← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

مصابيح الجامع وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه تأليف الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين [المجلد السابع] إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 2802

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2803

مَصَابِيحُ الجَامِعِ [٧]

стр. 2804

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 2805

كِتَابُ الجِزيَةَ والموَادَعَةِ

стр. 2806

١٧٢٠ - (٣١٥٦) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْراً، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ -عَامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ -عِنْدَ دَرجَ زَمْزَمَ، قَالَ: كُنْتُ كَاتِباً لِجَزْءَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَمِّ الأَحْنَفِ، فَأَتَاناَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ. (كتاب: الجزية). (بَجالة): -بباء موحدة مفتوحة فجيم فألف فلام فهاء تأنيث- وهو بجالةُ بنُ عبدِ الله التميميُّ البصريُّ، ويقال: ابنُ عبدٍ (١). (كنت كاتباً لجَزْءِ بنِ معاويةَ): -بفتح الجيم وسكون الزاي وبعدها همزة- كذا للأصيلي، وقيده عبد الغني: "جَزِء". وقال الدارقطني: المحدِّثون يكسرون الزاي، وأهل العربية يقولون: "جَزَاء" (٢).

стр. 2807

١٧٢١ - (٣١٥٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَمْرَو ابْنَ عَوْفٍ الأَنْصَارِيَّ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمِ الْفَجْرَ، انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: "أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ؟ ". قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَأبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ". (أن عمرَو بنَ عوفٍ الأنصاريَّ): عده ابنُ (١) إسحاقَ وابنُ سعدٍ ممن شهد بدراً من المهاجرين، وقالا: عُمير (٢) بن عوفِ مولى (٣) سهيلِ بنِ عمرو، مات في خلافة عمر (٤).

стр. 2808

(وأَمِّلوا ما يَسُرُّكم): قال الزركشي: الأمل: الرجاء، يقال: أمّلته، فهو مأمول (١). قلت: مقتضاه أن يكون: وامُلوا -بهمزة وصل وميم مضمومة-، وفي نسخة: بهمزة مفتوحة بدون مد وميم مشددة مكسورة؛ من التأميل. * * * ١٧٢٢ - (٣١٥٩) - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّهَ، قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ، قَالَ: نَعَمْ، مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ، وَلَهُ جَنَاحَانِ، وَلَهُ رِجْلَانِ، فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ، نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ، فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الآخَرُ، نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ، وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ، ذَهَبَتِ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ، فَالرَّأْسُ كِسْرَى، وَالْجَنَاحُ قَيْصَرُ، وَالْجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ، فَمُرِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى. وَقَالَ بَكْرٌ وَزِيَادٌ جَمِيعاً: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّهَ، قَالَ: فَنَدَبَنَا عُمَرُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفاً، فَقَامَ تُرْجُمَان فَقَالَ: لِيُكَلمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، قَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ أُناَس مِنَ الْعَرَبِ، كُنَّا

стр. 2809

فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إِلَيْنَا نَبِيّاً مِنْ أَنْفُسِنَا، نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَناَ نَبِيُّنَا، رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ : أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَناَ نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا، صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا، مَلَكَ رِقَابَكُمْ. (الرَّقِّي): -بفتح الراء وتشديد القاف- نسبة إلى الرقةِ، بلدٍ بالشام. (ابن حية): بالمثناة التحتية. (فأسلم الهرمزان): كان أسره (١) أبو (٢) موسى، وبعثه مع أنسٍ إلى عمرَ، وضربُه المثلَ يدكُّ على كمال عقله، وجعلَ الرأسَ كسرى؛ لأنه أعظمُ ملكاً، وأكثر أَتباعاً (٣). (النعمان بن مقَرِّن): بفتح القاف وكسر الراء المشددة. * * * ١٧٢٣ - (٣١٦٠) - فَقَالَ النُّعْمَانُ: رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُنَدِّمْكَ، وَلَمْ يُخْزِكَ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، انُتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ.

стр. 2810

(حتى تَهُبَّ الأرواح): جمع ريح، وأصلُه: رِوْحٌ بدليل الجمعِ الذي غالبُ حاله أن يردَّ الشيءَ إلى أصله، فقُلِبَ واوُ المفرد ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها. وحكى ابن جني في جمعه: أرياح. قال الزركشي: لما رآهم قالوا: رياح (١). قلت: إن (٢) اعتمد صاحب هذا القول على رياح، فقد وَهِم؛ لأن موجبَ قلب الواو في رياح ثابت؛ لانكسار ما قبلها؛ كحِياض جمع حَوْض، ورِياض جمع رَوْض؛ والمقتضي للقلب (٣) في أرياح مفقود، والمعتمَدُ في هذا إنما هو السماع. * * * باب: إِذَا وَادَعَ الإِمَامُ مَلِكَ الْقَرْيَةِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ؟ (باب: إذا وادعَ الإمامُ ملكَ القرية، هل يكون ذلك لبقيتهم؟): ساق فيه حديثَ: "أَهدى ملكُ أيلةَ للنبي ﷺ بغلةً بيضاء" (٤)، ولم يجر فيه صيغة الطلب، ولا صيغة الأمان، فبنى البخاري على العادة: أن الملكَ الذي أهدى إنما طلبَ بقاءَ ملكه، وإنما يبقى ملكُه ببقاء رعيته، فأخذ من هذا أن موادعته موادعةٌ لرعيته، وقد أسلَفْنا عن ابن (٥) إسحاق صيغةَ الكتاب

стр. 2811

الذي كتبه النبي ﷺ ، وهو نص على أن الأمان (١) كان عاماً له ولرعيته، ومثلُ هذا لا يختلف فيه. * * * باب: الوَصَاةِ بأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ - ١٧٢٤ - (٣١٦٢) - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ. (أبو جمرة): بجيم وراء. (ورزق عيالكم): يريد ما يؤخذ من جزيتهم، أو ما يُنال في تردُّدهم لأمصار المسلمين (٢). * * * باب: مَا أَقْطَعَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَينِ، وَمَا وَعَدَ مِنَ البَحْرَينِ وَالجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيءُ والجِزْيَةُ ؟ ١٧٢٥ - (٣١٦٤) - حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِي: "لَو قَدْ جَاءَناَ مَالُ

стр. 2812

الْبَحْرَيْنِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا". فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنِي، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ قَالَ لِي: "لَوْ قَدْ جَاءَناَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، لأَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا". فَقَالَ لِي: احْثُهْ، فَحَثَوْتُ حِثْيَةً، فَقَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، فَأعْطَانِي أَلْفاً وَخَمْسَ مَئَةٍ. (فقال لي احثُهْ): بضم المثلثة وبهاء السكت. (فحثوت حثية): أُخذ الفعلُ من لغة، والمصدرُ من لغة (١) أخرى، وكذا فعلوا في تداخل اللغتين من كلمتين. (فقال لي: عُدَّها، فعددُتها، فإذا هي خمس مئة): قال ابن المنير: والحكمةُ في ذلك -والله أعلم-: أنه ﵊ وعدَ بثلاثِ حفناتٍ متساوياتٍ أشارَ إليها إشارةً واحدة في نسق (٢) واحد، فأراد أبو بكر أن يكون فعلُه منطبقاً على الوعد، وكان من توفيق الله له أن جاءت العطية عقداً صحيحاً من جنس المعلومة المعدودة في أصل الوعد، هكذا قال. وفيه نظر. * * * ١٧٢٦ - (٣١٦٥) - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَ: "انْثُرُوهُ فِي

стр. 2813

الْمَسْجِدِ"، فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْطِنِي، إنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلاً. قَالَ: "خُذْ". فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ. قَالَ: "لَا". قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا". فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَقَالَ: اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا". قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا". فَنَثَرَ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِي عَلَيْنَا؛ عَجَباً مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. (بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد): في "مصنف (١) ابن أبي شيبة" من طريق حميد بن هلال، قال: بعثَ العلاءُ بنُ الحضرميِّ إلى النبي ﷺ بمئة ألف من خراج البحرين، وكان أولَ خراجٍ قدم به عليه، فأمر به، فنُثِرَ (٢) على حصير، الحديث (٣). (ثم ذهب يُقِلُّه): يقال: أَقَلَّ الشيءَ يُقِلُّهُ، واسْتَقَلَّهُ يَسْتَقِلُّهُ: إذا رفعَه وحملَه (٤). * * * باب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدَاً بِغَيرِ جُرْمٍ ١٧٢٧ - (٣١٦٦) - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا

стр. 2814

الْحَسَنُ بْنُ عَمرٍو، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً، لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيِحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً". (من قتل معاهَداً): -بفتح الهاء-: اسمُ مفعول؛ وهو كافرٌ عوهِدَ بعهد صحيح. وفي بعض النسخ بكسر الهاء، على أنه اسمُ فاعل، والفتحُ أكثر (١). (لم (٢) يَرح رائحة الجنة): بفتح الياء والراء جميعاً، وبفتح الياء وكسرها؛ أي: لم يَشَمَّها، ويقال بضم الياء وكسر الراء. قال صاحب "النهاية": يقال: راحَ يَراحُ، وراحَ يُريحُ: إذا وجدَ رائحةَ الشيء، والثلاثةُ قد رُوي بها الحديث (٣). * * * باب: إِخْرَاجِ اليَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ ١٧٢٨ - (٣١٦٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ"، فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ -الْمِدْراسِ، فَقَالَ: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هذا الأَرْضِ، فَمَنْ يَجِدْ

стр. 2815

مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئاً، فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَاّ، فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ". (بيت المِدْراس): يعني: بيت العالم الذي يُدرِّس (١)؛ أي: موضع العلم (٢). * * * باب: إذا غَدَرَ المُشْرِكُونَ بالمُسْلِمينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُم ؟ ١٧٢٩ - (٣١٦٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ، أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ"، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْه؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَبُوكُمْ؟ ". قَالُوا: فُلَانٌ، فَقَالَ: "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ". قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالَ: "فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيِّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ ". قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُوناَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اخْسَؤُوا فِيهَا، وَاللهِ! لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَداً"، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ ". فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: "هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمّاً؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: أَرَدْناَ إِنْ كُنْتَ كَاذِباً نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيّاً لَمْ يَضُرَّكَ.

стр. 2816

(فهل أنتم صادِقِيِّ): -بتشديد الياء-، وأصله: "صادِقُويَ" اجتمعت الواو والياء، وسبقتْ إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأُدغمت في الياء. * * * باب: دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدَاً ١٧٣٠ - (٣١٧٠) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَساً ﵁ عَنِ الْقُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَقُلْتُ: إِنَّ فُلَاناً يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: كَذَبَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْراً بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ. قَالَ: بَعَثَ أَرْبَعِينَ، أَوْ سَبْعِينَ -يَشُكُّ فِيهِ- مِنَ الْقُرَّاءِ، إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكينَ، فَعَرَضَ لَهُمْ هَؤُلَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ. (نا أبو النعمان، نا ثابتُ بنُ زَيْدٍ): هذا بصري، ويقال: ابن يزيد (١): -بزيادة (٢) الياء-، قال الكُلاباذي: وهو أصح (٣). * * * باب: أَمَانِ النِّسَاءِ وَجِوَارِهِنَّ ١٧٣١ - (٣١٧١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي

стр. 2817

النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بْنَةِ أَبي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بْنَةَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقُلْتُ: أَناَ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: "مَرْحَباً بِأُمِّ هَانِئٍ". فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي، عَلِيٌّ، أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أَجَرْناَ مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ". قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى. (قد أَجَرْنا مَنْ أَجَرتِ يا أمَّ هانئ): لِقائلٍ أن يقول: إن كانت الإجارة منها نافذةً، فقد فاتَ الأمر، ونفذَ الحكم، فلا يوافق قوله ﵇: "قد أَجرنا مَنْ أَجرت"؛ لأنه يكون تحصيلاً للحاصل، فهذا يدل على أن النبي ﷺ هو الذي أجارَ، ولولا تنفيذُه (١)، لما نفذ جوارها، وهل تنفيذُ الجوارِ على القول بأنه موقوف إجارَة مُؤْتَنَفَةٌ، أو لا؟ هي قاعدة اختُلف فيها؛ كتنفيذ الورثةِ وصيةَ المورِّثِ بأزيدَ من الثلث، فقيل: ابتداءُ عطية منهم، فيشترط شروط العطية من الجواز وغيره. وقيل: لا يُشترط ذلك، والتنفيذُ (٢) ليسَ ابتداءَ عطية، وانظر ما في أَمانِ الآحاد من المسلمين إذا عقدوه لأهل مدينة عظيمة؛ مثل: أن تؤمن (٣)

стр. 2818

امرأةٌ أو عبدٌ أهلَ القسطنطينية، هل يجب على الإمام تنفيذُ ذلك، أو (١) إنما ينفذ تأمينهم للآحاد؟ يبحث فيه عن النص. غير أن المتأخرين أجازوا للآحاد إعطاء الأمان، وقالوا: مطلقاً ومقيداً، قبل الفتح وبعده، هكذا في "الصبح الصادع". * * * باب: ذِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ وَجِوَارِهِمْ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْناَهُمْ ١٧٣٢ - (٣١٧٢) - حدثني مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَناَ وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا عِنْدَناَ كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَاّ كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الْجِرَاحَاتُ، وَأَسْنَانُ الإِبِلِ، وَالْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. (فمن أخفرَ مسلماً): أي: نقضَ عهدَه. * * * باب: إِذَا قَالُوا: صَبَأْناَ، وَلَمْ يُحْسِنُوا: أَسْلَمْنَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ". وَقَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ: مَتْرَسْ، فَقَدْ آمَنَهُ، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ

стр. 2819

كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ. (وقال عمر: إذا قال: مَتْرَس، فقد آمنه): مترس -بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية وإسكان الراء، وبفتح الميم وإسكان التاء وفتح الراء- معناه: لا تخف (١). (أو (٢) قال: تكلَّمْ لا بأسَ): مثلُ هذا وقع للهرمزان مع عمر ﵁، وذلك أن جيش المسلمين لما حاصروا تُسْتَر (٣)، نزل الهرمزانُ على حكم عمر ﵁، فبعث به أبو موسى، فلما قدم عمر، سكت الهرمزان، فقال له عمر: تكلم، فقال: كلام حي أم كلام ميت؟ فقال عمر: تكلم فلا بأس، فقال: إنا وإياكم -معشرَ العرب- ما خلّى (٤) الله بيننا، كنا نقتلكم ونَغْصِبُكم (٥)؛ فأما إذا كان الله معكم، فلم يكنْ لنا بكم يدانِ، ثم هَمَّ عمر بقتله، فقال له أنس: ليس لك (٦) إلى قتله سبيلٌ، فقال: أعطاك شيئاً؟ قلت: ما (٧) فعلت، ولكنك قلتَ له: تكلَّمْ فلا بأس؛ فقال: لتجيئَنَّ بمن يشهدُ (٨) معك، وإلا بدأتُ بعقوبتك، فخرجت من عنده، فإذا أنا

стр. 2820

بالزبيرِ بنِ العَوَّامِ قد حفظَ ما حفظتُ، فشهدَ عندَه، فتركه، وأسلم الهرمزانُ، وفوض له (١). ومقصود الترجمة: أن المعتبر المقاصدُ بأدلتها كيفما كانت الأدلةُ، لفظية أو غيرَها، على وَفْق (٢) لغةِ العرب أو غيرِها (٣). وحديثُ عمر الذي سقناه أصلٌ في أن القاضي إذا حكم بشيء، ونسيَهُ، فشهدتْ عنده بحكمه ذلك بَيِّنَةٌ، قَبِلَها، ونفذ الحكم. وفيه: سَعْيُ أحدِ الشاهدين في شاهد آخرَ تكمُلُ به البينةُ، ولا يكون ذلك قدحًا في شهادته إذا انتفتِ الريبة. * * * باب: الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. (باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال (٤) وغيرِه): قال ابن المنير: قد استشار الإمامُ أصحابَ مالك [على أن لا يقبل منه، وذكر] (٥) أن الطَّاغية بذل مئة ألف دينار على المتاركة عشرَ سنين، فأجمعَ رأيُ أصحابِ

стр. 2821

مالك على أن لا يُقبل منه، وقالوا: بالمسلمين الآن قوةٌ، وِيعَدُوِّهم ضعفٌ، ونخشى أن يكون هذا المال سبباً لثبط (١) الغزاة والمرابطين بالسواحل، وتَفَلُّل جموعِهم، فيجد العدوُّ حينئذ القوةَ والفرصةَ، فرجع إلى رأيهم هذا إذا بذل العدوُّ المالَ للمسلمين؛ فإن (٢) انعكست القضية، ودعت الضرورة، وظهرت المصلحة، فالظاهر الجوازُ، وقد بذل النبي ﷺ لغطفان ثلثَ ثمر المدينة لينصرفوا بمن معهم إبقاءً على أهل المدينة؛ لأن العربَ رمتهم عن قوس واحدة، فقال له سعد: يا رسول الله! أهذا شيء تصنعه؛ لأن الله أمركَ به، أو لأنك [تحبه، فتصنعه لأجل ذلك، أم شيء تصنعه لأجلنا؟ فقال: "بل لأجلكم"، فقالوا] (٣): واللهِ! ما نعطيهم تمرةً واحدة، وقد كنا في الجاهلية وقبلَ أن يُعزنا الله بالإسلام لا يَصلون (٤) إليه إلا بشراءٍ أو قِرًى، فترك النبي ﷺ ، ولم يكن العقد انبرمَ فيه. وليس في ترجمة البخاري تعرض؛ لأن المال المبذول من جهة المسلمين، أو من جهة الكفار، إلا أنه ساق حديثَ موادعةِ اليهود، ولم يكن بمال أصلاً، وأما الديةُ التي قام بها النبي ﷺ ، فليست عن اليهود؛ لأن أصحاب الحق نكلوا (٥) عن اليمين، والناكلُ ليس له إلا (٦) استحلافُ المتهمين،

стр. 2822

فامتنعوا أيضاً من استحلافهم، وقالوا (١): لا نقبل أيمانَ قوم كفار. وما كان البخاري أرادَ إلا جوازَ الأحوالِ كلِّها بحسب المصلحة، بمال أو غيره، من أَيِّ الجهتين كان المال، وقد صالح النبي ﷺ صلح الحديبية، وكان الحَيْفُ من المشركين على المسلمين، ولهذا قال عمر ﵁: لِمَ نُعطي الدنيةَ في ديننا؟ فقال: "سيجعلُ اللهُ لكم فَرَجاً ومَخْرَجاً" (٢). * * * ١٧٣٣ - (٣١٧٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ -هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ-، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ وَهْوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمٍ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: "كَبِّرْ كَبِّرْ"، وَهْوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟ "، قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟ "، فَقَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟! فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. (مُحَيصة): بضم الميم وفتح الحاء وسكون الياء، وقد تشدد مكسورة.

стр. 2823

(وحُويصة): بضم الحاء وفتح الواو وسكون الياء وتخفيف الصاد المهملة، وقد تشدد. (فعقله النبي ﷺ من عنده): أي: أَدَّى دِيَتَهُ، يقال: عَقَلْتُه: إذا أَدَّيْتُ ديتَه، وعَقَلْتُ عنه: إذا أُلْزِمَ ديةً، فأَدَّيْتُها (١) عنه (٢). * * * باب: مَا يُحْذَرُ مِنَ الغَدْرِ ١٧٣٤ - (٣١٧٦) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهْوَ فِي قُبَّهٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: "اعْدُدْ سِتّاً بَيْنَ يَدَيِ السَاعَةِ: مَؤْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَيَظَلُّ سَاخِطاً، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَاّ دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً". (ابن زَبْر): بفتح الزاي (٣) وإسكان الموحدة. (بُسْر بن عُبيد الله): بضم الموحدة وإسكان السين المهملة.

стр. 2824

(ثم مُوْتانٌ): -بفتح الميم وسكون (١) الواو-: الموت، وبضم الميم أيضاً؛ والمراد به: الطاعون. وعند ابن السكن: "ثم موتتان"، قيل: ولا معنى له (٢). (كقُعاص الغنم): -بضم القاف-: داءٌ يصيب الغنمَ؛ و (٣) هو شيء يأخذها في رؤوسها تسيل له (٤) أنوفُها، لا يُلبثها أن تموتَ، وقيل: الموت فجأة (٥). (ثم هُدْنة): بهاء مضمومة فدال ساكنة فنون: هي الصلح. (فيغدِرون): بكسر الدال. (تحت ثمانين غاية): -بغين معجمة فألف فياء تحتية-: هي الراية. قال الجواليقي: لأنها غايةُ المتبع، إذا وقفت، وقف، وإذا مشت، تبعها. ورواه بعضهم: "غابة" -بباء موحدة-: وهي الأَجَمَة، شَبَّه كثرةَ الرماح بالأجمة (٦). * * *

стр. 2825

باب: كَيْفَ يُنْبَذُ العَهْدُ إِلَى أَهْلِ العَهْدِ ؟ ١٧٣٥ - (٣١٧٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ. وَإِنَّمَا قِيلَ: الأَكْبَرُ؛ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ: الْحَجُّ الأَصْغَرُ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ. (ويومُ الحج الأكبر يومُ النحر): لا دليل في الحديث المذكور على أن وقوف أبي بكر في ذي الحجة، وإنما يريد بيوم الحج ويوم النحر: من الشهر الذي وقف فيه، فيصدُق، وإن كان وقف في ذي القعدة؛ لأنهم كانوا يقفون فيه، وينحرون فيه، فلا يدل قولهُ: "يوم الحج الأكبر" على أنه كان في ذي الحجة، والصحيحُ أنه كان في ذي القعدة، كما تقدم. قال ابن المنير في "الصبح (١) الصادع": وسُئلتُ مرة فقيل لي: هل يتعينُ اليومُ الذي وقف فيه من ذي القعدة؟ فقلت: يتعين، ويكون التاسع؛ لأن النسيء كان عندهم شهراً، فبين الوقفتين (٢) شهر، فتكون الوقفة في ذي القعدة كانت في التاسع، والله أعلم. * * *

стр. 2826

باب: إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ ١٧٣٦ - (٣١٧٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَاّ الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أحدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْماً بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". (ومن والى قوماً بغير إذن مواليه): قال الداودي في غير هذا الموضع: "مَنْ تَوَلَّى"، وهو المحفوظ؛ لأنه نهى عن بيع الولاء وهبته (١). قلت: وعلى هذا فقوله: "بغيرِ إذنِ مواليه": لا مفهوم له؛ إذ لو أُذِنوا في توليِّ (٢) قوم بحيث يكون لهم ولاؤه دونهم، لم يجز. * * * ١٧٣٧ - (٣١٨٠) - قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِناً يَا أَبَا

стр. 2827

هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. (تنتهك حرمة (١) الله): أي: بِتناولِ ما لا يحلُّ. * * * باب ١٧٣٨ - (٣١٨١) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ ابْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَاّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا. (فسمعت سَهْلَ بنَ حُنَيف): بضم الحاء المهملة وفتح النون على التصغير. (يقول: اتهموا رأيكم، رأيتُني يومَ أبي جندل، ولو (٢) أستطيع أن أردَّ (٣) أمرَ النَّبي ﷺ ، لرددتُه): عَنَى سهلُ بنُ حُنيفٍ بقوله هذا: إعلامَهم بأن النبي ﷺ كان يتثبَّتُ (٤) في القتال إبقاءً على المسلمين، وصوناً للدماء، هذا وهو بمرصاد

стр. 2828

الوحي، وعلى يقين الحق نَصّاً (١) بغير اجتهاد ولا ظن، فإذا كان هذا تثبتُه (٢) حيثُ كانَ رأيُ كلِّ ذي رأيٍ التسرُّعَ (٣) إلى القتال، وإلى نُصرة الحقِّ الأبلَج على الباطل الصُّراح، فكيف لا يُتَثَبَّتُ (٤) في قتالِ الفتنة، ومَظِنَّةِ المحنة، وعدمِ القطع والتعيين بموجب القتال، [وحقائقِ الأحوال؟! ولهذا قعدَ جماعةٌ عن القتال] (٥)، ولو مع (٦) عليٍّ -كرم الله وجهه-، مع أن رأيهم كان موافقاً لرأيه، ولكن رأوا الأمرَ مُشْكِلاً، والدم خطيراً، فوقفوا، وعذرهم عليٌّ ﵁. وساق البخاري هذا الخبر بغير هذا المعنى، وما مراده منه إلا الوفاء بالعهد؛ وإن كان مُمِضّاً؛ كإسلام أبي جندلٍ إلى الكفار في قيوده. (لأمر يفظعنا): أي: يثقل علينا ويشقُّ، قال ابن فارس: فَظَعَ وأَفْظَعَ لغتان (٧). (إلا (٨) أسهَلْنَ (٩) بِنا): الضمير عائد على الأسياف التي تقدَّم ذكرُها؛ أي: أَدْنَتْنا إلى أمر سهل، فأدخلَتْنا فيه.

стр. 2829

باب: إِثْمِ الغَادِرِ لِلْبَرِّ والفَاجِرِ ١٧٣٩ - (٣١٨٦ و ٣١٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -قَالَ أَحَدُهُمَا: يُنْصَبُ، وَقَالَ الآخَرُ-: يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُعْرَفُ بِهِ". (وعن ثابت، عن أنس): القائل هذا: هو شعبةُ شيخُ شيخِ البخاري. * * * ١٧٤٠ - (٣١٨٩) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا". وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَاّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خلَاهُ"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَاّ الإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِم وَلِبُيُوتِهِمْ، قَالَ: "إِلَاّ الإِذْخِرَ". (إن هذا البلدَ حَرَّمَهُ اللهُ): وجهُ مطابقة ترجمته على إثم الغادر للبر والفاجر؛ لحديث مكةَ: أن النبي ﷺ نصَّ على أنها اختصت بالحرمة إلَاّ في الساعة المستثناة، وليس المرادُ حرمةَ قتلِ المؤمن البَرِّ فيها، إذ كلُّ بقعةٍ كذلك، فالذي اختصَّت به: حرمةُ قتلِ الفاجرِ المتأهِّلِ للقتل، فإذا استقر

стр. 2830

أن الفاجرَ قد حَرُمَ قتلُه فيها بعهدِ الله الذي خصَّها به، فإذا خصَّ أحدٌ فاجراً بعهد الله وميثاقه في غيرها، لزمَ نفوذُ العهد له، وثبوتُ الحرمة في حقه، فيقوى عمومُ الحديث الأول في الغادِرِ بالبر والفاجر (١). وجاء في بعض الطرق: "وإنَّ لواءَ الغادِرِ يُنْصَبُ لَهُ عِنْدَ اسْتِهِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ" (٢)، والمراد من ذلك -والله أعلم-: مقابلتُه بنقيضِ قصدِه؛ لأن اللواء في الدنيا إنما ينُصب على الرئيس، فينُصب يومئذ عند استِ الغادر فُضوحاً له؛ إذ الأعينُ تمتدُّ إلى الألوية، فيكون ذلك سببَ امتدادِ الأعينِ إلى سوءته (٣) التي بدت له يومئذ، وفُضح فيها على رؤوس الأشهاد، قاله في "الصبح الصادع". * * *

стр. 2831

كِتابُ بَدءِ الخَلْقِ

стр. 2832

باب: مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَالْحَسَنُ: كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ. هَيْنٌ وَهَيِّنٌ مِثْلُ لَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ، وَضيْقٍ وَضَيِّقٍ. (كتاب: بدء الخلق). (الربيع بن خُثَيم): بخاء معجمة مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة. (هَيِّنٌ وهَيْنٌ مثلُ لَيِّنٍ ولَيْنٍ): وقال ابن الأعرابي: العربُ تمدح بالهَيْنِ اللَّيْنِ، وتذمُّ بالهيِّن الليِّن، مثقلاً (١). ١٧٤١ - (٣١٩٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ ابْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا بَنِي تَمِيمٍ! أبْشِرُوا". قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ". قَالُوا: قَبِلْنَا، فَأَخَذَ

стр. 2833

النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ، لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ. (صفوان بن مُحْرِز): بإسكان الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاي، وقد مر. (قالوا: قد بَشَّرْتَنا فأَعْطِنا): قيل: قاله الأقرعُ بنُ حابس، كان فيه بعضُ أخلاقِ البادية. قال السفاقسي: ورُوي أنه حين ردَّ النبيُّ ﷺ سبيَ هوازنَ، قال الأقرعُ وعُيَيْنَةُ: ما نطيبُ بذلك، وأنهما أخذا حِصَّتَهما من ذلك، فوقع لأحدهما: جمل أجربُ، ويقال: إنه كان فيمن نادى النَّبيَّ ﷺ من وراء (١) الحجرات (٢). * * * ١٧٤٢ - (٣١٩١) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ: أنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ". قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ". قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: جئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، قَالَ: "كَانَ اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكتَبَ فِي الذِّكْرِ

стр. 2834

كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ". فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا بْنَ الْحُصَيْنِ، فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللهِ! لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. (اقبلوا البشرى يَا أهلَ اليمن؛ إذ (١) لم يقبلوها (٢): ويروى: "أَن" -بالفتح-؛ أي: من أجلِ تركِ بني تميمٍ لها. * * * ١٧٤٣ - (٣١٩٢) - وَرَوَى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَاماً، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. (وروى عيسى عن رقية (٣)): قال الجياني: هكذا في النسخ كلها عن البخاري. وقال أبو مسعود الدمشقي: إنما رواه عيسى -يعني: ابن موسى الغُنجار البخاري-، عن أبي حمزة، عن رقية، وفي "مستخرج أبي نعيم": ولا يعرف لعيسى عن رقية نفسه شيء (٤).

стр. 2835

١٧٤٤ - (٣١٩٤) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي". (لما قضى [اللهُ] الخلقَ): قال ابن عرفة: قضاءُ الشيء: إحكامُه وإمضاؤه، والفراغُ منه، وبه سمي القاضي؛ لأنه إذا حكم، فقد فرغَ مما بينَ الخصمين (١). (فهو عنده فوق العرش): قيل: المراد: دونه؛ كقوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]؛ أي: دونها؛ استعظاماً أن يكون شيء من المخلوقات فوقَ العرش. وقيل: الكلام على حقيقته، والمراد: علمُ ذلك عندَ الله لا يُبدل (٢). (إن رحمتي غلبتْ غضبي): أشار لسَعَةِ الرحمةِ وشمولها (٣) الخلقَ، فكأنها الغالبة؛ يقال: غلبَ على فلانٍ الكرمُ؛ أي: هو أكثرُ أفعاله، وإلا فغضبُ الله ورحمتُه صفتان من صفات ذاته، فالغضبُ: إرادةُ العقاب، والرحمةُ: إرادة الثواب، والصفاتُ لا توصف بالغلبة (٤)، ولا يسبق بعضُها بعضاً، لكن جاء هذا على الاستعارة. ولا يمتنع أن تجعل الرحمة والغضب من صفات الفعل لا الذات، فالرحمة: هي الثواب والإحسان، والغضب:

стр. 2836

هو الانتقام والعقاب، فتكون الغلبة (١) على بابها؛ أي (٢): إن رحمتي أكثرُ من غضبي، فتأمله (٣). * * * باب: مَا جَاءَ في سَبْعِ أَرَضِينَ ١٧٤٥ - (٣١٩٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ! اجْتَنِبِ الأَرْضَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبع أَرَضِينَ". (قِيدَ شِبْرٍ): -بكسر القاف-؛ أي: قَدْرَ شبر. * * * ١٧٤٦ - (٣١٩٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ؛ ذُو الْقَعْدَةِ،

стр. 2837

وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ". (إن الزمان قد استدارَ): يعني به -والله أعلم-: زمانَ الحج الذي هو ذو الحجة؛ فإنه ﵊ وافقَ حجّه فيه، وهو الزمان الذي شرع الله فيه عملَ الحج على إبراهيم ﵇، ولم يزل الناس يحجون إلى أن غيرت قريشٌ زمانهَ بالنَّسيء الذي ابتدعوه، فإنهم كانوا يزيدون في كل سنة شهراً يحجُّون فيه، فإذا حجُّوا في سنةٍ [في] ذي الحجة، حجوا في السنة التي تليها في المحرم، وهكذا، حتى ينتهي الدور إلى ذي (١) الحجة، وكانت تلك السنة قد اقتضى دورهم أن يكون الحجُّ فيها في ذي الحجة؛ فهدى الله نبيَّه ﷺ إلى الوقت الذي شرعَ اللهُ فيه الحجَّ، وحماه الله من بدع الجاهلية؛ كما فعل معه في جميع أحواله ﵊، وهذا أولى ما قيل فيه (٢). (ورجبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان): قيل: حصرُه بين هذين الشهرين تأكيدٌ. وقيل: الأشبهُ أنه تأسيسٌ، وذلك لأن العرب كانت تُنَسِّئ الأشهرَ، فتؤخِّرُ الشهرَ من موضعه إلى شهر آخرَ، فإنهم كانوا يقولون: رَجَبٌ شهرٌ حرام، وكانوا لا يحاربون في الأشهر الحرم، وكان أكثرُ معايشهم وأرزاقهم من الغارات، وكانوا يؤخِّرون الشهرَ الحرام إلى شهرٍ بعدَه؛ ليحاربوا في الشهر الحرام، ويغيروا مكانَ الشهر، فينتقل عن وقته الحقيقي، فقال لهم

стр. 2838

النبي ﷺ : إن شهرَ رَجَبٍ هو (١) الذي بين جُمادى وشعبان، لا رجبٌ الذي هو (٢) عندكم، وقد أنسأتموه وأخرتموه (٣). * * * ١٧٤٧ - (٣١٩٨) - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى -فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا- إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئاً؟! أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". (ابن نُفَيل): بضم النون وفتح الفاء على التصغير. (خاصَمَتْه أَرْوَى): هي بنتُ أَوس، وكانت حاضنةً لمروانَ بنِ الحكم، فقال سعيد: اللهمَّ إن كانتْ كاذبةً، فأَعْمِ بصرَها، واجعلْ قبرهَا في دارها، فتقبَّلَ اللهُ دعوته، فعميتْ، ومرت على (٤) بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت (٥) قبرَها (٦). * * *

стр. 2839

باب: فِي النُّجُومِ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]: خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَشِيمًا﴾ [الكهف: ٤٥]: مُتَغَيِّراً. وَالأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ، الأَنَامُ: الْخَلْقُ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]: حَاجِبٌ. (برزخ: حاجب): وفي نسخة: "حاجز" (١). * * * باب: صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]: قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لا يَغدُوَانِهَا. حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ حِسَابٍ مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ. ﴿ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] ضَوْءُهَا. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]: لا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]: يتطالبان حثيثين: في "الانتصاف": يؤخذ من هذه الآية: أن النهار تابعٌ لليل (٢)؛ إذ جعلَ الشمسَ التي (٣) هي آيةُ النهار غيرَ مدركةٍ للقمر الذي هو آيةُ الليل، فبقي الإدراك الذي يمكن أن يقع، وهو

стр. 2840

يستدعي تقدمَ القمر، وتبعيةَ الشَّمس؛ فإنه لا يقال: أدركَ السابقُ اللاحقَ، لكن يقال: أدركَ (١) اللاحقُ السابقَ، فالليلُ إذن متبوعٌ، والنهارُ تابعٌ. فإن قيل: فالآية مصرحة بأن الليلَ لا يسبق النهار؟ فجوابه: أنه مشترك الإلزام؛ إذ الأقسامُ المحتملة ثلاثةٌ: إما تبعيةُ النهارِ لليلِ كمذهب الفقهاء، أو عكسُه؛ وهو المنقولُ عن طائفة من النُّحاة، أو اجتماعُهما، فهذا القسم الثالث منفيٌّ بالاتفاق، فلم يبقَ إلا تبعيةُ النهارِ لليل، وعكسُه، والسؤالُ وارد عليهما، لاسيما من قال: إن النهارَ سابقُ الليل، يلزم من طريق البلاغة أن يقول: ولا الليل يدرك النهار؛ فإن المتأخر إذا نُفِي (٢) إدراكُه كان أبلغَ من نفي سَبْقِه، مع أنه ناءٍ عن قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]. فأما ظاهراً: فالتحقيقُ أن المنفيَّ: السبقيةُ الموجبةُ لتراخي النهار عن الليل، وتخلُّل زمنٍ آخرَ بينهما، فيثبتُ التعاقبُ، وحينئذ يكون القولُ بسبق النهارِ الليلَ مخالفاً لصدر الآية؛ فإن بين عدم الإدراك -الدالِّ على التأخر والتبعية- وبين السبق بَوْناً بعيداً، ولو كان الليلُ تابعاً متأخِّراً؛ لكان حَرِيّاً أن يوصَف بعدم الإدراك، ولا يُبلغ به عدمُ السبق، فتقدمُ الليلِ على النهار مطابقٌ لصدر الآية صريحاً، ولعَجُزِها بتأويلٍ حسنٍ. * * * ١٧٤٨ - (٣١٩٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
следующие страницы →