أَنا عِنْدَ (١) اللهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (٢).
قلت: الاحتمالُ في هذا كالاحتمال في الأول، وليس نصًا (٣) في أن المراد بـ "أنا" هو القائل حتى يكون شاهدًا للقول الثاني، ثم لا معنى لاستشهاده بما في الطبراني؛ فإن في هذا الباب نفسِه حديثًا أسنده البخاري مرفوعًا: "لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُس بْنِ مَتى" (٤)، وهذا كحديث الطبراني، إلا أنه ليس فيه قوله: "عِنْدَ الله"، وهي زيادة لا توجب النصَّ على الغرض (٥) المطلوب له، فتأمله.
وقال الطحاوي: قد جاءت (٦) في الحديث زيادةٌ تبين المعنى في ذلك،
وهي قوله: "قَدْ سَبح اللهَ في الظُّلُمَاتِ" (٧)(٨).
جُريج، وابنَ المرضعة التي تمنت أن يكون ابنُها مثلَ الجبار، فيحتمل أن يكون لم يتكلم في بني إسرائيل، حتى يجتمع ما رواه مسلم في قصة الأخدود: "لما أُتي بالمرأةِ لتُلْقى في النار مع صَبِيٍّ مُرضَع، فقال لها: يا أُمَّه! لا تجزعي؛ فإنك على الحق" (١).
وأسند الطبري إلى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "تَكَلَّمَ في المهدِ أربعة (٢)، [فذكر الثلاثة، وصاحب يوسف" (٣).
وذكر الطبراني عن ابن عباس: أن ابنَ ماشطةِ فرعونَ تكلَّم في المهد] (٤)(٥)، واتفق ذلك لنبينا ﷺ في خبر شاصونة، وذكره الدارقطني وغيره، فهم على هذا (٦) سبعة (٧).
* * *
١٨٥١ - (٣٤٣٨) - حَدَثَنَا مُحَمَدُ بْنُ كثِير، أَخْبَرنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رأَيتُ عيسَى وَمُوسَى وَإِبرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى، فَأَحْمَر جَعدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى، فآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رجَالِ الزُّطِّ".
стр. 2947
(وأما موسى، فآدمُ جسيم (١) سبطٌ كأنه من رجال الزُّطِّ): الزُّطُّ: جنسٌ من السودان، كذا رواه البخاري عن محمد بن كثير في حديث مجاهد عن ابن عمر.
قال الحافظ أبو ذر: كذا في سائر الروايات المسموعة عن الفربري، فلا أدري أهكذا حدث به البخاري، أو غلط (٢) فيه الفربري؛ لأني رأيته في سائر الروايات عن ابن كثير وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، وهو الصواب.
وقال غيره: المحفوظُ عن ابن عمر ما سيذكره البخاري بعدُ من رواية سالم عنه: أن هذا الوصف -أعني: الجسيم- في صفة الرجال (٣).
* * *
١٨٥٢ - (٣٤٣٩) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدثَنَا مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبة طَافِيَةٌ".
(كأن عينه عنبةٌ طافية): -بالياء-؛ أي: بارزة، وهي التي خرجت عن نظائرها (٤) في النتوء، ومن همزها جعلَها فاعلةً من طَفِئَت كما يَطْفَأُ
стр. 2948
السراج؛ أي: ذهب نورُها (١).
* * *
١٨٥٣ - (٣٤٤٠) - "وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ".
(من أُدْم الرجال): -بضم الهمزة وسكون الدال-؛ أي: سُمْرِهم، وهذا يخالف الرواية السابقةَ في عيسى أنه أحمر.
(تضرب (٢) لِمَّتُه): -بكسر اللام وتشديد الميم-: الشعر (٣) إذا جاوز شحم الأذنين، سميت بذلك؛ لأنها لَمَّتْ بالمَنْكِبين، فإذا بلغت شحمةَ الأُذنين، فهي وَفْرَةٌ، والجعدُ: خِلافُ السَّبْط.
(قطَطًا): -بفتح الطاء-؛ أي: شديد جعودة الشعر (٤).
стр. 2949
١٨٥٤ - (٣٤٤١) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: سَمِعتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أبيهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ! مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِيسَى أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِم أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُل آدَمُ سَبطُ الشَّعَرِ، يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، فَذَهبتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُل أَحْمَرُ جَسِيم، جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَه عِنَبة طَافِية. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ. وأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قطَنٍ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُل مِن خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
(ينطُف): بضم الطاء وكسرها.
(أو يُهراق ماء): نصب على التمييز عن (١) النسبة؛ أي (٢): يهراق ماؤه.
قال الزركشي: ويأتي فيه ما في تَهْراق الدماء (٣).
[قلت: هذا ليس بشيء، وذلك الهمز إنما احتاجوا في تهراق الدماء] (٤) إلى أن قال ابن مالك: الدماء مفعول به على أن الأصل تهريق، ثم قُلبت الكسرة فتحة، والياء ألفًا؛ كجاراة، وناصاة.
وقال ابن الحاجب: هو منصوب على التشبيه بالمفعول به، أو مفعول بفعل آخر محذوف؛ أي: تريق؛ من جهة أنهم توقفوا عن دعوى التمييز؛
стр. 2950
لحصول التعريف، ولذا ادعى بعضهم زيادة ال؛ وقال: هو تمييز، [ولو [كان] الدماء منكرًا، لم يتكلفوا شيئًا مما قالوه، ولجزموا بأنه تمييز] (١) من غير تردد، فكيف يتأتى (٢) أن يقال: يأتي في يُهَراق ماءً ما في تَهْراق الدماء؟
(أعورُ عينه اليمنى): اعلم أن الزجَّاج ومتأخري المغاربة ذهبوا إلى أنه لا يُتبع معمولُ الصفة المشبهة بصفة، مستندين فيه إلى عدم السماع من العرب، فلا يقال: زيدٌ حسنُ الوجهِ المشرقِ -بجر المشرقِ على أنه صفة للوجه-، وعلل بعضهم المنعَ بأن معمول (٣) الصفة لما كان سببًا غيرَ أجنبي أشبهَ الضميرَ؛ لكونه أبدًا مُحالًا على الأول، و (٤) راجعًا إليه، والضميرُ لا يُنعت، فكذا ما أشبهه (٥).
قال ابن هشام في "المغني": ويشكل عليهم الحديثُ في صفة الدجال: "أعورُ عينه اليمنى" (٦).
قلت: خرجه بعضهم على أن اليمنى خبر مبتدأ محذوف، لا صفةٌ لعينه، وكأنه لما قيل: أعور عينه (٧)، قيل: أي عينيه؟ (٨)، فقيل: اليمنى؛
стр. 2951
أي: هي اليمنى (١).
(كأن عينه طافية): -بالياء والنون- واحدة العيون.
ويروى: "كَأنَّ عِنَبَةً طافيةً" -بالنون والباء الموحدة-، وبالنصب على أنها اسم كأَن، والخبر محذوف؛ أي: كأنَّ وجهُه عنبةً طافيةً، كقوله:
إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا (٢)
قلت: وقد لاح لي الآن أن يجعل قوله: "اليمنى" مبتدأ، وقوله: "كأن عنبة (٣) طافية" خبره، والعائد محذوف؛ أي: كأن فيها، ويكون بهذا وجهًا آخر في دفع ما قاله ابن هشام.
فإن قلت: فماذا (٤) تصنع بالرواية الأخرى: "كأن عينه طافية"؟
قلت: أجعله خبرًا أيضًا، وأجعله مما أُقيم فيه الظاهرُ مقامَ المضمَر، فحصل الربط، وقد أجازه الأخفش، والتقدير: اليمنى كأنها طافية، فتأمله.
(وأقربُ الناس شبهًا به ابنُ قَطَن. قال الزهري: رجلٌ من خُزاعة هلكَ في الجاهلية): هو عبدُ العزى بنُ قَطَنِ بنِ عمرِو بنِ حبيب، أمه هالةُ بنتُ خويلد أختُ خديجة.
قال ابن سعد في "الطبقات": أكثمُ بنُ أبي الجون عبد العزى بن منقذ، قال فيه ﵇: "أشبهُ من رأيت به -يعني: الدجال- أكثمُ
стр. 2952
ابنُ الجون"، فقال أكثم: يا رسول الله! هل يَضُرُّني شبهي إياه؟ فقال: "لا، أنت مُسْلِمٌ، وَهُوَ كافِرٌ" (١).
وقال ابن منده في أكثم: إن النبي ﷺ شبهه بعمرو (٢) بن لُحَيٍّ (٣).
* * *
١٨٥٥ - (٣٤٤٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَة لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِد".
(الأنبياء إخوة لعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد): العَلَّات: الضرائر، فبالضرورة تكون أولادُهن من أب واحد، والأمهات شتى، يريد: أن الأنبياء أصلُ دينهم واحد، وهو التوحيد، وشرائعُهم في الفروع مختلفة.
* * *
١٨٥٦ - (٣٤٤٤) - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "رَأَى عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْني".
لَيُوشِكنَّ أَنْ يَنزِلَ فِيكُمُ ابْن مَريَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِر الصَّلِيبَ، وَيقْتُلَ الْخِنْزيرَ، وَيَضَعَ الْجزيَةَ، وَيفيض الْمَالُ حَتَى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيرًا مِنَ الدنيَا وَمَا فِيهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُريْرَةَ: وَاقْرَؤوا إِنْ شِئتمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].
(ليوشكن): -بكسر الشين المعجمة-؛ أي: ليقربَنَّ؛ يعني: أنه لابد من ذلك سريعًا.
(ويضع الجزية): أي: يضربها على مَنْ لم يؤمن.
وقيل: لا يأخذها؛ لعدم احتياج الناس إليها لما تخرج الأرض من بركاتها، ولما تلقيه من الأموال، وإليه أشار بقوله: "ويَفِيضَ المالُ".
(واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾)؛ أي: لا يبقى أحد من اليهود والنصارى إلا من يؤمن؛ يعني: عند نزولِه، وقتلِ الخنزير، ووضعِه (١) الجزية، وهذا وجه حسن ظاهر (٢).
ومن المفسرين من يُجريه على العموم، فيقول: المعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبلَ موته بعيسى، وأنه عبدُ الله ورسولُه؛ يعني (٣): إذا عاينَ قبل أنْ تزهقَ روحُه حين لا ينفعُه إيمانه؛ لانقطاع وقت التكليف.
стр. 2955
١٨٥٩ - (٣٤٤٩) - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كيْفَ أَنتمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ ".
(وإمامُكم منكم): أي: رجلٌ منكم؛ يعني (١)؛ أنه لا يتأمر عليكم، ولا يؤمكم كما قد جاء في "مسلم": أنه يقال له: "صَلِّ، فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةً لِهَذه الأُمَّةِ" (٢).
ويحتج به من يرى عدمَ خلو العصرِ من قائمٍ لله بالحجة.
وحكى الجوزقي عن بعضهم: أن معناه: يحكم بينكم بالقرآن، لا بالإنجيل (٣).
* * *
باب: مَا ذُكِرَ عَنْ بَني إَسْرَائِيلَ
١٨٦٠ - (٣٤٥١) - قَالَ حُذَيْفَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أتاهُ الْمَلَكُ لِيقْبِضَ رُوحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ، قِيلَ لَهُ: انْظُرْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا، غَيْرَ أَني كنْتُ أُبَايع النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، وَأُجَازِيهِمْ، فَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ. فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنةَ".
١٨٦٢ - (٣٤٥٣ و ٣٤٥٤) - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عبدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي مَعْمَر، ويونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاس ﵃، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرسُولِ اللَّهِ ﷺ ، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ، كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"؛ يُحَذِّر مَا صَنَعُوا.
(لما نزل برسولِ (١) الله ﷺ ): ضبطه أبو ذر في أصله: بفتح النون والزاي.
قال الزركشي: وهو الصواب؛ لأن القاضي ذكر في "المشارق" قال: فما (٢) نزلت برسول الله ﷺ ، يعني: منية.
ويروى: "نُزِل": -بضم النون وكسر الزاي، على البناء للمفعول-؛ أي: نزل به الملكُ (٣)؛ ليقبض روحه (٤).
قلت: كلتا الروايتين صواب، والوجه لكل منهما ظاهر.
* * *
١٨٦٣ - (٣٤٥٦) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ،
стр. 2958
قَالَ: حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَتتَبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ، لَسَلَكْتُمُوه". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ".
(سَنن من قبلكم): -بفتح السين-: السبيل والمنهاج.
(حتى لو سلكوا جحرَ ضَب، لسلكتموه): قال الخليل (١) في كتاب "العين": كنيةُ الضب أبو حُسَيْل، وهو دُوَيبَّة تشبه الورَل تأكله الأعراب، والأنثى [ضَبَّة]، وتقول العرب: هو قاضي الطير والبهائم، يقولون: اجتمعت إليه أولَ ما خُلق الإنسان (٢)، فوصفوه له، فقال الضب: تصفون خلقًا يُنْزِلُ الطيرَ من السماء، وُيخرج الحوتَ من الماء، فمن كان له جناح، فليطرْ، ومن كان ذا مخلب، فليحتفرْ، قيل: ومن ثم خَصَّه بالذكر (٣).
* * *
١٨٦٤ - (٣٤٦١) - حَدَّثَنَا أبو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّة، عَنْ أَبي كَبْشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(بلغوا عني ولو آيةٍ): قال ابن حِبَّانَ في "صحيحه": فيه دليل على أن
стр. 2959
السنن يقال لها: آي (١).
وفيه نظر؛ إذ لم ينحصر التبليغُ عنه في السنن (٢)؛ فإن القرآن مما بلغ عنه، قاله (٣) الزركشي (٤).
(وحَدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ): قال الشافعي معناه: وإن استحالَ مثلُه في هذه الأمة؛ مثل: نزولِ النار من السماء تأكل القربانَ، ونحوِه، وليس المراد أن يحدَّثَ عنهم بالكذب (٥).
* * *
١٨٦٥ - (٣٤٦٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَسْجدِ، وَمَا نسينَا مُنْذُ حَدثَنَا، وَمَا نخشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَني عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".
(فجزِع): بكسر الزاي، والجزعُ: نقَيضُ الصبر.
(قال الله : بادَرَني عبدي بنفسه، حَرَّمْتُ عليه الجنةَ):
стр. 2960
قال ابن دقيق العيد: فيه إشكالان أصوليان:
أحدهما: قوله: بادَرَني بنفسه، وهي مسألة تتعلق بالآجال، وأجلُ كلِّ شيء وقتهُ، يقال: بلغَ أجلَه: إذا تم أمرُه، وجاء حينُه، ولا يموت أحدٌ بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب المذكور، وما عَلِمَه فلا يتغير، فعلى هذا يبقى قوله (١): بادرني (٢) بنفسه (٣) محتاجًا إلى التأويل، فإنه قد يوهم أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت، فقدم عليه.
والثاني: قوله: "حرمت عليه (٤) الجنة"، فيتعلق به (٥) من يرى بوعيد الأبد، وهو مؤول عند غيرهم على تحريم الجنة بحالة مخصوصة؛ كالتخصيص بزمن؛ كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو (٦) يجعلونه على مَنْ فعلَ ذلك مستحلًا، فيكفر به، ويكون مخلدًا بكفره، لا (٧) بقتله نفسه.
[والحديث أصل كبير في تعظيم قتل النفس، سواء كانت نفس الإنسان، أو غيره؛ لأن نفسه] (٨) ليست ملكه أيضًا، فيتصرف فيها على حسب اختياره (٩).
سَفَرِي، فَلَا بَلَاغ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَن، وَالْمَالَ، بَعِيرًا أتبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَري. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْحُقُوقَ كثِيرَة. فَقَالَ لَهُ: كأنِّي أَعْرفك، أَلَمْ تكُن أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كابِرٍ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورتهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَردَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأتى الأَعْمَى فِي صُورتهِ، فَقَالَ: رَجُل مِسْكِين وَابْنُ سَبِيلٍ، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَري، فَلَا بَلَاغ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسألكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شاةً أتبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَري. فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى، فَردَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ! لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ".
(وحدثني محمد، قال: ثنا (١) عبد الله بنُ رجاءٍ): قال الحافظ أبو ذر: هذا مما يشبه أن يكون محمدًا الذهلي، والبخاري قد روى عن عبد الله بن رجاء، ولكن هذا (٢) الحديث عنده عن محمد، عن عبد الله بن رجاء (٣).
(بدا لله أن يبتليهم): قال ابن قرقول: ضبطناه عن متقني شيوخنا: "بدأ" -بالهمز-، ورواه كثير من الشيوخ بغير همز، وهو خطأ؛ لما فيه من
стр. 2963
معنى البداء، وهو ظهور شيء بعد أن لم يكن (١) قبلُ، وهو محال في حق الله تعالى، إلا أن يتأوَّل: أراد.
و (٢) في "صحيح مسلم": "أراد الله" (٣).
وقيل: معنى بدأ -بغير همز-: سَبقَ في علم الله تعالى، فأراد فعلَه وإظهاره (٤).
(قذِرني الناس (٥)): -بكسر الذال-؛ أي: عَدُّوني مستَقْذَرًا، وكرهوني.
(ناقة عُشَراء): أي: أتى على حملها عشرةُ أشهر، وهي من أَنْفَسِ (٦) الإبل.
(فأعطاه شاةً والدًا): أي: ذاتَ ولد.
(فأُنتج هذان): قال السفاقسي: كذا وقع، والذي ذكره أهل اللغة: نُتجَتِ الناقةُ: -بضم النون- ونَتَجَها أهلُها، وقال: أَنْتَجَتِ الفرسُ: حملت، فهي نَتوجٌ، ولا يقال (٧): مُنْتِجٌ (٨).
стр. 2964
(وولّد هذا): بتشديد اللام.
(تقطَّعت بي (١) الحبالُ): -بحاء مهملة وباء موحدة-؛ أي: الأسبابُ التي (٢) يقطعها في طلب الرزق، ويروى: بالجيم، لكن بضم التاء من "تُقُطِّعت"، "وفيَّ" مكان "بي" (٣).
(أتبَلَّغ): هو (٤) من البُلْغَة، وهي الكفاية.
(لا أحمدك (٥) اليومَ): -بالحاء والميم- بلا خلاف بين رواة البخاري، ومعناه: لا أحمدُك لترك شيء تأخذُه من مالي (٦)؛ كما قيل: ليس على طولِ الحياةِ ندم؛ أي: على فوتِ طولِ الحياة.
وأشكلَ على بعضهم المعنى، فقال: بإسقاط الميم: لا أَحُدُّك؛ أي: لا أمنعك، فَساءَ فَهمًا، وتكلَّف، وغير الرواية (٧). وأنا أرى مثلَ هذا جرأة عظيمة لا يقدمُ عليها مَنْ يتقي الله.
* * *
باب: حَدِيثِ الغَارِ
١٨٦٧ - (٣٤٦٥) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
هو غلط (١).
(فلقاه): بالقاف. وأشار السفاقسي إلى أنه بالفاء، قال: ولا أعلم له وجهًا إلا أن يكون أصله: فَلَفَّفَتْهُ رحمتُه؛ أي: غشيته، فلما اجتمعت ثلاث فاءات، أُبدلت الأخيرة ألفًا؛ نحو: ﴿دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]، وروي: "فتلافاها" (٢).
* * *
١٨٧٥ - (٣٤٧٩) - حَدَّثَنَا مُسَدد، حَدثَنَا أَبُو عَوَانة، عَن عبدِ الْمَلِكِ ابْنِ عمير، عَنْ رِبعِيِّ بْن حِرَاش، قَالَ: قَالَ عقبةَ لحذيفة: أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعتَ مِنَ النبِي ﷺ ؟ قَالَ: سمعته يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا حَضَرهُ الْمَوْتُ، لَمَّا أَيِس من الحياة أوصى أهله: إذا مت، فَاجمعوا لي حطبًا كثِيرًا، ثمَ أَوْرُوا نَارًا، حَتَى إِذا أكلتْ لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليم فى يوم حار، أو راح. فجمعه الله، فقال: لم فعلت؟ قال خشيتك. فغفر له".
(في يوم حازٍّ): قال القاضي: بحاء مهملة وزاي مشددة، للمروزي (٣)، وكذا قيده الأصيلي عنه، وكذا لأبي ذر (٤).
وعند أبي الهيثم: "حار" بالراء (٥).
وقال بعضهم: بالخاء المعجمة، واستُبعد، إلا أن يكون من قولهم: خلخلتُ (١) العظمَ: إذا أخذتُ ما عليه من اللحم (٢)، أو من التخلُّل والتداخُل خلال الأرض، قال القاضي: ورويناه في غير "الصحيح" بحاءين مهملتين (٣).
* * *
١٨٧٩ - (٣٤٨٦) - حَدَثنَا مُوسى بْنُ إِسمَاعِيلَ، حَدَثَنَا وُهَيْب، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنْ أَبي هرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "نَحْنُ الآخِرونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيدَ كُلُّ أُمَّةٍ أُوتوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِنَا، وَأُوتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا اليوم الَّذِي اختَلَفُوا، فَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى".
(بَيدَ كلُّ أمة أوتوا (٤) الكتابَ من قبلنا): المشهور استعمالُ بَيْدَ (٥) متلوَّةً بأنَّ؛ كقوله ﵊: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ أَنهمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا" (٦)، وقد استُعملت على خلاف ذلك كما في هذا الحديث.
وخرجه ابن مالك على أن الأصل: بيد أن كلَّ أمة، فحذفت "أَنَّ"
стр. 2974
وبطل عملُها، وأضيفت (١) بَيْدَ إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولين لأنّ، وهذا (٢) الحذف (٣) في "أَنَّ" نادر، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف أَنْ، فإنهما أُختان في المصدرية، وشبيهتان (٤) في اللفظ.
وقد حمل (٥) بعضُ النحويين على حذف "أَنَّ" قولَ الزبير (٦) ﵁:
وَلَوْلا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَطَبْتُها (٧)(٨).
(إلا كبّه الله): هذا الفعل من النوادر، فإنه ثلاثي متعدٍّ، فإذا جاءت الهمزة، صار لازمًا، على عكس المعهود في الأصل.
واعلم أنه ليس في حديث (١) معاوية ما يردُّ حديثَ عبد الله، وإنما أراد النبي ﷺ أن قريشًا أحقُّ بهذا الأمر، ولم يُرد أنه لا يوجد في غيرهم (٢) أصلًا.
وقال صاحب "المفهم": هذا الذي أنكره معاوية على عبد الله بن عمرو (٣)، وقد صح من حديث غيره على ما رواه البخاري، يريد: ما سيأتي له من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال (٤): "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَان يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاه" (٥)، ولا تناقض بين الحديثين؛ لأنَّ خروجَ هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِمْ قريش الدينَ، فيُدالُ عليهم في آخر الزمان، ولعله هو الملِكُ الذي يخرج عليه الدجَّال (٦).
* * *
١٨٨٣ - (٣٥٠٤) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدٍ. (ح) قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُرَيْش وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ
стр. 2979
مَوْلى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولهِ".
(قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلَمُ وأشجع وغِفار مواليَّ، ليس لهم مولى دون الله ورسوله): قيل: أراد: من أشرافهم، لم يجر عليهم رِقّ.
وقيل (١): لا (٢) يقال لهم مَوالٍ؛ لأنهم ممن بادر إلى الإسلام، ولم يُسْبَوا فيُرقوا.
ثم قيل: موالي -بتخفيف الياء-، ورويت بالتشديد أضافهم إلى نفسه (٣) الشريفة.
* * *
١٨٨٤ - ٣٥٠٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(من بني زهرة): هم (٤) قرابة النبي ﷺ من جهتين: هم أخوالُه، وهم من قريش.
* * *
١٨٨٥ - (٣٥٠٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ
стр. 2980
الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِلا تَصَدَّقَتْ. فَقَالَ ابْن الزُّبَيْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: أيؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ؟! عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ. فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، فَامْتَنَعَتْ، فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّونَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: إِذَا اسْتَأذَنَّا، فَاقْتَحِم الْحِجَابَ. فَفَعَلَ، فَأرْسَلَ إلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ، فَأَعْتَقتْهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ. فَقَالَتْ: وَدِدْتُ أَني جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلًا أَعمَلُهُ فَأَفْرُغَ مِنْهُ.
(وددتُ أني جعلت حين حلفت عملًا أعملُه فأفرغ منه): الظاهر أن "أفرغ": مرفوع بالعطف على الفعل المرفوع قبله، كذا رأيته في بعض النسخ.
وقال الزركشي: هو بالنَّصب، وله وجه.
ومراد عائشة ﵂: [أن النذرَ المبهَمَ يحتمل إطلاقُه على أكثرَ ممَّا (١) فعلَتْ، فلو كان شيئًا معلومًا، تحققَّت البراءة منه بعمله (٢).
قلت: وهذا منها ﵂] (٣) - مبالغةٌ في كمال (٤) الاحتياط والاجتهاد في براءة الذمة على جهة اليقين، وإلا، فالنذرُ المبهم يكفي في التخلُّص من عهدته إعتاقُ رقبة واحدة مثلًا.