وعصيةُ (١)، وهمٌ أيضاً، وإنما أتاه أبو براء من بني كلاب، وأجار [أصحاب] النبي ﷺ ، فأخفر جوارَه عامرُ بنُ الطفيل، وجمع عليهم هذه القبائل من بني سُليم (٢).
[(بئر معونة): -بالنون، كانت غزوتُها في أول سنة أربع قبل أُحُدٍ بشهرٍ] (٣).
* * *
باب: مَنْ غَلَبَ العَدُوَّ، فَأَقَامَ عَلَى عَرْصَتِهِمْ ثَلَاثَاً
١٦٧٥ - (٣٠٦٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ، أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ.
(كان إذا ظهر على قوم، أقام بالعرصة ثلاثَ ليالٍ): العرصَةُ: الموضعُ الواسعُ خارجَ البناء، ولعل المقصودَ بالإقامة تبديلُ السيئات، وإذهابُها بالحسنات، وإظهارُ عزّ الإسلام في ملك الأرض، كأنه (٤) يضيفها بما يُوقعُه فيها من العبادات والأذكار لله، وإظهار شعائر المسلمين، وإذا تأملت البقاعَ، وجدتها تشقى كما تشقى الرجال وتسعد، وإذا كان هذا
(وأن فرساً لابن عمر عار): -بعين مهملة وراء-؛ أي: انطلق هارباً على وجهه.
وقال البخاري في المتن: إنه مشتقٌّ من العَيْرِ: وهو حمار الوحش، يريد: أنه فعل فعلَه من النفار والهرب.
وقال الطبري: يقال ذلك للفرس إذا فعله مرةً بعد مرةٍ، ومنه قيل للشيطان الذي لا يثبت على حالةٍ واحدة: عَيَّارةٌ، ومنه الشّاةُ العائِرَةُ، وسَهْم عائرٌ: لا يُدرى من أين أتى.
وما ذكره البخاري آخراً (١): أنه كان في خلافة أبي بكر خلافُ ما ذكره أولاً: أنه كان في زمن النبي ﷺ ، والصحيح الأول؛ وعُبيد الله أثبتُ في نافع من موسى، قاله بعض الحفاظ (٢). هكذا قيل، فتأمله.
* * *
باب: مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانِةَ
(والرِطانة): -بكسر الراء وفتحها-: هي التكلم بلسان العجم وكلامهم.
١٦٧٧ - (٣٠٧٠) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَناَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَخْبَرَناَ سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا،
стр. 2734
وَطَحَنْتُ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ، فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:
"يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! إِنَّ جَابِراً قَدْ صَنَعَ سُؤْراً، فَحَيَّ هَلاً بِكُمْ".
(بُهيمةً): بضم الموحدة (١) وتخفيف المثناة التحتية، على التصغير لبَهْمة بإسكان الهاء.
(قد صنع سُوْراً): -بضم السين وإسكان الواو من غير همزٍ -هو بالفارسية: الطعام الذي يُدعى إليه الناس، وقيل: الطعام مطلقاً.
وفي "المعرَّب" للجواليقي: قال ثعلب: إنما يراد من هذا: أن النبي ﷺ تكلم بالفارسية صنعَ سوراً؛ أي: طعاماً دعي إليه الناس.
وقيل: السُّور: الصُّنْع بلغة الحبشة (٢).
(فحيَّ هَلا بكم): أي: هلمُّوا (٣) هلا (٤) بكم، ويروى بتشديد اللام وتخفيفها (٥).
* * *
١٦٧٨ - (٣٠٧١) - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ أَبِي، وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَنَهْ
стр. 2735
سَنَهْ". قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهَا". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي". قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ.
(حِبّان بن موسى): بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة.
(سنه سنه): وفي رواية: سَناهْ سَناهْ، وفي أخرى: سَنَّا سَنَّا -بتشديد النون وتخفيفها في الكل-، ومعناه بالحبشة: حسن.
قال القاضي: وللقابسي وحده: كسر السين، ولم يحك كلَّ هذه الألفاظ، وإنما رأيتها في الزركشي (١).
(فزبرني): -بزاي (٢) فموحدة فراء-؛ أي: زجرني.
(أَبلي وأَخلفي): بفتح همزة الفعلين، وبالفاء في الثاني لأبي ذر والمروزي.
وقال ابن الأثير: ولغيرهما بالقاف؛ من إخلاق الثوب، ومعناه بالفاء: أن يكتب خلفه بعد بلائه (٣).
يقال: خَلَفَ اللهُ، وأَخْلَفَ -بالهمزة-، والثاني أشهرُ؛ أي: جعلك الله ممن يُخلفه عليك بعد ذهابه وتمزُّقه (٤).
стр. 2736
(فبقيت): يعني: الخميصة.
(حتى دَكِنَ): -بدال مهملة ونون- لأبي الهيثم، ورجحه أبو ذر؛ أي: اسودَّ لونُه؛ من الدُّكْنَة، وهي غبرة كَدِرة.
و (١) لأكثر الرواة: "حتى ذَكَر"، بذال معجمة وراء بعد الكاف.
وزاد ابنُ السكن: "حتى ذَكَرَ دهراً"، وهى تفسير لرواية من روى: ذَكَر؛ كأنه أراد: أن الراوي ذكر دهراً؛ أي: زماناً طويلاً، وأنه نسي تحديده.
وقيل: في "ذَكَرَ" ضميرُ القميص؛ أي: بقي هذا القميص حتى ذكر دهراً مجازاً (٢).
قلت: والضمير في الراوية الأخرى عائد على القميص، وفي "بقيت" عائدٌ على الخميصة، فذكَّرَ وأَنَّثَ باعتبارين؛ إذ المراد بالقميص هو الخميصة، وأحسنُ من هذا أن يعود ضمير المؤنث على أم خالد، وضميرُ المذكر على القميص.
* * *
١٦٧٩ - (٣٠٧٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ الْحَسَنَ ابْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْفَارِسِيَّةِ: "كَخٍ كَخٍ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟! ".
стр. 2737
(كخ كخ): سبق الكلام على ضبطه ومعناه.
قال الداودي: وهي كلمة مُعَرَّبة (١)، ولهذا أدخلها البخاري في هذا الباب، ومقصوده من إدراج هذا الباب في الجهاد: أن الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون مع رسل العجم (٢).
* * *
باب: الغُلُولِ
١٦٨٠ - (٣٠٧٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِت فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً، قَدْ أَبْلَغْتُكَ".
وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ.
(لا ألفينَّ أحدَكم يومَ القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاء): -بضم الهمزة
стр. 2738
من أُلفِي-؛ لأنه من الإلفاء، وهو الوجدان، وهذا التركيب مثل قولهم: لا أَرينَّكَ هاهنا، وهو مما أُقيم فيه المسبَّب مقام السبب؛ والأصل: لا تكن هاهنا فأراك، وتقديره في الحديث: لا يَغُلَّ أحدُكم فأُلفيه؛ أي: أجدَه يوم القيامة على هذه الصفة.
والثُّغاء: -بمثلثة مضمومة فغين معجمة فألف ممدودة (١) -: صوت الشاة.
قال ابن المنير: وما أظنُّ أهلَ السياسة فهموا تجريسَ (٢) السارق وعملته على رقبته، ونحو ذلك، إلا من هذا الحديث.
قلت: لا يلزم من وقوع ذلك في الدار الآخرة جوازُ فعلِه في الدنيا؛ لتباين الدارين، وعدم استواء المنزلتين.
(على رقبته صامِتٌ (٣)): أي: ذهبٌ أو وَرِقٌ؛ إذ هما خلافُ الناطق، وهو الحيوان.
(رقاع تخفق): أراد: تلمع، يقال: أخفق (٤) الرجل بثوبه: إذا لمع.
قال الزركشي: أراد بالرقاع: ما (٥) عليه من الحقوق المكتوبة فيها؛ وخُفوق الرقاع: حركَتُها (٦).
стр. 2739
باب: الْقَلِيلِ مِنَ الْغُلُولِ
(باب: القليل من الغُلول): ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه حرق متاعه، وهذا أصح (١)؛ يعني: أن النبي ﷺ لم يحرق رَحْلَ كِرْكِرَةَ حين وجد فيه الغلول، وحديث ابن عمرو (٢) من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وفي هذه النسخة كلام لهم (٣).
١٦٨١ - (٣٠٧٤) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ فِي النَّارِ"، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: كَرْكَرَةُ -يَعْنِي: بِفَتْحِ الْكَافِ-، وَهْوَ مَضْبُوطٌ كَذَا.
(وكان على ثَقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة): الثَّقَل: -بفتح الثاء المثلثة والقاف-: العِيالُ وما يثقُل (٤) من المتاع، و (كِركِرة) في هذه الطريق: مكسور الكافين.
(قال ابن سَلَام): بتخفيف اللام.
كَركَرة): بفتح الكافين.
(قال ابن الزبير لابن جعفر: أتذكر إذ تلقينا رسولَ الله ﷺ أنا وأنت وابنُ عباس؟ قال: نعم، فحملَنا، وتركَك): فهم الداودي أن: (فحملَنا وتركَك) من بقية قول ابنِ جعفر (١)، وفي "أفراد مسلم"، و"مسند أحمد": أن عبد الله بن جعفر قال ذلك لابن الزبير (٢).
قال ابن الملقن: والظاهر أنه انقلب على الراوي؛ كما نبّه عليه ابن الجوزي في "جامع المسانيد" (٣).
* * *
باب: مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الغَزْوِ
١٦٨٥ - (٣٠٨٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ، كَبَّرَ ثَلَاثاً، قَالَ: "آيِبُونَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، حَامِدُونَ، لِرَبِّنَا سَاجِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ".
(آيبون إن شاء الله، تائبون، عابدون، حامدون، لربنا ساجدون): قال ابن بطال: لا تتعلق المشيئة بقوله: "آيبون"؛ لوقوع الإياب، وإنما يتعلق بباقي الكلام الذي لم يقع بعد، والنبي ﷺ قد تقرر عنده أنه لا يزال ثابتاً عابداً ساجداً، لكن هذا هو أدبُ الأنبياء ﵈، يُظهرون الافتقارَ إلى الله تعالى مبالغةً في شكره، وإن علموا حقيقة مقامهم الشريف
стр. 2743
عنده (١)، وأنهم آمنون مما يخافه غيرهم (٢).
قال ابن المنير: والظاهرُ أن المشيئة إنما عَلَّق عليها الإيابَ خاصة، وقول الشارح: قد وقع، فلا تعلق، وهمٌ؛ لأن الإياب المقصود (٣) إنما هو الرجوع الموصول إلى نفس الموطن، وهو مستقبل بعدُ، ولا (٤) يصح أن (٥) يعلِّقَ النبيُّ ﷺ بقيةَ الأفعال على المشيئة؛ لأنه قد حَمِدَ الله تعالى ناجزاً، وعَبَده دائماً، ولو كان كما وقع للشارح؛ لاستدل (٦) به القائلون بتقييد (٧) الإيمان بالمشيئة، وكان دليلاً بطريق الأولى؛ لأن النبي ﷺ واثقٌ بالخاتمة، موقِنٌ بها، فلو جاز له ذلك، لجاز لمن لا يثق بالخاتمة أحرى وأولى، ولا يستقيم أيضاً؛ فإن الإيمان إنما علقه على المشيئة باعتبار الخاتمة، وأما العمل الناجز، فلا (٨) ينبغي تعليقه (٩) على المشيئة، ولو صلى إنسانٌ الظهرَ فقال: صليت إن شاء الله؛ لكان غلطاً منه؛ لأن الله قد شاء له أن يصلي وصلَّى، فلا يتشكك في معلومٍ، وبعضُ الصوفية لا يقول: حججتُ، ولكن يقول: وصلتُ مكة (١٠)، وهذا تنطُّع أجمعَ السلفُ على خلافه.
стр. 2744
١٦٨٦ - (٣٠٨٥) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيىَ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ- ﷺ مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّهَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ، فَصُرِعَا جَمِيعاً، فَاقْتَحَمَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "عَلَيْكَ الْمَرْأَةَ". فَقَلَبَ ثَوْباً عَلَى وَجْهِهِ وَأَتَاهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا، وَأَصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا فَرَكِبَا، وَاكْتَنَفْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ". فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ.
(مُقْفَلَه من عُسفان): قال الدمياطي: ذكرُ عُسفانَ مع قضية (١) صفيةَ وهمٌ؛ لأن غزوة (٢) عُسفان إلى بني لحيان كانت سنة ست، وغزوة خيبر كانت في سنة سبع، وإرداف صفيةَ مع النبي ﷺ ووقوعهما (٣) كان فيها (٤).
(عليك المرأةَ): -بالنصب على الإغراء-، ولقد أحسنَ أبو طلحة كلَّ الإحسان في قلب الثوب على وجهه لما قصدها (٥).
* * *
стр. 2745
باب: الطَّعَامِ عِنْدَ الْقُدُوم وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ لِمَنْ يَغْشَاهُ
(وكان ابن عمر يُفطر لمن يغشاه): أي (١): إذا قدم من سفر، أطعمَ مَنْ يغشاه، وأفطرَ معهم؛ أي: يتركُ قضاءَ رمضان؛ لأنه كان لا يصومُه في السفر، فإذا انقضى الإطعام، ابتدأ قضاء رمضان الذي أفطر في السفر.
وقد روى إسماعيل في "الأحكام" من طريق نافع: أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر، فإذا قدم، أفطر لمن يغشاه، ثم استأنف قضاء رمضان (٢).
وُيفْطر: -بضم الياء وإسكان الفاء-؛ من الإفطار، واللام للتعليل (٣)؛ أي: يفطر (٤) لأجل من يغشاه (٥).
وفي بعض النسخ: "يُفَطِّر" -بفتح الفاء (٦) وتشديد الطاء-؛ أي: يصنع طعام الفطر (٧) لمن يغشاه.
* * *
١٦٨٩ - (٣٠٩٣) - فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَتْ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكاً شَيْئاً كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إلَاّ عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ. فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ، فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكٌ، فَأَمْسَكَهَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ.
(لا نورث ما تركنا صدقة): "نُورَثُ" -بالنون-، و"صدقَةٌ" مرفوع خبر المبتدأ، وحَرَّفَه (١) الإماميةُ فقالوا" "لا يورث" -بالياء (٢) -، و"صدقَةً" -منصوب على الحال (٣) -، و"ما تركنا" مفعول ما لم يُسم فاعله، وهذا تحريف يُخرج الكلام عن نمط الاختصاص الذي دلَّ عليه قوله في بعض الطُّرق: "نَحْنُ مَعاشِرَ الأَنْبِياءِ" (٤).
قال سيبويه: في هذا وأمثاله نصب على التخصيص، ويعود الكلام بما حرفوه إلى أمر لا يختص به الأنبياء؛ لأن آحادَ الأمة إذا وقفوا أموالهم،
стр. 2749
أو (١) بتلوها صدقةً، انقطع حقُّ الورثة عنها، فهذا من تحامُلهم أو تجاهُلهم. وأورده بعضُ أكابر (٢) الإمامية على القاضي شاذان صاحب القاضي أبي الطيب، فقال: وكان ضعيف العربية، قوياً في علم الخلاف: لا أعرف نصب "صدقة" من رفعها، ولا أحتاج إلى علمه؛ فإنه لا خفاءَ بي وبك أن فاطمةَ وعلياً من أفصح العرب، لا تبلغُ أنت ولا أمثالُك إلى ذلك منهما، فلو كانت لهما حجة فيما لحظته، لأبدياها حينئذٍ لأبي بكر، فسكت، ولم يُحِر جواباً.
(فهجرتْ أبا بكر، فلم تزل مُهاجِرَتَه حتى تُوفيت): هذا اللفظ يردّ ما حكاه الترمذي عن شيخه علي بن عيسى: أنها لم تكلمه في هذا الميراث خاصة (٣).
(من خيبرَ): ممنوع الصرف.
(وفَدَك): -بفتحتين-: اسم قرية بخيبر، بالصرف، وعدمه.
(وصدقته بالمدينة): بجرّ "صدقتِهِ": عطفاً على المجرور قبله، وبالنصب عطفاً على المنصوب من قوله: "تسألُ أبا بكر نصيبَها"، والأول أظهر.
(أن أزيغ): أي: أن أَميل عن الحق إلى غيره.
* * *
أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ! لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا، فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا.
(متَعَ النهارُ): -بفتح المثناة الفوقية-: اشتد حَرُّه وارتفع، ومنه في الدعاء: أمتعني الله بك.
(على رِمُال سرير): -بضم الراء من "رمال" وكسرها-: ما يُنسج من سَعَفِ النخل ونحوِه ليضطجَع عليه.
(يا مالِ!): يريد: يا مالك! على الترخيم.
قال الزركشي: ويجوز ضم اللام وكسرها (١).
قلت: جرى على العادة في نقل ما يجوز في الكلمة، من غير تبيين هل الرواية كذلك أو لا؟ والذي رأيته في نسخة معتمدة: "يا مالِ": -بكسر اللام-، وصحح عليه، وهي اللغة المشهورة.
(بِرَضْخٍ): -بالخاء المعجمة-؛ أي: بعَطِيَّةٍ.
(إذ أتاه حاجبه يَرْفا): -بمثناة تحتية مفتوحة فراء ساكنة ففاء فألف-، ومنهم من يجعل بدل الألف همزة.
وفي "سنن أبي (٢) داود" وتسميته: اليرفا: بألف ولام (٣).
стр. 2753
(تِيدَكُمْ): -بكسر المثناة الفوقية- يريد: على رِسْلِكُمْ، كأنه مصدر تادَ يتيد، فتركَ هَمْزَه، والمشهورُ في هذا الفعل: اتَّأدَ يَتَّئِدُ، على وزن افتعل؛ من التؤدة، وهي السكون، وهو نصب على المصدر، ومعناه: السكون، والتقدير: تِيدُوا تِئْدكم، بكسر التاء وبهمزةٍ ساكنةٍ.
قال القاضي: فالياء -يعني: التحتية- في "تئدكم" مسهلة من مزة (١)، والتاء -يعني: الفوقية- مبدَلَة من واو؛ لأنه في الأصل: وُأَدَة (٢).
(ما احتازها): -بحاء مهملة وزاي-؛ من الحيازة، وهي الجمع، يقال: حازَ الشيء واحتازَهُ: جمعه، وضمه إلى حَوْزه.
(أنشدكما الله (٣)): أي: بالله.
قال الخطابي: هذه القصة مُشكلةٌ جداً؛ فإن علياً وعباساً إذا كانا قد أخذا هذه من عمر على هذه (٤) الشريطة، وتمسَّكا في ذلك بقول النبي ﷺ : "ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ"، فما الذي بدا لهما حتى تخاصما؟ وأمثلُ ما قيل في ذلك ما قاله أبو داود: إنهما طلبا قسمة ذلك بينهما؛ إذ كان يشقُّ عليهما أن لا يكون أحدُهما منفرداً بما يصير له يعمل فيه ما يريد، فطلبا القسمة لذلك؛ فمنعهما إياها؛ لئلا يجري عليها اسم الملك، وقال لهما: إن عجزتما، فردّاها عليَّ (٥).
стр. 2754
باب: أَداءُ الْخُمُسِ مِنَ الدِّينِ
(باب: أداءُ الخمس من الدين (١)): ذكر فيه حديثَ وفد عبد القيس، وقد سبق مراراً في الإيمان وغيره، إلا أنه ترجم عليه هنا: أداءُ الخُمْس من الدين، وترجم عليه في كتاب الإيمان: أداء الخمس من الإيمان، [وفائدة الجمع بين الترجمتين: أنا إذا قلنا: الإيمان قولٌ وعمل، دخل أداءُ الخمس في الإيمان] (٢)، وإن قلنا: إنه التصديق بالله، دخل أداؤه من الدين (٣).
* * *
باب: نَفقَةِ نِسَاء النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ
١٦٩١ - (٣٠٩٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَاراً، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ".
(لا يقتسمُ (٤) ورثتي ديناراً): "لا" نافية لا ناهية؛ فيقسمُ: مرفوعٌ لا مجزوم (٥)، هكذا الرواية فيه.
стр. 2755
(ومؤونة عاملي): قيل: حافرُ قبري، وقيل: عاملُ صدقاتي، وقيل: الخليفةُ بعدي (١).
* * *
١٦٩٢ - (٣٠٩٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَاّ شَطْرَ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَي، فَكِلْتُهُ، فَفَنِيَ.
(ما يأكله (٢) ذو كبد): تريد: إنساناً أو (٣) بهيمة.
(إلا شَطْرَ شعير): أي: نصفَ وَسْقٍ.
(في رفٍّ لي): هي كالغرفة القصيرة في البيت لا بابَ عليه.
(فكِلْتُه ففَني): قيل: بورك لها حتى شعرتْ، فأصابته العينُ.
وقيل: إنما البركةُ مع جهل المأخوذ منه، فلما كالته، علمت مدةَ بقائه، ففني عند تمام ذلك الأمد.
ووجه مطابقة الترجمة على نفقة نسائه ﵇؛ لحديث عائشة هذا: قولها: "فأكلتُ منه حتى طالَ عليَّ (٤)، فكلتُه، ففني"، ولم تذكر أنها
стр. 2756
أخذته في نصيبها بالميراث؛ إذ لو لم يكن لها النفقة (١) مستحقةً؛ لكان الشعير الموجود لبيت المال، أو مقسوماً بين الورثة، وهي أحدهم، والله أعلم (٢).
* * *
باب: مَا جَاءَ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا نُسِبَ مِنَ الْبُيُوتِ إِلَيْهِنَّ
(باب: ما جاء في بيوت النبي ﷺ ): قال ابن المنير: وجهُ دخول الترجمة في الفقه: أن سكناهنَّ في بيوت النبي ﷺ من الخصائص، كما استحققن النفقة، والسرُّ في ذلك حَبْسُهنَّ (٣) عليه أبداً؛ لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وساق البخاري الأحاديثَ التي نَسبت إليهنَّ البيوتَ فيها؛ تنبيهاً محلى أن هذه النسبة تُحقِّقُ دوامَ استحقاقهن للبيوت (٤) ما بَقينَ (٥).
واستشهادُ المهلب على صحة الحبس، وإِنْ سكنه صاحبه يسيراً، أو انتفع (٦) قليلاً؛ بقصة بيوت الأزواج؛ بناء منه على (٧) أنه ﵇
стр. 2757
حبسَها عليهن (١)، غيرُ (٢) مستقيم، ولا يقدر على الوفاء به على مذهب مالك؛ فإن من حبس -عندَه- على زوجته، أو على زوجاته الأربع كلَّ واحدة مسكناً، ثم استمر على السكنى معهن على ما كان عليه، وأوصى أن يُدفن في بعضها، لا يصحُّ عنده.
والوجه: أن هذا خاصٌّ به ﵊، أو كانت أحباساً عليهنَّ، ولكن صدقةً (٣) من الله تعالى بعد نبيه، لا بالوقف.
* * *
باب: مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصَاهُ وَسَيْفِهِ وَقَدَحِهِ وَخَاتَمِهِ، وَمَا اسْتَعْمَلَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، وَمِنْ شَعَرِهِ وَنَعْلِهِ وَآنِيَتِهِ مِمَّا تَبَرَّكَ أَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ
(باب ما ذُكر من درع النبيِّ ﷺ ): وجهُ دخول الترجمة وأحاديثها في الفقه: تحقُّقُ أنه ﵊ لم يُورَثْ، وأن الآنية بقيت عند من وصلت إليه للتبرك، ولو كانت ميراثاً، لاقتسمها ورثته (٤).
(مما يتبرك (٥) أصحابُه وغيرُهم): من البركة، والعائد محذوف؛ أي: مما (٦) يتبرك به، لكن الشرط في مثله مفقود، هذه رواية (٧) القابسي.
стр. 2758
ورواه الأصيلي: "مما يشرك" -بالشين المعجمة-؛ من الشركة، قال القاضي: وهو ظاهر؛ لقوله قبله: "فيما (١) لم يُذْكَرْ قسمتُه (٢) ".
* * *
١٦٩٣ - (٣١٠٧) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسٌ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ. فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ بَعْدُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُمَا نَعْلَا النَّبِيِّ ﷺ .
(جَرداوَتَيْنِ): -بجيم مفتوحة وتاء (٣) بعد الواو- تثنية جرداء، وهي التي لا شعر عليها، والقياس في مثله: جرداوَيْنِ مثل حَمْراوَيْنِ.
(لهما قِبالان): تثنية قِبال: -بكسر القاف-، وهو زمام النعل، وهو السَّيْر الذي يكون بين الإصبعين (٤).
* * *
١٦٩٤ - (٣١٠٩) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَاصم، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ قَدَحَ النَبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ عَاصِمٌ: رَأَيْتُ الْقَدَحَ، وَشَرِبْتُ فِيهِ.
فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَناَ، فَأحَلَّهَا لَنَا".
(غزا نبيٌّ من الأنبياء): هو يُوشَعُ بنُ نون، كما جاء مفسَّراً في رواية الحاكم في "المستدرك" (١) عن كعب الأحبار (٢).
(فدنا من القرية): هي أَريحا.
(فلزقَتْ يد رجل بيده، فقال فيكم الغلولُ): قال ابن المنير: جعل الله علامةَ الغلول التزاق يد الغالِّ، وألهم ذلك النبي، فدعاهم للمبايعة حتى تقوم له العلامة المذكورة، وكذلك يوفق الله تعالى خواصَّ هذه الأمة من العلماء لمثل هذا الاستدلال (٣)؛ لأن علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل.
ورُوي في الحكايات المسندة عن الثقات: أنه كان بالمدينة مَحَمَّةٌ يُغَسَّلُ فيها النساءُ، وأنه جيء إليها بامرأة، فبينما هي تُغَسِّل (٤)، إذْ وقفتْ عليها (٥) امرأةٌ، فقالت (٦): إنك لِما علمتُ زانيةٌ، وضربت يدَها على عَجيزة (٧) المرأة الميتة، فأُلزقت يدُها، فحاولت وحاول (٨) النساء نزعَ يدها،
стр. 2765
فلم يمكن، فرُفعت إلى والي المدينة، فاستشار الفقهاء، فقال قائل: تُقطع يدُها، وقال آخر (١): تقطع بضعةٌ من الميتة؛ لأن حرمةَ الحيِّ آكَدُ، فقال الوالي: لا (٢) أُبرم أمراً حتى أُؤامر أبا عبد الله، فبعث إلى مالك ﵀، فقال: لا تقطع من هذه ولا من هذه، ما أرى هذه (٣) إلا امرأةً تطلب حقَّها من الحدِّ، فحُدُّوا هذه القاذفةَ، فضربها تسعةً وسبعين (٤) سوطاً ويدُها ملتصقةٌ، فلما ضربها تكملة (٥) الثمانين، انحلَّت يدُها.
فإما أن يكون مالك ﵀ اطلع على هذا الحديث، فاستعمله بنور التوفيق في مكانه، وإما أن يكون أيضاً وُفِّقَ، فوافقَ، والله أعلم.
وكان إلزاقُ يدِ الغالّ بيد النبيِّ تنبيهاً على أنها يدٌ عليها حقٌّ يطلب (٦) أن يتخلص (٧) منه، أو دليلاً على أنها يد ينبغي أن يُضرب عليها، ويُحبس صاحبُها حتى يؤدي الحقَّ إلى الإمام، وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة.
* * *
стр. 2766
باب: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ
(باب: الغنيمةُ لمن شهدَ الوقعَة): ساق فيه قولَ عمرَ ﵁: لولا آخِرُ المسلمين، ما فتحتُ قرية إلا قسمتُها (١) بينَ أهلها كما قسمَ النبيُّ ﷺ .
واستشهادُه بقولِ عمرَ مُنافٍ لغرضه من الترجمة.
ويجاب: بأنه إنما أرادَ من حديث عمر قولَه: "كما قسمَ رسولُ الله ﷺ "، فأومأ البخاري إلى ترجيح القسمة الناجزة، وأن لا توقف.
واستدل على أن المفقود (٢) الذي لم يوجد بعدُ لا يستحقُّ من الغنيمة شيئاً؛ بالقياس على من غابَ عن الوقعة من الموجودين، فإذا كان الموجود الغائب لا يستحقُّ، فكيف يستحقُّ المعدومُ والموهومُ حينئذ؟
بقي النظر في استدلال (٣) عمر ﵁، وهو موافق لمذهب مالك على أن الأرضين يستحقها المتوقَّعُ وجودُهم إلى يوم القيامة مع الحاضرين، ولهذا وقفها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ولم لا يكون الكلام استئنافاً، والخبر في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠]، ويكون الفرقُ بين هؤلاء الذين لم يوجدوا (٤) بعدُ، وبين الذين تبوَّؤوا الدارَ والإيمان: أن الذين تبوؤوا الدار والإيمان هم الأنصار، وكانوا يحضرون الوقائع، فيستحقون كالمهاجرين، وأما هؤلاء،
стр. 2767
فلا يوجد فيهم الاستحقاق، ولم تدع ضرورة إلى العطف؛ لإمكان الاستئناف؟ فيجاب عن هذا: بأن الاستئناف هنا لا يصح؛ لأنه حينئذ يكون خبراً عن كل من جاء بعد الصحابة أنه يستغفر لهم، وقد وقع خلافُ هذا، فما أكثرَ الرافضةَ وغيرَهم من السابِّين غير (١) المستغفرين! فلو كان خبراً، لزم الخُلْفُ، وهو باطل، فإذا جعلنا الكلام معطوفاً، أدخلنا الذين جاؤوا من بعدهم في الاستحقاق للغنيمة (٢)، وجعلنا قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ [جملة حالية كالشرط للاستحقاق؛ كأنه قال: يستحقون في حالة الاستغفار، وبشرطه] (٣)، ولهذا قال مالك: لا حقَّ (٤) لمن سبَّ السلفَ في الفيء، فلا يلزم خلفٌ، كذا في "الصبح الصادع (٥) ".
* * *
باب: مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ هَلْ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ ؟
(باب: من قاتل للمغنم هل ينقصُ من أجره؟): استنبط البخاري أن المقاتلة للمغنم لا تنقص الأجرَ على الإطلاق؛ من أنه ﵇ عَلَّلَ الأجرَ وكونهَ في سبيل الله؛ بأن يقاتل لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، ولا ينافي فعلَ الشيء لقصدٍ ما تعلَّق قصدٌ آخرُ به، فيكون مفعولاً للقصدين معاً، فمن
стр. 2768
قاتلَ للمغنم، ولتكونَ كلمةُ الله [هي العليا، صَدَقَ عليه أنه قاتلَ لإعلاء كلمة الله] (١)، والسبب لا يستلزم الحصر، ولهذا ثبت الحكم الواحد بأسباب عديدة، ولو كان قصدُ (٢) المغنم ينافي قصدَ أن تكون كلمةُ الله هي العليا، لما جاء الجواب عاماً، ولكان الجواب المطابق أن يقال: من قاتلَ للمغنم، فليس في سبيل الله مطلقاً (٣).
* * *
باب: بَرَكَةِ الْغَازِي فِي مَالِهِ حَيّاً وَمَيِّتاً، مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَوُلَاةِ الأَمْرِ
(باب: بركة الغازي في ماله حياً وميتاً): هو بالباء الموحدة.
قال القاضي: كذا ترجم البخاري، وذكر عقبها تركة [الزبير] ووصيته، وهذه الرواية، وإن ظهرت صحتها، فهي وهم (٤)؛ لقوله بعد ذلك: حياً وميتاً (٥).
قلت: هذا تعسُّف على البخاري ﵀، فقضيةُ (٦) الزبير ظاهرة في بركة الغازي في ماله ميتاً (٧)، وأما بركةُ ماله حياً، فلم يَسُق فيه