(لا يجاوز حناجرَهم): أي: لا يرفع في الأعمال الصالحة.
(يمرقون): المُروق: النُّفوذ حتى يخرجَ من الطرف الآخر.
(من الدين): أي: الطاعة، يريد: أنهم يخرجون من طاعة الأئمة كخووج السهم من الرمية، وهذا نعتُ الخوارج الذين لا يدينون (١) للأئمة، ويخرجون على الناس (٢).
* * *
باب: قِصَّةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ
١٨١٦ - (٣٣٤٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ ﵅: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَاْجُوجَ مِثلُ هَذِهِ"، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ بْنَةُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ".
(وحلق بإصبعيه (٣) الإبهامِ والتي تليها): وفي رواية أبي هريرة: "وعقدَ بيدِه تِسْعين" (٤).
стр. 2907
قال السفاقسي: وليس عقدُ التسعين (١) في الحساب مثلَ التحليق، وردَّ بأن عقدَ التسعين في اصطلاح الحساب: أن يجعل رأس الإصبع السبابة في أصل الإبهام، ويضمها حتى لا يبقى بينهما إلا خلل يسير (٢).
* * *
١٨١٧ - (٣٣٤٨) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ". ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَاّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".
(فيقول: أخرجْ بعثَ النار): المخاطب بهذا الكلام آدمُ ﵇، وإنما خُصَّ بذلك؛ لأن الله تعالى قد جمع له جميعَ (٣) نَسَمِ بنيه المولودين
стр. 2908
منه إلى يوم القيامة، ودليلُ ذلك: أن نبينا -صلوات الله عليه وسلامه عليه- رأى آدم ليلة الإسراء في السماء الدنيا، وعن يمينه أَسْوِدَة، وعن يساره أسودة.
(فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة): روى الترمذي عن بريدة مرفوعاً، وحَسَّنه: "أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ ضِعْفٍ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْهَا مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ" (١)، ولا تعارضَ بين الحديثين، وإذا (٢) تأملت، فإن هذا ليس فيه الجزم بأنهم نصفُ أهل الجنة فقط، وإنما هو رجاءٌ رجاهُ لأمته، ثم أعلمَه الله تعالى بعدَ ذلك أن أمته ثُلثُا أهلِ الجنة (٣).
(ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض): هذا في المحشر، وأما في الجنة، فهم نصف الناس هناك، أو ثلثاهم على ما سبق.
* * *
باب: قوله الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]
١٨١٨ - (٣٣٤٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ ابْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً -ثُمَّ قَرَأَ-: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُناَساً مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى
стр. 2909
أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] ".
(غُرْلاً): -بضم الغين المعجمة وإسكان الراء-؛ أي: غيرَ مختونين، جمعُ أَغْرَلَ (١)، والغُرْلَةُ: هو ما يقطعُه الخاتِن، وهي القُلْفَةُ (٢).
(أصحابي): ويروى: "أُصَيْحابي" -بالتصغير-؛ للتنبيه (٣) على قلة عددهم (٤).
(مرتدِّين على أعقابهم): قيل: في قوله: على أعقابهم، ولم يقتصر على مرتدين؛ إشارة إلى أنهم مرتكبو الكبائر، وقيل: ارتدادُ من ارتدَّ من العرب بعد موته ﷺ (٥).
* * *
١٨١٩ - (٣٣٥٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ
стр. 2910
وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَني يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ! مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ".
(فإذا هو بذبْخ (١)): -بذال معجمة مكسورة فباء موحدة ساكنة فخاء معجمة-: هو ذكر الضِّباع.
(مُلْتَطِخ): أي: بعَذِرَةٍ ونجاسةٍ. ولما حملت الرأفةُ إبراهيمَ ﵇ على الشفاعة لأبيه، أُبرز له في هذه الهيئة المستبشعة (٢) ليتبرأَ منه.
وتوقف الإسماعيلي في "المستخرج على الصحيح"، فقال: هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم ﵇ عالمٌ أن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ووعدُه بأنه لا يخزيه يومَ البعث، ولو تلا الإسماعيلي قولَه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، لتلاشى عنده هذا النظر الذي أبداه (٣)(٤).
* * *
١٨٢٠ - (٣٣٥٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
١٨٢٢ - (٣٣٥٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ". حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أبو الزِّناَدِ: "بِالْقَدُومِ" -مُخَفَّفَةً-. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبي الزِّناَدِ. تَابَعَهُ عَجْلَانُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
(بالقَدوم): -بفتح القاف وتخفيف الدال-: قريةٌ بالشام، وقيل: هي آلةُ النجَّار، وحكى الباجيُّ التشديد، قال: وهو موضع (١)(٢).
(وتابعه عجلان عن أبي هريرة): قال الزركشي: من قال: تابعه ابن عجلان، فقد وهم؛ فإن محمدًا لم يلق أبا هريرة، وإنما أبوه هو الذي أدركه، فروى عنه.
قال المنذري فيما استدركه عليُّ بنُ طاهر المقدسي في كتابه عند ذكر عجلان: فإنه ذكره في "أفراد مسلم"، قال: قد استشهد البخاري بعجلان في بدء الخلق في ذكر إبراهيم الخليل ﷺ (٣).
* * *
١٨٢٣ - (٣٣٥٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ،
(إذ أتى على جبار من الجبابرة): حكى السهيلي في اسمه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ملكُ الأُرْدُن، وهو صادوق.
وقيل: إن الملك سنانُ بنُ علوان، وكان -في أحد الأقوال- أخا الضحاك الذي ملك الأقاليم.
وقيل: هو عمرُو بن امرئ القيس بن سبأ بن يشجب (١) بن يَعْرُب، وكان على مصر إذ ذاك (٢).
(فأومأ بيده: مهيم): كذا لأكثرهم، وعند ابن السكن، وابن القابسي: "مهين" -بالنون بدلًا من الميم-، قيل: وأولُ من تكلَّمَ بها إبراهيم (٣).
(يا بني ماء السماء): يعني: العرب؛ لأنهم يعيشون بماء المطر، ويتتبعون مساقِطَ الغيث.
قال الخطابي: وقيل: إنما أراد زمزمَ أنبعَها الله تعالى لهاجرَ، فعاشوا بها، فصاروا كلُّهم أولادَها (٤).
وذكر ابن حبان في "صحيحه": أن كل مَنْ كان من ولد هاجر يقال له: وَلَدُ ماءِ السماء؛ لأن إسماعيلَ مِنْ هاجر، وقد رُبِّي من ماء زمزمَ، وهي ماءُ السماء الذي أكرم به إسماعيل حين ولدته أمه هاجر، فأولادها أولادُ ماء السماء (٥).
стр. 2915
وقيل: ماءُ السماء هو عامرٌ أبو عمرو بن مزيقياء، وهو من الأزد، والأزدُ من اليمن، والأنصارُ من اليمن، سمي بذلك؛ لأنه إذا قحط الناس، أقام لهم مالَه مُقامَ المطر (١).
* * *
١٨٢٤ - (٣٣٦٢) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أيوب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ، لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا"
(عينًا معينًا): المَعِينُ: الظاهر على وجه الأرض، وهل وزنُه مَفْعَلٌ من عانه: إذا رآه بعينه، وأصله مَعْيُونٌ، فبقي كمَبيع، أو فَعِيلٌ من أَمْعَنْتُ في الشيء: إذا بالغتُ فيه؟ وجهان (٢).
* * *
١٨٢٥ - (٣٣٦٣) - قَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَمَّا كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ، فَحَدَّثَنِي، قَالَ: إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبي سُلَيْمَانَ جُلُوسٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ ﵈ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، مَعَهَا شَنَّةٌ -لَمْ يَرْفَعْهُ-، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ.
(لتعفِّيَ أثرَها): لتُخفيه وتمحُوَه؛ لأجل غَيْرَةِ سارةَ.
(عندَ دَوْحَةٍ): هي شجرة عظيمة.
(ثم قفَّى): وَلَّاها قَفاهُ، وهي بتشديد الفاء.
(واستقبلَ بوجهه البيتَ): أي: موضعَ البيت؛ لأنه لم يكن حينئذٍ قد بُني.
(عطِشت): بكسر الطاء.
(يتلوَّى): يتقلبُ (١) ظَهْرًا لبطنٍ.
(أو قال: يتلبط): أي: يُصرع، وقيل: معناهما واحد، وقيل: اللَّبط والخَبْطُ بمعنى.
وقال ابن دريد: اللَّبط باليد، والخَبْطُ بالرِّجْل (٢).
(قالت: صَهٍ): قال الزركشي: بالتنوين.
قلت: والذي رأيتُه في بعض النسخ: بسكون الهاء من غير تنوين، فينبغي تحريرُ الرواية فيه.
أمرتْ نفسَها بالسكوت؛ لتسمعَ ما فيه فَرَجٌ (٣).
(غَواث): -بفتح الغين المعجمة- قيده ابنُ الخشاب وغيرُه من أئمة اللغة، قيل: وليس في الأصوات ما يقال بفتح الفاء غيره.
قال السفاقسي: ويجوز ضم الغين (٤).
стр. 2921
(فإذا هي بالملَكِ): هو جبريل ﵇.
(فبحث (١) بعَقِبِه): أي: حفرَ بمؤخر رِجْلِه.
قال السهيلي: وفي تفجيره إياها بالعَقِبِ دون أن يفجرها باليد أو غيرها إشارةٌ إلى أنها لعقبه وراثة، وهو محمدٌ وأمته؛ كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]؛ أي: في أمة محمد ﷺ (٢).
(فجعلت تُحَوِّضُه): -بالحاء المهملة والضاد المعجمة-؛ أي: تُصَيِّرُه كالحوض؛ لئلا يذهب الماء، وفي رواية: "تُحَوِّطُه" (٣).
(وهو يفور): أي: ينبعُ؛ كقوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠].
(من طريق كَدَاء): -بالفتح والمد-: أعلى (٤) مكة، كذا نقله القاضي عن رواية الجمهور (٥).
(فرأوا طائرًا عائِفًا): العائف -بالفاء-: هو الذي يتردَّدُ حول الماء ويحوم.
(فأرسلوا جَرِيًّا): -بالياء المشددة-: الرسولُ المسرعُ؛ لأنه يجري؛ أو لأنك تُجريه في حوائجك.
(وهي تحبُّ الإنس): بضم الهمزة وكسرها.
(وأنفَسَهم): -بفتح الفاء-؛ أي: صار نفَيسًا (٦) فيهم رفيعًا يتنافس
стр. 2922
في (١) الوصول إليه.
(ويقول غيِّرْ عَتَبَةَ بابك): كنى بالعتبة عن المرأة، وأشار عليه (٢) بفراقها.
قال ابن سعد في "الطبقات": عن الكلبي، قال: كانت لإسماعيل امرأة من العماليق (٣) ابنةُ صُدَيِّ قَبْلَ الجُرْهُمية، وهي التي جاءها إبراهيم، فجَفَتْه في القول، ففارقها إسماعيل، ولم تلدْ له شيئًا، وقال ابنُ سعد -بعد ذكر أولاد إسماعيل-: وأُمهم في رواية محمد بن إسحاق: رِعْلَةُ بنتُ مُضاضِ ابنِ عمرٍو الجرهمي.
وفي رواية الكلبي: رِعْلَةُ بنتُ (٤) يَشْجُبَ بق يَعْرُبَ بنِ لوذانَ (٥) بنِ جُرْهُمٍ (٦).
وذكر السهيلي في "الروض الأنف" في أولاد إسماعيل: أن ابن هشام قال: وأمهم بنتُ مُضاض، قال: ولم يذكر اسمها، واسمها السيِّدة، ذكره الدارقطني، وقد كان له امرأة سواها من جُرهم، وهي التي أمره أبوه بتطليقها، قيل: اسمُها جَداء بنتُ سعد، ثم تزوج أخرى، وهي التي قال لها إبراهيم في الزورة الثانية: "قولي لزوجِك فليثبتْ عتبةَ بيته"، وقال: اسمُ هذه الأخيرة سامَةُ بنتُ مُهَلْهِلٍ، ذكر ذلك الواقدي، وذكرهما المسعودي
أَخْبَرَنِي يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لبثَ يُوسُفُ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ".
(نحن أَحَقُّ من إبراهيمَ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]): أي: نحن أشدُّ اشتياقًا لرؤية ذلكَ من إبراهيم.
وعند ابن السكن: "نحن أَحَقُّ بالشَّكِّ"؛ أي: نحن أحوجُ إلى العِيان منه.
قال الزركشي: وذكر صاحب "الأمثال السائرة": أن أَفْعَل يأتي في اللغة لنفي المعنى عن الشيئين (١)؛ نحوَ: الشيطانُ خيرٌ من زيد؛ أي: لا خيرَ فيهما، وكقوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧].
قال: وهو من أحسن ما يتخرج عليه هذا الحديث (٢).
قلت: ولكنه غير معروف عند المحققين.
(لقد كان يأوي إلى ركن شديد): ظاهرُه أنه كان يأوي عند الشدائد إلى الله تعالى، [وقال مجاهد: يعني: العشيرة، ولعله يريد: لو أراد، لأوى
стр. 2928
إليها، ولكنه أوى إلى الله تعالى] (١).
(ولو لبثتُ (٢) في السجن ما لبثَ يوسفُ، لأجبت الداعيَ): يريد: حين دُعي إلى الخروج من السجن بعد مكثه فيه بضعَ سنين، فلم يخرج، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ [يوسف: ٥٠]، وصفه بالصبر والثبات؛ أي: لو كنتُ مكانَه، لخرجتُ، وهذا كله من حُسْنِ تواضعِ نبينا ﷺ وإعظام من ذكره؛ كقوله: "لا تُفَضِّلُوني (٣) عَلَى يُونُسَ" (٤).
* * *
باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ إلى قوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
١٨٣١ - (٣٣٧٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سعَيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أكرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: "أكرَمُهُمْ أتقَاهُمْ"، قَالُوا: يَا نبَي اللَّهِ! لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألكَ. قَالَ: "فَأكرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نبَيُّ اللَّهِ ابْنُ نبَيِّ اللَّهِ ابْنِ نبَيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ". قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألكَ.
لموسى من حيث إنه مَفْضولٌ مُعَيَّنٌ.
* * *
١٨٤٣ - (٣٤٠٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسىَ، فَقَالَ لَهُ مُوسىَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرجَتْكَ خَطِيئتكَ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسىَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَ تَلُومُنِي علَى أَمْرٍ قُدِّرَ علَي قَبلَ أَنْ أُخلَقَ". فَقَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فَحَجَّ آدَمُ مُوسىَ" مَرَّتَيْنِ.
(فحج آدمُ موسى): -برفع- آدم؛ غلبه بالحجة.
ووجهه: أن موسى قد أعلمه الله في (١) التوراة بقضية آدم، وبأن الله تاب عليه منها، ورفع عنه المعاتبة والمؤاخذة، وأنه قد رده إلى أحسن ما كان عليه، فكأنه (٢) يقول: أتعاتبُني وتؤاخذُني وقد علمتَ أن الله أسقطَ عني ذلك؟
وقال الخطابي: إنما حَجَّه آدمُ في اللوم؛ إذ ليس لآدميٍّ أن يلوم أحدًا، وقد جاء في الحديث: "انْظُرُوا إِلَى الناس كَأنكمْ عَبِيدٌ، وَلا تَنْظُروا إِلَيْهِمْ كَأَنَكمْ أَربابٌ" (٣)(٤).
стр. 2939
باب: قول الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١١ - ١٢]
١٨٤٤ - (٣٤١١) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِير، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأة فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
(وفضلُ عائشةَ على النساء كفضل الثريد على سائر (١) الطعام): قيل: يحتملُ العموم، وقيل: يحتمل نساءَ عصرها، ويحتمل أزواجَه ﵇، وقد قال النبي ﷺ : "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ" (٢).
وقال (٣) لفاطمة ﵂: "أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوني سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنةِ؟ " (٤)، ولا يُنكر إطلاقُ العام (٥) وإرادةُ الخاص، والله أعلم بمراده من ذلك.
وقال أبو الفرج: العرب (٦) تفضل الثريد؛ لأنه أسهلُ في التناول،
стр. 2940
ولأنه يأخذ جوهرَ (١) المَرَقِ.
قال الزركشي: الثريد: اللحم، كذا قال معمر عن قتادةَ وأبان مرفوعًا.
وفي خبر آخر: "سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ" (٢).
* * *
باب: قَولِ اللَّهِ : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢]
١٨٤٥ - (٣٤١٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ما يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى".
(ما ينبغي لأحد (٣) أن يقول: أنا خير من يونسَ بنِ مَتَّى): -بتشديد التاء-، واختلف في الضمير من قوله: "أنا" هل يعود إلى النبي ﷺ ، أو إلى القائل؟
قال الزركشي: ورواية الطبراني تشهد للثاني؛ فإنه أخرج حديثَ ابنِ عباس هذا من طريق عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "ما يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ:
стр. 2941
أَنا عِنْدَ (١) اللهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (٢).
قلت: الاحتمالُ في هذا كالاحتمال في الأول، وليس نصًا (٣) في أن المراد بـ "أنا" هو القائل حتى يكون شاهدًا للقول الثاني، ثم لا معنى لاستشهاده بما في الطبراني؛ فإن في هذا الباب نفسِه حديثًا أسنده البخاري مرفوعًا: "لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُس بْنِ مَتى" (٤)، وهذا كحديث الطبراني، إلا أنه ليس فيه قوله: "عِنْدَ الله"، وهي زيادة لا توجب النصَّ على الغرض (٥) المطلوب له، فتأمله.
وقال الطحاوي: قد جاءت (٦) في الحديث زيادةٌ تبين المعنى في ذلك،
وهي قوله: "قَدْ سَبح اللهَ في الظُّلُمَاتِ" (٧)(٨).