من وسوسةِ الشيطان والاستعانةِ عليه بالإعراض عنه، وبذكر الله تعالى.
قال الخطابي: ولو أذن النبيُّ ﷺ في محاجَّته؛ لكان الجواب سهلاً على كل (١) موحِّد، ولكان الجوابُ مأخوذاً من فحوى كلامه، فإن أولَ كلامه يناقضُ آخره؛ لأن جميع المخلوقات من مَلَكٍ وإنسٍ وجنٍّ وحيوانٍ وجمادٍ داخلٌ تحتَ اسم الخلق، فلم تبقَ مطالبة، ولو فتح الباب الذي ذكره، للزم منه أن يقال: ومن خلقَ ذلك الشيءَ؟ ويمتدُّ القولُ في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقولُ بما لا يتناهى فاسدٌ، فسقط (٢) السؤالُ من أصله (٣).
* * *
١٧٧٨ - (٣٢٨٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، -أَوْ: كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ-، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَحُلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بابَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرْ إِناَءَكَ، وَاذْكُرِ اسمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئاً".
(إذا استَجْنَحَ الليل): أي: أقبلَ ظلامُه.
стр. 2872
(أو كان جنحُ الليل): كذا عند النسفي، وأبي الهيثم، والحموي، ولسائرهم: "أو قال (١) "، وجُنْح الليل -بكسر الجيم وضمها-: طائفة منه (٢).
(فإذا ذهب ساعةٌ من العشاء، فخَلُّوهم (٣)(٤)): أي: إذا ذهب بعض الظلمة لامتدادها.
(وأَوْكِ): أمرٌ من الإيكاء: وهو الشذُّ بخيطٍ أو غيره، والتخميرُ (٥): التغطيةُ.
(ولو تعرُض): -بضم الراء وكسرها، والكسرُ أكثر- يعني (٦): إذا لم تُطْبِقْه (٧) بما يُغطِّيه، فلا أقلَّ من أن تعرِضَ عليه شيئاً.
* * *
١٧٧٩ - (٣٢٨٧) - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الشَّأْمَ، قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ؟
стр. 2873
(أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان؟: هو عمار بن ياسر، كما بينه في الرواية التي بعدها.
* * *
١٧٨٠ - (٣٢٨٨) - قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ -وَالْعَنَانُ: الْغَمَامُ- بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ، فَتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذِبَةٍ".
(فيَقُرُّها في أُذُن الكاهن): بفتح الياء التحتية وضم القاف.
قال في "المحكم": قَرَّ الكلامَ في أُذنه يَقُرُّهُ قَرّاً: إذا أفرغَه (١)، وقيل: إذا سارَّه (٢).
قال الهروي: القَرُّ: ترديدُك الكلامَ في أذن المخاطَب حتى يفهمَه (٣).
كما تُقَر (٤)): بضم التاء (٥) وفتح القاف.
(القارورةُ): يريد: كما تُطبق القارورةُ برأس الوعاء الذي يُفْرغَ [منه] فيها.
стр. 2874
وقيل: معناه: يلقيها في أذن الكاهن كما يستقرُّ الشيءُ في قراره (١).
* * *
١٧٨١ - (٣٢٨٩) - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ".
(التثاؤبُ من الشيطان): معنى هذا الكلام: تحذير السبب الذي يتولَّد منه الثُّؤَباءُ، وإنما أُضيف إلى الشيطان؛ لأنه هو الذي يدعو الإنسانَ إلى إعطاء النفس شهوتَها من الطعام، ويزيِّنُ له ذلك (٢).
(فإذا قال: ها): يعني: إذا بالغَ في التثاؤب.
(ضحك الشيطان): فرحاً بذلك.
* * *
١٧٨٢ - (٣٢٩٠) - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أَبِي أَبِي، فَوَاللهِ! مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ،
سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "عَجبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَاّتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ، ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ". قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟! قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجّاً إِلَاّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ".
(أنت أَفَظُّ وأغلظُ من رسول الله ﷺ ): قال الزركشي: أَفْعَلُ التفضيلِ قد يجيء لا للمشاركة في أصل الفعل؛ كقولهم: العسلُ أحلى من الخل (١).
قلت: كلامٌ إقناعيٌّ لا تحريرَ فيه، وتحريرُ هذا (٢) الموضع: أن لـ "أفعل" أربعَ حالات:
إحداها -وهي الحالة الأصلية-: أن (٣) يدل على ثلاثة أمور:
أحدُها: اتصافُ مَنْ هو له بالحدث (٤) الذي اشتُق منه، وبهذا المعنى كان وصفاً.
стр. 2878
والثاني: مشاركةُ مصحوبِهِ له في تلك الصفة.
والثالث: تمييز موصوفِه على مصحوِبه فيها (١)، وبكلٍّ من هذين المعنيين فارقَ غيرَه من الصفات.
- الحالة الثانية: أن يُخلع عنه ما امتاز به من الصفات، ويتجرد للمعنى الوصفي.
- الحالة الثالثة: أن تبقى عليه معانيه الثلاثة، ولكن يُخلع منه قيد المعنى الثاني، ويخلفه قيدٌ آخَرُ، وذلك أن المعنى الثاني، وهو الاشتراك، كان مقيداً بتلك الصفة التي هي (٢) المعنى الأول، فيصير مقيداً بالزيادة التي هي المعنى الثالث، ألا ترى أن المعنى في قولهم: العسلُ [أحلى من الخل: أن للعسل حلاوةً، وأن تلك الحلاوةَ ذاتُ زيادة، وأن زيادةَ حلاوة العسل] (٣) أكثرُ من زيادةِ حموضة الخلّ؟ قاله ابن هشام في "حاشية التسهيل"، وهو بديع جداً.
- الحالة الرابعة: أن يُخلع منه المعنى الثاني، وهو المشاركة، وقيدُ المعنى الثالث، وهو كونُ الزيادة على مصاحِبِه (٤)، فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث، وعلى زيادةٍ مطلقةٍ لا مقيدة، وذلك في نحو قولك: يوسفُ أحسنُ إخوته، [هكذا ينبغي أن يفهم هذا المحل، فتدبره] (٥).
стр. 2879
(ما لَقِيَكَ الشيطانُ سالكاً فَجّاً إلا سلكَ فَجّاً غيرَ فَجِّكَ): قال القاضي عياض: يحتمل أنه ضربَ مثلاً لبعدِ الشيطان وأعوانهِ من عمر، وأنه (١) لا سبيل له عليه (٢)؛ أي: إنك إذا سلكتَ (٣) في أمر بمعروف (٤)، أو نهيٍ عن منكر، تنفذ فيه، ولا تتركه، فييئس الشيطان من أن يوسوس فيه، فيتركه (٥)، ويسلك غيرَه.
وليس المرادُ به الطريقَ على الحقيقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فلا يخافه إذا لقيه في فَجٍّ؛ لأنه لا يراه (٦).
* * *
١٧٨٧ - (٣٢٩٥) - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ- أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثاً؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ".
(على خيشومه): أي: على أنفه.
(والأبتر): هو ما لا ذَنَبَ له، وقيل: حية قصيرةُ الذنب، والبُتْر: شِرارُ الحَيَّات.
(يطمسان البصر): أي: يخترمانه ويذهبان به.
(ويسقطان (١) الحبل): قيل: أراد الجنين، ويؤيده الرواية الآتية: "ويسقطُ الوَلَدَ" (٢)؛ أي: إذا نظرتها أمه.
قال الداودي: وإنما أمر بقتلها؛ لأن الجنيَّ لا يتمثل (٣) بها، وإنما نهى عن ذوات البيوت؛ لأن الجنيَّ يتمثل بها.
(وأمر أن يُؤْذن ثلاثاً): [قال الداودي: يعني: ثلاثة أيام، وهو بعيد] (٤)(٥).
* * *
باب: خَيْرِ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجبَالِ
١٧٨٩ - (٣٣٠١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإبِلِ،
стр. 2882
وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ".
(رأس الكفر نحوَ المشرق): بنصب نحوَ؛ لأنه ظرف، وهو مستقر في محل رفع على أنه خبر المبتدأ؛ أي: رأسُ الكفر في جهة المشرق.
(والفدَّادين): من بلغَتْ إبلُه مئتين فصاعداً إلى الألف، وهم جُفاةٌ أهلُ خيلاءَ وإعجابٍ بأنفسهم من معالجتهم الإبلَ.
وقال الخطابي: إن رويته بتشديد الدال، فهو جمع فَدَّاد، [وهو الشديد الصوت، من فَدَّ يَفِدُّ: إذا رفع صوتَه] (١)، وإن رويته بتخفيفها، فهو جمع الفَدَّان: وهو آلةُ الحرث، وإنما ذم (٢) ذلك؛ لأنه يَشْغَلُ عن أمر الدين، ويُلهي عن أمر الآخرة، فيكون معها قساوةُ القلب (٣).
* * *
١٧٩٠ - (٣٣٠٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْناَبِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْناَ الشَّيْطَانِ، فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
(الإيمانُ يَمانٍ): أي: منسوبٌ إلى أهل اليمن، فقيل: هو على ظاهره.
стр. 2883
وقيل: كان ﵇ حين قال هذا القول بأرض تبوك، وكانت المدينة ومكة والحجاز من جهة اليمن، فقال ذلك في المدينة وما والاها (١) إلى أرض اليمن، وقيل: أراد: المدينةَ ومكةَ.
وقال أبو عبيد: إنما بدأ الإيمان من مكة؛ لأنها مولد النبي ﷺ ومبعثُه، ثم هاجر إلى المدينة، ويقال: إن مكة من أرض تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولهذا تسمى مكةُ وما وليها من أرض اليمن: التهائمَ، فمكةُ على هذا يمانيةٌ.
وقيل: أراد الأنصار؛ لأنهم يمانون، وقد نصروا المؤمنين وآووهم، فنسب الإيمان إليهم (٢).
وأغربُ من هذا قولُ الحكيم الترمذي: إنه إشارة إلى أُويس القرني.
قال ابن الصلاح: ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيلَه طرقَ هذا (٣) الحديث كما جمعها مسلمٌ وغيرُه وتأملوها، لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولَمَا (٤) تركوا الظاهر، ولقضوا بأن المراد: اليمنُ وأهلُه على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك؛ إذ من ألفاظه: "أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ"، والأنصارُ من جملة المخاطَبين بذلك، فهم إذن غيرُهم (٥).
وكذا: "جَاءَ أَهْلُ اليَمَنِ"، وإنما جاء حينئذ غيرُ الأنصار، ثم إنه وَصَفَهم
стр. 2884
بما يقضي بكمال أَيمانهم، ورتَّب عليه: "الإيمان يمان"، فكان (١) ذلك إشارةً إلى إيمانِ مَن أتاه من أهل اليمن، لا إلى أهل مكة والمدينة، ولا مانعَ من إجراء الكلام على ظاهره، وحملُه على أهل اليمن حقيقةٌ؛ لأن من اتصف بشيء، وقوي إيمانه به، وتأكد اضطلاعه به، نُسب ذلك الشيءُ إليه إشعاراً بتميزه، فكذا حالُ أهل اليمن حينئذ، وحالُ الوافدين منهم في حياته وفي أعقابه؛ كأويس القرني، وأبي مسلم الخولاني، وشبههما ممن سَلِمَ قلبهُ، وقوي إيمانهُ، فكانت نسبةُ الإيمان إليهم بذلك إشعاراً بكمال إيمانهم، من غير أن يكون في ذلك نفيٌ له عن غيرهم، فلا منافاةَ بينه وبين قوله: "الإيمانُ في أَهْلِ الحِجَازِ"، ثم المراد بذلك: الموجودون منهم حينئذ، لا كلُّ أهل اليمن في كل زمان؛ فإن اللفظ لا يقتضيه. وهذا هو الحق في ذلك (٢).
(عند أُصولِ أذناب الإبل): يعني: أنهم يبعدون عن الأمصار، فيجهلون معالمَ دينِهم.
(في ربيعةَ ومضرَ): يعني: مَنْ بالعراقِ منهما (٣).
* * *
١٧٩١ - (٣٣٠٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإِذَا
(وموسى بن حِزام): -بحاء مهملة مكسورة وزاي- حدَّث عنه البخاريُّ هنا مقروناً بغيره.
(خلقت المرأة (١)): يعني: حواء.
(من ضِلَع): -بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وتسكن أيضاً-، قيل: إنما خُلقت من ضلع آدم القُصَيْرى (٢)، وقيل: من ضلعه اليسرى، وجُعل مكانها لحمٌ.
(وإن أعوجَ شيء في الضلع أعلاه): الضلع مؤنث، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: أعلاها، لكنه أعاد الضمير مذكراً على تأويله بالعضو، وكذا في قوله: "إنْ ذهبتَ تُقيمه، كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوجَ".
وقال الزركشي: تأنيثه غيرُ حقيقي، فلذلك جاز التذكيرُ في هذه الضمائر العائدة عليه (٣).
قلت: هو غلط؛ لأن معاملة المؤنث غير الحقيقي معاملة المذكر، إنما هو بالنسبة إلى ظاهره إذا أسند إليه؛ مثل: طلع الشمسُ، وأما مضمره، فحكمه حكمُ المؤنث الحقيقي في وجوب التأنيث، تقول: الشمس طلعت، وهي طالعة، ولا تقول: طالع، وهو طالع، نعم قد يؤول في بعض المواضع بالمذكَّر، فينزل منزلته (٤)؛ مثل:
стр. 2897
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا (١)
فأوَّلَ الأرضَ بالمكان، فذَكَّر، وكذا ما نحن فيه.
* * *
١٨٠٩ - (٣٣٣٢) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَاّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَاّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ".
(حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم): قال أبو البقاء: لا يجوز في إن هنا إلا الفتح؛ لأن قبلَه حدثنا (٢).
قلت: بل يجوز الكسر أيضاً على معنى: حدثنا رسول الله ﷺ ، فقال: "إنَّ أَحَدَكم"، وهو مضبوط بالكسر في بعض النسخ، ووجهه ما قلناه، ولكن فيه توجيه آخر كوفي، وهو أن يجعل "أن" وما بعدها محكياً بحدثنا، على
стр. 2898
ما عُرف من مذهبهم في جواز الحكاية بما فيه معنى القول لا (١) حروفُه.
(فكَتَبَ (٢)): بالبناء للفاعل وبالبناء للمفعول، وعلمهما -نصبُ ما بعده، ورفعُه- من قوله: "عمله وأجله"، وما مع ذلك.
* * *
١٨١٠ - (٣٣٣٣) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَكَّلَ فِي الرَّحِمِ مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ! عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ! مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهَا، قَالَ: يَا رَبِّ! أَذَكَرٌ، أَمْ يَا رَبِّ! أُنْثَى؟ يَا رَبِّ! شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".
(يارب! نطفة): -بالنصب- على إضمار فعل؛ أي: حوت الرحم نطفة، وبالرفع على إضمار مبتدأ؛ أي: هي نطفة، وكذا علقة ومضغة.
* * *
باب: الأَرْوَاحِ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ
١٨١١ - (٣٣٣٦) - قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الأَرْوَاحُ
تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ".
(في دَعوة): قال القاضي: بالفتح: هي الطعام المدعُوُّ إليه، وفي النسب: الدِّعوة -بالكسر-، هذا عند أكثر العرب (١) إلا عديَّ الرَّباب؛ فإنهم يعكسون، فيفتحون في النسب، ويكسرون في الطعام (٢).
(فرُفع إليه الذراع): ببناء "رُفع" للمفعول، ثم حكى الزركشي أنه قيل: صوابه: رُفِعَتْ؛ لأن الذراع مؤنثة (٣).
قلت: وهو خَبْطٌ (٤)؛ لأن هذا إسنادٌ إلى ظاهر غير الحقيقي، فيجوز لك التانيثُ وعدمُه، بل أقول: لو كان التأنيث هنا حقيقياً، لم يجب اقترانُ الفعل بعلامة التأنيث؛ لوجود الفاصل؛ كقولك: قامَ في الدار هندٌ.
стр. 2901
(فنَهَسَ منها): -بسين مهملة-، وهو أخذُ اللحم من العظم بمقدَّم الفم.
وفي رواية أبي ذر بالشين المعجمة، فقيل: هما بمعنى، وقيل: هو بالمعجمة: الأخذ بالأضراس، وبالمهملة: بأطراف الأسنان (١)(٢).
(فيقولون: يا نوح! أنت أولُ الرسل): قال الداودي: هذا هو الصحيح.
وروي: أن آدم نبي مرسل، وروي في ذلك حديث مرفوع (٣)، وقيل: هو نبي وليس برسول، وقيل: رسول وليس بنبي (٤)، وردّ بأن من لازمِ الرسالةِ النبوةَ، فلا يكون الرسولُ إلا نبياً (٥).
(فيقول: ربِّ!): قال الزركشي: كذا وقع، وصوابه: "ربي" (٦).
قلت: وكذا هو فيما رأيتُه من النسخ.
(فأسجدُ تحت العرش): جاء في "مسند أحمد": "قَدْرَ جُمْعةٍ" (٧).
* * *
مَحْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ: "مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُ؟ أَيَأْمَنُنِي اللهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي؟ ". فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ -أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ-، فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا -أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا -قَوْمٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّهِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَناَ أَدْرَكْتُهُمْ، لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ".
(بعث عليٌّ): أي: من اليمن، كما رواه النسائي (١).
(بذُهَيْبة): أَنَّثَها على معنى: القطعة من الذهب.
(صناديدَ أهل نجد): أي: رؤساءهم، الواحدُ صِنْديد.
(غائر العينين): أي: داخِلُهما، يقال: غارت عيناه: إذا دخلتا، وهو ضد الجاحظ.
(مشرف الوجنتين): أي: ليس بسهلِ الخَدِّ، وقد أشرفت وجنتاه؛ أي: عَلَتا.
(ناتئ الجبين): أي: مرتفع على ما حوله.
(كَثُّ اللحية): -بالثاء المثلثة-؛ أي: كثيرُ شعرِ اللحية غيرَ مُسْبَلَةٍ.
(محلوق): أي: محلوقُ الرأس (٢)، يشير إلى مخالفته ما كانوا عليه من تربية شعر الرأس وفَرْقه.
(إن من ضِئْضِئ هذا): أي: من نَسْلِه وعَقِبه.
стр. 2906
(لا يجاوز حناجرَهم): أي: لا يرفع في الأعمال الصالحة.
(يمرقون): المُروق: النُّفوذ حتى يخرجَ من الطرف الآخر.
(من الدين): أي: الطاعة، يريد: أنهم يخرجون من طاعة الأئمة كخووج السهم من الرمية، وهذا نعتُ الخوارج الذين لا يدينون (١) للأئمة، ويخرجون على الناس (٢).
* * *
باب: قِصَّةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ
١٨١٦ - (٣٣٤٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ ﵅: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَاْجُوجَ مِثلُ هَذِهِ"، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ بْنَةُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ".
(وحلق بإصبعيه (٣) الإبهامِ والتي تليها): وفي رواية أبي هريرة: "وعقدَ بيدِه تِسْعين" (٤).
стр. 2907
قال السفاقسي: وليس عقدُ التسعين (١) في الحساب مثلَ التحليق، وردَّ بأن عقدَ التسعين في اصطلاح الحساب: أن يجعل رأس الإصبع السبابة في أصل الإبهام، ويضمها حتى لا يبقى بينهما إلا خلل يسير (٢).
* * *
١٨١٧ - (٣٣٤٨) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ". ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَاّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".
(فيقول: أخرجْ بعثَ النار): المخاطب بهذا الكلام آدمُ ﵇، وإنما خُصَّ بذلك؛ لأن الله تعالى قد جمع له جميعَ (٣) نَسَمِ بنيه المولودين
стр. 2908
منه إلى يوم القيامة، ودليلُ ذلك: أن نبينا -صلوات الله عليه وسلامه عليه- رأى آدم ليلة الإسراء في السماء الدنيا، وعن يمينه أَسْوِدَة، وعن يساره أسودة.
(فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة): روى الترمذي عن بريدة مرفوعاً، وحَسَّنه: "أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ ضِعْفٍ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْهَا مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ" (١)، ولا تعارضَ بين الحديثين، وإذا (٢) تأملت، فإن هذا ليس فيه الجزم بأنهم نصفُ أهل الجنة فقط، وإنما هو رجاءٌ رجاهُ لأمته، ثم أعلمَه الله تعالى بعدَ ذلك أن أمته ثُلثُا أهلِ الجنة (٣).
(ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض): هذا في المحشر، وأما في الجنة، فهم نصف الناس هناك، أو ثلثاهم على ما سبق.
* * *
باب: قوله الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]
١٨١٨ - (٣٣٤٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ ابْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً -ثُمَّ قَرَأَ-: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُناَساً مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى
стр. 2909
أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] ".
(غُرْلاً): -بضم الغين المعجمة وإسكان الراء-؛ أي: غيرَ مختونين، جمعُ أَغْرَلَ (١)، والغُرْلَةُ: هو ما يقطعُه الخاتِن، وهي القُلْفَةُ (٢).
(أصحابي): ويروى: "أُصَيْحابي" -بالتصغير-؛ للتنبيه (٣) على قلة عددهم (٤).
(مرتدِّين على أعقابهم): قيل: في قوله: على أعقابهم، ولم يقتصر على مرتدين؛ إشارة إلى أنهم مرتكبو الكبائر، وقيل: ارتدادُ من ارتدَّ من العرب بعد موته ﷺ (٥).
* * *
١٨١٩ - (٣٣٥٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ
стр. 2910
وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَني يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ! مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ".
(فإذا هو بذبْخ (١)): -بذال معجمة مكسورة فباء موحدة ساكنة فخاء معجمة-: هو ذكر الضِّباع.
(مُلْتَطِخ): أي: بعَذِرَةٍ ونجاسةٍ. ولما حملت الرأفةُ إبراهيمَ ﵇ على الشفاعة لأبيه، أُبرز له في هذه الهيئة المستبشعة (٢) ليتبرأَ منه.
وتوقف الإسماعيلي في "المستخرج على الصحيح"، فقال: هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم ﵇ عالمٌ أن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ووعدُه بأنه لا يخزيه يومَ البعث، ولو تلا الإسماعيلي قولَه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، لتلاشى عنده هذا النظر الذي أبداه (٣)(٤).
* * *
١٨٢٠ - (٣٣٥٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،