← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

قال الزركشي: وهو منقطعٌ من حديثٍ ذكر البخاريُّ منه ما يوافق ترجمتَه، وتركَ بقيته، فأشكلَ على كثير من الناس، حتى حار (١) بعضُ الشارحين في تفسير [هِ]، وتكلف له وجوهاً عجيبةً. وبقية الحديث: "فرجَّلَ أَحَدَ شِقَّيْ رأسِه، فقامَ غلامٌ فقلَّدَ هَدْيَهُ، فنظر قيس، وقد رجَّلَ أحدَ شِقَّي رأسِه (٢)، فإذا هَدْيُه (٣) قد قُلِّدَ، فأهلَّ بالحجِّ، ولم يرجِّلْ شقَّهُ الآخَرَ"، وإنما اختصره البخاري؛ لأن ذلك ليس بمسند، إنما هو من فعل قيس ورأيه، وليس من شرط كتابه، فذكر من الحديث ما هو شرطُه من اتخاذِ اللواء، واقتصرَ عليه دونَ غيره، وقد أسنده الإسماعيلي في "مستخرجه (٤) "، وذكره الحميدي بكماله؛ كما ذكرناه (٥). * * * باب: قَولِ النَّبيِّ ﷺ : "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرٍ" وقولِ اللهِ تَعالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] ١٦٣٠ - (٢٩٧٧) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ،

стр. 2662

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنصُرْتُ بِالرُّعْبِ، فَبَيْنَا أَناَ ناَئِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا. (بجوامعِ الكَلِم): يريد: القرآنَ، أو السُّنَّةَ؛ فإنه ﷺ كان يتكلم بالمعاني الكثيرة (١) في الألفاظ القليلة. (بمفاتيح خزائن الأرض): يحتمل: ما فُتح لأمته بعدَه، أو: معادن. (ولقد ذهب رسولُ الله ﷺ ): أي: ولم يَنَلْ منها شيئاً لنفسِه، إنما كان يقسم ما أدركَ منها بينكم. (وأنتم تَنْتَثِلونهَا): أي: تستخرجونها؛ يعني: الأموال، وما فُتح عليهم، يقال: نَثَلْتُ البِئْرَ، وانْتُثَلْتُها (٢): استخرجْتُ ترابها (٣). * * * ١٦٣١ - (٢٩٧٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، ثُمَّ دَعَا

стр. 2663

بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ؛ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. (إنه يخافه مَلِكُ بني الأصفر): هذا موضعُ الترجمة؛ فإن بين الحجاز والشام شهراً أو أكثرَ (١)، وقد بلغ رغبُ الإسلام إلى الشام وهو بهذه المسافة. * * * باب: حَمْلِ الزَّادِ في الغَزْوِ وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٦٣٢ - (٢٩٧٩) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، وَحَدَّثَتْنِي أَيْضاً فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ ﵂، قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ، وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ! مَا أَجِدُ شَيْئاً أَرْبِطُ بِهِ إِلَاّ نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ، ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.

стр. 2664

(إلا نِطاقي): هو شيء تشدُّ به المرأة وسطَها، ترفعُ به ثيابها، وترسل عليه إزارَها، ذكره (١) القزاز (٢). * * * ١٦٣٣ - (٢٩٨١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّ سُوَيدَ بْنَ النُّعْمَانِ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانوُا بِالصَّهْبَاءِ -وَهْيَ مِنْ خَيْبَرَ، وَهْيَ أَدْنىَ خَيْبَرَ-، فَصَلَّوُا الْعَصْرَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَاّ بِسَوِيقٍ، فَلُكْنَا فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَضْمَضَ، وَمَضْمَضْنَا، وَصَلَّيْنَا. (بُشَير بن يَسارٍ (٣)): بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة، مصغَّر. (فَلُكنا): اللَّوْكُ: مَضْغُ الشيء وإدارتُه في الفم. (وشربنا): قال الداودي: ما أراه محفوظاً (٤)؛ لأنه كان من المضمضة (٥) عند أكل السَّويق، ولا يبلغ بها الشربَ (٦).

стр. 2665

قلت: دفعُ الروايةِ الثانيةِ بمجرد هذا الخيال عجيبٌ؛ وأَيُّ مانع يمنعُ من أنهم بعد أكلِ السويق شربوا ماء؟! * * * ١٦٣٤ - (٢٩٨٢) - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁، قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبلِكُمْ؟! فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبلِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ناَدِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ"، فَدَعَا، وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ". (وأملقوا): قال الزركشي: فَنِيَتْ أَزوادُهم (١). قلت: يدفعه أن قبله: "خَفَّتْ أزوادُ القوم"، ثم الواقعُ أنها لم تَفْنَ بالكلية؛ بدليل أنهم جمعوا فضلَ أزوادهم، فبرَّك (٢) النبي ﷺ فيها (٣). (ما بقاؤكم بعدَ إبلكم؟!): أي: إن (٤) بقاءكم يسير بعد فَناءِ الإبل؛

стр. 2666

لغلبةِ الهلاك على الرجال، وهذا أخذه عمرُ من نهي النبي ﷺ عن أكلِ (١) لحومِ الحُمُرِ الأهلية يومَ خيبر، استبقاءً (٢) لظهورها؛ ليحمل المسلمين عليها، وتحمل أزوادَهم (٣). (فاحتثى الناس): -بمثناة فوقية فمثلثة-: من الحَثْيَةِ باليد. * * * باب: حَمْلِ الزَّادِ عَلَى الرِّقابِ ١٦٣٥ - (٢٩٨٣) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِئَةٍ نَحْمِلُ زَادَناَ عَلَى رِقَابِنَاَّ، فَفَنِيَ زَادُناَ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً، قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! وَأَيْنَ كَانَتِ التَمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْناَ فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْناَهَا، حَتَّى أَتَيْنَا الْبَحْرَ، فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا ثَمَانِيةَ عَشَرَ يَوْماً مَا أَحْبَبْنَا. (فإذا حوت قذفه البحرُ، فأكلنا منه (٤)): فيه جوازُ أكل الحوت الطافي. * * *

стр. 2667

باب: الرِّدْفِ عَلَى الحِمَارِ ١٦٣٦ - (٢٩٨٧) - حَدَّثَنَا قَتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ ابْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ. (على إكافٍ عليه قَطيفةٌ): الإكافُ للحمار كالسَّرجِ للفرس، وفيه لغةٌ بالواو. والقَطيفَةُ: دِثارٌ مُخْمَلٌ، والجمعُ قَطائِفُ، وقُطُف (١). * * * باب: مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ وَنَحْوِهِ ١٦٣٧ - (٢٩٨٩) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّزِّاقِ، أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ". (باب: من أخذَ بالركاب).

стр. 2668

(ويعين الرجل على دابته): هذا موضع الترجمة؛ فإنه يدخل (١) فيه الأخذ بالركاب وغيره. * * * باب: كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ بِالْمَصَاحِفِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ. (باب: السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، وكذلك يروى عن محمد بن بِشْر، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ): كذا وقع هذا صدرَ الباب، فكأنه من تغيير (٢) الناسخ، وإنما موضعه بعد حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر، ثم يقول: وكذا يروى (٣) عن محمد بن بشر، وتابعه ابن إسحاق، وإنما احتاج إلى ذكر هذه المتابعة؛ لأن بعضهم زاد في الحديث: "مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ"، وجعلَه من لفظ النبي ﷺ ، ولم يصح ذلك، وإنما هو من قول مالك، كذا قال ابن بطال وغيره (٤).

стр. 2669

(وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه (١) في أرض العدو (٢) وهم يعلمون القرآنَ): الاستدلال بهذا على (٣) جواز السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ضعيفٌ جداً. * * * باب: التَّكِبيرِ عِنْدَ الحَرْبِ ١٦٣٨ - (٢٩٩١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَبَّحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، وَقَدْ خَرَجُوا بِالْمَسَاحِي عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فَلَجَؤُوا إِلَى الْحِصْنِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إَذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ". وَأَصَبْنَا حُمُراً فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا. (فنادى منادي النبي ﷺ ): هو أبو طلحةَ زيدُ بنُ سهلٍ، وفي مسلم: فأمرَ رسولُ الله (٤) ﷺ أبا طلحةَ فنادى: إن الله ورسولَه ينهيانكم (٥) عن لحوم الحُمُر (٦).

стр. 2670

باب: مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوتِ بالتَّكْبِيرِ ١٦٣٩ - (٢٩٩٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْناَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِباً، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ". (اربَعوا على أنفسكم): -بفتح الباء-؛ أي: كُفُّوا وارفَعُوا (١). * * * باب: التَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ وَادِيَاً ١٦٤٠ - (٢٩٩٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْناَ كَبَّرْناَ، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. (كنا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا نَزلنا سبّحنا): قال المهلب: التكبيرُ عند الإشراف على الجبال؛ استشعاراً لكبرياء الله تعالى عندما تقع العين عليه من عظيم خلقه. وأما التسبيح [في بطون الأودية، فهو مستنبط من قصة يونس ﵇ وتسبيحه] (٢) في بطن الحوت، فسبَّحوا في بطون الأودية؛

стр. 2671

لينجيَهم الله منها، ومن أن يدركهم فيها عدو. وقال غيره: معنى تسبيحه في بطون الأودية وما انخفض (١) من الأرض: أنه لما كان التكبير لله تعالى عند رؤية عظيم مخلوقاته؛ وجب أن يكون فيما انخفض من الأرض تسبيح الله؛ لأن تسبيحه تنريهُه عن صفات الانخفاض [والضعة (٢). وسأل (٣) ابن المنير فقال: ينبغي أن يكون التنزيهُ في الانخفاضِ] (٤) والاستعلاءِ؛ لأن جِهَتَي (٥) العُلْوِ والسُّفلِ كلتاهما محالٌ على (٦) الحق؟ [وأجاب: بأن الشرع (٧) أذنَ في رفع البصر إلى السماء، وفي الدعاء، وأذن في وصف الحق] (٨) بالعلو، وإن كان (٩) معنوياً لا جسمانياً (١٠)، ولم

стр. 2672

يؤذن في وصفه بالانخفاض أَلبتة، ولا له اسم مشتق من ذلك. وقد ورد: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" (١)، وأوَّلناه بالمعنى (٢)، لكنه لم يشتق له منه اسمُ المُتَنَزِّلِ (٣)؛ بخلاف اسمِه المُتَعالي . * * * باب: التَّكْبِير إَذَا عَلَا شَرَفاً ١٦٤١ - (٢٩٩٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ صَالحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ -وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ قَالَ: الْغَزْوِ -يَقُولُ كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّتَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". قَالَ صَالِحٌ: فَقُلْتُ لَهُ: ألَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللهِ: إِنْ شَاءَ اللهُ؟ قَالَ: لَا. (ولا أعلمه إلا قال: الغزو): بالنصب والجر. (كلما أوفى): أي: أَشْرَفَ.

стр. 2673

(على ثَنِيَّه): هي أعلى الجبل. (أو فَدْفَد): الغليظ من الأرض، وقيل: ذات الحصى المرتفعة (١). * * * باب: يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ مَا كَانَ يَعْمَلُ في الإقَامَةِ ١٦٤٢ - (٢٩٩٦) - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً". (كُتب له مثلُ ماكان يعمل مقيماً صحيحاً": حمله بعضهم على النوافل، وحَجَّرَ (٢) واسعاً، بل (٣) تدخلُ فيه الفرائضُ التي شأنه أن يعمل بها وهو صحيحٌ، إذا عجز عن جملتها (٤) أو بعضها بالمرض، كُتب له أجرُ ما عجز عنه (٥) فعلًا؛ لأنه قام به عزماً أن لو كان صحيحاً، حتى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يُكتب له عنها أجرُ صلاةِ القائم. * * *

стр. 2674

باب: السَّيْرِ وَحْدَهُ ١٦٤٣ - (٢٩٩٨) - حَدَّثَنَا أَبَو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ". (ما في الوَحدة): [قال السفاقسي: ضُبط بفتح الواو وكسرها، وأنكر بعضُهم الكسر. وقيل: المراد: الوحدة في الليل] (١) (٢). * * * باب: مَا قِيْلَ في الجَرسِ ونَحْوِهِ في أَعْنَاقِ الإِبِلِ ١٦٤٤ - (٣٠٠٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِيَ بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ: أنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، -قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ:- وَالنَّاسُ فِي مَبِيتهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ -أَوْ قِلَادةٌ- إِلَاّ قُطِعَتْ.

стр. 2675

(أن أبا (١) بَشير): بموحدة مفتوحة وشين معجمة. (الأنصاري): هو أبو بشير بنُ الحارث، قيل: السَّاعديُّ، وقيل: المازنيُّ، وقيل: اسمه قيس بن عُبيد، وليس له في كتاب البخاري غير هذا الحديث (٢). (لا يبقينَّ في رقبة بعير قلادةٌ من وتر -أو قلادة-): أي: غير وترٍ. (إلا قُطعت): قيل: إنما كره ذلك من أجل الأَجْراس التي تعلق فيها، وعليه يدل تبويب البخاري. وقيل: إنما كره من أجل أنهم كانوا يزعمون أنها تدفع العين، قاله مالك في "الموطأ" بإثر هذا الحديث (٣). قال ابن المنير: ويحتمل أن يكون النهي عن القلائد؛ لئلا يتشبه فيها بالهدايا، وليست لله ، فأراد اختصاصَ الهدايا بشعار التقليد، ولهذا فسح في تقليد الخيل؛ لأنها ليست مما يُهدى مثلُها، ونهى عن الأوتار فيها؛ لئلا تختنق بها. * * * باب: الجَاسُوسِ ١٦٤٥ - (٣٠٠٧) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا

стр. 2676

عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِع، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً ﵁ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَناَ وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، قَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا". فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، حَتَى انتُهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أوْ لَنْلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُناَسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا حَاطِبُ! مَا هَذَا؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقاً فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكَنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَداً يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْراً وَلَا ارْتِدَاداً، وَلَا رِضاً بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ صَدَقَكُمْ". قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، قَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". قَالَ سُفْيَانُ: وَأَيُّ إِسْنَادٍ هَذَا! (أخبرني حسن (١) بنُ محمد): محمدٌ هذا هو محمدُ بنُ عليِّ بنِ أبي (٢) طالب، هو المعروفُ بابن الحنفية.

стр. 2677

(قال: أخبرني عُبيدُ الله بن أبي رافع): وأبو رافع هذا هو مولى النبي ﷺ ، ولهذا كان سفيان يستعظم هذا الإسناد بقوله (١): أي إسنادٍ (٢) هذا. (روضة خاخ): -بخاءين معجمتين-: موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلًا. (فإن بها ظعينةً): المرأةُ في الهَوْدجَ (٣)؛ وهذه المرأة يقال لها: سارة [مولاة العباس بن عبد المطلب، ويقال: أم سارة] (٤)، واسمها كَنُود. (تعَادَى بنا خيلُنا): تعادى: تفاعل؛ من العَدْو، وهو الجَرْي. (أو لتُلقينَّ الثيابَ): كذا الرواية، وقياس العربية: "أو لَتُلْقِنَّ (٥) " (٦) -بدون ياء-؛ لأنها تجتمع (٧) مع نون التأكيد الثقيلة، وأُولى النونين ساكنة، فيلتقي (٨) ساكنان، فيحذف أولهما (٩) وهو الياء (١٠).

стр. 2678

(من عِقاصها): -بعين مهملة مكسورة وقاف-: هو (١) الخيط الذي تُعقص (٢) به أطرافُ الذوائب. (إني كنت امرأً مُلْصَقاً في قريش): أي: كنتُ مُضافاً إليهم، ولا نسبَ لي فيهم، وأصلُ ذلك من إلصاقِ الشيء بغيره وليس منه. (دعني أضربْ عنقَ هذا المنافق): قال ابن المنير: حجةُ أصحاب مالك بقتل الجاسوس بَيِّنَةٌ من حديث حاطب؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ عزمَ على قتله بالتجسُّس (٣)، فلم ينكرْ عليه النبيُّ ﷺ جَعْلَ التجسسِ علةً، ولكن بَيَّنَ له (٤) المانعَ الخاصَّ به، فقال: إنه من أهل بدر، وهم مخصوصون بالمغفرة، فصحَّت العلَّة، وتعيَّنَ أن يُعمل (٥) بها عند عدم (٦) المانعِ المذكور. وقد جاء في السير أنه كتب (٧) إليهم: "من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش؛ أما بعد: فإن رسول الله ﷺ قد جاءكم في جيش كالسيل، أو كالليل، والله! لو جاءكم وحده، لنصره الله عليكم، وأنجز (٨) له (٩) وَعْدَه،

стр. 2679

فانظروا لأنفسكم"، فهذا اللفظ في غاية التعظيم والإرهاب، ومع ذلك عده عمر ﵁ تجسُّساً، وموجِباً للقتل. قلت: ليس في هذا الحديث تعليلُ عمرَ عزمَه على قتل حاطب بالتجسس (١)، وإنما فيه إيماءٌ إلى تعليل ذلك بالنفاق، ثم قوله ﵁ مشكلٌ؛ وذلك لأنه قال مقالته تلك (٢) بعد شهادة الصادقِ المصدوق لحاطب بأنه ما فعل ذلك كفراً ولا ارتداداً، ولا رضي بالكفر بعد الإسلام، وهذه الشهادة نافية للنفاق قطعاً، فبعضهم قال: إنما أطلق عليه عمر ذلك؛ لأن ما صدر عنه يشبه فعلهم؛ لأنه باطَنَ (٣) الكفارَ بخلاف ما يُظهر. وقيل: يحتمل أنه قاله قبل قول النبي ﷺ : "قَدْ صَدَقَكُمْ"، وهذا يبعده سياقُ الحديث لمن تأمله. وقيل: يريد أنه وإن صدق، فلا عذر له، وإنما عذر له النبيُّ ﷺ ؛ لأنه كان متأولًا، ولا ينافق بقلبه. وعلى الجملة: فمن عذره النبيُّ ﷺ ، وشهد بصدقه (٤) يجب على كل أحدٍ قَبولُ عذره وتصديقُه، والتماسُ أحسنِ المخارج له (٥). (وما يدريك لعل الله اطَّلَع على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتمِ، فقد غفرتُ لكم): معنى "يدريك": يُعْلِمُك، "ولعلَّ" للترجِّي، لكنه محقَّق

стр. 2680

للنبي ﷺ ، وقوله: "اعملوا ما شئتم" مشكلٌ؛ لأنه إباحة مطلَقَة، وهو خلاف عقد الشرع، فقيل: هو للماضي لا للمستقبل، وتقديره: أيُّ عمل كان لكم، فقد غفرته، وهو ضعيف (١)؛ لأن صيغة افعلْ دالةٌ على الاستقبال، وأيضاً فالصادرُ من حاطب إنما كان في الاستقبال بعدَ بدر، فلو كان للماضي، لم يحسن التمسكُ به هنا. وقيل: بل هو خطابُ إكرامٍ وتشريفٍ، أنَّ (٢) هؤلاء القوم حصلت لهم حالةٌ غُفرت لهم بها ذنوبُهم السالفة، وتأهلوا بها (٣) أن تُغفر لهم ذنوبٌ لاحقة إن (٤) وقعتْ منهم (٥). * * * باب: الكِسْوَةِ لِلأُسَارَى ١٦٤٦ - (٣٠٠٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصاً، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ

стр. 2681

النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ. (فوجدوا قميصَ عبدِ الله بنِ أُبي يقدُر عليه): -بضم الدال المخففة-؛ أي: يجيء قدرَه، وذاك لطولِ لباسِ العباس ﵁، وكان طُوالاً كأنه فُسطاط (١)، وكذا كان أخوه عبد الله، وأبوهما عبد المطلب (٢). * * * باب: الأُسَارَى في السَّلَاسِلِ ١٦٤٧ - (٣٠١٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "عَجِبَ اللهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ". (عجبَ اللهُ من قومٍ يدخلون الجنةَ في السلاسل): قال المهلب: يعني: يدخلون الإسلام (٣) مُكْرَهين، وسمي الإسلام بالجنة؛ لأنه سببها. قال ابن فورك: والعجبُ المضافُ إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم، والله تعالى يُعظم مَنْ أخبر عنه بأنه ممن يَعجب منه، ويرضى عنه (٤). وقال ابن المنير: إن كان المرادُ حقيقةَ وضعِ السلاسل بالأعناق،

стр. 2682

فالترجمةُ مطابقة، وإن كان المراد: المجازَ عن الإكراه، فليستْ مطابقة (١). والحقُّ حملُها على ظاهرها. وفيه دليل على (٢) شرعية السجن في الحقوق؛ لأنه موثقٌ؛ كالقيد والغُلِّ، وهو أظهرُ من الاستشهاد عليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. * * * باب: فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكتَابَيْنِ ١٦٤٨ - (٣٠١١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَسَنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاتَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِي كَانَ مُؤْمِناً، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ". ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. (ومؤمنُ أهل الكتاب الذي كان مؤمناً، ثم آمن بالنبي ﷺ ، فله

стр. 2683

أجران): مؤمنُ أهل الكتاب لابدَّ أن يكون مؤمناً به ﵊؛ للعهد المتقدمِ والميثاق، فإذا بُعث ﵇، فإيمانه الأول مستمر، فكيف يُعدد حتى تعدد أجرُه؟ وجوابه: أن إيمانه أولاً تعلق بأن الموصوف بكذا رسولٌ، وإيمانه ثانياً تعلق (١) بأن محمداً ﷺ هو الموصوف بتلك الصفات، فهما معلومان متباينان، فجاء التعدد. * * * باب: أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتوْنَ، فَيُصَابُ الوِلْدَانُ والذَّرَارِيُّ ١٦٤٩ - (٣٠١٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵃، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ-، وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارَيِّهِمْ، قَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا حِمَى إِلَاّ لِلَّهِ وَلِرَسُولهِ ﷺ ". (يُبَيَّتون): على البناء للمفعول، بَيَّتوا العدوَّ: إذا أَتوهم ليلاً، والاسم: البَيات، بالفتح؛ كالسَّلام من سَلَّمَ. (فيصاب من نسائهم وذرارِيِّهم، قال: هم منهم): أي: إذا لم يُوصَلْ إلى قتل الرجال إلا بذلك، قُتِلوا، وإلا، فلا يُقصد الأطفالُ والنساء بالقتل مع القدرة على ترك ذلك؛ جمعاً بين الأحاديث.

стр. 2684

باب: قَتْلِ النِّسَاء في الحَرْبِ ١٦٥٠ - (٣٠١٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانِ. (وُجدت امرأةٌ مقتولةً في بعض مغازي النبي ﷺ ): لعل هذه الغزوة هي فتح مكة، فقد روى الطبراني في "المعجم الأوسط" عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة (١)، أُتي بامرأة مقتولة، فقال: "ما كانت هذه تقاتل"، ونهى عن قتل النساء والوالدان (٢). * * * باب: لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللهِ ١٦٥١ - (٣٠١٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَاناً وَفُلَاناً، فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَدْناَ الْخُرُوجَ: "إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَاناً وَفُلَاناً، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَاّ اللهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا، فَاقْتُلُوهُمَا".

стр. 2685

(إن وجدتم فلاناً وفلاناً (١)، فأحرقوهما): تقدم أنهما هَبَّارُ بنُ الأسود، [ونافعُ بنُ عبدِ عمرٍو، وأن هباراً أسلمَ. وفي "الروض الأنف" للسهيلي: أنهما هبار بن الأسود] (٢)، ونافعُ ابنُ عبدِ قيس. ذكره ابن هشام، وفي غير "السيرة" أنه خالدُ بنُ قيس، هكذا ذكر عن البزار (٣). * * * باب: إذا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ ؟ ١٦٥٢ - (٣٠١٨) - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَهْطاً مِنْ عُكْلٍ، ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! ابْغِنَا رِسْلاً، قَالَ: "مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَاّ أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ". فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ، فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ، حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: قَتَلُوا، وَسَرَقُوا، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ، وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَاداً.

стр. 2686

(أن رهطاً من عُكْلٍ ثمانيةً): فيه تصريح بعددهم، والشيخ محيي الدين النووي ﵀ عزا ذلك (١) إلى "مسند أبي يعلى الموصلي"، وكأنه لم يقف على هذا في "الصحيح" (٢). (يا رسول الله! ابْغِنا رِسْلاً): أي: اطلبْه لنا، يقال: بَغَيْتُكَ الشَّيءَ: إذا طلبتُه لكَ، وابْتَغَيْتُكَهُ: أَعَنْتُكَ على طَلَبِه، والرِّسل -بكسر الراء-: اللَّبَنُ (٣). (فلما ترجَّل النَّهار): -بالجيم-؛ أي: ذهبَ منه كثيرٌ. (فأُحميت): كذا وقع رباعياً، وهو المعروف في اللغة، وإنما فعل ذلك بهم؛ لما في رواية سليمان (٤) التيمي، عن أنس: "أنهم كانوا فعلوا بالرِّعاء مثلَ ذلك" (٥)، وعليه يتنزل تبويبُ البخاري، ولولا ذلك، لم يكن ثَمَّ (٦) مناسبةٌ (٧). (قال أبو قِلابة: قَتلوا وسَرقوا): قد نوزِعَ؛ فإن هذه ليست سرقةً، وإنما هي حرابَةٌ. * * *

стр. 2687

باب ١٦٥٣ - (٣٠١٩) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِيَاءَ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟! ". (قرصَتْ نملة نبياً من الأنبياء): ذكر بعضُ المتأخرين أن النبي المذكور هو عُزير ﵇، وقيل: موسى بن عمران ﵇، ذكره الحكيم الترمذي (١). * * * باب: حَرْقِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ (باب: حرق الدور والنخيل): قال الزركشي: صوابُه: إحراق (٢). قلت: في "المشارق": والحرق يكون من النار، والأعرفُ فيه الإحراق (٣)، فجعلَ الحرقَ معروفاً، لا خطأً. * * *

стр. 2688

١٦٥٤ - (٣٠٢٠) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرٌ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " -وَكَانَ بَيْتاً فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى: كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةَ-، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِئَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ -قَالَ:- وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً". فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا، فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ، أَوْ أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. (من ذي الخَلَصَة): -بفتح الخاء المعجمة واللام جميعاً، وبضم الخاء فقط، وبضمها (١) مع ضم اللام، وبفتح الخاء وإسكان اللام-، وكذا حكاه ابن داود؛ وهو بيت صنم ببلاد دَوْسٍ، وهو الكعبةُ اليمانِيَةُ، وضَعَّفه الزمخشري بأن "ذو" لا يضاف إلا (٢) إلى أسماء الأجناس (٣)، وسمي الكعبة اليمانية؛ لأنه بأرض اليمن، ضاهَوْا بها الكعبَة الحرام (٤). (من أَحْمَسَ): -بحاء وسين مهملتين-: قبيلة من العرب.

стр. 2689

(واجعلْه هادياً مَهْدِيّاً): قال ابن بطال: هو من باب التقديم والتأخير؛ لأنه لا يكون هادياً لغيره إلا بعد أن يهتديَ هو ويكونَ مهدياً (١). (فقال رسولُ جرير (٢)): هو أبو أرطاة حصينُ بنُ ربيعة (٣). (كأنها جملٌ أجربُ): -بالموحدة-: مطليٌّ بالقَطِران، يشير إلى ما حصل لها من سواد الإحراق، وفي رواية مسدّد: "جَمَلٌ أَجْوَفُ" -بالواو والفاء-، وشرحه بأبيض البطنِ، قال القاضي: وهو تصحيفٌ وإفساد للمعنى (٤). * * * باب: قَتْلِ النَّائِم الْمُشْرِكِ (باب: قتل النائمِ المشركِ): قال ابن المنير: ويعني بالنائم: المضطجع، لا خلاف (٥) اليقظان، ويجوز أن يريد: النائم؛ لأن أبا رافع إنما قُصد وهو نائم، وذلك الإيقاظ (٦) إنما كان ليَعلمَ مكانهَ بصوتِه، والظاهر أنه قتله وهو في حكم النائم، [لهذا لم (٧) يهتدِ لا للهرب ولا للطلب.

стр. 2690

ووجهُ إدخالِه في الفقه: قطعُ وَهْمِ من يتوهَّم أن النائم] (١) غيرُ مكلف حالةَ النوم، فيقع (٢) له أنه من جنس السكران الذي لا يُقام عليه الحدُّ في حال سُكره حتى يفيقَ، وانظرْ لو لَقِينَا حَرْبِيٌّ سكرانُ، ولم نَخَفْ غائِلَتَهُ إذا أمهلناه (٣) للصَّحو؛ أنقتلُه (٤) في حال سُكره، أم (٥) نمهلُه (٦)؛ لاحتمال أن يصحو فيُسْلِمَ؟ الله أعلم. أما أبو رافع هذا، فكان ممن يُئِس من إسلامه وتوبته، فلا يُقاس عليه، وأيضاً: فإنه قُتل حَدّاً مع كونه كافراً؛ لأنه كان يؤذي رسولَ الله ﷺ أذية خاصة (٧)، فهو ممن لو أسلم، لم يسقط عنه القتل؛ كما لم يُستتب ابنُ خَطَل ونحوه. ونصَّ أصحابُنا في المرتدِّ أو الشابِّ يُجَنُّ: أنه يوقف عن قتله حتى يُفيق، أو يقتله الله، فيؤخذ (٨) من هذا: أن النائم لا يُقتل حدّاً ولا كُفراً. ويحتمل حدّ أبي رافع على أنه قُتل وقد استيقظ، خلافاً لما قصده البخاري من الترجمة.

стр. 2691

قلت: في آخر الباب التصريحُ بقتله في حالة النوم، فإنه قال: "فدخلَ عليه عبدُ الله بنُ عَتيكٍ (١) بيتَه ليلاً، فقتلَه وهو نائمٌ". * * * ١٦٥٥ - (٣٠٢٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطاً مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوَابَّ لَهُمْ، قَالَ: وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَاراً لَهُمْ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ، أُرِيهِمْ أَنَّنِي أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْحِمَارَ، فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ لَيْلاً، فَوَضَعُوا الْمَفَاتِيحَ فِي كَوَّةٍ حَيْثُ أَرَاهَا، فَلَمَّا ناَمُوا، أَخَذْتُ الْمَفَاتِيحَ، فَفَتَحْتُ بَابَ الْحِصْنِ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! فَأَجَابَنِي، فتُعَمَّدْتُ الصَّوْتَ، فَضَرَبْتُهُ، فَصَاحَ، فَخَرَجْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّي مُغِيثٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! وَغَيرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: مَا لَكَ لأُمِّكَ الْوَيْلُ؟! قُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي، قَالَ: فَوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَرَعَ الْعَظْمَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَناَ دَهِشٌ، فَأَتَيْتُ سُلَّماً لَهُمْ لأَنْزِلَ مِنْهُ، فَوَقَعْتُ، فَوُثِئَتْ رِجْلِي، فَخَرَجْتُ إلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: مَا أَناَ بِبَارِحٍ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيةَ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أَبِي رَافِعٍ تَاجِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ، قَالَ: فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ، حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرْناَهُ.

стр. 2692

(بعث رسولُ الله ﷺ رهطاً من الأنصار): ذكر ابن هشام عن الزهري، عن كعب بن مالك: أنه خرج إليه خمسةُ نَفَرٍ: عبدُ الله بنُ عتيك (١)، ومسعودُ بنُ سنانٍ (٢)، وعبدُ الله بنُ أُنَيْسٍ، وأبو قتادةَ الحارثُ بنُ رِبْعي (٣)، وخُزاعِيُّ (٤) بنُ أسودَ حليفٌ لهم من أسلمَ، وأَمَّر عليهم عبدَ الله ابنَ عتيك، وفي هذه الراوية: أنهم دخلوا عليه، و (٥) ابتدروه بأسيافهم، وأن عبدَ الله بنَ أنيسٍ (٦) تحامل (٧) عليه بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو يقول (٨): قَطْني قَطْني؛ أي: حَسْبي (٩). ورواية البخاري تقتضي أن الذي عمل العملَ كلَّه هو عبدُ الله بنُ عَتيك، وهو الذي وقعَ من الدرجة؛ لأنه كان ضعيف البصر، وما في البخاري أصحُّ. (في كَوَّةٍ): بفتح الكاف وضمها. (فوُثِئَتْ رِجْلي): -بواو مضمومةٍ فثاء مثلثة مكسورة فهمزة، مبني

стр. 2693

للمفعول-؛ أي: أصابَ عظمَ رجلي شيءٌ لا يبلغُ الكسرَ؛ كأنه فك. (حتى سمعت نعايا أبي رافعٍ): قال الخطابي: هكذا روي؛ وإنما حق الكلام: نَعاءِ أبا رافع؛ أي: انْعَوْا أبا رافع، يقال (١): نَعاءِ فلاناً؛ أي: انْعَهُ (٢)؛ كقولك: دراكِ؛ أي: أَدْرِكْ (٣). قلت: وهذا أيضاً قدحٌ في الرواية الصحيحة بوهمٍ يقع في الخاطر، فالنعايا هنا جمعُ نَعِيٍّ؛ كصَفِيٍّ وصَفايا، والنَّعْيُ: خبرُ الموت؛ أي: فما برحتُ حتى سمعتُ الأخبارَ مصرِّحَةً بموته. وفيه: قبولُ خبرِ الواحد في الوفاة بقرائنِ الأحوال، ولو كان الناقلُ كافراً؛ لأن المحكم القرينةُ لا القول. (وما بي قَلَبَة): أي: داء (٤) تقلَب (٥) له رجلي لتعالَجَ. * * * باب: الحرْبِ خَدْعَةٌ ١٦٥٦ - (٣٠٣٠) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَناَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ".

стр. 2694

(الحرب خَدْعة): -بفتح الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة- على أفصح لغاتها. قال في "الفصيح" (١): وذُكر لي أنها لغةُ النبيِّ ﷺ . وذكر بعضُ أهل (٢) السير أنه ﵊ قالها يومَ الأحزاب لما بعثَ نعيمَ بنَ مسعود يُخَذِّلُ بين قريشٍ وغطفان ويهودَ (٣). والمراد بالحديث -والله أعلم-: أن الحربَ الجيدةَ (٤) لصاحبها، الكاملةَ في مقصودها، إنما هي المخادَعَةُ، لا (٥) المواجَهَةُ، وذلك أن (٦) المواجهة خَطِرة، وأما المخادعةُ، فيحصل منها الظفرُ مع أمنِ (٧) الخطر، والمعنى: أن خَدعةً واحدة -أي: مرةً من الخداع- تُغني غَناءَ الحرب، فهو من جنس: "إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" (٨). * * * ١٦٥٧ - (٣٠٢٧) - حَدَثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ: أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 2695

قَالَ: "هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ، وَلتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ". (هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعدَه): قال الشافعي (١) ﵁: معناه: لا كسرى بعدَه بالعراق، ولا قيصرَ بعده بالشام. قال: وسببُ الحديث: أن قريشاً كانت تأتي الشامَ والعراقَ كثيراً للتجارة في الجاهلية، فلما أسلموا، خافوا انقطاعَ سفرهم إليهما؛ لمخالفتهم بالإسلام، فقال ﵊: لا كسرى ولا قيصرَ بعدهما بهذين الإقليمين، و (٢) لا ضررَ عليكم، فلم يكن قيصر بعدَه بالعراق، ولا كسرى بالشام، ولا يكون (٣). * * * باب: الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ ١٦٥٨ - (٣٠٣١) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لِكَعْب بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟ ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي: النَّبيَّ ﷺ - قَدْ عَنَّاناَ، وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيْضاً، وَاللهِ قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْتَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ:

стр. 2696

فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. (باب: الكذب في الحرب). (قد عَنَّانا): -بتشديد النون-؛ أي: أَلْزَمَنا العناءَ، وكلَّفنا ما يشقُّ علينا، فعدَّ البخاريُّ هذا كذباً في الحرب. ويمكنُ المنازعة فيه، فيقال: بل هو تعريض؛ فإنه ﵇ قد أمرهم ونهاهم، والأوامرُ والنواهي تكاليفُ، فلا بِدْعَ (١) أن يطلق: عَنَّانا، ويريد: كَلَّفَنا بما ورد (٢) به الشرع من الأوامر والنواهي، وقوله: "وسألنا الصدقة" لا كذبَ فيه أيضاً؛ فإنه ﵊ طالبها منهم ما أمر الله . * * * باب: مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَازُعِ والاختِلَافِ في الحرْبِ وعقُوبةِ مَنْ عَصَى إِمَامَهُ ١٦٥٩ - (٣٠٣٩) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ يُحَدِّثُ، قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً- عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمُوناَ تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ، فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوناَ هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْناَهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ"، فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَناَ وَاللهِ! رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ، قَدْ بَدَتْ

стр. 2697

خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ. فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ -أَيْ قَوْمِ! - الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالُوا: وَاللهِ! لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ، صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِئَةً: سَبْعِينَ أَسِيراً، وَسَبْعِينَ قَتِيلاً. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نفسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ -وَاللهِ- يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ. قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: اُعْلُ هُبَلْ، اُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا تُجيبُوا لَهُ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا نقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا تُجِيبُوا لَه؟ ". قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ مَوْلَاناَ وَلَا مَوْلَى لَكُمْ". (على الرجّالة): -بتشديد الجيم-: جمعُ راجِل، وهم الذين لا خيلَ معهم. (إن رأيتمونا تخْطَفنا الطير): -بإسكان الخاء وتخفيف الطاء وفتحها-، ويروى بفتح الخاء وتشديد الطاء، وأصله: تَتَخَطَّفُنا -بتاءين حذفت

стр. 2698

إحداهما (١) -، وهو مَثلٌ يراد به الهزيمة. (وأَوْطَأْفاهم (٢)): يريد: مشينا عليهم وهم قتلى بالأرض. (رأيت النساء): أي: نساء المشركين. (يُسْنِدْنَ): -بسين مهملة ونون-؛ أي: يمشين في سَنَد الجبل يُرِدْنَ أن يَرْقَيْنَ الجبلَ، وفي رواية أبي ذر: "يَشْتَدِدْنَ" -بشين معجمة-: يفتعلْنَ؛ من الشدة؛ أي: يجرين (٣). (وأَسْوُقُهُنَّ): جمع ساقٍ، ويقال بواو مضمومةٍ خالصةٍ، وضبطه بعضهم (٤) بالهمزة؛ لأن الواو إذا انضمَّتْ، جاز همزُها، نحو: أَدْوُرٍ وأَدْؤُرٍ. وفيه جوازُ النظر إلى أَسْوُقِ المشركات؛ لتعرُّفِ حالِ القوم، لا لشهوةٍ (٥). (الغنيمةَ (٦)): نصب على الإغراء. (فما ملكَ عمرُ نفسَه، فقال: كذبتَ -والله- يا عدوَّ الله): لم يرد عمر ﵁ مخالفةَ نهي النبي ﷺ ، وإنما أنكرَ قولَ الباطل.

стр. 2699

(إنكم ستجدون في القوم مُثْلة لم آمرْ بها، ولم تَسُؤْني): يعني: أنهم جَدَعوا أنوفهم، وشَقُّوا (١) بطونهم، وكان حمزة ﵁ ممن مُثِّلَ به. وقوله: "لم آمرْ بها"؛ يعني: أنه لا يأمرُ بفعلٍ قبيحٍ لا يجلبُ لفاعله نفعاً. وقوله: ولم تَسُؤْني؛ يعني: لأنكم عدوٌّ لي، وكانوا قتلوا ابنه يومَ بدرٍ. (اعلُ هُبَل): صنم كانوا يعبدونه، وكذا العُزَّى. (الله مولانا): أي: ناصرُنا. قال السفاقسي: وذُكر أن أبا سفيان لما أجابه عمر، قال له: أنشدُكَ الله أمحمدٌ حيٌّ؟ قال: اللهمَّ نعم، وهو ذا يسمعُك، قال: أنت أصدقُ عندنا من ابنِ قَمِئَةَ، قال ذلك؛ لأن ابنَ قمئةَ قال لهم (٢): قتلتُه (٣). * * * باب: مَنْ رَأَى الْعَدُوَّ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا صَبَاحَاهْ! حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ (باب: من رأى العدوَّ فنادى بصوته: يا صباحاه! حتى يُسمع الناس): موضع الترجمة من الفقه: أن هذه الدعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهيِّ

стр. 2700

عنها؛ لأنها استعانةٌ على المشركين (١) (٢). * * * ١٦٦٠ - (٣٠٤١) - حَدَّثَنَا الْمَكَيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَناَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَاهِباً نَحْوَ الْغَابَةِ، حَتَى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ، لَقِينِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قُلْتُ: وَيْحَكَ! مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ، فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاهْ! يَا صَبَاحَاهْ! ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، وَإنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ، فَقَالَ: "يَا بْنَ الأكْوَعِ! مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ". (أنا ابن الأكوع، واليومُ يومُ الرُّضَّع): سجعٌ لم يلتزم فيه الوزن، فيقول بعضهم: وَجْهُه (٣): إِنَّا بَني الأَكْوعِ، ساقط. ومعنى اليومُ يومُ الرضع: اليوم هلاك اللئام؛ من قولهم: لئيم (٤) راضعٌ،
следующие страницы →