مصابيح الجامع
وهو شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري المشتمل على بيان تراجمه وأبوابه وغريبه وإعرابه
تأليف
الإمام القاضي بدر الدين الدماميني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر القرشي المخزومي الإسكندراني المالكي
المولود في الإسكندرية سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في الهند سنة ٨٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين
[المجلد السابع]
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
стр. 2802
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2803
مَصَابِيحُ الجَامِعِ
[٧]
стр. 2804
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
ردمك: ٠ - ١٢ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها نور الدّين طَالب
سوريا - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
(حتى تَهُبَّ الأرواح): جمع ريح، وأصلُه: رِوْحٌ بدليل الجمعِ الذي غالبُ حاله أن يردَّ الشيءَ إلى أصله، فقُلِبَ واوُ المفرد ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها.
وحكى ابن جني في جمعه: أرياح.
قال الزركشي: لما رآهم قالوا: رياح (١).
قلت: إن (٢) اعتمد صاحب هذا القول على رياح، فقد وَهِم؛ لأن موجبَ قلب الواو في رياح ثابت؛ لانكسار ما قبلها؛ كحِياض جمع حَوْض، ورِياض جمع رَوْض؛ والمقتضي للقلب (٣) في أرياح مفقود، والمعتمَدُ في هذا إنما هو السماع.
* * *
باب: إِذَا وَادَعَ الإِمَامُ مَلِكَ الْقَرْيَةِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ؟
(باب: إذا وادعَ الإمامُ ملكَ القرية، هل يكون ذلك لبقيتهم؟): ساق فيه حديثَ: "أَهدى ملكُ أيلةَ للنبي ﷺ بغلةً بيضاء" (٤)، ولم يجر فيه صيغة الطلب، ولا صيغة الأمان، فبنى البخاري على العادة: أن الملكَ الذي أهدى إنما طلبَ بقاءَ ملكه، وإنما يبقى ملكُه ببقاء رعيته، فأخذ من هذا أن موادعته موادعةٌ لرعيته، وقد أسلَفْنا عن ابن (٥) إسحاق صيغةَ الكتاب
стр. 2811
الذي كتبه النبي ﷺ ، وهو نص على أن الأمان (١) كان عاماً له ولرعيته، ومثلُ هذا لا يختلف فيه.
* * *
باب: الوَصَاةِ بأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -
١٧٢٤ - (٣١٦٢) - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ.
(أبو جمرة): بجيم وراء.
(ورزق عيالكم): يريد ما يؤخذ من جزيتهم، أو ما يُنال في تردُّدهم لأمصار المسلمين (٢).
* * *
باب: مَا أَقْطَعَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَينِ، وَمَا وَعَدَ مِنَ البَحْرَينِ وَالجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيءُ والجِزْيَةُ ؟
١٧٢٥ - (٣١٦٤) - حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِي: "لَو قَدْ جَاءَناَ مَالُ
стр. 2812
الْبَحْرَيْنِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا". فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنِي، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ قَالَ لِي: "لَوْ قَدْ جَاءَناَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، لأَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا". فَقَالَ لِي: احْثُهْ، فَحَثَوْتُ حِثْيَةً، فَقَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، فَأعْطَانِي أَلْفاً وَخَمْسَ مَئَةٍ.
(فقال لي احثُهْ): بضم المثلثة وبهاء السكت.
(فحثوت حثية): أُخذ الفعلُ من لغة، والمصدرُ من لغة (١) أخرى، وكذا فعلوا في تداخل اللغتين من كلمتين.
(فقال لي: عُدَّها، فعددُتها، فإذا هي خمس مئة): قال ابن المنير: والحكمةُ في ذلك -والله أعلم-: أنه ﵊ وعدَ بثلاثِ حفناتٍ متساوياتٍ أشارَ إليها إشارةً واحدة في نسق (٢) واحد، فأراد أبو بكر أن يكون فعلُه منطبقاً على الوعد، وكان من توفيق الله له أن جاءت العطية عقداً صحيحاً من جنس المعلومة المعدودة في أصل الوعد، هكذا قال.
وفيه نظر.
* * *
١٧٢٦ - (٣١٦٥) - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَ: "انْثُرُوهُ فِي
стр. 2813
الْمَسْجِدِ"، فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْطِنِي، إنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلاً. قَالَ: "خُذْ". فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ. قَالَ: "لَا". قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا". فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَقَالَ: اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا". قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا". فَنَثَرَ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِي عَلَيْنَا؛ عَجَباً مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ.
(بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد): في "مصنف (١) ابن أبي شيبة" من طريق حميد بن هلال، قال: بعثَ العلاءُ بنُ الحضرميِّ إلى النبي ﷺ بمئة ألف من خراج البحرين، وكان أولَ خراجٍ قدم به عليه، فأمر به، فنُثِرَ (٢) على حصير، الحديث (٣).
(ثم ذهب يُقِلُّه): يقال: أَقَلَّ الشيءَ يُقِلُّهُ، واسْتَقَلَّهُ يَسْتَقِلُّهُ: إذا رفعَه وحملَه (٤).
* * *
باب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدَاً بِغَيرِ جُرْمٍ
١٧٢٧ - (٣١٦٦) - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا
стр. 2814
الْحَسَنُ بْنُ عَمرٍو، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً، لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيِحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً".
(من قتل معاهَداً): -بفتح الهاء-: اسمُ مفعول؛ وهو كافرٌ عوهِدَ بعهد صحيح.
وفي بعض النسخ بكسر الهاء، على أنه اسمُ فاعل، والفتحُ أكثر (١).
(لم (٢) يَرح رائحة الجنة): بفتح الياء والراء جميعاً، وبفتح الياء وكسرها؛ أي: لم يَشَمَّها، ويقال بضم الياء وكسر الراء.
قال صاحب "النهاية": يقال: راحَ يَراحُ، وراحَ يُريحُ: إذا وجدَ رائحةَ الشيء، والثلاثةُ قد رُوي بها الحديث (٣).
* * *
باب: إِخْرَاجِ اليَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ
١٧٢٨ - (٣١٦٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ"، فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ -الْمِدْراسِ، فَقَالَ: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هذا الأَرْضِ، فَمَنْ يَجِدْ
كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ.
(وقال عمر: إذا قال: مَتْرَس، فقد آمنه): مترس -بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية وإسكان الراء، وبفتح الميم وإسكان التاء وفتح الراء- معناه: لا تخف (١).
(أو (٢) قال: تكلَّمْ لا بأسَ): مثلُ هذا وقع للهرمزان مع عمر ﵁، وذلك أن جيش المسلمين لما حاصروا تُسْتَر (٣)، نزل الهرمزانُ على حكم عمر ﵁، فبعث به أبو موسى، فلما قدم عمر، سكت الهرمزان، فقال له عمر: تكلم، فقال: كلام حي أم كلام ميت؟ فقال عمر: تكلم فلا بأس، فقال: إنا وإياكم -معشرَ العرب- ما خلّى (٤) الله بيننا، كنا نقتلكم ونَغْصِبُكم (٥)؛ فأما إذا كان الله معكم، فلم يكنْ لنا بكم يدانِ، ثم هَمَّ عمر بقتله، فقال له أنس: ليس لك (٦) إلى قتله سبيلٌ، فقال: أعطاك شيئاً؟ قلت: ما (٧) فعلت، ولكنك قلتَ له: تكلَّمْ فلا بأس؛ فقال: لتجيئَنَّ بمن يشهدُ (٨) معك، وإلا بدأتُ بعقوبتك، فخرجت من عنده، فإذا أنا
стр. 2820
بالزبيرِ بنِ العَوَّامِ قد حفظَ ما حفظتُ، فشهدَ عندَه، فتركه، وأسلم الهرمزانُ، وفوض له (١).
ومقصود الترجمة: أن المعتبر المقاصدُ بأدلتها كيفما كانت الأدلةُ، لفظية أو غيرَها، على وَفْق (٢) لغةِ العرب أو غيرِها (٣).
وحديثُ عمر الذي سقناه أصلٌ في أن القاضي إذا حكم بشيء، ونسيَهُ، فشهدتْ عنده بحكمه ذلك بَيِّنَةٌ، قَبِلَها، ونفذ الحكم.
وفيه: سَعْيُ أحدِ الشاهدين في شاهد آخرَ تكمُلُ به البينةُ، ولا يكون ذلك قدحًا في شهادته إذا انتفتِ الريبة.
* * *
باب: الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].
(باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال (٤) وغيرِه): قال ابن المنير: قد استشار الإمامُ أصحابَ مالك [على أن لا يقبل منه، وذكر] (٥) أن الطَّاغية بذل مئة ألف دينار على المتاركة عشرَ سنين، فأجمعَ رأيُ أصحابِ
стр. 2821
مالك على أن لا يُقبل منه، وقالوا: بالمسلمين الآن قوةٌ، وِيعَدُوِّهم ضعفٌ، ونخشى أن يكون هذا المال سبباً لثبط (١) الغزاة والمرابطين بالسواحل، وتَفَلُّل جموعِهم، فيجد العدوُّ حينئذ القوةَ والفرصةَ، فرجع إلى رأيهم هذا إذا بذل العدوُّ المالَ للمسلمين؛ فإن (٢) انعكست القضية، ودعت الضرورة، وظهرت المصلحة، فالظاهر الجوازُ، وقد بذل النبي ﷺ لغطفان ثلثَ ثمر المدينة لينصرفوا بمن معهم إبقاءً على أهل المدينة؛ لأن العربَ رمتهم عن قوس واحدة، فقال له سعد: يا رسول الله! أهذا شيء تصنعه؛ لأن الله أمركَ به، أو لأنك [تحبه، فتصنعه لأجل ذلك، أم شيء تصنعه لأجلنا؟ فقال: "بل لأجلكم"، فقالوا] (٣): واللهِ! ما نعطيهم تمرةً واحدة، وقد كنا في الجاهلية وقبلَ أن يُعزنا الله بالإسلام لا يَصلون (٤) إليه إلا بشراءٍ أو قِرًى، فترك النبي ﷺ ، ولم يكن العقد انبرمَ فيه.
وليس في ترجمة البخاري تعرض؛ لأن المال المبذول من جهة المسلمين، أو من جهة الكفار، إلا أنه ساق حديثَ موادعةِ اليهود، ولم يكن بمال أصلاً، وأما الديةُ التي قام بها النبي ﷺ ، فليست عن اليهود؛ لأن أصحاب الحق نكلوا (٥) عن اليمين، والناكلُ ليس له إلا (٦) استحلافُ المتهمين،
стр. 2822
فامتنعوا أيضاً من استحلافهم، وقالوا (١): لا نقبل أيمانَ قوم كفار.
وما كان البخاري أرادَ إلا جوازَ الأحوالِ كلِّها بحسب المصلحة، بمال أو غيره، من أَيِّ الجهتين كان المال، وقد صالح النبي ﷺ صلح الحديبية، وكان الحَيْفُ من المشركين على المسلمين، ولهذا قال عمر ﵁: لِمَ نُعطي الدنيةَ في ديننا؟ فقال: "سيجعلُ اللهُ لكم فَرَجاً ومَخْرَجاً" (٢).
* * *
١٧٣٣ - (٣١٧٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ -هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ-، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ وَهْوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمٍ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: "كَبِّرْ كَبِّرْ"، وَهْوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟ "، قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟ "، فَقَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟! فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ.
(مُحَيصة): بضم الميم وفتح الحاء وسكون الياء، وقد تشدد مكسورة.
(ثم مُوْتانٌ): -بفتح الميم وسكون (١) الواو-: الموت، وبضم الميم أيضاً؛ والمراد به: الطاعون.
وعند ابن السكن: "ثم موتتان"، قيل: ولا معنى له (٢).
(كقُعاص الغنم): -بضم القاف-: داءٌ يصيب الغنمَ؛ و (٣) هو شيء يأخذها في رؤوسها تسيل له (٤) أنوفُها، لا يُلبثها أن تموتَ، وقيل: الموت فجأة (٥).
(ثم هُدْنة): بهاء مضمومة فدال ساكنة فنون: هي الصلح.
(فيغدِرون): بكسر الدال.
(تحت ثمانين غاية): -بغين معجمة فألف فياء تحتية-: هي الراية.
قال الجواليقي: لأنها غايةُ المتبع، إذا وقفت، وقف، وإذا مشت، تبعها.
ورواه بعضهم: "غابة" -بباء موحدة-: وهي الأَجَمَة، شَبَّه كثرةَ الرماح بالأجمة (٦).
* * *
стр. 2825
باب: كَيْفَ يُنْبَذُ العَهْدُ إِلَى أَهْلِ العَهْدِ ؟
١٧٣٥ - (٣١٧٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ. وَإِنَّمَا قِيلَ: الأَكْبَرُ؛ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ: الْحَجُّ الأَصْغَرُ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ.
(ويومُ الحج الأكبر يومُ النحر): لا دليل في الحديث المذكور على أن وقوف أبي بكر في ذي الحجة، وإنما يريد بيوم الحج ويوم النحر: من الشهر الذي وقف فيه، فيصدُق، وإن كان وقف في ذي القعدة؛ لأنهم كانوا يقفون فيه، وينحرون فيه، فلا يدل قولهُ: "يوم الحج الأكبر" على أنه كان في ذي الحجة، والصحيحُ أنه كان في ذي القعدة، كما تقدم.
قال ابن المنير في "الصبح (١) الصادع": وسُئلتُ مرة فقيل لي: هل يتعينُ اليومُ الذي وقف فيه من ذي القعدة؟
فقلت: يتعين، ويكون التاسع؛ لأن النسيء كان عندهم شهراً، فبين الوقفتين (٢) شهر، فتكون الوقفة في ذي القعدة كانت في التاسع، والله أعلم.
* * *
стр. 2826
باب: إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ
١٧٣٦ - (٣١٧٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَاّ الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أحدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْماً بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ".
(ومن والى قوماً بغير إذن مواليه): قال الداودي في غير هذا الموضع: "مَنْ تَوَلَّى"، وهو المحفوظ؛ لأنه نهى عن بيع الولاء وهبته (١).
قلت: وعلى هذا فقوله: "بغيرِ إذنِ مواليه": لا مفهوم له؛ إذ لو أُذِنوا في توليِّ (٢) قوم بحيث يكون لهم ولاؤه دونهم، لم يجز.
* * *
١٧٣٧ - (٣١٨٠) - قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِناً يَا أَبَا
الوحي، وعلى يقين الحق نَصّاً (١) بغير اجتهاد ولا ظن، فإذا كان هذا تثبتُه (٢) حيثُ كانَ رأيُ كلِّ ذي رأيٍ التسرُّعَ (٣) إلى القتال، وإلى نُصرة الحقِّ الأبلَج على الباطل الصُّراح، فكيف لا يُتَثَبَّتُ (٤) في قتالِ الفتنة، ومَظِنَّةِ المحنة، وعدمِ القطع والتعيين بموجب القتال، [وحقائقِ الأحوال؟! ولهذا قعدَ جماعةٌ عن القتال] (٥)، ولو مع (٦) عليٍّ -كرم الله وجهه-، مع أن رأيهم كان موافقاً لرأيه، ولكن رأوا الأمرَ مُشْكِلاً، والدم خطيراً، فوقفوا، وعذرهم عليٌّ ﵁.
وساق البخاري هذا الخبر بغير هذا المعنى، وما مراده منه إلا الوفاء بالعهد؛ وإن كان مُمِضّاً؛ كإسلام أبي جندلٍ إلى الكفار في قيوده.
(لأمر يفظعنا): أي: يثقل علينا ويشقُّ، قال ابن فارس: فَظَعَ وأَفْظَعَ لغتان (٧).
(إلا (٨) أسهَلْنَ (٩) بِنا): الضمير عائد على الأسياف التي تقدَّم ذكرُها؛ أي: أَدْنَتْنا إلى أمر سهل، فأدخلَتْنا فيه.
أن الفاجرَ قد حَرُمَ قتلُه فيها بعهدِ الله الذي خصَّها به، فإذا خصَّ أحدٌ فاجراً بعهد الله وميثاقه في غيرها، لزمَ نفوذُ العهد له، وثبوتُ الحرمة في حقه، فيقوى عمومُ الحديث الأول في الغادِرِ بالبر والفاجر (١).
وجاء في بعض الطرق: "وإنَّ لواءَ الغادِرِ يُنْصَبُ لَهُ عِنْدَ اسْتِهِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ" (٢)، والمراد من ذلك -والله أعلم-: مقابلتُه بنقيضِ قصدِه؛ لأن اللواء في الدنيا إنما ينُصب على الرئيس، فينُصب يومئذ عند استِ الغادر فُضوحاً له؛ إذ الأعينُ تمتدُّ إلى الألوية، فيكون ذلك سببَ امتدادِ الأعينِ إلى سوءته (٣) التي بدت له يومئذ، وفُضح فيها على رؤوس الأشهاد، قاله في "الصبح الصادع".
* * *
وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
(إن الزمان قد استدارَ): يعني به -والله أعلم-: زمانَ الحج الذي هو ذو الحجة؛ فإنه ﵊ وافقَ حجّه فيه، وهو الزمان الذي شرع الله فيه عملَ الحج على إبراهيم ﵇، ولم يزل الناس يحجون إلى أن غيرت قريشٌ زمانهَ بالنَّسيء الذي ابتدعوه، فإنهم كانوا يزيدون في كل سنة شهراً يحجُّون فيه، فإذا حجُّوا في سنةٍ [في] ذي الحجة، حجوا في السنة التي تليها في المحرم، وهكذا، حتى ينتهي الدور إلى ذي (١) الحجة، وكانت تلك السنة قد اقتضى دورهم أن يكون الحجُّ فيها في ذي الحجة؛ فهدى الله نبيَّه ﷺ إلى الوقت الذي شرعَ اللهُ فيه الحجَّ، وحماه الله من بدع الجاهلية؛ كما فعل معه في جميع أحواله ﵊، وهذا أولى ما قيل فيه (٢).
(ورجبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان): قيل: حصرُه بين هذين الشهرين تأكيدٌ.
وقيل: الأشبهُ أنه تأسيسٌ، وذلك لأن العرب كانت تُنَسِّئ الأشهرَ، فتؤخِّرُ الشهرَ من موضعه إلى شهر آخرَ، فإنهم كانوا يقولون: رَجَبٌ شهرٌ حرام، وكانوا لا يحاربون في الأشهر الحرم، وكان أكثرُ معايشهم وأرزاقهم من الغارات، وكانوا يؤخِّرون الشهرَ الحرام إلى شهرٍ بعدَه؛ ليحاربوا في الشهر الحرام، ويغيروا مكانَ الشهر، فينتقل عن وقته الحقيقي، فقال لهم
стр. 2838
النبي ﷺ : إن شهرَ رَجَبٍ هو (١) الذي بين جُمادى وشعبان، لا رجبٌ الذي هو (٢) عندكم، وقد أنسأتموه وأخرتموه (٣).
* * *
١٧٤٧ - (٣١٩٨) - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى -فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا- إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئاً؟! أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
(ابن نُفَيل): بضم النون وفتح الفاء على التصغير.
(خاصَمَتْه أَرْوَى): هي بنتُ أَوس، وكانت حاضنةً لمروانَ بنِ الحكم، فقال سعيد: اللهمَّ إن كانتْ كاذبةً، فأَعْمِ بصرَها، واجعلْ قبرهَا في دارها، فتقبَّلَ اللهُ دعوته، فعميتْ، ومرت على (٤) بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت (٥) قبرَها (٦).
* * *
стр. 2839
باب: فِي النُّجُومِ
وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]: خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَشِيمًا﴾ [الكهف: ٤٥]: مُتَغَيِّراً. وَالأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ، الأَنَامُ: الْخَلْقُ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]: حَاجِبٌ.
(برزخ: حاجب): وفي نسخة: "حاجز" (١).
* * *
باب: صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]: قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لا يَغدُوَانِهَا. حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ حِسَابٍ مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ. ﴿ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] ضَوْءُهَا. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]: لا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ.
﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]: يتطالبان حثيثين: في "الانتصاف": يؤخذ من هذه الآية: أن النهار تابعٌ لليل (٢)؛ إذ جعلَ الشمسَ التي (٣) هي آيةُ النهار غيرَ مدركةٍ للقمر الذي هو آيةُ الليل، فبقي الإدراك الذي يمكن أن يقع، وهو
стр. 2840
يستدعي تقدمَ القمر، وتبعيةَ الشَّمس؛ فإنه لا يقال: أدركَ السابقُ اللاحقَ، لكن يقال: أدركَ (١) اللاحقُ السابقَ، فالليلُ إذن متبوعٌ، والنهارُ تابعٌ.
فإن قيل: فالآية مصرحة بأن الليلَ لا يسبق النهار؟
فجوابه: أنه مشترك الإلزام؛ إذ الأقسامُ المحتملة ثلاثةٌ: إما تبعيةُ النهارِ لليلِ كمذهب الفقهاء، أو عكسُه؛ وهو المنقولُ عن طائفة من النُّحاة، أو اجتماعُهما، فهذا القسم الثالث منفيٌّ بالاتفاق، فلم يبقَ إلا تبعيةُ النهارِ لليل، وعكسُه، والسؤالُ وارد عليهما، لاسيما من قال: إن النهارَ سابقُ الليل، يلزم من طريق البلاغة أن يقول: ولا الليل يدرك النهار؛ فإن المتأخر إذا نُفِي (٢) إدراكُه كان أبلغَ من نفي سَبْقِه، مع أنه ناءٍ عن قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠].
فأما ظاهراً: فالتحقيقُ أن المنفيَّ: السبقيةُ الموجبةُ لتراخي النهار عن الليل، وتخلُّل زمنٍ آخرَ بينهما، فيثبتُ التعاقبُ، وحينئذ يكون القولُ بسبق النهارِ الليلَ مخالفاً لصدر الآية؛ فإن بين عدم الإدراك -الدالِّ على التأخر والتبعية- وبين السبق بَوْناً بعيداً، ولو كان الليلُ تابعاً متأخِّراً؛ لكان حَرِيّاً أن يوصَف بعدم الإدراك، ولا يُبلغ به عدمُ السبق، فتقدمُ الليلِ على النهار مطابقٌ لصدر الآية صريحاً، ولعَجُزِها بتأويلٍ حسنٍ.
* * *
١٧٤٨ - (٣١٩٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ