← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

(لا يجاوز حناجرَهم): أي: لا يرفع في الأعمال الصالحة. (يمرقون): المُروق: النُّفوذ حتى يخرجَ من الطرف الآخر. (من الدين): أي: الطاعة، يريد: أنهم يخرجون من طاعة الأئمة كخووج السهم من الرمية، وهذا نعتُ الخوارج الذين لا يدينون (١) للأئمة، ويخرجون على الناس (٢). * * * باب: قِصَّةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ١٨١٦ - (٣٣٤٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ ﵅: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَاْجُوجَ مِثلُ هَذِهِ"، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ بْنَةُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ". (وحلق بإصبعيه (٣) الإبهامِ والتي تليها): وفي رواية أبي هريرة: "وعقدَ بيدِه تِسْعين" (٤).

стр. 2907

قال السفاقسي: وليس عقدُ التسعين (١) في الحساب مثلَ التحليق، وردَّ بأن عقدَ التسعين في اصطلاح الحساب: أن يجعل رأس الإصبع السبابة في أصل الإبهام، ويضمها حتى لا يبقى بينهما إلا خلل يسير (٢). * * * ١٨١٧ - (٣٣٤٨) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ". ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْناَ، فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَاّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ". (فيقول: أخرجْ بعثَ النار): المخاطب بهذا الكلام آدمُ ﵇، وإنما خُصَّ بذلك؛ لأن الله تعالى قد جمع له جميعَ (٣) نَسَمِ بنيه المولودين

стр. 2908

منه إلى يوم القيامة، ودليلُ ذلك: أن نبينا -صلوات الله عليه وسلامه عليه- رأى آدم ليلة الإسراء في السماء الدنيا، وعن يمينه أَسْوِدَة، وعن يساره أسودة. (فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة): روى الترمذي عن بريدة مرفوعاً، وحَسَّنه: "أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ ضِعْفٍ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْهَا مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ" (١)، ولا تعارضَ بين الحديثين، وإذا (٢) تأملت، فإن هذا ليس فيه الجزم بأنهم نصفُ أهل الجنة فقط، وإنما هو رجاءٌ رجاهُ لأمته، ثم أعلمَه الله تعالى بعدَ ذلك أن أمته ثُلثُا أهلِ الجنة (٣). (ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض): هذا في المحشر، وأما في الجنة، فهم نصف الناس هناك، أو ثلثاهم على ما سبق. * * * باب: قوله الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ١٨١٨ - (٣٣٤٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ ابْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً -ثُمَّ قَرَأَ-: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُناَساً مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى

стр. 2909

أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] ". (غُرْلاً): -بضم الغين المعجمة وإسكان الراء-؛ أي: غيرَ مختونين، جمعُ أَغْرَلَ (١)، والغُرْلَةُ: هو ما يقطعُه الخاتِن، وهي القُلْفَةُ (٢). (أصحابي): ويروى: "أُصَيْحابي" -بالتصغير-؛ للتنبيه (٣) على قلة عددهم (٤). (مرتدِّين على أعقابهم): قيل: في قوله: على أعقابهم، ولم يقتصر على مرتدين؛ إشارة إلى أنهم مرتكبو الكبائر، وقيل: ارتدادُ من ارتدَّ من العرب بعد موته ﷺ (٥). * * * ١٨١٩ - (٣٣٥٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ

стр. 2910

وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَني يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ! مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ". (فإذا هو بذبْخ (١)): -بذال معجمة مكسورة فباء موحدة ساكنة فخاء معجمة-: هو ذكر الضِّباع. (مُلْتَطِخ): أي: بعَذِرَةٍ ونجاسةٍ. ولما حملت الرأفةُ إبراهيمَ ﵇ على الشفاعة لأبيه، أُبرز له في هذه الهيئة المستبشعة (٢) ليتبرأَ منه. وتوقف الإسماعيلي في "المستخرج على الصحيح"، فقال: هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم ﵇ عالمٌ أن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ووعدُه بأنه لا يخزيه يومَ البعث، ولو تلا الإسماعيلي قولَه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، لتلاشى عنده هذا النظر الذي أبداه (٣) (٤). * * * ١٨٢٠ - (٣٣٥٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،

стр. 2911

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثنَي سَعِيدُ بْنُ أَبي سَعِيدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أكرَمُ الناسِ؟ قَالَ: "أتقَاهُمْ"، فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسأَلُكَ، قَالَ: "فَيُوسُفُ نبَيُّ اللهِ ابْنُ نبِيِّ اللهِ ابْنِ نبَيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألكَ، قَالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْألونَ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا". (إذا فَقُهوا): قال أبو البقاء: الجيدُ هنا ضمُ القاف؛ من فَقُهَ يَفْقُهُ: إذا صارَ فقيهًا؛ كَظَرُفَ، وأما فَقِه -بالكسر- يفقَه -بالفتح-، فهو بمعنى: فَهِمَ الشيءَ، فهو متعدِّ، والمضمومُ القافِ لازمٌ (١) (٢). * * * ١٨٢١ - (٣٣٥٥) - حَدثَنِي بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَناَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ، أَوْ ك ف ر، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: "أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى، فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي". (مخطوم بخُلْبة): أي: جُعل خطامُه من خُلْبَةٍ، وهي (٣) بضم الخاء: الخُصْلَةُ من اللِّيف.

стр. 2912

١٨٢٢ - (٣٣٥٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ". حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أبو الزِّناَدِ: "بِالْقَدُومِ" -مُخَفَّفَةً-. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبي الزِّناَدِ. تَابَعَهُ عَجْلَانُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. (بالقَدوم): -بفتح القاف وتخفيف الدال-: قريةٌ بالشام، وقيل: هي آلةُ النجَّار، وحكى الباجيُّ التشديد، قال: وهو موضع (١) (٢). (وتابعه عجلان عن أبي هريرة): قال الزركشي: من قال: تابعه ابن عجلان، فقد وهم؛ فإن محمدًا لم يلق أبا هريرة، وإنما أبوه هو الذي أدركه، فروى عنه. قال المنذري فيما استدركه عليُّ بنُ طاهر المقدسي في كتابه عند ذكر عجلان: فإنه ذكره في "أفراد مسلم"، قال: قد استشهد البخاري بعجلان في بدء الخلق في ذكر إبراهيم الخليل ﷺ (٣). * * * ١٨٢٣ - (٣٣٥٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ،

стр. 2913

عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلَاثَ كذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ : قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وَقَالَ بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أتى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأة مِنْ أَحْسَنِ الناسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِه؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأتى سَارَةَ، قَالَ: يَا سَارَةُ! لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِن غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي، فَأَخْبَرتُهُ أَنكِ أُختِي، فَلَا تُكَذبِينِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِه، فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتِ اللَّهَ، فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأخذَ مِثْلَهَا، أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ، فَأُطْلِقَ. فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَكمْ لَمْ تَأْتُوني بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أتيْتُمُوني بِشَيْطَانٍ. فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتتهُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَم؟ قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ -أَوِ الْفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءَ. (إلا ثلاث كذَبات): -بفتح الذال-؛ لأن واحده كَذْبَة -بسكون الذال-، وهو اسمٌ لا صفة، فهو كجَفْنَة، وقَصْعَة، والمرادُ ظاهر بالكذبات: المعاريض. قال ابن الأنباري: تأويلُ (١) كذب: قال قولًا يشبه الكذبَ في ظاهر الأمر، وهو صدق عند البحث والتفتيش (٢).

стр. 2914

(إذ أتى على جبار من الجبابرة): حكى السهيلي في اسمه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ملكُ الأُرْدُن، وهو صادوق. وقيل: إن الملك سنانُ بنُ علوان، وكان -في أحد الأقوال- أخا الضحاك الذي ملك الأقاليم. وقيل: هو عمرُو بن امرئ القيس بن سبأ بن يشجب (١) بن يَعْرُب، وكان على مصر إذ ذاك (٢). (فأومأ بيده: مهيم): كذا لأكثرهم، وعند ابن السكن، وابن القابسي: "مهين" -بالنون بدلًا من الميم-، قيل: وأولُ من تكلَّمَ بها إبراهيم (٣). (يا بني ماء السماء): يعني: العرب؛ لأنهم يعيشون بماء المطر، ويتتبعون مساقِطَ الغيث. قال الخطابي: وقيل: إنما أراد زمزمَ أنبعَها الله تعالى لهاجرَ، فعاشوا بها، فصاروا كلُّهم أولادَها (٤). وذكر ابن حبان في "صحيحه": أن كل مَنْ كان من ولد هاجر يقال له: وَلَدُ ماءِ السماء؛ لأن إسماعيلَ مِنْ هاجر، وقد رُبِّي من ماء زمزمَ، وهي ماءُ السماء الذي أكرم به إسماعيل حين ولدته أمه هاجر، فأولادها أولادُ ماء السماء (٥).

стр. 2915

وقيل: ماءُ السماء هو عامرٌ أبو عمرو بن مزيقياء، وهو من الأزد، والأزدُ من اليمن، والأنصارُ من اليمن، سمي بذلك؛ لأنه إذا قحط الناس، أقام لهم مالَه مُقامَ المطر (١). * * * ١٨٢٤ - (٣٣٦٢) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أيوب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ، لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا" (عينًا معينًا): المَعِينُ: الظاهر على وجه الأرض، وهل وزنُه مَفْعَلٌ من عانه: إذا رآه بعينه، وأصله مَعْيُونٌ، فبقي كمَبيع، أو فَعِيلٌ من أَمْعَنْتُ في الشيء: إذا بالغتُ فيه؟ وجهان (٢). * * * ١٨٢٥ - (٣٣٦٣) - قَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَمَّا كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ، فَحَدَّثَنِي، قَالَ: إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبي سُلَيْمَانَ جُلُوسٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ ﵈ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، مَعَهَا شَنَّةٌ -لَمْ يَرْفَعْهُ-، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ.

стр. 2916

(معها (١) شَنَّة): -بشين معجمة مفتوحة-: قِرْبَةٌ (٢) خَلَقَةٌ، وهو (٣) أشد تبريدًا للماء من الجليد (٤). * * * ١٨٢٦ - (٣٣٦٤) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَكثِيرِ بْنِ كثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبي وَداعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاس: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لتُعَفِّيَ أثرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَد، وَلَيْسَ بِهَا مَاء، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاء، ثمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أَيْنَ تَذْهَبُ وَتترُكنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْس وَلَا شَيْء؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نعمْ، قَالَتْ إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. ثمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءَ الْكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ

стр. 2917

غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضعُ إِسمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ، عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى -أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ-، فَانْطَلَقَتْ كرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ ترَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ، رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسَانِ الْمَجْهُودِ، حَتَى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أتتِ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنظرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ ترَ أَحَدا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبعَ مَرَّاتٍ -قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا". -فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ، سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ. تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثُمَ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ -أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ، وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهْوَ يَفُورُ بَعْدَما تَغْرِفُ -قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكتْ زَمْزَمَ، أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا". -قَالَ: فَشَرِبَتْ، وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لها الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الْغُلَام، وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتيه السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ منْ جُرْهُمَ -أَوْ: أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ- مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا في

стр. 2918

أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا. فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاء، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاء، فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاء، فَقَالُوا: أتأذَنِينَ لَنَا أَنْ ننزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نعمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاء، قَالُوا: نعمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَهْيَ تُحِبُّ الإنْسَ"، فَنَزَلُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّة مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ، زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكتهُ، فَلَمْ يَجدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأتهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. ثُمَّ سَألَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ. فَشَكَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، كَأَنَّهُ آنس شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءكمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نعمْ، جَاءَنَا شيخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَألنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءَ؟ قَالَتْ: نعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أفُارِقَكِ، الْحَقِي بأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أتاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كيْفَ أَنتمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ، وَهَيْئتَهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْن بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأثنَتْ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟

стр. 2919

قَالَتِ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْم وَالْمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ، دَعَا لَهُمْ فِيهِ". قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: هَلْ أتاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نعمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نبلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ، قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنعُ الْوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ! إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنع مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبني هَاهُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أكمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ ينَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. (المِنْطَق): -بميم مكسورة وطاء مفتوحة-: النِّطاقُ تشدُّه المرأةُ على الوسط عند الشُّغل؛ لئلا تَعْثُرَ في ذَيْلِها.

стр. 2920

(لتعفِّيَ أثرَها): لتُخفيه وتمحُوَه؛ لأجل غَيْرَةِ سارةَ. (عندَ دَوْحَةٍ): هي شجرة عظيمة. (ثم قفَّى): وَلَّاها قَفاهُ، وهي بتشديد الفاء. (واستقبلَ بوجهه البيتَ): أي: موضعَ البيت؛ لأنه لم يكن حينئذٍ قد بُني. (عطِشت): بكسر الطاء. (يتلوَّى): يتقلبُ (١) ظَهْرًا لبطنٍ. (أو قال: يتلبط): أي: يُصرع، وقيل: معناهما واحد، وقيل: اللَّبط والخَبْطُ بمعنى. وقال ابن دريد: اللَّبط باليد، والخَبْطُ بالرِّجْل (٢). (قالت: صَهٍ): قال الزركشي: بالتنوين. قلت: والذي رأيتُه في بعض النسخ: بسكون الهاء من غير تنوين، فينبغي تحريرُ الرواية فيه. أمرتْ نفسَها بالسكوت؛ لتسمعَ ما فيه فَرَجٌ (٣). (غَواث): -بفتح الغين المعجمة- قيده ابنُ الخشاب وغيرُه من أئمة اللغة، قيل: وليس في الأصوات ما يقال بفتح الفاء غيره. قال السفاقسي: ويجوز ضم الغين (٤).

стр. 2921

(فإذا هي بالملَكِ): هو جبريل ﵇. (فبحث (١) بعَقِبِه): أي: حفرَ بمؤخر رِجْلِه. قال السهيلي: وفي تفجيره إياها بالعَقِبِ دون أن يفجرها باليد أو غيرها إشارةٌ إلى أنها لعقبه وراثة، وهو محمدٌ وأمته؛ كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]؛ أي: في أمة محمد ﷺ (٢). (فجعلت تُحَوِّضُه): -بالحاء المهملة والضاد المعجمة-؛ أي: تُصَيِّرُه كالحوض؛ لئلا يذهب الماء، وفي رواية: "تُحَوِّطُه" (٣). (وهو يفور): أي: ينبعُ؛ كقوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]. (من طريق كَدَاء): -بالفتح والمد-: أعلى (٤) مكة، كذا نقله القاضي عن رواية الجمهور (٥). (فرأوا طائرًا عائِفًا): العائف -بالفاء-: هو الذي يتردَّدُ حول الماء ويحوم. (فأرسلوا جَرِيًّا): -بالياء المشددة-: الرسولُ المسرعُ؛ لأنه يجري؛ أو لأنك تُجريه في حوائجك. (وهي تحبُّ الإنس): بضم الهمزة وكسرها. (وأنفَسَهم): -بفتح الفاء-؛ أي: صار نفَيسًا (٦) فيهم رفيعًا يتنافس

стр. 2922

في (١) الوصول إليه. (ويقول غيِّرْ عَتَبَةَ بابك): كنى بالعتبة عن المرأة، وأشار عليه (٢) بفراقها. قال ابن سعد في "الطبقات": عن الكلبي، قال: كانت لإسماعيل امرأة من العماليق (٣) ابنةُ صُدَيِّ قَبْلَ الجُرْهُمية، وهي التي جاءها إبراهيم، فجَفَتْه في القول، ففارقها إسماعيل، ولم تلدْ له شيئًا، وقال ابنُ سعد -بعد ذكر أولاد إسماعيل-: وأُمهم في رواية محمد بن إسحاق: رِعْلَةُ بنتُ مُضاضِ ابنِ عمرٍو الجرهمي. وفي رواية الكلبي: رِعْلَةُ بنتُ (٤) يَشْجُبَ بق يَعْرُبَ بنِ لوذانَ (٥) بنِ جُرْهُمٍ (٦). وذكر السهيلي في "الروض الأنف" في أولاد إسماعيل: أن ابن هشام قال: وأمهم بنتُ مُضاض، قال: ولم يذكر اسمها، واسمها السيِّدة، ذكره الدارقطني، وقد كان له امرأة سواها من جُرهم، وهي التي أمره أبوه بتطليقها، قيل: اسمُها جَداء بنتُ سعد، ثم تزوج أخرى، وهي التي قال لها إبراهيم في الزورة الثانية: "قولي لزوجِك فليثبتْ عتبةَ بيته"، وقال: اسمُ هذه الأخيرة سامَةُ بنتُ مُهَلْهِلٍ، ذكر ذلك الواقدي، وذكرهما المسعودي

стр. 2923

أيضًا، وقد قيل: الثانية عاتكة (١). (قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ شيئًا (٢)): أي: لا يخلط عليهما أحد (٣) شيئًا. (يَبْري): بفتح أوله. * * * ١٨٢٧ - (٣٣٦٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كثِيرِ بْنِ كثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كانَ، خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، وَمَعَهُمْ شَنَّة فِيهَا مَاء، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُم إِسْمَاعِيلَ، حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاء، نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ! إِلَى مَن تترُكنَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ، قَالَتْ: رَضِيتُ بِاللَّهِ. قَالَ: فَرَجَعَتْ، فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَى لَمَّا فَنِيَ الْمَاءُ، قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلي أُحسُّ أَحَدًا. قَالَ: فَذَهَبَتْ، فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ: هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا؟ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، فَلَمَّا بَلَغَتِ الْوَادِيَ، سَعَتْ، وَأتتِ الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا، ثُمَ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ

стр. 2924

-تَعْنِي: الصَّبِيَّ-، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ؛ كأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا، فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ؛ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ، فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، حَتَّى أتمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ، فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عنْدَكَ خَيْر، فَإِذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا، وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَانْبَثَقَ الْمَاءُ، فَدَهشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَتْ تَحْفِزُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ، كَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا". قَالَ: فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءَ، وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا. قَالَ: فَمَرَّ نَاس مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الْوَادِي، فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ، كأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ، وَقالُوا: مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلَّا عَلَى مَاءٍ، فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ، فَنَظَرَ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا، فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، أتأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ، أَوْ نسكُنَ مَعَكِ؟ فَبَلَغَ ابْنُهَا، فَنَكَحَ فِيهِمُ امْرَأَةً. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ ترِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأتهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ. قَالَ: قُولي لَهُ إِذَا جَاءَ غَيِّرْ عَتَبةَ بَابِكَ. فَلَمَّا جَاءَ، أَخْبَرَتهُ، قَالَ: أَنْتِ ذَاكِ، فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ. قالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِع تَرِكَتي. قَالَ: فَجَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأتهُ. ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَنْزِلُ فتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ، وَشَرابُنَا الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ : "بَرَكَة بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ". قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، يُصْلِحُ نَبلًا لَهُ، فَقَالَ:

стр. 2925

يَا إِسْمَاعِيلُ! إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا. قَالَ: أَطِعْ رَبَّكَ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ. قَالَ: إِذًا أَفعَلَ. أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقَامَا، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. قَالَ: حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَلَى نقلِ الْحِجَارة، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارة، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. (يُنْشَغُ للموت): -بشين معجمة مفتوحة وغين معجمة-: يَشْهَقُ ويَضيق نفسُه. (فلم تُقِرَّها (١)): بضم أوله وكسر ثانيه. * * * ١٨٢٨ - (٣٣٦٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَيْمِيُّ عَنْ أَبيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ مَسْجدٍ وُضعَ بالأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأَقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْركَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ، فَصَلِّهْ؛ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ". (أَيُّ مسجدٍ وُضع بالأرض أَوَّلُ): قال أبو البقاء: الوجهُ أن يُضَمَّ "أَوَّلُ" ضمةَ بناء، كما يقال (٢): ابدأ بهذا أولُ، وإنما بني؛ لقطعِه عن

стр. 2926

الإضافة كما بُنيت قَبْلُ وبَعْدُ، والتقدير: أولَ كلِّ شيء (١). * * * ١٨٢٩ - (٣٣٧١) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: "إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ". (أعوذ بكلمات الله التامَّة): أي: المبارَكَة، وقيل: القرآن. (من كل شيطان وهامَّة): قال الخطابي: واحدةُ الهوام (٢) ذواتِ السموم (٣). (ومن كل عين لامَّة): أي: ذاتِ اللَّمَم؛ وهو كلُّ داء يُلِمُّ بالإنسان من خَبَلٍ أو جُنونٍ أو نحوِهما (٤). * * * باب: قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] ١٨٣٠ - (٣٣٧٢) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالح، حَدثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:

стр. 2927

أَخْبَرَنِي يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لبثَ يُوسُفُ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ". (نحن أَحَقُّ من إبراهيمَ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]): أي: نحن أشدُّ اشتياقًا لرؤية ذلكَ من إبراهيم. وعند ابن السكن: "نحن أَحَقُّ بالشَّكِّ"؛ أي: نحن أحوجُ إلى العِيان منه. قال الزركشي: وذكر صاحب "الأمثال السائرة": أن أَفْعَل يأتي في اللغة لنفي المعنى عن الشيئين (١)؛ نحوَ: الشيطانُ خيرٌ من زيد؛ أي: لا خيرَ فيهما، وكقوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]. قال: وهو من أحسن ما يتخرج عليه هذا الحديث (٢). قلت: ولكنه غير معروف عند المحققين. (لقد كان يأوي إلى ركن شديد): ظاهرُه أنه كان يأوي عند الشدائد إلى الله تعالى، [وقال مجاهد: يعني: العشيرة، ولعله يريد: لو أراد، لأوى

стр. 2928

إليها، ولكنه أوى إلى الله تعالى] (١). (ولو لبثتُ (٢) في السجن ما لبثَ يوسفُ، لأجبت الداعيَ): يريد: حين دُعي إلى الخروج من السجن بعد مكثه فيه بضعَ سنين، فلم يخرج، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ [يوسف: ٥٠]، وصفه بالصبر والثبات؛ أي: لو كنتُ مكانَه، لخرجتُ، وهذا كله من حُسْنِ تواضعِ نبينا ﷺ وإعظام من ذكره؛ كقوله: "لا تُفَضِّلُوني (٣) عَلَى يُونُسَ" (٤). * * * باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ إلى قوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ١٨٣١ - (٣٣٧٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سعَيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أكرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: "أكرَمُهُمْ أتقَاهُمْ"، قَالُوا: يَا نبَي اللَّهِ! لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألكَ. قَالَ: "فَأكرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نبَيُّ اللَّهِ ابْنُ نبَيِّ اللَّهِ ابْنِ نبَيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ". قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نسألكَ.

стр. 2929

قَالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْألوني؟ "، قَالُوا: نعَمْ. قَالَ: "فَخِيَارُكم فِي الْجَاهِلِيةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا". (فأكرمُ الناسِ يوسفُ): يريد: أكرمَهم أصلًا، فإنهم سلسلةُ أنبياء (١). (فعن معادن العرب تسألوني؟): فيه: أن أصحابه أطيبُ أصلًا في الجاهلية. وفيه: فضل الفقه، وأنه يرفع صاحبه على مَنْ نسبهُ أعلى منه. * * * باب: قول الله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: ٦١] ١٨٣٢ - (٣٣٧٧) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن زَمْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . وَذَكرَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، قَالَ: "انتدَبَ لَهَا رَجُل ذُو عزٍّ وَمَنَعَةٍ فِي قَوْمِهِ؛ كأبِي زَمْعَةَ". (ومَنَعَة): بفتح الميم والنون، وبإسكان النون أيضًا. (كأبي زَمْعَة): بفتح الزاي وإسكان الميم وفتحها. وعاقر الناقة هو قُدَارُ بنُ سالِف. * * * ١٨٣٣ - (٣٣٧٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن مسكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا

стр. 2930

يَحْيىَ بْنُ حَسَّانَ بْنِ حَيَّانَ أَبُو زكرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ عبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نزلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تبوكَ، أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْربُوا مِنْ بِئْرِهَا، وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا، وَاسْتَقَيْنَا. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ، وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ. وَيُرْوَى عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، وَأَبِي الشُّمُوسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِلْقَاء الطَّعَامِ. وَقَالَ أبو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ : "مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ". (عن سَبْرَة): بفتح السين المهملة وإسكان الباء الموحدة. (وأبي الشَّموس): بفتح الشين المعجمة وآخره سين مهملة. * * * ١٨٣٤ - (٣٣٨٠) - حَدَّثَنِي مُحَمَّد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ، قَالَ. "لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ". ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدائِهِ، وَهْوَ عَلَى الرَّحلِ. (إلا أن تكونوا (١) باكين؛ أن يصيبكم (٢)): أي: مخافةَ أن يُصيبكم، أو لئلا يُصيبكم، على الرأيين المعروفين في مثله.

стр. 2931

باب: قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] ١٨٣٥ - (٣٣٨٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ رُومَانَ، وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ، عَمَّا قِيلَ فِيهَا مَا قِيلَ، قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَانِ، إِذْ وَلَجَتْ عَلَيْنَا امْرَأة مِنَ الأَنْصَارِ، وَهْيَ تَقُولُ: فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ نَمَا ذِكْرَ الْحَدِيثِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَيُّ حَدِيثٍ؟ فَأَخْبَرَتهَا. قَالَتْ: فَسَمِعَهُ أبو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نعمْ. فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أفاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا لِهَذِهِ؟ "، قُلْتُ: حُمَّى أَخَذَتْهَا مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ، فَقَعَدَتْ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ! لَئِنْ حَلَفْتُ، لَا تُصَدِّقُوني، وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ، لَا تَعْذِرُوني، فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَ، فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِ أحدٍ. (فقالت: بحمد الله لا بحمد أحدٍ): قال بعض أصحابِ ابنِ المبارَكِ له (١): أنا (٢) أستعظِم (٣) هذا القولَ، فقال (٤): وَلَّتِ الحمْدَ أَهلَه.

стр. 2932

١٨٣٦ - (٣٣٨٩) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَرَأَيْتِ قَولهُ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] أَوْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ! لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا أَوْ كُذِبُوا؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ، قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ أتبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ. (فقالت: بل كَذَّبهم قومُهم): تريد أن الظن في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بمعنى اليقين، وهو شائع في اللغة؛ كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]. وعُرْوَةُ حملَ الظنَّ على بابه، فاستشكل، فأجابته عائشة بما تقدم، وبوجه آخر، وهو: أن الظن على بابه، ولكنه لما (١) طال (٢) على المؤمنين البلاء، واستأخر عنهم النصر، ظن الرسلُ أن أتباعهم كَذَّبوهم، قيل: وهو أحسن (٣). (قالت: يا عُريَّة!): هو تصغير عُرْوَة، وأصلُه: يا عُرَيْوَةُ، اجتمعت الياء

стр. 2933

والواو، وسبق (١) الأول بالسكون، فقلبوا الواوَ ياء، وأُدغم الأولُ في الثاني. * * * باب: قَوْلُ اللَّهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٢] كَلَّمَهُ. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَلِلاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ: نجيٌّ. وَيُقَالُ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]: اعْتَزَلُوا نجِيًّا، وَالْجَمِيعُ أَنجيةٌ يَتَنَاجَوْنَ. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ إلى قوله ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر: ٢٨]. (﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾): اسمه شمعان. قال الدارقطني: لا يعرف شمعان (٢): -بالشين المعجمة- إلا من آل فرعون. وقال السهيلي: هذا أصحُّ ما قيل فيه (٣). * * * باب: قَولِ اللَّهِ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩] ١٨٣٧ - (٣٣٩٤) - حَدثَنَا إِبْراهِيمُ بْن مُوسَى، أَخبَرنَا هِشَامُ بْن يُوسُفَ،

стр. 2934

أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسرِيَ بِهِ: "رَأَيْتُ مُوسَى، وإذَا رَجُل ضَرْبٌ رَجِلٌ، كَأَنه مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى، فَإِذَا هُوَ رَجُل رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كأنما خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ بِهِ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ، فَقَالَ: اشرَبْ أيهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْر، غَوَتْ أُمَّتُكَ". (رجل ضَرْبٌ): أي: نحيفٌ، وهو مدحٌ. (من رجال شَنوءَةَ): يريد: في الطول. وقال القزاز: ما أدري ما أراد البخاري بهذا؟ على أنه روي في صفته بعدُ خلاف هذا فقال: "وأَمَّا مُوسَى، فآدَمُ جَسيمٌ كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ" (١) (٢). (رجل رَبْعَة): -بفتح الباء وإسكانها-، و (٣) مربوع: بين (٤) الطويلِ والقصير. (من ديماس): هو الحمَّامُ بلغة الحبشة، أرادَ إشراقَ لونه ونضارتَه. وقال الخطابي: الديماس: السَّرَب، يقال: دَمَسْتُ الرجلَ: إذا قبرتُه، وأرادَ: أنه في نضرة وجهِه وحُسنه كأنه خرجَ من كِنٍّ (٥).

стр. 2935

بابِ: حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉ - ١٨٣٨ - (٣٤٠٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ؛ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ". (على فروةٍ بيضاءِ): قال الخطابي: هي وجهُ الأرض اخضرَّتْ (١) بعد أن كانت جَرْداء (٢). * * * باب ١٨٣٩ - (٣٤٠٤) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْء، اسْتِحْياءً مِنْهُ، فآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بني إِسْرائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَترُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَص، وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آفَة. وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فخلَا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ، أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ، وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ! ثَوْبِي حَجَرُ! حَتى انتهَى إِلَى مَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ

стр. 2936

مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ! إِنَّ بِالْحَجَرِ لندَبًا مِنْ أثَرِ ضَرْبِهِ؛ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبعًا، أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ". (عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة): إنما جمع بينهم؛ لأنه يقال: إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وممن جزم به الترمذي (١). * * * باب: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ١٨٤٠ - (٣٤٠٦) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ". قَالُوا: أكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: "وَهَلْ مِنْ نبِيِّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟ ". (الكَباث): -بكاف مفتوحة فباء موحدة فالف فثاء مثلثة-: هو النضيج من ثمر الأَراك. * * * باب: وَفَاةِ مُوسَى، وذِكْرِهِ بَعْدُ ١٨٤١ - (٣٤٠٧) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا

стр. 2937

مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉، فَلَمَّا جَاءَهُ، صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: ارْجعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَة. قَالَ: أَيْ رَبِّ! ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ. قَالَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيةً بِحَجَرٍ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَريتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ". (فلما جاءه صَكَّهُ): أي: لَطَمَه في عينه ففقأَها، وإنما فعل ذلك؛ لأنه لم يُخبره. (على مَتْن ثَوْر): المتن: مُكْتَنَفُ الصُّلْب من العصب واللحم. * * * ١٨٤٢ - (٣٤٠٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ! فِي قَسَم يُقْسِمُ بِهِ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ، فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِم، فَقَالَ: "لَا تُخَيِّرُوني عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أكانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثنَى اللَّهُ". (لا تُخيروني على موسى): أدبًا مع موسى، ولئلَّا يتوهم الجاهلُ نقصًا

стр. 2938

لموسى من حيث إنه مَفْضولٌ مُعَيَّنٌ. * * * ١٨٤٣ - (٣٤٠٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسىَ، فَقَالَ لَهُ مُوسىَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرجَتْكَ خَطِيئتكَ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسىَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَ تَلُومُنِي علَى أَمْرٍ قُدِّرَ علَي قَبلَ أَنْ أُخلَقَ". فَقَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فَحَجَّ آدَمُ مُوسىَ" مَرَّتَيْنِ. (فحج آدمُ موسى): -برفع- آدم؛ غلبه بالحجة. ووجهه: أن موسى قد أعلمه الله في (١) التوراة بقضية آدم، وبأن الله تاب عليه منها، ورفع عنه المعاتبة والمؤاخذة، وأنه قد رده إلى أحسن ما كان عليه، فكأنه (٢) يقول: أتعاتبُني وتؤاخذُني وقد علمتَ أن الله أسقطَ عني ذلك؟ وقال الخطابي: إنما حَجَّه آدمُ في اللوم؛ إذ ليس لآدميٍّ أن يلوم أحدًا، وقد جاء في الحديث: "انْظُرُوا إِلَى الناس كَأنكمْ عَبِيدٌ، وَلا تَنْظُروا إِلَيْهِمْ كَأَنَكمْ أَربابٌ" (٣) (٤).

стр. 2939

باب: قول الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١١ - ١٢] ١٨٤٤ - (٣٤١١) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِير، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأة فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ". (وفضلُ عائشةَ على النساء كفضل الثريد على سائر (١) الطعام): قيل: يحتملُ العموم، وقيل: يحتمل نساءَ عصرها، ويحتمل أزواجَه ﵇، وقد قال النبي ﷺ : "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ" (٢). وقال (٣) لفاطمة ﵂: "أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوني سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنةِ؟ " (٤)، ولا يُنكر إطلاقُ العام (٥) وإرادةُ الخاص، والله أعلم بمراده من ذلك. وقال أبو الفرج: العرب (٦) تفضل الثريد؛ لأنه أسهلُ في التناول،

стр. 2940

ولأنه يأخذ جوهرَ (١) المَرَقِ. قال الزركشي: الثريد: اللحم، كذا قال معمر عن قتادةَ وأبان مرفوعًا. وفي خبر آخر: "سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ" (٢). * * * باب: قَولِ اللَّهِ : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢] ١٨٤٥ - (٣٤١٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ما يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (ما ينبغي لأحد (٣) أن يقول: أنا خير من يونسَ بنِ مَتَّى): -بتشديد التاء-، واختلف في الضمير من قوله: "أنا" هل يعود إلى النبي ﷺ ، أو إلى القائل؟ قال الزركشي: ورواية الطبراني تشهد للثاني؛ فإنه أخرج حديثَ ابنِ عباس هذا من طريق عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "ما يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ:

стр. 2941

أَنا عِنْدَ (١) اللهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (٢). قلت: الاحتمالُ في هذا كالاحتمال في الأول، وليس نصًا (٣) في أن المراد بـ "أنا" هو القائل حتى يكون شاهدًا للقول الثاني، ثم لا معنى لاستشهاده بما في الطبراني؛ فإن في هذا الباب نفسِه حديثًا أسنده البخاري مرفوعًا: "لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُس بْنِ مَتى" (٤)، وهذا كحديث الطبراني، إلا أنه ليس فيه قوله: "عِنْدَ الله"، وهي زيادة لا توجب النصَّ على الغرض (٥) المطلوب له، فتأمله. وقال الطحاوي: قد جاءت (٦) في الحديث زيادةٌ تبين المعنى في ذلك، وهي قوله: "قَدْ سَبح اللهَ في الظُّلُمَاتِ" (٧) (٨).

стр. 2942

باب: قَوْلِ اللَّهِ -جَلَّ ذِكرُهُ-: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] الزُّبُرُ: الْكُتُبُ، وَاحِدُهَا زَبُورٌ، زَبَرْتُ: كتبْتُ. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]: قَالَ مُجَاهِد: سَبِّحِي مَعَهُ، ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]: الدُّرُوعَ، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]: الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ، وَلَا يُدِقَّ الْمِسْمَارَ فَيتسَلْسَلَ، وَلَا يُعَظِّمْ فَيَفْصِمَ، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١١]. (لا يُدِقَّ المسمارَ فيتسلسل): قال الزركشي: قيل صوابه (١): "فيَسْلَسَ (٢) " (٣). ١٨٤٦ - (٣٤١٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "خُفِّفَ عَلَى داوُدَ ﵇ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فتُسْرَجُ، فَيقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَده". (خُفِّف على داودَ القرآنُ): أي: القراءةُ. (فكان يأمر بدوابه فتُسْرَجَ، فيقرأُ القرآنَ): أي (٤): الزبورَ، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].

стр. 2943

باب: قَولِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] ١٨٤٧ - (٣٤٢٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِتقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا". عِفْرِيت: مُتَمَرِّد مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَان، مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ. (مثل زِبْنِيَة): بزاي مكسورة فموحدة ساكنة فنون مكسورة فياء تحتية مفتوحة (١) مخففة فهاء تأنيث. (جماعته زَبانية): وهي عند العرب الشُرَط، وسمي بذلك بعضُ الملائكة لزجِّهم (٢) أهلَ النار إليها. قال الأخفش: وقال بعضهم: واحدها (٣) زَبانِيٌّ، وقيل: زابِنٌ، وقال: زِبْنية على مثال عِفْرِيَة، قال: والعربُ لا تكاد تعرف هذا، و (٤) تجعله من الجمع الذي لا واحدَ له؛ كأبابيل، وعباديد، والزَّبْنُ: الدفع (٥).

стр. 2944

باب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ آل عمران:٤٢ - ٤٤] ١٨٤٨ - (٣٤٣٢) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ". (خير نسائها مريم): الضميرُ للدنيا، وإن لم يَجْرِ لها ذكرٌ يفسره الحال (١) والمشاهدة. قيل: ومعنى ذلك: أن كلَّ واحدة منها خيرُ نساء عالَمِها في وقتها (٢). * * * باب: قَولِ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥] ١٨٤٩ - (٣٤٣٤) - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَني يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ ركِبْنَ الإبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ". يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ.

стр. 2945

(أحناه على طفل): أي: أَحْنى هذا الجنسِ. * * * باب: قول الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] ١٨٥٠ - (٣٤٣٦) - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أو أُصَلِّي؟ فَقَالَتِ: اللَّهمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأة، وَكلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنتهُ مِنْ نفسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْج. فَأَتَوهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فتوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ. وَكَانَتِ امْرَأة تُرْضعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فترَكَ ثَدْيَهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثدْيِهَا يَمَصُّهُ -قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ-، ثُمَّ مُرَّ بِأمَةٍ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ. فترَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ، زَنيتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ". (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة): فذكر عيسى ﵇، وصاحبَ
следующие страницы →