الفتوى قوةٌ زمانية أو سلطانية، قاله ابن المنير. (وإذا شكَّ في نفسه بشيء (٤)، سأل رجلاً فشفاه): يريد: أن من تقوى الله أن لا يُقْدِم على شيء مما شُكَّ فيه حتى يسأل (٥) من عنده علم،

стр. 2654

فيدل على ما فيه الشفاء من هذه الداء العارض. (وأُوشِكُ أن لا تجدوه): أُوشِكُ مسندٌ إلى ضمير المتكلم مضارعُ أَوْشَكْتُ؛ أي: يفوت ذلك عند ذهاب الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين. (ما غَبَرَ من الدنيا): أي: ما بقيَ، وقيل: ما مضى؛ وهو من الأضداد، والصواب تفسيره (١) هنا (٢) بالأول. (إلا كالثَّغَب): بمثلثة مفتوحة وغين معجمة تفتح وتسكن. قال القاضي: وهو ما بقي من الماء المستنقع من المطر، وهو ماءٌ صافٍ يستنقع (٣) في صخرة. وقيل: بقية الماء في بطن الوادي مما يحتفره السيل (٤) فيغادر فيه الماء (٥). وقيل: هو الموضع المطمئن من أعلى الجبل (٦). * * *

стр. 2655

باب: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ (باب: كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار، أَخَّرَ القتالَ حتى تزول الشمس): هذه الترجمة على العادة، والحديث الذي أتى به في هذا الباب واقِعَةٌ مفردَةٌ، فكأنه بنى ذلك على أن العادة تثبت بمرةٍ (١) واحدة، وتلقى ذلك من هذا الحديث، على أن البخاري ذكر هذا الحديث في موضع آخر بلفظٍ أعمَّ من هذا. * * * باب: اسْتِئْذَانِ الرَّجُلِ الإِمَامَ ١٦٢٦ - (٢٩٦٧) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَناَ جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَتَلَاحَقَ بِي النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَناَ عَلَى ناَضحٍ لَنَا قَدْ أَعْيَا، فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: "مَا لِبَعِيرِكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: عَيِيَ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَزَجَرَهُ، وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: "كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: "أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ ". قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ناَضحٌ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَبِعْنِيهِ". فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي عَرُوسٌ،

стр. 2656

فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: "هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟ "، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّباً، فَقَالَ: "هَلَاّ تَزَوَّجْتَ بِكْراً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! تُوُفِّيَ وَالِدِي -أَوِ اسْتُشْهِدَ-، وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: هَذَا فِي قَضَائِنَا حَسَنٌ لَا نَرَى بِهِ بَأْساً. (قد عَيِيَ): ويروى: "أَعْيا (١) ". (هل تزوجتَ بِكْراً أم ثيباً؟): قال ابن مالك في "التوضيح": فيه شاهد على أن "هل" قد (٢) تقع موقع الهمزةِ المستفهَم بها عن التعيين، فتكون "أم" بعدها متصلة غيرَ منقطعة؛ لأن استفهام النبي ﷺ جابراً لم يكن إلا بعد علمه بتزوجه إما بكراً وإما ثيباً، فطلب منه الإعلامَ بالتعيين كما كان يطلب بأَيّ، فالموضعُ إذن موضعُ الهمزة، لكن استُغني عنها (٣) بـ"هل"، وثبت بذلك أن "أم" المتصلة قد تقع بعد هل [كما تقع بعد الهمزة. انتهى (٤).

стр. 2657

قلت: يمكن أن يقال: لا نسلِّم أنها في الحديث متصلة] (١)، ولم لا يجوز أن تكون منقطعة، و"ثيباً" (٢) مفعول بفعل محذوف؟ فاستفهمَ أولاً، ثم أضربَ واستفهمَ ثانياً، والتقدير: أتزوجت ثيباً؟ ولا شك أن المصير إلى هذا أَوْلى؛ لما في الأول من إخراج "أم" عما عُهد فيها من كونها لا تعادلُ إلا الهمزة. (قال المغيرة: هذا في قضائنا حسن): [يحتمل أن يريد: بيعَ الجمل، واستثناءَ ظهرِه. وقال الداودي: يريد: الزيادةَ في القضاء على حقِّه] (٣) (٤). * * * باب: الْجَعَائِلِ وَالْحُمْلَانِ فِي السَّبِيلِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: الْغَزْوُ، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي، قُلْتُ: أَوْسَعَ اللهُ عَلَيَّ، قَالَ: إِنَّ غِنَاكَ لَكَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ ناَساً يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا الْمَالِ لِيُجَاهِدُوا، ثُمَّ لَا يُجَاهِدُونَ، فَمَنْ فَعَلَهُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِمَالِهِ، حَتَّى نَأْخُذَ مِنْهُ مَا أَخَذَ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ: إِذَا دُفِعَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَخْرُجُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ،

стр. 2658

فَاصْنع بِهِ مَا شِئْتَ، وَضَعْهُ عِنْدَ أَهْلِكَ. (باب (١): الجعائل والحملان في السبيل): الجعائل: جمعُ جَعيلَة؛ من الجِعالَة. (قلت لابن عمر: الغزوُ): -بالرفع- على أنه مبتدأ حُذف خبرُه؛ أي: الغَزْوُ أُريدُه، و-بالنصب- على أنه مفعولٌ بفعل محذوف. (فمَنْ فعلَ (٢)، فنحن (٣) أحقُّ بماله): فيه أن كل من أخذ مالًا من بيت المال على عمل إذا أهملَ العملَ رَدَّ ما أخذَ بالقضاء، وكذلك الأخذُ منه على عمل لا يتهيأ له. * * * ١٦٢٧ - (٢٩٧٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ حَمُولَةً، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ". (لولا أن أَشُقَّ على أمتي، ما تخلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ): وجهُ مطابقة هذا

стр. 2659

الحديث للترجمة: أنه نص فيه على الحمولة، فقال: ولكن لا أجد حَمولةً، وحاصلها: أنه يحمل رجالاً من ماله في سبيل الله، ولا يعد (١) ذلك من أخذ المال ثمناً للزوج، ولا للدين. (لا أجد (٢) حَمولةً): -بفتح الحاء-: ما يحملُ من كبار (٣) الإبل. * * * باب: الأَجِيرِ (باب: الأجير): مقصودُ هذه الترجمة: جوازُ أخذِ الأجرة على الغزو، وإنما ساقه البخاري؛ لئلا يقال: إن الأجرة تجردتْ للطاعة، وأخذُ الأجرة على نفس الطاعة ليس على وفق القواعد، فبين أن الأجير غازٍ في سبيل الله، قائمٌ بطاعة الله، لا باعتبار الأجرة، ولهذا يستحق (٤) السهمَ من الغنيمة، فدل ذلك على [أن] غرضَ الأجرة غيرُ غرض الطاعة. وقريبٌ من هذا المعنى أخذُ أئمةِ المساجدِ الأرزاقَ، فلا يُعد ذلك أخذاً للأجرة على الطاعة، بل على (٥) قضيةِ (٦) ملازمَةِ المسجدِ للطاعة، وليست منها؛ كأجير الغزو. * * *

стр. 2660

١٦٢٨ - (٢٩٧٣) - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا سُفْيانُ، حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عنْ عَطاءٍ، عنْ صَفْوانَ بْنِ يَعْلَى، عنْ أَبِيهِ ﵁، قال: غَزَوْتُ مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَحَمَلْتُ علَى بَكْرٍ، فَهوَ أَوْثَقُ أعْمالِي في نَفْسِي، فاسْتَأْجَرْتُ أَجِيراً، فَقَاتَلَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُما الآخَرَ، فانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، ونَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَهْدَرَها، فَقَالَ: "أَيَدْفَعُ يَدَهُ إِلَيْكَ فَتَقْضَمُها كَمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ؟! ". (فحملتُ على بَكْرٍ، فهو أوثق): -بالثاء المثلثة-، ويروى بالفاء. (أعمالي): جمع عمل. وعند الحموي: بالحاء المهملة، وعند المستملي بالجيم (١). * * * باب: مَا قِيْلَ في لِوَاءَ النَّبيِّ ﷺ - ١٦٢٩ - (٢٩٧٤) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيُّ: أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَرَادَ الْحَجَّ، فَرَجَّلَ. (أَن قيس بن سعدٍ الأنصاري، وكان صاحب لواء رسول الله ﷺ أراد الحج، فرجّل): هو بالجيم المشددة (٢)؛ أي: رَجَّلَ شعرَه قبل أن يُحْرِم.

стр. 2661

قال الزركشي: وهو منقطعٌ من حديثٍ ذكر البخاريُّ منه ما يوافق ترجمتَه، وتركَ بقيته، فأشكلَ على كثير من الناس، حتى حار (١) بعضُ الشارحين في تفسير [هِ]، وتكلف له وجوهاً عجيبةً. وبقية الحديث: "فرجَّلَ أَحَدَ شِقَّيْ رأسِه، فقامَ غلامٌ فقلَّدَ هَدْيَهُ، فنظر قيس، وقد رجَّلَ أحدَ شِقَّي رأسِه (٢)، فإذا هَدْيُه (٣) قد قُلِّدَ، فأهلَّ بالحجِّ، ولم يرجِّلْ شقَّهُ الآخَرَ"، وإنما اختصره البخاري؛ لأن ذلك ليس بمسند، إنما هو من فعل قيس ورأيه، وليس من شرط كتابه، فذكر من الحديث ما هو شرطُه من اتخاذِ اللواء، واقتصرَ عليه دونَ غيره، وقد أسنده الإسماعيلي في "مستخرجه (٤) "، وذكره الحميدي بكماله؛ كما ذكرناه (٥). * * * باب: قَولِ النَّبيِّ ﷺ : "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرٍ" وقولِ اللهِ تَعالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] ١٦٣٠ - (٢٩٧٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ،

стр. 2662

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنصُرْتُ بِالرُّعْبِ، فَبَيْنَا أَناَ ناَئِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا. (بجوامعِ الكَلِم): يريد: القرآنَ، أو السُّنَّةَ؛ فإنه ﷺ كان يتكلم بالمعاني الكثيرة (١) في الألفاظ القليلة. (بمفاتيح خزائن الأرض): يحتمل: ما فُتح لأمته بعدَه، أو: معادن. (ولقد ذهب رسولُ الله ﷺ ): أي: ولم يَنَلْ منها شيئاً لنفسِه، إنما كان يقسم ما أدركَ منها بينكم. (وأنتم تَنْتَثِلونهَا): أي: تستخرجونها؛ يعني: الأموال، وما فُتح عليهم، يقال: نَثَلْتُ البِئْرَ، وانْتُثَلْتُها (٢): استخرجْتُ ترابها (٣). * * * ١٦٣١ - (٢٩٧٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، ثُمَّ دَعَا

стр. 2663

بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ؛ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. (إنه يخافه مَلِكُ بني الأصفر): هذا موضعُ الترجمة؛ فإن بين الحجاز والشام شهراً أو أكثرَ (١)، وقد بلغ رغبُ الإسلام إلى الشام وهو بهذه المسافة. * * * باب: حَمْلِ الزَّادِ في الغَزْوِ وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٦٣٢ - (٢٩٧٩) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، وَحَدَّثَتْنِي أَيْضاً فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ ﵂، قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ، وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ! مَا أَجِدُ شَيْئاً أَرْبِطُ بِهِ إِلَاّ نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ، ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.

стр. 2664

(إلا نِطاقي): هو شيء تشدُّ به المرأة وسطَها، ترفعُ به ثيابها، وترسل عليه إزارَها، ذكره (١) القزاز (٢). * * * ١٦٣٣ - (٢٩٨١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّ سُوَيدَ بْنَ النُّعْمَانِ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانوُا بِالصَّهْبَاءِ -وَهْيَ مِنْ خَيْبَرَ، وَهْيَ أَدْنىَ خَيْبَرَ-، فَصَلَّوُا الْعَصْرَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَاّ بِسَوِيقٍ، فَلُكْنَا فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَضْمَضَ، وَمَضْمَضْنَا، وَصَلَّيْنَا. (بُشَير بن يَسارٍ (٣)): بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة، مصغَّر. (فَلُكنا): اللَّوْكُ: مَضْغُ الشيء وإدارتُه في الفم. (وشربنا): قال الداودي: ما أراه محفوظاً (٤)؛ لأنه كان من المضمضة (٥) عند أكل السَّويق، ولا يبلغ بها الشربَ (٦).

стр. 2665

قلت: دفعُ الروايةِ الثانيةِ بمجرد هذا الخيال عجيبٌ؛ وأَيُّ مانع يمنعُ من أنهم بعد أكلِ السويق شربوا ماء؟! * * * ١٦٣٤ - (٢٩٨٢) - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁، قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبلِكُمْ؟! فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبلِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ناَدِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ"، فَدَعَا، وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ". (وأملقوا): قال الزركشي: فَنِيَتْ أَزوادُهم (١). قلت: يدفعه أن قبله: "خَفَّتْ أزوادُ القوم"، ثم الواقعُ أنها لم تَفْنَ بالكلية؛ بدليل أنهم جمعوا فضلَ أزوادهم، فبرَّك (٢) النبي ﷺ فيها (٣). (ما بقاؤكم بعدَ إبلكم؟!): أي: إن (٤) بقاءكم يسير بعد فَناءِ الإبل؛
следующие страницы →