إحداهما (١) -، وهو مَثلٌ يراد به الهزيمة.
(وأَوْطَأْفاهم (٢)): يريد: مشينا عليهم وهم قتلى بالأرض.
(رأيت النساء): أي: نساء المشركين.
(يُسْنِدْنَ): -بسين مهملة ونون-؛ أي: يمشين في سَنَد الجبل يُرِدْنَ أن يَرْقَيْنَ الجبلَ، وفي رواية أبي ذر: "يَشْتَدِدْنَ" -بشين معجمة-: يفتعلْنَ؛ من الشدة؛ أي: يجرين (٣).
(وأَسْوُقُهُنَّ): جمع ساقٍ، ويقال بواو مضمومةٍ خالصةٍ، وضبطه بعضهم (٤) بالهمزة؛ لأن الواو إذا انضمَّتْ، جاز همزُها، نحو: أَدْوُرٍ وأَدْؤُرٍ.
وفيه جوازُ النظر إلى أَسْوُقِ المشركات؛ لتعرُّفِ حالِ القوم، لا لشهوةٍ (٥).
(الغنيمةَ (٦)): نصب على الإغراء.
(فما ملكَ عمرُ نفسَه، فقال: كذبتَ -والله- يا عدوَّ الله): لم يرد عمر ﵁ مخالفةَ نهي النبي ﷺ ، وإنما أنكرَ قولَ الباطل.
стр. 2699
(إنكم ستجدون في القوم مُثْلة لم آمرْ بها، ولم تَسُؤْني): يعني: أنهم جَدَعوا أنوفهم، وشَقُّوا (١) بطونهم، وكان حمزة ﵁ ممن مُثِّلَ به.
وقوله: "لم آمرْ بها"؛ يعني: أنه لا يأمرُ بفعلٍ قبيحٍ لا يجلبُ لفاعله نفعاً.
وقوله: ولم تَسُؤْني؛ يعني: لأنكم عدوٌّ لي، وكانوا قتلوا ابنه يومَ بدرٍ.
(اعلُ هُبَل): صنم كانوا يعبدونه، وكذا العُزَّى.
(الله مولانا): أي: ناصرُنا.
قال السفاقسي: وذُكر أن أبا سفيان لما أجابه عمر، قال له: أنشدُكَ الله أمحمدٌ حيٌّ؟ قال: اللهمَّ نعم، وهو ذا يسمعُك، قال: أنت أصدقُ عندنا من ابنِ قَمِئَةَ، قال ذلك؛ لأن ابنَ قمئةَ قال لهم (٢): قتلتُه (٣).
* * *
باب: مَنْ رَأَى الْعَدُوَّ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا صَبَاحَاهْ! حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ
(باب: من رأى العدوَّ فنادى بصوته: يا صباحاه! حتى يُسمع الناس): موضع الترجمة من الفقه: أن هذه الدعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهيِّ
وهو الذي رَضَعَ اللؤمَ من ثدي أمه، وكلُّ مَنْ ينسَبُ إلى لؤم، فإنه يوصف بالمصّ والرضاع، وفي المثل: أَلأَمُ من راضع، وأصلُ ذلك: رجلٌ كان إذا أحسَّ بالضيف، رضعَ من ثدي البهيمة؛ لئلا يحسَّ به إذا حلب.
وقيل: أراد: اليومُ يومٌ تعلم المرضعةُ هل أرضعت (١) جباناً أو شجاعاً؟
وقيل: أراد: يوماً شديداً تُفارِق فيه المرضعُ رضيعَها.
قال السهيلي: اليومُ يومُ الرضع، بالرفع فيهما، وبنصب الأول ورفع الثاني.
حكى (٢) سيبويه: اليومَ يومُك، على أن يجعل اليومَ في موضع خبر الثاني؛ لأن ظرف الزمان يخبَر به عن زمانٍ مثلِه إذا كان الظرفُ يتسع للثاني، ولا يضيق عنه (٣)(٤).
(ملكتَ فأَسْجِحْ): -بهمزة قطع فسين مهملة (٥) فجيم فحاء مهملة- فعلُ أمر؛ أي: قَدَرْتَ، فَسَهِّلْ وأَحْسِنِ العفوَ، يقال: أسجحَ الكريمُ إلى مَنْ أذنبَ (٦).
(إن القوم يُقْرَوْنَ في قومهم): هو من القِرى، وهو الضيافة، والمعنى: أنهم وصلوا إلى قومهم.
стр. 2702
وقال ابن بطال: سيبلغون أولَ بلادهم، فيطعمون ويسقون الماء قبل أن تبلغَ منهم ما تريد.
ويروى: "يَقْرون": -بفتح الياء وضم الراء-؛ أي: ارفقْ بهم؛ فإنهم يُضيِّفون الأضيافَ (١).
* * *
باب: مَنْ قَالَ: خُذْهَا وَأَناَ ابْنُ فُلَانٍ وَقَالَ سَلَمَةُ: خُذْهَا وَأَناَ ابْنُ الأَكْوَعِ
(وقال سلمة: خُذْهما وأنا ابنُ الأكوع): يعني: الرميةَ، وهي كلمةٌ يقولها الرامي عندما يُصيب فَرَحاً.
قال السفاقسي: وكان ابنُ عمر إذا رمى يقول: خُذْها وأنا أبو (٢) عبد الرحمن، ويقول: أنا بها، أنا بها، وكان رامياً مُجيداً يرمي الطيرَ على سنام البعير، فلا يخشى أن يصيب السنام (٣).
* * *
باب: إِذَا نَزَلَ العَدُوُّ على حُكْمِ رَجُلٍ
١٦٦١ - (٣٠٤٣) - حَدَثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، -هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ-، عَنْ أَبِي
стр. 2703
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، -هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ-، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَاَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ،، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هَؤُلَاءِ نِزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ". قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرَّيَّةُ، قَالَ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْم الْمَلِكِ".
(قال: لقد حكمت فيهم (١) بحكم الملك): قال ابن المنير: فيه تصحيحُ القول بأن المصيب واحد، وأن المجتهدَ ربما أخطأ، ولا حرجَ عليه، ولهذا قال ﵊ لسعدٍ (٢): "لقد حكمتَ بحكم الملك"، فدل ذلك على أن حكمَ الله في الواقعة متقرر، فمن أصابه، فقد أصابَ الحقَّ، ولولا ذلك، لم يكن لسعدٍ مزيةٌ في الصواب.
لا يقال: كانت المسألة قطعية، والمسائل القطعية (٣) لله فيها حكمٌ واحدٌ؛ لأنا نقول: بل كانت اجتهادية ظنيةً، ولهذا كان رأيُ أكثرِ الأنصار أن يُعفى عن اليهود؛ خلافاً لسعدٍ، وما كان الأنصار (٤) ليتفق أكثرُهم على خلاف الصواب قطعاً.
وفيه: جواز الاجتهاد في زمنه ﵊، وبحضرته، فكيف بعد وفاته؟
стр. 2704
وفيه: أنه يسوغ للإمام الأعظم إذا كانت له حكومة في نفسه أن يولي نائباً يحكم بينه وبين خصمه للضرورة، وينفذ ذلك على خصمه إذا كان عدلاً، ولا يُقدَح فيه أنه حكم له وهو نائبه.
* * *
باب: قَتْلِ الأسِيرِ، وَقَتْلِ الصَّبْرِ
١٦٦٢ - (٣٠٤٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ".
(إن ابنَ خَطَلٍ متعلقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه): جاء في قاتلِ ابنِ خطل روايتان:
فروي عن أبي برزةَ الأسلميِّ فضلةَ بنِ عُبيدٍ أنه قال: أنا (١) قتلتُ ابنَ خطل، ذكره [ابن] عبد البر في "الاستيعاب" (٢).
وفي "سنن البيهقي" في أبواب الردة: أنه ابتدره سعيدُ بنُ (٣) زيد، وعمارُ بن ياسر، وأن سعيدَ بنَ زيد تقدمه إليه، فقتله. رواه عن أسباط عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه (٤).
стр. 2705
واسم ابنِ خطل (١): عبدُ الله، وقيل: عبدُ العزى، وقد مر أنه (٢) أسلمَ ثم ارتدَّ وقتلَ مسلماً.
وفي "الإكمال" لابن ماكولا في باب: كبير (٣) ما نصه: وهلال (٤) بنُ عبد الله، ويعرف بابنِ خَطَلِ بنِ عبدِ الله بنِ مناف بنِ أسعدَ (٥) بنِ جابرِ بنِ كبير (٦): هو الذي تعلَّق بأستار الكعبة، فقُتل، وقيل في نسبه غيرُ هذا (٧).
وفي "الروض الأنف" للسهيلي: وقد قيل: كان هلالٌ أخاه (٨).
وفي "أسد الغابة" في ترجمة سعيدِ بنِ ذؤيب: روى السديُّ عن مصعبِ ابنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: لما كان يومُ فتحِ مكة، أَمَّنَ رسولُ الله ﷺ الناسَ (٩) إلا أربعةَ أنفس: عِكْرِمَةَ بنَ أبي جهلٍ، وعبدَ الله بنَ خَطَل، ومِقْيَسَ بنَ صُبابَةَ، وعبدَ الله بنَ سعدِ بنِ أبي سَرْع، فأما ابنُ خطل، فأُدرك وهو متعلقٌ بأستار الكعبة، فاستبق (١٠) إليه سعدُ بنُ ذؤيب، وعمارُ بنُ ياسر، فسبق سعدٌ
стр. 2706
عماراً، وكان أشبَّ الرجلين (١).
وفي "البيهقي" في فتح مكة بإسناده إلى زيد بن الحُباب، قال: حدثني عمرُو بنُ عثمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدٍ المخزوميُّ، قال: حدثني جدي، عن أبيه: أن رسولَ الله ﷺ أَمَّنَ الناسَ إلا هؤلاء الأربعة: ابنَ خطلٍ، ومقيسَ بنَ صبابةَ، وعبدَ الله بنَ أبي سرح، وابنَ نُقَيذٍ (٢)، فأما ابنُ خطل، فقتله الزبيرُ بنُ العوام (٣).
فحصلنا (٤) أربعةَ أقوال في قاتل ابن خطل.
وفي "السيرة" لابن سيد الناس: إن قاتله سعيدُ بنُ حُرَيْثٍ المخزوميُّ وأبو برزة (٥)، فهذا قول خامس.
* * *
باب: هَلْ يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ؟ ومَنْ لَمْ يَسْتَأْسِرْ، وَمَنْ رَكَع رَكعَتَينِ عِنْدَ القَتْلِ
١٦٦٣ - (٣٠٤٥) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ -وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ-: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ
وخالدُ بنُ البُكَير الليثيُّ، وعاصمُ بنُ ثابتِ بنِ أبي الأفلحِ، وخُبَيْبُ بنُ عَدِيٍّ، وزيدُ بنُ الدَّثِنَةِ، وعبدُ الله بنُ طارق حليفُ بني ظُفَرَ (١)، وقد عُدَّ منهم: مُغيثُ بنُ عبيدٍ البلويُّ حليف الأنصار.
(وأمّر عليهم عاصمَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ جدَّ عاصم بنِ عمرَ بنِ الخطاب (٢)): قال مصعبٌ الزهري وغيره (٣): إنما هو خالُ عاصمٍ، لا جَدُّه؛ لأن عاصمَ بنَ عمرَ بنِ الخطاب أُمه جميلةُ بنتُ ثابتِ بنِ [أبي] الأفلح أختُ عاصمِ بنِ ثابتٍ، وكان اسمها عاصية، [فسماها النبي ﷺ جميلةَ] (٤).
(بالهَدْأة): بفتح الهاء وإسكان الدال المهملة بعدها همزة.
ويروى: "بالهَدَةِ"، بإسقاط الهمزة مع تخفيف الدال، ومنهم من يشددها (٥).
(بنو لِحْيان): هو ابنُ هذيلِ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَرَ -بكسر اللام-. وحكى صاحب "المطالع" فتحها.
وعند الدمياطي: أنهم بقايا جُرْهُم (٦).
(خُبيب): بضم الخاء المعجمة، مصغَّر.
(و (٧) ابن الدَّثِنَة): بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وتخفيف النون،
стр. 2710
وقد تشدد، وقد تسكن الثاء.
(يأكل من قِطْفِ عنبٍ في (١) يده، وإنه لموثقٌ في الحديد، وما بمكةَ من ثمرٍ (٢)): قال المهلب: هذا يمكن أن يكون آية لله على الكفار، وبرهاناً لنبيه ﵊، وتصحيحاً لرسالته عند الكافرةِ وأهلِ بلدها الكفار، وأما من يدَّعي اليومَ مثلَ هذا بين ظهراني المسلمين، فليس لذلكَ (٣) وجهٌ، والمنع (٤) من ذلك (٥) لازم؛ لما فيه من إدخال الريب في قلوب أهل التقصير.
قلت: هذا يسدُّ بابَ الكرامة، والحقُّ ثبوتُها.
ثم قال (٦): وقد أخبرني أبو عمران الفقيه الحافظُ بالقيروان: أنه وَقَّفَ أبا بكر بنَ الطيبِ الباقلاني (٧) على تجويزه لهذه المعجزات، فقال له: أرأيتَ إن قالت لنا المعتزلة: إن برهاننَا على تصحيح مذهبنا وما ندَّعيه من المسائلِ المخالفةِ لكم ظهورُ هذه الآية على يد رجلٍ صالحٍ منا؟
قال أبو عمران: فأطرق عني، ومَطَلني بالجواب، ثم اقتضيته في مجلس آخر، فقال لي: كل من اعترض في هذه الأشياء شيئاً من الدين، أو
стр. 2711
من السُّنن، أو ما عليه صحيحُ العلم، فلا يُقبل أصلاً على أي طريقٍ كان، فهذا ما رجعَ إليه ابنُ (١) الطيب (٢).
قلت: المسألة التي فرضها الشيخ أبو عمران هي (٣) مسألةُ ظهور المعجزة على يد الكاذب، وهو مستحيل عقلاً أو عادة، فإذا قال المعتزلي: آيةُ (٤) صحة مذهبي في معتقدي (٥) المخالفِ لكم أن أفعل كذا، لم يُتصور أن يقع ذلك أبداً، وأين هذا من كرامات الأولياء؟ فهي، وإن كانت أمراً خارقاً للعادة، فليست مقرونةً بالتحدي، ولو تحدَّى بها الوليُّ، لم يكن ولياً، ولم تجرِ على يده أصلاً، فتأمله (٦).
(اللهمَّ أَحْصِهم عَدَداً): أي: عُمَّهُم (٧) بالهلاك بقوله: لا تُبْقِ (٨) منهم أحداً.
(واقتلْهم بَدَداً): -بفتح الباء-، والبَدَدُ: التفرُّق، وإنما أخرجوه من الحرم؛ لأنهم كانوا لا يحلونه.
(ولست أُبالي): أي: إذا قُتلت (٩) وأنا مسلم، فلا أكترثُ بما جاءني،
стр. 2712
والمَصْرَعُ: موضعُ سقوط الميت.
(وذلك (١) في ذاتِ الإله): فيه جوازُ إضافة الذاتِ إلى الله، وقد منعه كثيرون، أو الأكثرون؛ لأن التاء للتأنيث، ويجاب بالمنع (٢)، وسيأتي فيه كلام إن شاء الله تعالى.
(على أوصال): جمع وَصْلٍ، وهو العُضْوُ.
(شِلْو): -بكسر الشين المعجمة وإسكان اللام-: بقيةُ الجسم.
(ممزَّع): مُقَطَّع مُفَرَّق.
(قُتل صبراً): أي: مصبوراً محبوساً للقتل.
(وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم يومَ بدرٍ): في "السيرة": لما قُتل عاصمٌ، أرادت هذيلٌ أخذَ رأسه؛ ليبيعوه من سُلافَةَ بنتِ سعيد، وكانت نذرتْ حين أصابَ ابنيها (٣) يومَ أحدٍ: لئن قدرتْ على رأسِ عاصمٍ لتشربنَّ الخمرَ في قحفه، فمنعته (٤) الدَّبْرُ (٥)، وما في البخاري أصحُّ.
ولعل المقتولَ من عظماء الكفار في بدر عقبةُ بنُ أبي معيط؛ فإن أهلَ السير قالوا في غزوة بدر: إن عاصماً قتلَه صبراً بأمر النبي ﷺ .
стр. 2713
قال ابن هشام: ويقال: عليُّ بنُ أبي طالب (١).
(مثل الظُّلَّة (٢)): -بضم الظاء المعجمة-: مثل السحابة القريبة من الرأس كأنها تُظِلُّه.
(من الدَّبْر): -بفتح الدال المهملة وإسكان الموحدة-: الدبابير (٣)، وقيل: النحل.
(فحمَتْه من رسولهم): أي: منعَتْه منه (٤)، ومنعَتِ الكفارَ أيضاً أن تصلَ أيديهم إليه، وكان يقال لعاصم: حَمِيُّ الدَّبْرِ؛ فإنه كان حلف أن (٥) لا يمسَّ مشركاً، ولا يمسه مشرك، فبرَّ (٦) الله قسمَه (٧).
* * *
باب: فَكَاكِ الأَسِيرِ
(باب: فَكاك الأسير): بفتح الفاء وكسرها.
١٦٦٤ - (٣٠٤٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، أَنَّ عَامِراً حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ
الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً". فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نبَيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: "دَعُونِي، فَالَّذِي أَناَ فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ". وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ". وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ.
(يومُ الخميس وما يومُ الخميس): تعجَّب من ذلك اليوم الذي فيه وَجِعَ رسولُ الله ﷺ .
(ائتوني بكتابٍ أكتبْ لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً): الظاهر أن هذا الكتاب الذي أراده إنما هو في النص على خلافة أبي بكر، لكنهم لما تنازعوا، واشتد مرضه، عدلَ عن ذلك مُعَوَّلاً على ما أَصَّلَ (١) في ذلك من استخلافِه على الصلاة (٢).
وقد روى مسلم عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "ادْعِي لِي أَبَا
стр. 2716
بَكْرٍ وَأَخَاكَ أَكْتُبْ كِتَاباً؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَناَ أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلَاّ أَبَا بَكْرٍ" (١).
وفي رواية البزار عنها: لما اشتدَّ وجعُه، قال: ائْتُونِي بِدَوَاةٍ وَكَتِفٍ أَوْ قِرْطَاسٍ، أَكْتُبْ لأَبِي بَكْرٍ كِتَاباً لا يَخْتَلِفِ النَّاسُ عَلَيْهِ"، ثم قال: "مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ".
فهذا نصٌّ صريح فيما ذكرنا (٢)، وأنه ﷺ إنما ترك كتابته معِّولاً على أنه لا يقعُ إلا كذلك، وبهذا (٣) يبطلُ قولُ من ظنَّ أنه كتابٌ بزيادةِ أحكامٍ وتعليمٍ، وخشيَ عمرُ عجزَ الناسِ عنها (٤).
(أَهَجر؟): -بفتح الهاء والهمزة للإنكار-، ومعناه: أَهَذى؟ إنكاراً على مَنْ (٥) ظن به ذلك؛ إذ لا يليقُ به الهَذَيان، ولا قولٌ غيرُ مضبوطٍ في حالة من الحالات، بل كلُّ ما يتكلم به حَقٌّ و (٦) صحيح، لا خُلْفَ فيه ولا غَلَطَ، كان ذلك في صحةٍ أو مرض، أو نوم أو يقظة، أو رضًا أو غضب ﷺ [وعلى آله وصحبه (٧) وسلم] (٨) تسليماً كثيراً، والهُجر -بالضم (٩) -: الهَذَيان،
стр. 2717
وكلامُ المُبَرْسَم والنائِم.
قال القاضي: وأَما روايةُ "هجر": فظن قومٌ أنها بمعنى هَذَى، فركبوا شَطَطاً، واحتاجوا إلى تأويلها، والصواب أنها على (١) حذف الألف، وأما رواية: "أَهُجْرٌ؟ " -على الاستفهام-، وهو رواية المستملي، فيحتمل رجوعُه إلى المختلفين عنده ﷺ ، ومخاطبة بعضِهم بعضاً (٢).
وقال صاحب "مرآة الزمان": لعل هذا من تحريف الرواية، ويحتمل أن يكون معناه: أن رسول الله ﷺ هَجَرَكم؛ من الهَجْر الذي هو ضدُّ الوَصْل؛ لما قد وردَ عليه من الواردات الإلهية، ولهذا قال: "في الرَّفيقِ الأَعْلَى"، ألا ترى إلى قوله: "دَعُوني؛ فالذي أنا فيه خَيْرٌ [ممَّا أنتم عليه] "؟
وقيل: هو استفهام على وجه الإنكار على من ظَنَّه بالنبي ﷺ ذلك الوقت؛ لشدة المرض عليه.
قال صاحب "النهاية": أي: أتغيرَ كلامُه بسبب المرض؟ على سبيل الاستفهام، وهذا أحسنُ ما يُقال فيه؛ إذ (٣) لا يُظن بقائله ذلك (٤).
وقيل: معناه: أُغمي عليه (٥)، فهو يقولُ ما يقول من شدة الوجع؛ فإن المريضَ ربما يتكلم بما لا يعلم، ظنوا أن ذلك كذلك (٦).
стр. 2718
(وأَجيزوا الوفدَ): من الجائزة، وهي العطيّة.
قال ابن المنير: والذي بقي اليوم (١) من هذا الرسم ضيافاتُ الرسل، وإقطاعاتُ الأعراب ورسومهم في أوقات، ومنه إكرامُ أهل الحجاز إذا وفدوا.
(ونسيتُ الثالثةَ): قال المهلب: هي إنفاذُ جيشِ أُسامة، وكان المسلمون اختلفوا في ذلك على أبي بكر، فأعلمهم أن النبي ﷺ عهدَ بذلك عند موته (٢)(٣).
وقال القاضي: يحتمل أنها قولُه ﷺ : "لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ" (٤).
(العَرْج أول تهامة): -بفتح العين وإسكان الراء-: قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلاً من المدينة.
* * *
باب: التَّجَمُّلِ لْلِوُفُودِ
١٦٦٧ - (٣٠٥٤) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ،
فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَاذَا تَرَى؟ "، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُلِطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً"، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ". قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ يَكُنْهُ، فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ".
(قِبَلَ ابنِ صياد): هو غلامٌ من اليهود، كان (١) يتكهن أحياناً، فيصدُق ويكذِب، فشاع حديثُه، وتُحُدِّثَ أنه الدجَّال، وأشكلَ أمرُه، ولم يبينِ الله لهم شيئاً من ذلك، فأخذ النبي ﷺ يسلك (٢) طريقاً يختبر بها حاله، وبنى على أنه كان من الكهان، وقد أشكل أمرُه على ابن عمر، وأبي سعيد، وغيرهما من الصحابة؛ كما في "مسلم" (٣)، وغيره (٤).
(خُلِّط عليك الأمرُ): -بتخفيف اللام وتشديدها-؛ أي: خُلِّط عليك الحقُّ والباطل على عادة الكهَّان.
(إني قد (٥) خبأتُ لك خبيئاً): -بالهمز- في خَبَأْت، وخَبيئاً، قيل:
стр. 2721
معناه: أن النبي ﷺ أضمر له في نفسه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] والدُّخُّ: لغةٌ في الدُّخان.
قال الزركشي: وقد خلط في تفسيره الحاكمُ، والخطابي، أما الحاكمُ، فزعم أنه الزخ- بالزاي- الذي هو الجماع، وأما الخطابي، فزعم أنه نبتٌ موجودٌ (١) بين النخيل، قال: ولا معنى للدخان.
والصواب: أنه الدّخان؛ والدخُّ لغةٌ فيه حكاها ابنُ دريد، والجوهري، وابن سِيدَه (٢).
وقد روى الترمذي: "إِنِّي خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً" (٣)، وخَبَأَ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقال ابن صياد: هو الدُّخُّ، وإسناده صحيح، فأدركَ ابنُ صياد من ذلك هذه (٤) الكلمة فقط، على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين من غير وقوف على تمام البيان، ولهذا قال له: "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"؛ أي: فلا مزيد (٥) على قدر إدراك الكهان.
وقيل: إنه أراد أن يقول: الدخان، فزجره النبيُّ ﷺ ، فلم يستطع تمامه.
وقيل: السر في أن خبأ له الدخان: أن (٦) الدجال يقتله عيسى بنُ مريم
стр. 2722
بجبل الدُّخان، فكأنه أراد التعريضَ بقتله (١).
(إن يَكُنْهُ): فيه اتصال الضمير إذا وقع خبراً لكان، وابنُ مالك يختاره على الانفصال، عكس ما اختاره ابنُ الحاجب.
وفي رواية: "إنْ يَكُنْ هُوَ" (٢) على أن اسم كان ضميرٌ مستتر فيها، و"هو (٣) " تأكيد له، وخبرها محذوف.
* * *
باب: إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي داَرِ الْحَرْبِ، وَلَهُمْ مَالٌ وَأَرَضُونَ، فَهيَ لَهُمْ
١٦٦٩ - (٣٠٥٨) - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيْنَ تَنْزِلُ غَداً؟ فِي حَجَّتِهِ، قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً؟ "، ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ ناَزِلُونَ غَداً بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ الْمُحَصَّبِ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ". وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشاً عَلَى بَنِي هَاشِمٍ: أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُؤْوُوهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْخَيْفُ: الْوَادِي.
(باب: إذا أسلمَ قومٌ في دار الحرب، ولهم مال وأرضون، فهي لهم).
стр. 2723
(وهل ترك لنا عقيل منزلاً؟): قال ابن المنير: مطابقته للترجمة على وجهين:
إما أن يكون النبي ﷺ سُئل: هل ينزل في داره بمكة؟ وهو مبين في بعض الأحاديث، فقوله (١): "وهل تركَ لنا عقيلٌ منزلاً؟ " بين؛ لأنه إذا ملكَ ما استولى عليه في الجاهلية من مِلْكِ النبي ﷺ ، فكيف لا يملكُ ما لم يزل ملكاً له؟
وإما أن يكون سُئل: هل ينزل من منازل مكة شيئاً؟ لأنها فتحت عَنْوَة، فبين أنه مَنَّ على (٢) أهلها بأنفسهم وأموالهم، فتستقرُّ أملاكُهم كما كانت.
وعلى التقديرين، فأهل مكة ما أسلموا على أملاكهم، ولكنهم مُنَّ عليهم، وأسلموا، فإذا ملكوا وهم كفار بالمنِّ، فملكُ مَنْ أسلمَ قبلَ الاستيلاء أولى (٣).
* * *
١٦٧٠ - (٣٠٥٩) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلىً لَهُ يُدْعَى: هُنَيّاً عَلَى الْحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُّ! اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ، وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ،
وفيه تحذير المتكلم نفسَه، وهو قليل؛ كأمر المتكلمِ نفسَه.
(إن تهلِكْ): بكسر اللام.
(لَيَرَوْنَ أَني قد ظلمتُهم): يريد: أربابَ المواشي الكثيرة.
(لولا المالُ الذي أحملُ [عليه] في سبيل الله): يريد: الخيلَ التي أعدَّها ليحمل (١) عليها في الجهاد مَنْ لا مركوبَ له.
قال مالك: وكان عِدَّتها أربعين ألفاً (٢).
* * *
باب: كِتَابَةِ الإِمَامِ النَّاسَ
(باب: كتابةُ الإمامِ الناسَ): قال ابن المنير: موضعُ الترجمة من الفقه (٣): أن لا يُتخيل أن كتابةَ الناس إحصاءٌ لعددهم، وقد يكون ذريعةً لارتفاع البركة منهم؛ كما ورد في الدعوات على الكفار: "اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً" (٤)؛ أي: ارفع البركةَ منهم، وإنما خرج هذا على هذا النحو؛ لأن الكتابة [لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت ليست من ناحية الكتابة] (٥)، ولكن من ناحية إعجابهم بكثرتهم، فأُدِّبوا بالخوف المذكور في الحديث (٦).
стр. 2726
١٦٧١ - (٣٠٦٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ"، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفاً وَخَمْسَ مِئَةِ رَجُلٍ، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِئَةٍ؟! فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهْوَ خَائِفٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ: فَوَجَدْناَهُمْ خَمْسَ مِئَةٍ، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَا بَيْنَ سِتِّ مِئَةٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةٍ.
(اكتبوا [لي] من تلفظ بالإسلام): فيه إباحةُ التدوين، واستكتاب الكتاب للجيوش.
(فكتبنا له ألفاً وخمس مئة): قيل: كان (١) هذا في عام الحديبية؛ لأنهم خرجوا في ألف وأربع مئة ونحوها.
* * *
باب: إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ
(باب إن الله يؤيِّدُ الدينَ بالرجل الفاجر): موضعُ الترجمة من الفقه: أن لا يُتخيل في الإمامِ أو (٢) السلطانِ الفاجرِ إذا حمى حوزةَ الإسلام أنه مُطَّرَحُ النفع في الدين لفجوره، فَيُخْرَجَ (٣) عليه، ويُخْلعَ؛ لأن الله قد يؤيد به دينه، فيجب الصبرُ عليه، والسمعُ والطاعة له في غير
قال الزركشي: فيحتمل أنه استوجبها، إلا أن يعفو الله عنه (١).
قلت: وقع في بعض الأحاديث وصفُه بما يقتضي أنه منافق، ذكره ابن الأثير في "أسد الغابة" في ترجمة أكثم بن الجون (٢).
ثم قال الزركشي: ويحتمل أن يكون حقيقة؛ أي: يُعاقب لقتله نفسه، أو يكون قد ارتاب وشكَّ حين خرج، وهو أشبهُ بظاهر الحديث (٣).
* * *
باب: مَنْ تَأَمَّرَ في الحرْب مِنْ غَيرِ إمْرةٍ إِذَا خَافَ العَدُوَّ
١٦٧٣ - (٣٠٦٣) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّهَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ، فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا يَسُرُّنِي -أَوْ قَالَ: مَا يَسُرُّهُمْ- أَنَّهُمْ عِنْدَناَ". وَقَالَ: وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ.
(ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرةٍ، ففتح الله عليه): ويروى: "مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ"، وهو متعلق بالأخير، فقد روى البخاري في المغازي: "إِنْ
стр. 2729
قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١).
قال ابن المنير: يؤخذ منه أنه من تَعَيَّنَ لولاية، وتعذَّرَ تناولُ الإمام الأعظم لتوليته، ثبتت له الولايةُ شرعاً، ولزمَتْ طاعتُه حكماً، وكان مُوَلىًّ من الله .
ويؤخذ منه أيضاً: صحةُ مذهب مالكٍ فيمن حلفَ ليوفينَّ فلاناً حقَّه لأَجَل، فغاب فلان: أن جماعة المسلمين تقوم مقام الإمام، ويبرأ بالقضاء لهم والإشهاد.
وأيضاً: المرأةُ إذا لم يكن لها ولي إلا السلطان، فتعذر تناوله، زَوجها المسلمون، وكان كتزويج الإمام.
وأيضاً: إذا غاب إمام الجمعة، قدّم المسلمون لأنفسهم.
وأما استدلالُ الشارح -يعني: المهلب- على تولية العهد لواحد بعدَ واحد -بعد موت الإمام- بهذا الحديث، فغير مستقيم؛ لأن الولاية هنا للنبي ﷺ وهو حي، وأما الإمام يولي بعد موته فلاناً، فإن مات، ففلانٌ، فلا يستقيم، وترجع الإمامة كأنها حُبِّسَت عليه يتحكم فيها إلى يوم القيامة، فيقول: فلان بعد فلان، وعَقِبُ فلان (٢) بعد عقِب فلان، وهذا لا يُعهد إلا فيمن يُحَبِّسُ ما (٣) يملك في عقبه كيف شاء، ويؤبده، ولا يصلح هذا في مصالح المسلمين المختلفة باختلاف الأوقات.
стр. 2730
باب: العَوْنِ بِالمَددِ
١٦٧٤ - (٣٠٦٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّهُ وَبَنُو لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ، يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ، حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، غَدَرُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْراً يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ: أَنَّهُمْ قَرَؤوا بِهِمْ قُرْآناً: أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَاناَ. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ.
(أتاه رِعْل): بكسر الراء.
(وذكوانُ): بالذال المعجمة.
(وعُصَيَّةُ (١)): مصغرٌ.
(وبنو لِحيان): بكسر اللام وفتحها، على ما مر.
قال الدمياطي: وهذا (٢) وهم؛ بنو لحيان لم يكونوا من أصحاب بئر معونة، وإنما كانوا من أصحاب الرجيع (٣) الذين قتلوا عاصمَ بنَ أبي الأفلح وأصحابَه، وأسروا خُبيبَ بنَ عَدِي، وابنَ الدَّثِنَة، وقوله: أتاه رعلٌ وذكوانُ
стр. 2731
وعصيةُ (١)، وهمٌ أيضاً، وإنما أتاه أبو براء من بني كلاب، وأجار [أصحاب] النبي ﷺ ، فأخفر جوارَه عامرُ بنُ الطفيل، وجمع عليهم هذه القبائل من بني سُليم (٢).
[(بئر معونة): -بالنون، كانت غزوتُها في أول سنة أربع قبل أُحُدٍ بشهرٍ] (٣).
* * *
باب: مَنْ غَلَبَ العَدُوَّ، فَأَقَامَ عَلَى عَرْصَتِهِمْ ثَلَاثَاً
١٦٧٥ - (٣٠٦٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ، أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ.
(كان إذا ظهر على قوم، أقام بالعرصة ثلاثَ ليالٍ): العرصَةُ: الموضعُ الواسعُ خارجَ البناء، ولعل المقصودَ بالإقامة تبديلُ السيئات، وإذهابُها بالحسنات، وإظهارُ عزّ الإسلام في ملك الأرض، كأنه (٤) يضيفها بما يُوقعُه فيها من العبادات والأذكار لله، وإظهار شعائر المسلمين، وإذا تأملت البقاعَ، وجدتها تشقى كما تشقى الرجال وتسعد، وإذا كان هذا
(وأن فرساً لابن عمر عار): -بعين مهملة وراء-؛ أي: انطلق هارباً على وجهه.
وقال البخاري في المتن: إنه مشتقٌّ من العَيْرِ: وهو حمار الوحش، يريد: أنه فعل فعلَه من النفار والهرب.
وقال الطبري: يقال ذلك للفرس إذا فعله مرةً بعد مرةٍ، ومنه قيل للشيطان الذي لا يثبت على حالةٍ واحدة: عَيَّارةٌ، ومنه الشّاةُ العائِرَةُ، وسَهْم عائرٌ: لا يُدرى من أين أتى.
وما ذكره البخاري آخراً (١): أنه كان في خلافة أبي بكر خلافُ ما ذكره أولاً: أنه كان في زمن النبي ﷺ ، والصحيح الأول؛ وعُبيد الله أثبتُ في نافع من موسى، قاله بعض الحفاظ (٢). هكذا قيل، فتأمله.
* * *
باب: مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانِةَ
(والرِطانة): -بكسر الراء وفتحها-: هي التكلم بلسان العجم وكلامهم.
١٦٧٧ - (٣٠٧٠) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَناَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَخْبَرَناَ سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا،
стр. 2734
وَطَحَنْتُ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ، فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:
"يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! إِنَّ جَابِراً قَدْ صَنَعَ سُؤْراً، فَحَيَّ هَلاً بِكُمْ".
(بُهيمةً): بضم الموحدة (١) وتخفيف المثناة التحتية، على التصغير لبَهْمة بإسكان الهاء.
(قد صنع سُوْراً): -بضم السين وإسكان الواو من غير همزٍ -هو بالفارسية: الطعام الذي يُدعى إليه الناس، وقيل: الطعام مطلقاً.
وفي "المعرَّب" للجواليقي: قال ثعلب: إنما يراد من هذا: أن النبي ﷺ تكلم بالفارسية صنعَ سوراً؛ أي: طعاماً دعي إليه الناس.
وقيل: السُّور: الصُّنْع بلغة الحبشة (٢).
(فحيَّ هَلا بكم): أي: هلمُّوا (٣) هلا (٤) بكم، ويروى بتشديد اللام وتخفيفها (٥).
* * *
١٦٧٨ - (٣٠٧١) - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ أَبِي، وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَنَهْ
стр. 2735
سَنَهْ". قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهَا". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي". قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ.
(حِبّان بن موسى): بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة.
(سنه سنه): وفي رواية: سَناهْ سَناهْ، وفي أخرى: سَنَّا سَنَّا -بتشديد النون وتخفيفها في الكل-، ومعناه بالحبشة: حسن.
قال القاضي: وللقابسي وحده: كسر السين، ولم يحك كلَّ هذه الألفاظ، وإنما رأيتها في الزركشي (١).
(فزبرني): -بزاي (٢) فموحدة فراء-؛ أي: زجرني.
(أَبلي وأَخلفي): بفتح همزة الفعلين، وبالفاء في الثاني لأبي ذر والمروزي.
وقال ابن الأثير: ولغيرهما بالقاف؛ من إخلاق الثوب، ومعناه بالفاء: أن يكتب خلفه بعد بلائه (٣).
يقال: خَلَفَ اللهُ، وأَخْلَفَ -بالهمزة-، والثاني أشهرُ؛ أي: جعلك الله ممن يُخلفه عليك بعد ذهابه وتمزُّقه (٤).