← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بغَيْرِ اسْمهِ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ بذِي الْحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". (بشْر): بكسر الباء وبالشين المعجمة. (عن أبيه، قال ذكر النبي ﷺ ): الضمير في "قال، وذكر": يعودان على أبي بكرة، والنبيَّ مفعول بذَكَر، فهو منصوب، وذكر جملة حالية من فاعل قال، فيقدر قد؛ مثل: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]؛ أي: قال أبو بكرة في حال كونه قد ذكر النبي ﷺ . (قعد على بعيره): معمول القول، وإنما قعد (١) لحاجته إلى إسماع الناس، والنهي عن اتخاذ ظهورها منابرَ محمولٌ على ما إذا لم تَدْعُ إليه حاجة (٢). (وأمسك إنسان بخِطامه): بكسر الخاء المعجمة. (أو بزمامه): كلاهما بمعنىً، وإنما شك الراوي في اللفظِ المسموعِ منها. وفي "الطبراني الأوسط": "عن أُمِّ الحُصَيْنِ، قالت: حججتُ مع رسول الله ﷺ حجةَ الوداع، فرأيت بلالًا وأسامةَ، و (٣) بلالٌ يقود خِطام

стр. 317

راحلته، والآخرُ رافعًا ثوبَه يستُره (١) من الحر حتى رمى جمرةَ العقبة، ثم انصرفَ، فوقف على الناس، فقال قولًا كثيرًا" الحديث (٢). فيحتمل أن يفسر الإنسان المبهم في البخاري ببلال، وفي النسائي (٣): حديث أم الحصين، وفيه التصريح بأن القائد بلال، فتأمله. (بذي الحِجة): هو في "الصحاح" (٤) -بكسر الحاء-، وأباه قوم (٥). وقال القزاز (٦): الأشهر فيه الفتح. (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام): هذا من باب المقتضى، وذلك أن الذوات لا تحرم، فلا بد من تقدير شيء يصحح الكلام. قال الزركشي: هو على حذف مضاف (٧)؛ أي: سفكَ دمائكم، وأخذَ أموالكم، وثلبَ أعراضكم، فيقدر لكل ما يناسبه (٨). قلت: أولى من تقديره أن يقدر كلمة انتهاك مرة واحدة، والأصل: فإن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، ولا حاجة إلى تقديره مع كل واحد من هذه الأمور؛ لصحة انسحابه على الجميع (٩)، وذلك لأن انتهاك الشيء: تناولُه بغير حق، نص عليه القاضي، مع أن في هذا التقدير

стр. 318

غنيةً عما يحتاج إليه الأول، وذلك لأن سفكَ الدم وأخذَ المال وثلبَ العرض إنما يحرم إذا كان بغير حق، فلا بد من تقدير ذلك على الأول، وأما مع تقدير الانتهاك الذي هو (١) مفهومُه: تناولُ الشيء بغير حق، فلا يحتاج إليه. (كحرمة يومكم هذا): استشكل؛ لأن حرمة الدماء أعظمُ من حرمة حشيش الحرم وقتل صيده، فكيف شبهت بما هو (٢) دونها؟ وأجيب: بأن مناط التشبيه ظهورُه عند السامع، وتحريمُ اليوم كان أثبتَ في نفوسهم من حرمة الدماء؛ إذ هي عادةُ سلفهم، وتحريمُ الشرع طارئ، فإنما شبه الشيء بما هو فوقه باعتبار ظهوره عند السامع. (فإن الشاهد عسى أن يبلغه (٣) من هو أوعى له): أي: الحديث (٤). (منه): فيه أنه (٥) قد يأتي مَنْ يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك قليل؛ لأن ربَّ للتقليل، وعسى للطَّمَع، لا للتحقيق. وفيه (٦): الأخذ عن حامل العلم، وإن جهل معناه، وهو مأجور في تبليغه، قيل: ويعد من العلماء. قال ابن المنير: وفيه: أن تفسير الراوي مقبول، وأنه أولى من اجتهاد المتأخر (٧)؛ لأنه ﵇ قلل كونَ المتأخر مرجَّحَ النظر على المتقدم.

стр. 319

باب: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فَبَدَأَ بالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبيَاءِ -وَرَّثُوا الْعِلْمَ- مَنْ أَخَذَهُ، أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بالتَّعَلُّمِ". وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ-، ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ، لأَنْفَذْتُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ: الَّذِي يُرَبي النَّاسَ بصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. (باب: العلم قبل القول والعمل): قال ابن المنير: ترجم (١) على مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذهن من قولهم: إن العلم لا ينفع إلا بالعمل الصحيح (٢) في طلب العلم، فأراد البخاري: أن العلم شرط في القول، وفي العمل (٣)، لا يعتبران إلا به، وهو متقدم عليهما، وواجب قبلهما؛ لأنه مصحح للنيةِ (٤) المصححةِ للعمل.

стр. 320

(وإنما العلم بالتعلم): -بضم اللام مشددة-، قيل: هو الصواب، ويروى: "بالتعليم"، وهو حديث رواه الحافظ أبو نعيم في "رياضة (١) المتعلمين": عن أبي الدرداء مرفوعاَ: "إِنَّمَا العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ (٢)، وَمَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ (٣) " (٤). (الصَّمصَامة): -بفتح الصادين المهملتين-: السيف الصارم. (أُنفذ): مضارع للمتكلم -بذال معجمة-؛ أي: أُمضي. (تجيزوا): مضارع أجاز -بزاي-؛ أي (٥): تقتلوني. * * * باب: ما كان النبيُّ ﷺ يتخوّلُهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ٥٩ - (٦٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ؛ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. (يتخولنا): -بخاء معجمة (٦) ولام-؛ أي (٧): يتعهدنا (٨)، أو يتخذنا

стр. 321

خولًا، أو يصلحنا، أو يذللنا، أو يحبسنا عليها، وقال الأصمعي: أظنها: "يتخوَّن" -بالنون-؛ أي: يتعهد، وقال أبو عمرو: الصواب: "يتحول" -بالحاء المهملة-؛ أي: يطلب حالاتنا وأوقات نشاطنا (١). (كراهة): وفي بعض النسخ: "كراهية" بزيادة آخر الحروف، لغتان. * * * ٦٠ - (٦٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا". (محمد بن بشّار): بموحدة وشين معجمة مشددة. (أبو التيّاح): بمثناة من فوق فمثناة من تحت مشددة وحاء مهملة بعد الألف. * * * باب: مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً (باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة): وفي بعض النسخ: "يومًا معلومًا" (٢). ٦١ - (٧٠) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ،

стр. 322

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بهَا؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. (أني أكره أن أُمِلَّكم): -بهمزة مضمومة-؛ أي: أوقعكم في الملل بمعنى الضجَر. * * * باب: مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفقِّهه في الدِّين ٦٢ - (٧١) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ". (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله): أي: من ذهابهم قُبيل وجود الأشراط (١) التي لا يُنتفع بعدها بالأعمال، فيكون الموت حينئذٍ خيرًا من الحياة، وينتهي تمام الدين بأهله إلى ذلك الوقت، ويبقى شرار الناس، فعلى وجوههم تقوم (٢) الراجفة تتبعها الرادفة. بهذا جمع ابن المنير بين ذلك، وبين قوله ﵊ (٣) -:

стр. 323

"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يَقُولَ أَحَدٌ: الله، الله" (١)، و"لا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ" (٢). وقال: معنى (٣) لا تقوم الساعة: لا تقوم أشراطُها التي تَبْطُل (٤) التكاليفُ (٥) عندها (٦)، ولا ينفع الإيمانُ (٧) معها. وقال الطبري: هو عام أُريد به الخصوص؛ أي: لا تقوم الساعة على (٨) من يُوحِّد إلا بموضع (٩) كذا، فإن به طائفةً على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا (١٠). * * * باب: الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ (باب: الفهم في (١١) العلم): قال الزركشي: الفهم -بإسكان الهاء وفتحها-، لغتان (١٢).

стр. 324

٦٣ - (٧٢) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ ، فَأُتِيَ بجُمَّارٍ، فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كمَثَلِ الْمُسْلِم". فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَناَ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ". (بجُمّار): -بجيم مضمومة وميم مشددة-: قلبُ النخلة شحمُها (١). (مَثَلُها كمَثَل المسلم): تقدم ضبطه. قال ابن المنير: وفي الحديث أصلٌ كبير يُحتج به للعمل بالقياس، وخصوصًا القياس المشتمل على الشبه الخلقي، فلا (٢) مستند في استخراج (٣) هذا الجواب إلا قياس الشبه الخلقي مشوبًا بالمعنوي؛ لأن الانتفاع بالمؤمن معنوي، والانتفاع بالنخلة حسي خلقي. هذا كلامه، وفيه نظر. * * * باب: الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. (باب: الاغتباط في العلم والحكمة): الاغتباط -بغين معجمة-.

стр. 325

(وقال عمر: تفقهوا قبل أن تُسودوا): وذلك لأن من سَوَّده الناس يستحيي (١) أن يقعد مقعدَ المتعلم خوفًا على رئاسته عند العامة. ووجه مطابقة الترجمة (٢): أن في هذه الوصية ما يُحقق (٣) استحقاقَ العلم؛ لأن يُغْبَطَ (٤) به (٥) صاحبُه حيثُ وقع التحذيرُ من أن تكون السيادة مانعًا (٦) من طلبه، ومراده: اطلبوا العلم قبل السيادة وبعدها، ولا يكن وجودُها مانعًا كما في الطباع، وتسوَّدوا: تُفَعَّلُوا؛ من ساد يسود. وحكى الزبيدي في "طبقات النحويين": أن أبا محمد الأعرابي قال لإبراهيم بن الحجاج الثائر بإِشْبيلِيَّةَ: أيها الأمير! ما سَيَّدَتْكَ العربُ (٧) إلا بحقِّك (٨) -يقولها بالياء-، فلما أُنكر عليه، قال: السواد: السخام، وأصرَّ على أن الصواب معه. * * * ٦٤ - (٧٣) - حدثنا الحُمَيْدِيُّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ ما حَدَّثَنَاهُ الزُّهرِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ

стр. 326

أَبي حَازِمٍ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهْوَ يَقْضي بهَا وَيُعَلِّمُهَا". (لا حسد إلا في اثنتين): قال الزركشي: قيل: أرادَ: الغِبْطَة (١)، وهي: تمني مثلِ ما له من غير زوال النعمة عنه، وهذا هو قضية تبويب البخاري. وقيل: بل هو على حقيقته، وهو كلام تام (٢) قُصد به نفيُ الحسد، أو النهيُ عنه، ثم قال: "إلا في اثنتين"، فأباح هذين، وأخرجَهما من جملة المنهيِّ (٣) عنه (٤)؛ كما رخص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة، وهو استثناء من غير الجنس على الأول، ومنه على الثاني (٥). قلت: هكذا رأيت في نسختي منه، وهو مشكل؛ فإن الاستثناء متصل على الأول قطعًا؛ لأنه استثناء مفرغ (٦) من خبر عام مقدر؛ أي: لا غبطة في شيء من الأشياء إلا في اثنتين، وأما على الثاني: فجعله متصلًا يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرح به، والحسدُ الحقيقي -وهو تمني زوالِ نعمة المحسود عنه، وصيرورتها إلى الحاسد- لا يُباح أصلًا، وكيف يُباح تمني زوال نعم (٧) الله عن المسلمين القائمين بحق الله فيها (٨)؟

стр. 327

(رجل): لا بد من تقدير مضاف؛ أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأن المراد بالثنتين: خصلتان، فرجل (١) هذا إما مرفوع؛ أي (٢): أحدهما خصلة رجل، أو مجرور على أن يكون هو وما بعده بدلًا، وكلاهما ثابت في النسخ، والنصب جائز بإضمارِ أعني. (هلَكته): -بفتح اللام-؛ أي: هلاكه (٣). * * * باب: مَا ذُكِرَ فِي ذَهَاب مُوسَى ﷺ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] (باب: ما ذكر في ذهاب موسى في البحر): في هذا القيد تنبيه على شرف العلم، حتى جاز في طلبه المخاطرةُ بركوب البحر، وركبه الأنبياء في طلبه؛ بخلاف طلب الدنيا في البحر، فقد كرهه بعضهم، واستثقله الكل. ووجه مطابقتها للقصة: أن موسى ﵇ اتبع الخضر؛ ليتعلم منه في البحر حالَ ركوبهما السفينة، وفي البر بعدَ نزولهما. ٦٥ - (٧٤) - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَ: أَنَّ

стр. 328

عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ ابْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِب مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضرٌ، فَمَرَّ بهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبي هَذَا فِي صَاحِب مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبيَّ ﷺ يَذْكرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبعُ أثرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ؟ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ: ذَلِكَ مَا كنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابهِ". (محمد بن غُرير): بغين معجمة مضمومة (١) وراءين مهملتين. (تمارى): اختلف. (والحُر): بحاء مهملة مضمومة (٢) وراء مهملة. (خَضر): -بفتح أوله وكسر ثانيه، [وبكسر (٣) أوله وإسكان ثانيه] (٤) - وهو لقب، قالوا: واسمه: بليا بنُ ملكان، وقيل غير ذلك.

стр. 329

(لُقِيّه): بلام مضمومة فقاف مكسورة فياء مشددة. (بلَى عبدُنا خضر): أي: أعلمُ منك، كذا عند الأكثر -بلام مفتوحة وألف- مثل: على، وانظر هذا مع قولهم: إن بلى (١) تختص بالنفي، وتقتضي إبطاله، فإن النفي الواقع قبلها هو قول موسى ﵇: "لا"؛ أي: لا أعلم أحدًا أعلمَ مني، وهذا ليس إبطالًا (٢) له ألبتة. وقال الحميدي: ويروى: "بلْ" -بإسكان اللام- (٣). (فقَدْتَ الحوت): بفتح القاف. * * * ٦٦ - (٧٥) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ". (أبو مَعْمَر): بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة. * * * باب: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ٦٧ - (٧٦) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ،

стр. 330

قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْض الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. (باب: متى يصح سماع الصغير). (حمار أَتان): -بفتح الهمزة ومثناة (١) من فوق-: هي (٢) الأنثى من الحُمُر. وروي: -بتنوينهما (٣) -، فأتانٍ نعتٌ، أو بدلُ غلطٍ، قال القاضي: أو بدلُ بعضٍ (٤). قلت: لا ربط (٥) أصلًا، فيمتنع. قال السهيلي: أو بدل كل نحو: ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، وروي: بإضافة حمار إلى أتان. قال سراج بن عبد الملك: كذا وجدت مضبوطًا في بعض الأصول. واستنكرها السهيلي، وقال: إنما يجوزه من جوز (٦) إضافةَ الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان. قال أبو موسى المديني، وتبعه ابن الأثير: إنما أتبع الحمار بالأتان؛ لينبه

стр. 331

على أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة، فكذا المرأة (١). واعترض بأن العلة ليست مجرد الأنوثة فقط، بل الأنوثة تقيد البشرية؛ لأنها مَظِنَّة الشهوة. (وأنا يومئذ): أي: في تلك المدة، وليس المراد: اليومَ (٢) الواحد. (ناهزت الاحتلام): قارَبْتُه. (بمنى): بالصرف وتركه. (وأرسلتُ الأتان ترتع): أي: تأكل ما يقويها (٣)، وترتع مرفوعٌ، وهي جملة في موضع نصب على الحال من الأتان، وهي حال مقدرة؛ لأنه لم يرسلها في تلك الحال، وإنما أرسلها قبلُ مقدَّرًا كونُها على تلك الحال. وجوز ابن السِّيد فيه أن يريد: لترتع، فلما حذف الناصب، رفع؛ كقوله (٤) تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]. * * * ٦٨ - (٧٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبيعِ، قَالَ. عَقَلْتُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، مِنْ دَلْوٍ. (أبو مُسْهِر): بميم مضمومة فسين مهملة ساكنة فهاء مكسورة.

стр. 332

(الزُّبيدي): -بزاي مضمومة فموحدة فمثناة من تحت فدال مهملة-: نسبة إلى زُبيد قبيلة. (عقَلت): بفتح القاف. (مجَّهَا): أي: رماها من فيه من الماء. (وأنا ابن خمس سنين): وفي خارج "الصحيح": "ابن أربع (١) " (٢). واستدرك المهلب على البخاري كونه لم يذكر عبد الله بن الزبير حيث (٣) عقل رؤية (٤) أبيه، وهو يختلف (٥) إلى قريظة في غزوة الخندق، مع أنه أصغرُ منهما، وذلك لأنه ولد في الثانية من الهجرة، والخندقُ كانت على (٦) أربع سنين من الهجرة، فيكون قد عقل وهو ابن سنتين. وردَّه ابن المنير: بأن البخاري إنما أراد سماعَ العلم والسنن (٧)، لا الأحوالَ الوجوديةَ، وابنُ عباس نقل سُنَّةً في أن المرور بين يدي المصلي لا يُبطل الصلاة (٨)، ومحمودُ بنُ الربيع نقل سُنَّةً أيضًا في (٩) كونه - عليه

стр. 333

السلام - مجَّ مجةً في وجهه على سبيل إفادته البركة؛ كالتحنيك (١)، ومجرد رؤيته ﵇ فائدة شرعية يثبت بها (٢) كونُه صحابيًّا، فأما (٣) كون الزبير أتى بني قريظة، فليس فيه سُنَّةٌ حتى يُحتسب من الباب. * * * باب: الْخُرُوجِ فِي طَلَب الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ (ورحل جابر بن عبد الله مسيرةَ شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد): هو (٤) حديثُ المظالم، رواه الحاكم في "المستدرك" (٥) في كتاب: الأهوال، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٦)، وقد رواه البخاري في أواخر (٧) "الصحيح" بصيغة التمريض، فقال: "ويذكر عن جابر" (٨). قال الزركشي: وهذا أحدُ ما نقض قولَ من جعل قاعدتَه في التعليق تضعيفَ ما يرويه بصيغة التمريض، وتصحيحَه بصيغة الجزم (٩).

стр. 334

٦٩ - (٧٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيَّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ، فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ". (خالد بن خَلِيٍّ (١)): -بخاء معجمة مفتوحة ولام مكسورة وياء مشددة- بوزن (٢) عَلِيٍّ. * * *

стр. 335

باب: فضلِ من عَلِمَ وعَلَّمَ ٧٠ - (٧٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. (بُريد): -بموحدة مضمومة- مصغَّر. (مَثَل): -بفتحتين-، وكذا: (كمَثَل الغيث): أي: تلك الحال العجيبة الشأن كهذه الحالة (١) العجيبة الشأن. (نَقِية): -بنون مفتوحة فقاف مكسورة-، هذا (٢) هو المعروف في الرواية. وحكى السفاقسي عن الخطابي: "ثغبة" -بثاء مثلثة وغين معجمة وباء

стр. 336

موحدة-: وهي مستنقع الماء في الجبال والصخور (١). (قبلت الماء (٢)) -بالباء الموحدة-: من القَبول. (فأنبتت الكلأ والعشب): الكلأ -مهموز مقصور-: الرطب واليابس من العشب، والرطبُ منه هو العشب. (أجادب): -بجيم ودال مهملة- جمع جَدب على غير قياس، والأرض الجَدْبة: التي لم تُمْطَر، وهي هنا: الأرضُ التي لا تشرب، ولا تُنبت؛ لصلابتها، وروي: "أجاذب (٣) ": -بذال معجمة-، وهي صلاب الأرض التي تمسك الماء. وروي: "أجارد (٤) ": أي: جرداء بارزة لا يسترها النبات. وروي: "إِخاذات": -بكسر الهمزة وتخفيف الخاء والذال المعجمة (٥) -: من الأخذ جمع إخاذة، وهي الغدران التي تمسك الماء. وقال عبدُ الغافر الفارسيُّ: إنه الصواب (٦) (٧). (قيعان): جمع قاع، وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات بها، ويجمع أيضًا على أَقْوُع، وأَقْواع، فهي من ذوات الواو.

стр. 337

(فَقُه): بضم القاف وكسرها (١). (قال إسحاق): كذا وقع غير منسوب (٢) في غير ما موضع من البخاري، وهو من المواضع المشكلة فيه. وقد حكى الجياني عن الحافظ ابن السكن: ما كان في البخاري: "عن إسحاق" غيرَ منسوب، فهو ابنُ راهويه (٣). (وكان منها طائفة قيّلت): -بياء مثناة من تحت مشددة (٤) -، فقيل (٥): هو تصحيف من إسحاق (٦)، وقيل: بل هو صحيح، ومعناه: شربت القيل، وهو شربُ نصفِ النهار، يقال: قَيَّلَتِ الإِبِلُ: إذا شربتْ في ذلك الوقت. (والمصطف: المستوي من الأرض): كذا وقع في نسخ (٧)، والصواب: "والصفصف" كما وقع في كتاب: التفسير في سورة طه، وهو إشارة إلى تفسير (٨) قوله تعالى: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦]. وتشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور تشبيه مفرد بمركب، إذ الهدى مفرد، وكذا العلم، والمشبه به، وهو غيث كثير أصاب أرضًا، منها ما قبله فأنبت، ومنها ما أمسكه خاصةً، ومنها ما لم ينبت، ولم يمسك، مركبٌ من

стр. 338

عدة أمور كما تراه، وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب، وهو تمثيل؛ لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يَرِدُ عليه من الخير، مع ظهور آثاره وانتشارها على وجهٍ عامِّ الثمرة، متعدِّي النفع، ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة، ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض للماء، ونفعه المتعدي بإنباتها الكلأ (١) والعشب، والأول أَفْحَلُ وأَجزل؛ لأن لهيئة المركبات من الموقع في النفس ما ليس في المفردات (٢) في (٣) ذواتها من غير نظر إلى تَضامِّها (٤) ولا التفات إلى هيئتها (٥) الاجتماعية. قال الشيخُ عبدُ القاهر في قول القائل: وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُومِ لَوَامِعًا ... دُرَرٌ نُثِرْنَ (٦) عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقِ لو قلت (٧): كأن النجوم دُرَرٌ، وكأن السماء بساط أزرقُ؛ كان التشبيه مقبولًا، لكن أين هو من التشبيه الذي يريك الهيئةَ التي تملأ النواظرَ عجبًا، وتستوقف العيون، وتستنطق القلوب بذكر اسم (٨) الله من طلوع النجوم

стр. 339

مؤتلقةً مفترقةً في أديم السماء، وهي زرقاء زرقتها الصافية (١) بحسب الرؤية (٢)، والنجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزرقة. ومن لك بهذه الصورة إذا جعلت التشبيه (٣) مفردًا، وشبه من انتفع بالعلم في خاصة نفسه، ولم ينفع به أحدًا بأرض أمسكت الماء، ولم تنبت شيئًا؟!! أو شبه انتفاعَه المجردَ بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبه مَنْ عدمَ فضيلتي النفع والانتفاع جميعًا بأرض لم تمسك ماء (٤) أصلًا. أو شبه فواتَ ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثلاث مستوفيةٌ لأقسام الناس، ففيه من البديع التقسيم. فإن قلت: ليس في الحديث تعرض (٥) إلى القسم الثاني، وذلك أنه قال: "فذلك مثل مَنْ فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلِم وعلَّم"، وهذا هو القسم الأول. ثم قال: "ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله (٦) الذي أُرسلت به"، وهذا هو القسم الثالث، فأين الثاني؟ قلت: يحتمل أن يكون ذكر من الأقسام أدناها، وطوى ذكر ما هو بينهما؛ لفهمه من أقسام المشبه (٧) به المذكورة أولًا.

стр. 340

ويحتمل أن يكون قوله: "نفعه إلى آخره" صلة موصول محذوف معطوف على الموصول الأول؛ أي: فذلك مَثَل مَنْ فقه في دين الله، ومثل مَنْ نفعه؛ كقول حسان: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَوَاءُ أي: ومن يمدحه وينصره (١)، وعلى هذا فتكون (٢) الأقسام الثلاثة مذكورة، فمن فقه في دين الله هو الثاني، ومن نفعه الله من ذلك (٣) فعلِم وعلَّم هو الأول، ومن لم يرفع بذلك رأسًا هو الثالث، وفيه حينئذٍ لَفٌّ ونَشْرٌ غير مرتب، فتأمل (٤). * * * باب: رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ (باب: رفع العلم وظهور الجهل، وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه). ووجه مطابقة هذا لرفع العلم: أن ذا الفهم إذا ضيع نفسه، فلم يتعلم، أفضى إلى رفع العلم جملة؛ لأن البليدَ لا يقبله (٥)، فهو عنه مرتفع،

стр. 341

فلو لم يتعلم الفَهِم (١)؛ لارتفع عنه أيضًا، فيرتفع عمومًا، وذلك من الأشراط التي لا تقارِن في الوجود إلا شرار الخلق (٢)، فعلى الناس توقيها (٣) ما أمكن، قاله ابن المنير. وقال الزركشي: معنى أن يضيع نفسه: أن يهينها (٤)؛ أي: لا يأتي بعلمه أهلَ الدنيا، ويتواضع لهم (٥)، لكنه (٦) لا يطابق الترجمة حينئذٍ. * * * ٧١ - (٨٠) - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، ويُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّناَ". (ابن مَيْسَرة): بميم مفتوحة فمثناة من تحت ساكنة فسين مهملة مفتوحة فراء. * * * باب: فضلِ العلمِ ٧٢ - (٨٢) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ:

стр. 342

حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَناَ ناَئِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْعِلْمَ". (عُفير): -بعين مهملة مضمومة وفاء- مصغَّر. (عُقيل): بضم العين. (حمزة): بحاء مهملة وزاي. (حتى إِني لأرى): إني (١) -بكسر الهمزة-، وأَرى -بفتحها-. (الرِّي): -بفتح الراء وكسرها-، قاله الجوهري (٢). وقيل: بالكسر: الفعل، وبالفتح: المصدر. (أظفاري): جمع ظفر، ورواه في التعبير: "من أطرافي"، و"من أظافيري" (٣)، والكل واحد. (قال: العلمَ): -بالنصب-، ويجوز الرفع. ووجه مناسبة الحديث للترجمة: أنه عبر عن العلم (٤) بأنه فضلة النبي ﷺ ونصيبه مما آتاه الله، وناهيك له فضلًا أنه جزء من (٥) النبوة،

стр. 343

وميراث منها، قاله ابن المنير. * * * باب: الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابّة وَغَيْرِهَا (باب: الفتيا وهو واقف على الدابة): ليس في حديث هذا الباب تصريح بلفظ الدابة، لكن قال في كتاب الحج: "كان على ناقته (١) في حجة الوداع" (٢). ٧٣ - (٨٣) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْألونه، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". (ابن عمرو بن العاص): -بإثبات الياء- على الأصح (٣). (ولا حرج): أي: عليك، أو فيه؛ نحو: لا ضير. وفيه: جواز سؤال العالم راكبًا وواقفًا، وعلى كلِّ حال، ولا يعارض بهذا ما (٤) يؤثر عن مالك من كراهة (٥) الكلام في العلم، والسؤال عن

стр. 344

الحديث في الطريق؛ لأن الموقف بمنى لا يعدُّ من الطرقات؛ لأنه موقف سُنَّةٍ وعبادةٍ وذكرٍ، ووقت حاجة إلى التعلم خوفَ الفوات، إما بالزمان، أو بالمكان، قاله ابن المنير. * * * باب: من أجاب الفُتيا بإشارةِ اليدِ والرأسِ ٧٤ - (٨٤) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أيوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِي ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ: "وَلَا حَرَجَ". قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِه: "وَلَا حَرَجَ". (وُهيب): مصغَّر. (عكرمة): بعين وراء مهملتين. * * * ٧٥ - (٨٥) - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِم، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ. (الهَرْج): بفتح الهاء وإسكان الراء. * * *

стр. 345

٧٦ - (٨٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أتيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نعم، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ النبيُّ ﷺ ، وَأثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أكُنْ أُرِيتُهُ إلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَكمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ، أَوْ قَرِيبًا -لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيح الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ -لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ-، فَيقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَناَ بِالْبيناتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوِ الْمُرْتَابُ -لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ،- فَيقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُهُ". (الغَشِيّ): -بكسر الشين المعجمة وتشديد الياء-، وروي: -بتخفيفها وسكون الشين-، وهما بمعنى، يريد: الغشاوة، وهي الغطاء. ويروى: -بعين مهملة-، قال القاضي (١): وليس بشيء (٢). (حتى الجنةِ والنارِ): قال الزركشي: يجوز فيهما الفتح والجر والرفع (٣) (٤).

стр. 346

قلت: أما النصب؛ فبالعطف على المنصوب المتقدم، وأما الرفع؛ فعلى الابتداء، والخبرُ محذوف؛ أي: مرئيتان (١)، وحتى حينئذٍ حرف ابتداء، وأما الجر، فمشكل؛ لأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم، وهو ممتنع؛ لما يلزم عليه من زيادة "من" مع المعرفة، والصحيح منعُه. (مثلَ أو قريبَ): بغير تنوين فيهما في المشهور في البخاري، كذا قال الزركشي (٢). ووجهها (٣) أن يكون أراد (٤): تفتنون مثلَ فتنةِ الدجال، أو قريبَ الشبهِ (٥) من فتنة الدجال، فحُذف المضافُ إليه (٦) قريبَ، وبقي هو على هيئته الأولى، قاله ابن مالك (٧). ووقع لبعضهم: تنوينهما. وقال القاضي: الأحسنُ تنوين الثاني، وتركُه في (٨) الأول (٩). قال ابن مالك: هذه الرواية المشهورة، ووجهها: بأن الأصل مثلَ فتنة الدجال، أو قريبًا منها، فحذف ما كان مثل مضافًا إليه؛ لدلالة

стр. 347

ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف (١). (لا أدري أيَّهما): بنصب أيّ. (قد علمنا إن كنتَ لموقنًا): إِن -بكسر الهمزة- هي المخففة من الثقيلة، واللام مفيدة للفرق بينها وبين النافية. قال الزركشي: وحكى السفاقسي فتحَ "أَنْ" على جعلِها مصدرية؛ أي: علمنا كونَك موقنًا (٢)، وردَّه بدخول اللام (٣). قلت: إنما تكون اللام مانعة إذا جُعلت لامَ الابتداء على رأي سيبويه ومَنْ تابعَه، وأما على رأي الفارسي، وابن جني، وجماعة: أنها لامٌ (٤) غيرُ لام (٥) الابتداء، اجتُلبت؛ للفرق، فيسوغ الفتح، بل يتعين حينئذ؛ لوجود المقتضي، وانتفاء المانع. ثم قيل: المعنى: إنك موقن؛ نحو: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ أي: أنتم. قال القاضي: والأظهر بقاؤها على بابها، والمعنى: إنك كنت موقنًا (٦). * * *

стр. 348

باب: تحريض النبيِّ ﷺ وفدَ عبدِ القيس على أن يحفظوا الإيمانَ والعلمَ، ويُخبروا مَنْ وراءَهم ٧٧ - (٨٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أتوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنِ الْوَفْدُ. أَوْ: مَنِ الْقَوْمُ؟ ". قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا نَدَامَى". قَالُوا: إِنَّا نأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نستَطِيعُ أَنْ نأتِيَكَ إلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْناَ بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَناَ، نَدْخُل بِهِ الْجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنهاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإيمَانُ بِاللَّهِ وَحْده؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزكاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَم". وَنهاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: "النَّقِيرِ". وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ". قَالَ: "احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءكُمْ". (أبي جمرة): -بجيم وراء-، وقد مر. (وتعطوا): منصوب بإضمار أن. (احفظوا وأخبروا (١) مَنْ وراءكم): لم يقتصر على سماعهم الحديثَ

стр. 349

منه، بل أضاف إلى سماعهم منه إذنهَ لهم في التحديث (١) عنه، وإسنادِ الرواية عنه. قال ابن المنير: وهو أصل في عدم الاقتصار على السماع حتى يأذن المسمع في الرواية عنه. قلت: وفيه نظر (٢). * * * باب: الرِّحلةِ في المسألةِ النازلة، وتعليم أهله ٧٨ - (٨٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أبو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتنِي، وَلَا أَخْبَرْتنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَسَألهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ ". فَفَارَقَهَا عُقْبةُ، وَنكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. (أبي حُسين): بالتصغير. (ابن أبي مليكة): كذلك. (تزوج ابنةً لأبي إِهاب): -بكسر الهمزة-، ولا يعرف اسمه. (ابن عَزيز): -بفتح العين المهملة وزايين معجمتين- على وزن سعيد،

стр. 350

والبنتُ كنيتُها أم يحيى، وقيل: اسمها غنية، وقيل: زينب. * * * باب: التناوبِ في العلم ٧٩ - (٨٩) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح). قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَناَ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عبيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كنْتُ أَناَ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ، فِي بني أُمَيَّةَ بْنِ زيدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكنَّا نتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نزَلْتُ، جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإذَا نزَلَ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ وَأَناَ قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: "لَا". فَقُلْتُ: اللَّهُ أكبرُ. (عن عمر ﵁: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار): قال القسطلاني: إن هذا الجار المبهم يقال له: عِتْبانُ بنُ مالكٍ، ويقال: أَوْسُ (١) بنُ خوليٍّ، وهذا الخلاف إنما ذكره ابن بَشْكوال في "كتابه الصغير" فيمن آخى النبي ﷺ بينه وبين عمر، وهذا لا يلزم منه الجوار.

стр. 351

(أثَمّ (١) هو؟): -بثاء مثلثة مفتوحة وميم مشددة- ظرف للمكان البعيد؛ أي: أهناك هو؟ (قد حدث أمر عظيم): يريد: تطليقَ النبي ﷺ زوجاته، ذكره في كتاب: الطلاق، واختصره هنا. * * * باب: الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيم إذا رَأَى مَا يَكْرَهُ (باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره): قال ابن المنير: أراد البخاري: الفرق بين قضاء القاضي وهو غضبان، وبين إسماعِ المحدِّث، أو تعليمِ المعلِّم، أو تذكرةِ الواعظ، فكل (٢) هذه بالغضب أجدرُ، وخصوصًا الموعظة، فيستحب فيها تكلف الانزعاج إن لم يجد الإنسان من نفسه ذلك؛ لأنها على هيئة النذارة بالواقع القريب المخوف. قلت: أما الوعظ، فمسلَّم، وأما إسماعُ المحدِّث، وتعليم المعلِّم، فلا نسلِّم أنهما (٣) أجدرُ بالغضب؛ لأنه مما يدهش الفكر، فقد يفضي الإسماع والتعليم (٤) في هذه الحالة إلى خلل، والمطلوبُ فيهما كمالُ الضبط، فتأمله. * * *

стр. 352

٨٠ - (٩٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا أكادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ". (ابن كثير): ضد قليل (١). (ابن أبي حازم): بحاء مهملة فزاي. (لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان): في "مسند (٢) أبي يعلى" ما يدل على أنه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ (٣)، وسيأتي فيه كلام، وهذا اللفظ كذا وقع في الأصول، وهو لا ينتظم؛ فإن التطويل يقتضي الإدراكَ، لا عدمَه. وقد رواه الفريابي: "إني لأتاخرُ عن الصلاة في الفجر؛ مما يطوِّلُ بنا فلانٌ" (٤)، وهو أظهر، ولعل الأول تغيير منه، ولعله: لأكاد أتركُ الصلاة، فزيدت بعد "لا" ألفٌ (٥)، وفُصلت التاء من الراء، فجُعلت دالًّا، حكى الزركشي ذلك كله نقلًا عن القاضي (٦).

стр. 353

قلت: ما في الأصول صحيح له وجهٌ ظاهر، وذلك لأن عدم مقاربته لإدراك الصلاة مع الإمام ناشئ عن تأخره عن حضورها، ومسبَّبٌ عنه، فعبر عن السبب بالمسبب، وعلله بتطويل الإمام، وذلك لأنه إذا اعتيد التطويل منه، تقاعد المأمومُ عن المبادرة؛ ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التطويل، فيتأخر لذلك، وهو معنى الرواية الأخرى، فالتطويلُ سببُ التأخر الذي هو سبب [في عدم مقاربة الإدراك، فجعل سببًا لعدم المقاربة؛ لأن سبب الشيء سبب] (١) لذلك الشيء، ولا داعي إلى حمل الرواية الثانية في الأمهات الصحيحة على التصحيف. والله الموفق. (وذا الحاجة): -بالنصب-، ووجهه ظاهر، وروي: -بالرفع-، فإن صَحَّتْ، فعلى أنه مبتدأ حُذف خبرُه، والجملة عطف على الجملة المتقدمة، هكذا ينبغي أن يُعرَب. * * * ٨١ - (٩١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اِعْرِفْ وِكاءَهَا، أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنتَاهُ، أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا

стр. 354

رَبُّهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم؟ قَالَ: "لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". (سأله رجل): قيل: هو بلال المؤذن، وقيل غيره، وسيأتي. (عن اللُّقَطة): بضم اللام وفتح القاف. قال القاضي: ولا يجوز الإسكان (١)، وجوزه غيره. وقال (٢) صاحب "العين": اللُّقَطَة (٣) اسمٌ لما لُقِط (٤)، و -بفتح القاف-: الملتقَط (٥). واستصوبه ابن بري في "حواشي الصحاح"، قال: لأن الفُعْلَة للمفعول؛ كالضُّحْكَة، والفُعَلَة للفاعل كالضُّحَكَة، والتحريك للمفعول نادر. (وكاءها): ما يُربط به. (أو قال: وعاءها): واحد الأوعية، وهي الظروف. (وعِفاصها): -بعين مهملة مكسورة وفاء وصاد مهملة-: هو الوعاء أيضًا. * * * ٨٢ - (٩٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ

стр. 355

كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ، غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: "سَلُوني عَمَّا شِئتمْ". قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أبَوكَ حُذَافَةُ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبة". فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ . (قال رجل: من أبي؟): هو عبد الله بن حُذافة الرسولُ إلى كسرى. (حُذافة): بحاء مهملة مضمومة وذال معجمة وفاء. (فقام آخر): يقال: اسمه سعد، كذا في "التمهيد" لابن عبد البر (١). * * * باب: مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ (باب: من برك على ركبتيه (٢)): قال الجوهري: بَرَك البعير: إذا استناخ، وهو -بفتحتين (٣) -. ٨٣ - (٩٣) - حَدَّثَنَا أبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أكثَرَ أَنْ يَقُولَ:
следующие страницы →