وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
(إن الزمان قد استدارَ): يعني به -والله أعلم-: زمانَ الحج الذي هو ذو الحجة؛ فإنه ﵊ وافقَ حجّه فيه، وهو الزمان الذي شرع الله فيه عملَ الحج على إبراهيم ﵇، ولم يزل الناس يحجون إلى أن غيرت قريشٌ زمانهَ بالنَّسيء الذي ابتدعوه، فإنهم كانوا يزيدون في كل سنة شهراً يحجُّون فيه، فإذا حجُّوا في سنةٍ [في] ذي الحجة، حجوا في السنة التي تليها في المحرم، وهكذا، حتى ينتهي الدور إلى ذي (١) الحجة، وكانت تلك السنة قد اقتضى دورهم أن يكون الحجُّ فيها في ذي الحجة؛ فهدى الله نبيَّه ﷺ إلى الوقت الذي شرعَ اللهُ فيه الحجَّ، وحماه الله من بدع الجاهلية؛ كما فعل معه في جميع أحواله ﵊، وهذا أولى ما قيل فيه (٢).
(ورجبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان): قيل: حصرُه بين هذين الشهرين تأكيدٌ.
وقيل: الأشبهُ أنه تأسيسٌ، وذلك لأن العرب كانت تُنَسِّئ الأشهرَ، فتؤخِّرُ الشهرَ من موضعه إلى شهر آخرَ، فإنهم كانوا يقولون: رَجَبٌ شهرٌ حرام، وكانوا لا يحاربون في الأشهر الحرم، وكان أكثرُ معايشهم وأرزاقهم من الغارات، وكانوا يؤخِّرون الشهرَ الحرام إلى شهرٍ بعدَه؛ ليحاربوا في الشهر الحرام، ويغيروا مكانَ الشهر، فينتقل عن وقته الحقيقي، فقال لهم
стр. 2838
النبي ﷺ : إن شهرَ رَجَبٍ هو (١) الذي بين جُمادى وشعبان، لا رجبٌ الذي هو (٢) عندكم، وقد أنسأتموه وأخرتموه (٣).
* * *
١٧٤٧ - (٣١٩٨) - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى -فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا- إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئاً؟! أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
(ابن نُفَيل): بضم النون وفتح الفاء على التصغير.
(خاصَمَتْه أَرْوَى): هي بنتُ أَوس، وكانت حاضنةً لمروانَ بنِ الحكم، فقال سعيد: اللهمَّ إن كانتْ كاذبةً، فأَعْمِ بصرَها، واجعلْ قبرهَا في دارها، فتقبَّلَ اللهُ دعوته، فعميتْ، ومرت على (٤) بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت (٥) قبرَها (٦).
* * *
стр. 2839
باب: فِي النُّجُومِ
وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]: خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَشِيمًا﴾ [الكهف: ٤٥]: مُتَغَيِّراً. وَالأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ، الأَنَامُ: الْخَلْقُ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]: حَاجِبٌ.
(برزخ: حاجب): وفي نسخة: "حاجز" (١).
* * *
باب: صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]: قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لا يَغدُوَانِهَا. حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ حِسَابٍ مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ. ﴿ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] ضَوْءُهَا. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]: لا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ.
﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]: يتطالبان حثيثين: في "الانتصاف": يؤخذ من هذه الآية: أن النهار تابعٌ لليل (٢)؛ إذ جعلَ الشمسَ التي (٣) هي آيةُ النهار غيرَ مدركةٍ للقمر الذي هو آيةُ الليل، فبقي الإدراك الذي يمكن أن يقع، وهو
стр. 2840
يستدعي تقدمَ القمر، وتبعيةَ الشَّمس؛ فإنه لا يقال: أدركَ السابقُ اللاحقَ، لكن يقال: أدركَ (١) اللاحقُ السابقَ، فالليلُ إذن متبوعٌ، والنهارُ تابعٌ.
فإن قيل: فالآية مصرحة بأن الليلَ لا يسبق النهار؟
فجوابه: أنه مشترك الإلزام؛ إذ الأقسامُ المحتملة ثلاثةٌ: إما تبعيةُ النهارِ لليلِ كمذهب الفقهاء، أو عكسُه؛ وهو المنقولُ عن طائفة من النُّحاة، أو اجتماعُهما، فهذا القسم الثالث منفيٌّ بالاتفاق، فلم يبقَ إلا تبعيةُ النهارِ لليل، وعكسُه، والسؤالُ وارد عليهما، لاسيما من قال: إن النهارَ سابقُ الليل، يلزم من طريق البلاغة أن يقول: ولا الليل يدرك النهار؛ فإن المتأخر إذا نُفِي (٢) إدراكُه كان أبلغَ من نفي سَبْقِه، مع أنه ناءٍ عن قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠].
فأما ظاهراً: فالتحقيقُ أن المنفيَّ: السبقيةُ الموجبةُ لتراخي النهار عن الليل، وتخلُّل زمنٍ آخرَ بينهما، فيثبتُ التعاقبُ، وحينئذ يكون القولُ بسبق النهارِ الليلَ مخالفاً لصدر الآية؛ فإن بين عدم الإدراك -الدالِّ على التأخر والتبعية- وبين السبق بَوْناً بعيداً، ولو كان الليلُ تابعاً متأخِّراً؛ لكان حَرِيّاً أن يوصَف بعدم الإدراك، ولا يُبلغ به عدمُ السبق، فتقدمُ الليلِ على النهار مطابقٌ لصدر الآية صريحاً، ولعَجُزِها بتأويلٍ حسنٍ.
* * *
١٧٤٨ - (٣١٩٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
стр. 2841
الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ ". قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ، فَيُؤْذَنَ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].
(حتى تسجدَ تحت العرش، فتستأذنَ (١)): سجودُ الشمسِ أنكره قومٌ من أهل الغفلة اقتداءً بالملحدة؛ وسجودُها صحيحٌ ممكنٌ لا يُحيله العقلُ.
وقيل: هو عبارةٌ عن التذللِ والخضوع، واسئئذانُها إن كانت ممن يعقل، فعلى ظاهره، وإلا فَمِنَ الموكَّلين بها، أو يكون ذلك على لسان حالها.
قال ابن الجوزي: ربما أشكلَ هذا الحديث على بعض الناس من حيث أَنا نراها تغيب في الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغيب في (٢) عين حَمِئَة، فأين هي من العرش؟
والجواب: أن الأرضين السبعَ في ضرب المثال كقطبِ رحًى، والعرش لعظم ذاته بمثابة الرحى، فأينما سجدت الشمسُ، سجدت تحت (٣) العرش، وذلك مستقرُّها (٤).
(فلا يؤذَن لها): أي: في المسير إلى مطلعها.
стр. 2842
١٧٤٩ - (٣٢٠٠) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ الدَّانَاجُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(الداناجُ): -بدال مهملة فألف فنون فألف فجيم-: هو بالفارسية: العالمُ.
(الشمسُ والقمر مُكَوَّرانِ يوم القيامة): قيل: يذهبُ نورُهما، وقيل: يُلَفَّان كما يُلَفُّ الثوبُ.
ووقع في بعض نسخ "أطراف أبي مسعود الدِّمشقي" زيادة: "في النار"، وكذا رواية ابن أبي شيبة في "مصنفه"، والإسماعيلي في "مستخرجه".
وإنما روى أبو داود الطَّيالِسي في "مسنده" عن الرقاشي، عن أنس يرفعه: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ في النَّارِ" (١): -بالثاء المثلثة-، وإنما (٢) يجتمعان في جهنم؛ لأنهما عُبدا من دون الله، ولا تكون النار عذاباً لهما؛ لأنهما (٣) جماد؛ وإنما يُفعل ذلك بهما زيادة تبكيت الكفار وحسرتهم (٤).
* * *
١٧٥٠ - (٣٢٠١) - حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ،
стр. 2843
قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا".
(عبد الله بن عمرو (١) أنه كان يخبر): كذا وقع في بعض النسخ: "عَمْرو" -بفتح العين وإسكان الميم-، والصواب: عن عبد الله بن عمر؛ أي: ابن الخطاب؛ كما في جُلِّ النسخ، وكذا ذكره الدمشقي في "أطرافه" (٢).
* * *
باب: مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ﴾ [الفرقان: ٤٨]
﴿قَاصِفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]: تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. ﴿لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]: مَلَاقِحَ، مُلْقِحَةً.
(﴿لَوَاقِحَ﴾: ملاقح): يشير إلى أن الأصل: ملاقح، جمع مُلْقِحَة، ثم حُذفت منه (٣) الزوائد، هذا قول أبي عبيدة، وغيره.
وأنكره بعضهم (٤)، وقال: هو بعيد جدًا؛ لأن حذف الزوائد في مثل هذا بابُهُ (٥) الشعر، قال: ولكنه جمع لاقِحَة ولاقِح بلا خلاف على النسب؛
стр. 2844
أي: ذاتُ اللقاح.
وقال ابن السِّكِّيت: اللواقح: الحوامل (١).
* * *
١٧٥١ - (٣٢٠٦) - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءَ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ".
(وما (٢) أدري، لعلَّه كما قال قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾): قال ابن العربي: كيف يلتئم هذا مع قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]؟
وأجاب: بأن الآية قبل الحديث؛ لأن الآية كرامةٌ للنبي ﷺ ، ودرجتُه رفيعةٌ لا تُحَطُّ بعدَ أن رُفعت؛ فإن الله لم يُعذبْ أسلافَهم؛ لكونه ﵇ في أصلابهم، ولم يعذبهم؛ لحرمة وجوده فيهم، ولم يعذبهم وهم يستغفرون بعدَ ذهاب نبيهم ﵊.
واستشكل مغلطاي قوله: إن الآية قبلَ الحديث؛ إذ لا وجه له هنا، قال (٣): ولو قال: بعد الحديث، لكان حسنا.
стр. 2845
قال ابن العربي: وقالت الصوفية: كما أن كونَه ﵇ بينَ أَظْهُرهم مانعٌ من عذابهم، فالإيمانُ الذي في القلوب يمنع من تعذيب أبدانهم، والله أعلم (١).
* * *
باب: ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]: الْمَلَائِكَةُ.
(باب: ذكر الملائكة، و (٢) قال أنس: قال عبدُ الله بنُ سَلامٍ للنبي ﷺ : إن جبريل عدو اليهود من الملائكة): هذا التعليق رواه البخاري عن قريبٍ مسنَداً مطوَّلاً عن محمد بن سلام، عن مروان بن معاويةَ، عن حُميد، عنه.
١٧٥٢ - (٣٢٠٧) - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَهِشَامٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ -وَذَكَرَ: بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ-، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُلِيءَ حِكْمَةً وَإِيمَاناً، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِيءَ حِكْمَةً وَإِيمَاناً،
(البراقُ): بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، وبالجر على البدل.
(هذا الغلام): الإشارة للتعظيم، والعرب تسمي الرجل المُجْتَمِعَ السنِّ: غلاماً.
قيل: وإنما بكى موسى ﵇ لأن أمته حين قصر عددُهم عن (١) عددِ أمةِ محمد ﵇، أشفق عليهم، وتمنى لهم الخير.
(فأتينا السماءَ السابعةَ): كذا وقع هنا، ولكن في أول كتاب الصلاة: أنه في السادسة (٢)، وكذا اختُلف في موسى، وإذا حُمل الإسراءُ على التعدد، فلا اختلافَ.
(فنودي: إني أمضيتُ فريضتي، وخففتُ عن عبادي): تقدم في كتاب الصلاة: أن ابن المنير ﵀ قال: إن هذا يلزم عليه النسخ قبل البلاع، وأنه يرد على أهل السنة والمعتزلة، وصرح في "الصبح الصادع": بأن ذلك من مبتكراته.
قلت: وهو عجيب؛ فإن السهيليَّ نقل في "الروض الأُنف" عن أبي جعفر النحاس: أنه أنكر كونَ حطِّ الخمسِ والأربعين صلاةً نسخاً لوجهين:
أحدهما: أن العبادة لا يجوز نسخُها قبلَ العمل [بها؛ لأن ذلك من البداء، وهو محال على الله تعالى.
الثاني: أن العبادة، وإن جاز نسخها قبلَ العمل بها] (٣) عندَ من يراه، فليس يجوزُ عندَ أحد نسخُها قبل وصولها إلى المخاطَبين.
стр. 2849
قال أبو جعفر: وإنما هي شفاعة شفعها رسول الله ﷺ لأمته (١) عند ربه؛ ومثلُه لا يسمى نسخاً.
وردَّ السهيلي قولَه بلزوم البداء في النسخ بما هو مقرر في كتب الأصول.
ثم قال السهيلي: وقولُنا في الخمس والأربعين صلاةً الموضوعةِ عن محمدٍ وأمته أحدُ وجهين:
إما أن يكون نُسخ ما وجب على النبي ﷺ من أدائها، ورُفع عنه استمرارُ العزم واعتقادُ الوجوب، وهذا قد قدمنا أنه نسخ على الحقيقة على النبي ﷺ ، ونُسخ عنه ما وجب (٢) عليه من التبليغ؛ فقد كان في كل مرة عازماً على تبليغ ما أُمر به، وقولُ أبي جعفر: إنما كان شافعاً ومراجِعاً لا ينفي النسخَ؛ فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته ﵊ لأمته كانت سبباً للنسخ، لا مبطلةً له، ولكن المنسوخ ما ذكرناه من حكم التبليغِ الواجبِ عليه قبل النسخ، وحكم الصلوات الخمس في خاصته، وأما أمته، فلم يُنسخ عنهم (٣) حكم؛ إذ لا يُتصور نسخُ الحكم قبل وصوله إلى المأمور، وهذا كله أحدُ الوجهين المذكورين في الحديث.
قلت: لم يَرفع الإشكالَ أصلاً، فإن فرض الصلاة لم يكن خاصاً بالنبي ﷺ ، بل كان شاملاً له ولأمته، ولذلك قال موسى ﵇: "إنَّ أمتك لا تُطيق ذلك"، فهو صريح في أن الأمة مفروضةٌ عليهم الخمسون.
وما أحسنَ قولَه: "إن أمتك لا يطيقون ذلك"، ولم يقل: إنك وأمتك
стр. 2850
لا تطيقون؛ لأن العجزَ عن ذلك (١) مقصورٌ على الأمة، لا يتعداهم إلى النبي ﷺ ، فهو لما رزقه الله من الكمال يطيقُ ذلك، [و] أكثرَ من ذلك، وكيف لا وقد جُعلت قرةُ عينه في الصلاة؟!
وأيضاً: فالسهيلي (٢) قد اعترف بأن الأمة فُرضت عليهم الخمسون صلاة حيث قال: نُسخ عنه ﵇ حكمُ التبليغِ الواجبِ عليه، وإلا، فلو لم يكن ثَمَّ فرض لذلك عليهم، لم يكن ثَمَّ نسخٌ لوجوب تبليغ ذلك إليهم، والإشكال (٣) إنما ورد باعتبار الأمة خاصة، ولم يجب عنه بشيء.
ثم قال: والوجه الثاني: أن يكون هذا خبراً لا تعبداً، وإذا كان خبراً، لم يدخله النسخ، ومعنى الخبر: أنه ﵇ أخبره ربُّه أن على (٤) أمته خمسين صلاة، ومعناه: أنها خمسون في اللوح المحفوظ، ولذلك قال في آخر (٥) الحديث: "هي خمسٌ، وهي خمسون، والحسنةُ بعشرِ أمثالها"، فتأوله رسول الله ﷺ على أنها خمسون بالفعل، فلم يزلْ يراجعُ ربه حتى بين (٦) له أنها في الثواب، لا بالعمل (٧). فتأمله.
وبالجملة: فالمسألة بحالها، ولم يصنع في رفع الإشكال شيئاً، وبالله التوفيق.
стр. 2851
١٧٥٣ - (٣٢٠٨) - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكاً، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَاّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَاّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
(إن أحدكم يُجمع خَلْقُه في بطن أمه أربعين يوماً): قال الخطابي: جاء في (١) تفسيره عن ابن مسعود: أن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن يخلق منها بشراً، طارت في بَشَرِ (٢) المرأة تحت كل (٣) ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل (٤) دماً في الرحم، فذلك (٥) جمعها (٦).
وفيه دليل على (٧) أن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاءُ،
سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ". يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
(فصلى أمامَ رسول الله ﷺ ): قال ابن مالك: لا إشكال في فتح همزة "أَمام"، بل في كسرها؛ لأن إضافة أمام محضة، فهو معرفة؛ والموضعُ موضع حال، فوجب جعلُه نكرة بالتأويل كغيره من المعارف الواقعة أحوالاً؛ كـ "أرسلَها العراكَ" (١).
* * *
١٧٥٨ - (٣٢٢٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَهَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَالَ لِي جِبْرِيلُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَوْ: لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَىَ وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ".
(دخل الجنةَ): وهذا أمرٌ مقطوعٌ به.
(أو لم يدخل النار): ظاهرُه متروك؛ لثبوت (٢) أن طائفةً من عُصاة هذه الأمة لا بدَّ من دخولهم النارَ، لكنهم لا يُخلدون فيها، فيحتاج إلى تأويل قوله:
стр. 2855
"لم يدخل النار" على أن المرادَ: لم يدخلها دخولَ تخليدٍ فيها؛ جمعاً بين الأحاديث (١).
* * *
باب: إِذَا قَالَ أَحدُكُمْ آمِيْنَ وَالمَلَائِكَةُ في السَّمَاءِ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
١٧٥٩ - (٣٢٢٥) - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كلْبٌ، وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ".
(لَاّ تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ، ولا صورةُ تماثيلَ): قال النووي: هؤلاء هم الملائكة الذين يطوفون بالرحمة والتبرك والاستغفار؛ بخلاف الحَفَظَة.
قال الخطابي: والمراد: ما يحرُم اقتناؤه من الكلاب والصُّور، وأما ما لا يحرم؛ مثل: كلب الصيد والزرع والماشية، [والصورة التي تُمتهَن في البساط والوسادة وغيرها، فلا يمنع دخول الملائكة بسببه] (٢).
قيل: والأظهرُ أنه عامٌّ في كل كلب، وفي كل (٣) صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع؛ لإطلاق الأحاديث، فإن الجروَ الذي لم يعلم (٤) به رسولُ الله ﷺ
стр. 2856
تحت السرير في الحديث المذكور في "مسلم" كان العذر [فيه ظاهراً، ومع هذا فقد امتنعَ جبريلُ ﵇ من دخول البيت، وعلَّلَ بالجرو، فلو كان العذر] (١) في وجود الصورة (٢) والكلب لا يمنعهم، لم يمتنع جبريلُ.
ثم قيل: سبب امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه الصورة؛ لكونها معصيةً فاحشة، وكونها مضاهاةً لخلق الله، وفيها ما يُعبد من دون الله ، وامتناعهم من الدخول إلى البيت فيه كلب؛ لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها شيطان، والملائكةُ ضدٌّ لهم، ولقبح رائحة الكلب، والملائكةُ تكره الرائحة الكريهة، ولأنها منهيٌّ عن اتخاذها، فعوقب متخذُها بحرمانه (٣) دخولَ الملائكة بيتَه، واستغفارَها له، وتبريكَها عليه (٤).
هكذا قيل، ولا يخلو بعضه من نظر.
* * *
١٧٦٠ - (٣٢٢٦) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو: أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ: أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ ﵁ حَدَّثَهُ: وَمَعَ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عُبَيْدُ اللهِ الْخَوْلَانِيُّ، الَّذِي كَانَ فِي حَجْرِ مَيْمُونَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : حَدَّثَهُمَا زَيْدُ ابْنُ خَالِدٍ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً
يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً".
(إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليل): قال مغلطاي: فيه نظر من حيث إن المذكور في السِّير عبد ياليل، لا ابن عبد ياليل.
(ابن عبد كُلال): بضم الكاف.
(بقرن الثعالب): هو قرنُ المنازل ميقاتُ أهلِ نجدٍ على (١) مرحلتين من مكة.
(أن أَطْبق عليهم الأخشبين): أُطبق -بضم الهمزة وسكون الطاء-؛ من الإطباق، والأَخْشبان: -بفتح الهمزة وبخاء وشين معجمتين-: جبلا مكة: أبو قُبَيْس، والجبلُ (٢) الذي يقابله (٣).
* * *
١٧٦٢ - (٣٢٣٣) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] قَالَ: رَأَى رَفْرَفاً أَخْضَرَ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ.
(رأى رفرفاً خَضِراً (٤)): يقال: هي ثيابٌ خضر، واحدها رَفْرَفَةٌ.
قال السفاقسي: وجاء في بعض الروايات: "أنه رأى جبريلَ في حلتي
(ومجامرهم): أي: عودُ مجامرِهم، قاله الزمخشري (١).
وقال القاضي: مجامرُهم؛ أي: بخورُهم، وقد يكون جمعُ مِجْمَر؛ أي: الآلة التي يُتبخر بها، فسمي بها (٢) البخور (٣)، ويؤيد الأولَ الروايةُ الآتية: "وَقودُ مجامرِهم" (٤)؛ كانه أرادَ: الجمرَ الذي يُطرح عليه.
وقال الإسماعيلي في "المستخرج": وفيه نظر، هل في الجنة نار (٥)؟
قلت: يمكن أن يكون في الجنة نار لا تسلُّطَ لها إلا على إحراق ما يُتبخر به خاصَّةً، ولم يخلق الله فيها قوةً يتأذى بها من يمسُّها أصلاً، والقدرةُ صالحة لذلك، فهي إذن نافعةٌ لا ضارةٌ، ولا بُعْدَ في وجود مثلِ هذه النار في الجنة، ولا تُدفع الرواياتُ الثابتةُ بمثل هذا التشكيك.
(الأَلُوَّة): أجودُ العودِ الهنديِّ.
قال السفاقسي: فارسيٌّ معرب، وهو بفتح الهمزة وضمها، وقيل: وكسرها، ويخفف، ويشدد (٦).
* * *
١٧٦٨ - (٣٢٤٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ،
стр. 2864
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءَ لَحْمِهَا مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيّاً، لَا يَسْقَمُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْصُقُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأُلُوَّةُ -قَالَ أَبُو الْيَمَانِ: يَعْنِي: الْعُودَ-، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ".
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الإِبْكَارُ: أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ: مَيْلُ الشَّمْسِ أَنْ -تُرَاهُ- تَغْرُبَ.
(كأشدِّ كوكبٍ إضاءةً): قال الداودي: يعني: الزُّهْرَةَ (١).
(لكل امرئ منهم زوجتان). كذا هو في الروايات بالتاء، وهي لغة متكررة (٢) في الأحاديثِ وكلامِ العرب، والأشهرُ حذفُها، وقد كان الأصمعي يُنكر دخولَ التاء، فذُكر له قولُ ذي الرُّمة:
أَذُو زَوْجَةٍ بِالمِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ ... أَرَاكَ لَهَا بِالبَصْرَةِ العَامَ ثاوِيَا
فقال: إن ذا الرمة طالما أكلَ في دكاكين البقالين، فقيل له: فقد قال الفرزدق:
من وسوسةِ الشيطان والاستعانةِ عليه بالإعراض عنه، وبذكر الله تعالى.
قال الخطابي: ولو أذن النبيُّ ﷺ في محاجَّته؛ لكان الجواب سهلاً على كل (١) موحِّد، ولكان الجوابُ مأخوذاً من فحوى كلامه، فإن أولَ كلامه يناقضُ آخره؛ لأن جميع المخلوقات من مَلَكٍ وإنسٍ وجنٍّ وحيوانٍ وجمادٍ داخلٌ تحتَ اسم الخلق، فلم تبقَ مطالبة، ولو فتح الباب الذي ذكره، للزم منه أن يقال: ومن خلقَ ذلك الشيءَ؟ ويمتدُّ القولُ في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقولُ بما لا يتناهى فاسدٌ، فسقط (٢) السؤالُ من أصله (٣).
* * *
١٧٧٨ - (٣٢٨٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، -أَوْ: كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ-، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَحُلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بابَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرْ إِناَءَكَ، وَاذْكُرِ اسمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئاً".
(إذا استَجْنَحَ الليل): أي: أقبلَ ظلامُه.
стр. 2872
(أو كان جنحُ الليل): كذا عند النسفي، وأبي الهيثم، والحموي، ولسائرهم: "أو قال (١) "، وجُنْح الليل -بكسر الجيم وضمها-: طائفة منه (٢).
(فإذا ذهب ساعةٌ من العشاء، فخَلُّوهم (٣)(٤)): أي: إذا ذهب بعض الظلمة لامتدادها.
(وأَوْكِ): أمرٌ من الإيكاء: وهو الشذُّ بخيطٍ أو غيره، والتخميرُ (٥): التغطيةُ.
(ولو تعرُض): -بضم الراء وكسرها، والكسرُ أكثر- يعني (٦): إذا لم تُطْبِقْه (٧) بما يُغطِّيه، فلا أقلَّ من أن تعرِضَ عليه شيئاً.
* * *
١٧٧٩ - (٣٢٨٧) - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الشَّأْمَ، قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ؟
стр. 2873
(أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان؟: هو عمار بن ياسر، كما بينه في الرواية التي بعدها.
* * *
١٧٨٠ - (٣٢٨٨) - قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ -وَالْعَنَانُ: الْغَمَامُ- بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ، فَتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذِبَةٍ".
(فيَقُرُّها في أُذُن الكاهن): بفتح الياء التحتية وضم القاف.
قال في "المحكم": قَرَّ الكلامَ في أُذنه يَقُرُّهُ قَرّاً: إذا أفرغَه (١)، وقيل: إذا سارَّه (٢).
قال الهروي: القَرُّ: ترديدُك الكلامَ في أذن المخاطَب حتى يفهمَه (٣).
كما تُقَر (٤)): بضم التاء (٥) وفتح القاف.
(القارورةُ): يريد: كما تُطبق القارورةُ برأس الوعاء الذي يُفْرغَ [منه] فيها.
стр. 2874
وقيل: معناه: يلقيها في أذن الكاهن كما يستقرُّ الشيءُ في قراره (١).
* * *
١٧٨١ - (٣٢٨٩) - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ".
(التثاؤبُ من الشيطان): معنى هذا الكلام: تحذير السبب الذي يتولَّد منه الثُّؤَباءُ، وإنما أُضيف إلى الشيطان؛ لأنه هو الذي يدعو الإنسانَ إلى إعطاء النفس شهوتَها من الطعام، ويزيِّنُ له ذلك (٢).
(فإذا قال: ها): يعني: إذا بالغَ في التثاؤب.
(ضحك الشيطان): فرحاً بذلك.
* * *
١٧٨٢ - (٣٢٩٠) - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أَبِي أَبِي، فَوَاللهِ! مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ،