(إلا كبّه الله): هذا الفعل من النوادر، فإنه ثلاثي متعدٍّ، فإذا جاءت الهمزة، صار لازمًا، على عكس المعهود في الأصل.
واعلم أنه ليس في حديث (١) معاوية ما يردُّ حديثَ عبد الله، وإنما أراد النبي ﷺ أن قريشًا أحقُّ بهذا الأمر، ولم يُرد أنه لا يوجد في غيرهم (٢) أصلًا.
وقال صاحب "المفهم": هذا الذي أنكره معاوية على عبد الله بن عمرو (٣)، وقد صح من حديث غيره على ما رواه البخاري، يريد: ما سيأتي له من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال (٤): "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَان يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاه" (٥)، ولا تناقض بين الحديثين؛ لأنَّ خروجَ هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِمْ قريش الدينَ، فيُدالُ عليهم في آخر الزمان، ولعله هو الملِكُ الذي يخرج عليه الدجَّال (٦).
* * *
١٨٨٣ - (٣٥٠٤) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدٍ. (ح) قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُرَيْش وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ
стр. 2979
مَوْلى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولهِ".
(قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلَمُ وأشجع وغِفار مواليَّ، ليس لهم مولى دون الله ورسوله): قيل: أراد: من أشرافهم، لم يجر عليهم رِقّ.
وقيل (١): لا (٢) يقال لهم مَوالٍ؛ لأنهم ممن بادر إلى الإسلام، ولم يُسْبَوا فيُرقوا.
ثم قيل: موالي -بتخفيف الياء-، ورويت بالتشديد أضافهم إلى نفسه (٣) الشريفة.
* * *
١٨٨٤ - ٣٥٠٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(من بني زهرة): هم (٤) قرابة النبي ﷺ من جهتين: هم أخوالُه، وهم من قريش.
* * *
١٨٨٥ - (٣٥٠٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ
стр. 2980
الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِلا تَصَدَّقَتْ. فَقَالَ ابْن الزُّبَيْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: أيؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ؟! عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ. فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، فَامْتَنَعَتْ، فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّونَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: إِذَا اسْتَأذَنَّا، فَاقْتَحِم الْحِجَابَ. فَفَعَلَ، فَأرْسَلَ إلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ، فَأَعْتَقتْهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ. فَقَالَتْ: وَدِدْتُ أَني جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلًا أَعمَلُهُ فَأَفْرُغَ مِنْهُ.
(وددتُ أني جعلت حين حلفت عملًا أعملُه فأفرغ منه): الظاهر أن "أفرغ": مرفوع بالعطف على الفعل المرفوع قبله، كذا رأيته في بعض النسخ.
وقال الزركشي: هو بالنَّصب، وله وجه.
ومراد عائشة ﵂: [أن النذرَ المبهَمَ يحتمل إطلاقُه على أكثرَ ممَّا (١) فعلَتْ، فلو كان شيئًا معلومًا، تحققَّت البراءة منه بعمله (٢).
قلت: وهذا منها ﵂] (٣) - مبالغةٌ في كمال (٤) الاحتياط والاجتهاد في براءة الذمة على جهة اليقين، وإلا، فالنذرُ المبهم يكفي في التخلُّص من عهدته إعتاقُ رقبة واحدة مثلًا.
стр. 2981
باب: نُزُولِ القُرْآنِ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ
١٨٨٦ - (٣٥٠٦) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنتمْ وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتبوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ؛ فَإِنَّمَا نزَلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
(وقال عثمان: للرَّهْط القرشيين الثلاثة): قيل: إنهم سعيدُ بنُ العاص، وعبدُالله بنُ [الزبير، وعبدُ الرحمن بنُ الحارثِ] (١) بنِ هشامٍ.
(إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيءٍ من القرآن): قال الداودي: يعني (٢): الهجاء، لا الإعراب؛ كالتابوت: هل بالتاء أو بالهاء.
وقال الشيخ (٣) أبو الحسن (٤): يريد: الإعراب.
وقال السفاقسي: ولا يبعد أن يريد الوجهين: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] بالنَّصب على لغة الحجازيين، وبالرَّفع على لغة التميميين (٥).
стр. 2982
باب
١٨٨٧ - (٣٥٠٨) - حَدَّثَنَا أبو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبي ذَرِّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أبيهِ، وَهْوَ يَعْلَمُهُ، إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ، فَلْيتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(يحيى بن يَعْمَر): بفتح الياء التحتية والميم جميعًا.
(ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه (١)، إلا كفر): أي: حقيقةً إن استحلَّ ذلك، أو كفرَ الحقَّ؛ أي: سترَه بما ارتكبَ من الباطل إن لم يستحلَّ ذلك (٢).
* * *
١٨٨٨ - (٣٥٠٩) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا حَرِيز، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّصْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ مِنْ أَعْظَم الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَهُ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ".
(حَرِيز): -بحاء مهملة مفتوحة فراءٌ مكسورة فياء تحتية فزاي-، وهو ابن عمران الرحبي الحمصي.
(إنَّ من أعظم الفِراء): -بكسر الفاء مع القصر والمد-؛ أي: إن (٣)
стр. 2983
من أعظم الكذب والبهتان.
(أو يُرِيَ عينَه ما لم تره): أي: يزعم أنه رأى في المنام كذا، ولا يكون قد رآه، يتعمَّد الكذب، فهذا في الحقيقة كذبٌ على الله؛ فإنَّه هو الذي يرسل مَلَكَ (١) الرؤيا ليريَه المنامَ.
* * *
باب: ذِكْرِ أَسلَمَ وَغِفَارَ ومُزَينَةَ وجُهَيْنَة وأَشْجَعَ
١٨٨٩ - (٣٥١٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ صَالح، حَدَّثَنَا نَافِع: أَن عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ".
(محمَّد بن غُرير (٢)): بضم الغين المعجمة، وقد مرَّ.
(غِفارُ غفرَ الله لها، وأسلَمُ سالمها الله، وعصيَّةُ عصتِ الله ورسوله): انظر ما أحسنَ هذا الجناس، وأعلقَه في القلب، وأبعدَه عن التكلف، وإنما دعا للأوَّلَيْنِ؛ لدخولهما (٣) في الإسلام سلمًا من غير حرب، وعُصية: هم الذين قتلوا القُرَّاء ببئر معونةَ.
عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبُو خُزَاعَة".
(عمرُو بنُ لُحَيّ): -بضم اللام وفتح الحاء المهملة- بوزن لُؤَيّ.
(ابن قَمْعة): قال القاضي: بفتح القاف وتسكين (١) الميم ضبطناه في "صحيح البخاري"، وفي رواية الباجي عن أبي ماهان: بكسر القاف وتشديد الميم وكسرها، ومنهم من يفتح القاف والميم (٢).
(ابن خِندِف): بخاءٍ معجمةٍ ودالٍ مهملة مكسورتين (٣).
قال الزبير بن بكار: وخزاعةُ تقول: عمرُو بنُ لحيِّ بنِ حارثةَ بنِ عمرو بنِ عامرٍ، ويأبون هذه النّسبة، والله [أعلم] إن كان رسول الله ﷺ [قال ما رُوي، فرسولُ الله ﷺ ] (٤) أعلمُ، وما قال فهو الحق (٥).
قلت: قد ثبت بهذه الروايات الصحيحة أنه قال ذلك، فلا ينبغي التوقفُ في قوله، ولا الإتيان بحرف الشرط الذي من شأنِ شرطِه أن يكون مشكوكًا فيه، ولا يلتفت بعد ذلك إلى قول خُزاعة، ولا ينعمون هم ولا مَنْ وافقهم عينًا.
حُجَلِ الْفَرَسِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ. قَالَ إِبْراهِيم بن حمزة: مِثْلَ زرِّ الحجلة.
(وَقِع): -بكسر القاف-، ويروى: "وجع"، وهو بمعناه (١).
(قال ابن عبيد الله: الحُجْلة من حُجَل الفرس الذي بين عينيه): -بضم الحاء وفتح الجيم، وبفتحهما أيضًا-، أراد: أنها بيضاء، قيل: ولم يصبْ في هذا التفسير؛ لأنَ الزرَّ (٢) إنما هو للحَجَلة التي هي السترُ، ومع ذلك؛ فإنّ التَّحجيل في الفرس إنما هو في قوائمه، لا بين عينيه، [ولا يقال فيه: حجل، ولا حجلة، والتي بين عينيه] (٣) إنما هو الغُرَّة، ومنه قوله: "غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثارِ الوُضُوءِ" (٤).
وأولى ما قيل فيها: أنها واحدةُ الحِجال، وهي السُّتور.
والزِّرُّ: واحدُ الأزرار التي تدخل في العُرا كأزرار القميص، ومن فسر الزرَّ بالبَيْض، نظر إلى ما وردَ في بعض الطرق: "مثل بَيْضَةِ الحمَامة"، فجعلَ الزرَّ كالبيضة، والحَجَلة: الطائر الذي يسمى القَبْج: -بقافٍ مفتوحة فموحدة ساكنة فجيم-، وهو فارسيٌّ مُعَرَّب.
وقال الخطابي (٥): هو من الجراد، وهو بيضُها، واستعاره (٦) للطائر (٧).
стр. 2993
(وقال إبراهيم بن حمزة: مثل زِرِّ الحَجَلَة): قيل: إنّه خالف بتقديم الزاي على الراء، وقيل: إنّه خالف في ضمّ الحاء، فرواه بفتح الحاء والجيم، وهي: الكَلَّة التي تكون على السرير (١).
* * *
باب: صِفَةِ النَّبيِّ ﷺ -
١٩٠٠ - (٣٥٤٤) - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵉ يُشْبِهُهُ، قُلْتُ لأَبي جُحَيْفَةَ: صِفْهُ لِي. قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ قَدْ شَمِطَ. وَأَمَرَ لنا النَّبِيُّ ﷺ بِثَلَاثَ عَشْرَة قَلُوصًا، قَالَ: فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ نقبِضَهَا.
(قد شَمِط): -بفتح الشين المعجمة وكسر الميم-: بياضٌ في شعر يخالط سوادَهُ.
(بثلاث (٢) عشر قلوصًا): كذا في الأصول، والقَلوصُ: الأنثى من الإبل، فمن ثَمَّ قال السّفاقسيُّ وغيره: المعهودُ في مثله: ثلاثَ (٣) عَشْرَ [ةَ] قلوصًا (٤).
(أزهر اللون): هو البياض المَشُوبُ بالحمرة، وقيل: هو الأبيضُ.
(ليس بأبيضَ): يريد: أنه ليس بأبيضَ أَمْهَقَ.
[وقال القاضي: وقع في البخاري من رواية المروزي: "أزهرَ اللونِ أمهقَ"]، (١)، وهو خطأ (٢).
(ليس بجَعْدٍ قَطَطٍ): -بفتح الطاء وكسرها-؛ أي: ليس بجعدٍ شديدِ الجعودة كشعر السودان.
(ولا سَبط): -بسكون الباء وكسرها-؛ أي: ولا مسترسِلِ الشعر.
قال الهروي: الشعرُ الجعدُ غيرُ السبط محمودٌ؛ لأنّ السبوطةَ أكثرُها في شعور العجم (٣).
(رَجِلٌ): أي مُسَرَّحُ الشعرِ مسترسلُه، وهو بالرفع على القطع، وعند الأصيلي بالرّفع والخفض، [فوجه الرفع ما تقدم، ووجه الجرّ: الخفضُ على] (٤) الجِوار على بعده؛ إذ لا يصح أن يكون وصفًا للسبطِ المنفيِّ (٥) عن صفة شعره ﵊ (٦).
(أُنزل عليه وهو ابنُ أَربعين): هو قول الأكثرين.
стр. 2996
وقيل: أُنزل عليه بعدَ أربعين (١) وعشرةِ أيام.
وقيل: وشهرين، وذلك يوم (٢) الاثنين لسبعَ عشرةَ خلت من شهر رمضانَ.
وقيل: لسبع (٣).
وقيل: لأربع وعشرين ليلة، فيما ذكره ابن عساكر (٤).
(فلبث بمكةَ عشر سنين): قال الزّركشي: هذا على قول أَنس، والصحيحُ: أنه أقام بمكة ثلاثَ عشرةَ؛ لأنّه تُوفي وعمرُه ثلاثٌ وستون (٥)، ويلزم من قولِ أنسِ: أنّه (٦) تُوفي وهو ابن ستين؛ إذ لا خلاف أنّ (٧) إقامته بالمدينة كانت عشرًا (٨).
قلت: الجرأة على تخطئة الصّحابي (٩) صعبٌ شديد، لاسيّما ولكلامه محملٌ صحيح، وييانه: أنّ أنسًا ﵁ لم يقل: فلبث بمكة عشر سنين، واقتصر على هذا، حتّى نعترض عليه بذلك الاعتراض؛ وإنّما قال: فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، فلا ينافي أن يكون أقامَ بها أكثرَ من
стр. 2997
هذه المدّة، ولكنه لم ينزل عليه إلا في العشر، ولا يخفى أنّ الوحي فَتَرَ في ابتداء الأمر (١) سنتين ونصفًا (٢)، على ما قدمناه أوّلَ (٣) الكتاب، وأنَّه أقام ستةَ أشهر في ابتداء الوحي يرى الرؤيا الصالحة، فهذه ثلاثُ سنينَ لم يوحَ إليه في بعضها [أصلًا، وأوحي إليه في بعضها] (٤) في المنام، فيُحمل قولُ أنسٍ على أنّه لبث بمكة ينزل إليه الوحيُ في اليقظة عشرَ سنين، واستقامَ الكلام، ولم يتجه اعتراضٌ (٥) بأنه يلزم وفاته ابنَ ستين، وقد أسلفنا هذا في بدء الوحي، فراجعه.
وقد وقفت بعد هذا في متن البخاري قبل كتاب الأدب بأوراقٍ يسيرة على ما يقدح في هذا التوجيه، وقد ذكرته في هذا التعليق بعد باب قص الشارب بسطور، فانظره ثمة.
* * *
١٩٠٣ - (٣٥٤٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنس، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلَيْسَ بِالآدَمِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ،
стр. 2998
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، فتوَفَّاهُ اللَّهُ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيته عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.
(ليس بالطويل البائن): أي: المفرط في طوله (١)، فهو اسم فاعل من بان؛ أي: ظهر، أو من بان؛ أي: فارق سواه بإفراط طوله (٢).
(ولا بالأبيض (٣) الأمهق): قال الهروي: الأمهق الشديد البياض إلى زرقة كلون الجص، وفي هذا أنه يقال (٤): [أبيض، بخلاف ما يقول بعض الناس: أنه لا يقال] (٥) إلا في الأرض، وقد قال أبو طالب:
وأبيضَ يستسقى الغمامُ بوجهه ... ثَِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل (٦)
* * *
١٩٠٤ - (٣٥٥) - حَدَّثَنَا يَحْيىَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج قَالَ: أَخْبَرَبي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: "ألمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأسُامَةَ -وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا-: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ".
стр. 2999
(تبرق أسارير وجهه): يعني خطوط وجهه وتكسُّرها، واحدها سِر، بكسر السين، وجمعه أسرار؛ فأسارير جمع الجمع.
(إن بعض هذه الأقدام من بعض): استدل بهذا الحديث فقهاء الحجاز ومن تبعهم على أصل من أصولهم؛ وهو العمل بالقيافة، حيث يشتبه إلحاق الولد بأحد الواطئين في طهر واحد، لا في كل الصور، بل في بعضها، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سُرَّ بذلك.
قال الشافعي ﵀: ولا يُسرُّ بباطل، وخالف أبو حنيفة وأصحابه، واعتذارهم عن الحديث أنه لم يقع منه إلحاق متنازع فيه، ولا هو وارد في محل النزاع؛ فإن أسامة كان لاحقًا بفراش زيد من غير منازع له فيه (١)، وإنما كان الكفار يطعنون في نسبه؛ لتباينٍ بين لونه ولون (٢) أبيه في السواد والبياض، فلما غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما وألحق محرز أسامة بزيد، كان ذلك إبطالًا لطعن الكفار بسبب اعترافهم بحكم القيافة، وإبطال طعنهم حق، فلم يسر النبي ﷺ إلا بحق.
والأولون يجيبون: بأنه وإن كان ذلك واردًا في صورة خاصة، إلا أن له جهة عامة، وهي دلالة الاشتباه على الأنساب، فتأخذ هذه الجهة من الحديث ويعمل بها (٣).
стр. 3000
١٩٠٥ - (٣٥٥٦) - حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْن شهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كعْبٍ: أَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كأنه قِطعَةُ قَمَرٍ، وَكنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ.
(حتى كأنه قطعةُ قمر): يُسأل عن وجه عدوله عن تشبيه وجهه بالقمر إلى تشبيهه بقطعة قمر، وكنت أسمع عن شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني ﵀: أنه كان يقول: وجهُ العدول: هو أن القمر فيه قطعة يظهر فيها سواد، وهو المسمَّى ﷺ بالكَلَف، فلو شبه (١) بالمجموع؛ لدخلت هذه القطعةُ في المشبه به، وغرضُه إنما هو (٢) التشبيه (٣) على أكمل الوجوه، فلذلك قال: كأنه قطعة قمر، يريد: القطعةَ (٤) الساطعةَ الإشراق، الخاليةَ من شوائب الكدر.
* * *
١٩٠٦ - (٣٥٥٨) - حَدَّثَنَا يَحيى بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُس، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ
стр. 3001
-﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ.
(يسدُل شعره): -بضم الدال وكسرها-؛ أي: يرسل شعرَ ناصيته على جبهته.
(يفرقون): بكسر الراء وضمها.
(ثم فرَق): -بالتخفيف-؛ أي: شعرَ رأسه كله، فألقاه إلى جانبي الرأس، ولم يبق منه على جبهته.
(وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما (١) لم يؤمر فيه بشيء): أي: لأنهم كانوا على بقية في دين الرسل، فأحبَّ موافقتهم فيما لم يحرفوه؛ عملا بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ويحتمل أن يكون فرق (٢) بعدما أسدل لأمرٍ أُمر به؛ لأنه كان لا ينطق عن الهوى.
* * *
١٩٠٧ - (٣٥٥٩) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِل، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا، وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا".
(وكان لا يوقظ رسول الله ﷺ من منامه): إنما ذلك؛ لما عسى أن يحدث (١) له فيه من (٢) الوحي.
(فقعد أبو بكر عند رأسه، فجعل يكبر ويرفع صوته): ظاهره أن المكبر الرافع صوته هو (٣) أبو بكر، لكن رواه مسلم، وفيه: أن الذي كبر ورفع صوته عمر، لا أبو بكر، وكذلك (٤) رواه البخاري في التيمم (٥).
(وجعلني النبي ﷺ في ركوب بين يديه): كذا وقع: وجعلني؛ من الجعل، قيل: وصوابه: "عَجَّلَني"؛ أي: أمرني بالعَجلة، وكذا رواه مسلم (٦): "ثم عجلني في ركب (٧) بين يديه نطلبُ الماءَ وقد عَطِشْنا" (٨).
والركوب: -بفتح الراء-: هو تذكير رَكوبة؛ وهو ما يُركب من الدواب، فعول بمعنى مفعول.
وقيل: صوابه بضم الراء، جمع راكب؛ كشاهد وشُهود (٩).
قلت: لا وجه للتخطئة في الموضعين، فتأمله.
стр. 3007
(مؤتمة): أي: ذاتُ أيتام.
(غير أنه لم يَسْقِ (١) بعيرًا): وذلك لأن الإبل تصبر (٢) عن (٣) الماء.
(وهي تكاد تنض): أي: تنشق فيخرج منها الماء؛ لشدة امتلائها، يقال: نَضَّ الماءُ من العين -بنون وضاد معجمة-: إذا نبعَ، وكذلك العَرَقُ، كذلك فسره الخطابي (٤).
ويروى: "تبض" -بموحدة وضاد معجمة-؛ أي: تَقْطُر وتسيلُ قليلًا (٥). وذكروا فيه روايات (٦) كثيرة لم أتحقق كونها في البخاري، فلذلك أضربتُ عنها (٧).
* * *
١٩١٤ - (٣٥٧٢) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنس ﵁، قَالَ: أتيَ النَّبِي ﷺ بِإِنَاءٍ وَهْوَ بالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبع مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فتَوَضَّأَ الْقَوْمُ. قَالَ قتادَةُ: قُلْتُ لأَنس: كَمْ كنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَ مِئَةٍ، أَوْ زُهَاءَ ثَلاثِ مِئَةٍ.
стр. 3008
(وهو بالزوراء): موضع بالمدينة.
(ينبع): بضم الباء وفتحها.
(أو زُهاء): -بضم الزاي والمد-؛ أي: قَدْرَ.
* * *
١٩١٥ - (٣٥٧٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبدُ العَزِيز بْنُ مُسلِم، حَدثَنَا حُصَيْن، عَن سالِم بْن أَبِي الْجَعدِ، عَن جَابِر بْنِ عبد الله ﵄، قَآلَ: عَطِشَ الناسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالنَّبي ﷺ بين يَدَيْهِ ركوَة، فَتوَضَّأَ، فَجَهَشَ الناسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: "مَا لكم؟ "، قَالُوا: لَيْس عِنْدَنَا مَاء نَتَوَضَّأُ وَلَا نشرب إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الركوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كأَمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضأْنَا. قُلْتُ: كم كنْتُم؟ قَالَ: لَو كنَا مِئَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كنَا خَمْس عَشرة مِئَةً.
(فجهش الناس): -بفتح الجيم والهاء-؛ أي: أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه.
(كنا خمسَ عشرةَ مئة): قال الزركشي: ذُكر هذا لابن المسيب، فقال: وَهِمَ ﵀، حدثني أنهم كانوا أربعَ عشرةَ مئة، وعلى هذا مالكٌ، وأكثرُ الرواة، وقيل: كانوا ثلاث عشرة مئة، وكان عام الحديبية سنة ستٍّ (١).
* * *
١٩١٦ - (٣٥٧٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يُوسفَ، أَخبَرنَا مَالِك، عَن إِسْحَاقَ بن عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي: أَنه سمعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو
أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ، وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ. قُلْنَا: عَلِمَ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ، إِنَّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
(فقال (١): من الباب (٢)؟ قال: عمر): قال الزركشي: في تفسير حذيفةَ البابَ بعمرَ إشكال؛ فإن الواقع في الوجود يشهد أن الأَوْلى بذلك الباب أن يكون عثمانَ؛ لأن قتلَه هو السببُ الذي فَرَّقَ كلمةَ الناس، وأوقع (٣) بينهم تلك الحروبَ العظيمة، والفتنَ الهائلة (٤).
قلت: لا خفاء أن مبدأ الفتنة هو قتلُ عمر [﵁ جهرةً بين ظهراني المسلمين, ثم ازداد الأمرُ بقتل عثمان ﵁] (٥)، ولا معنى لمنازعة حذيفةَ صاحبِ سِرٍّ (٦) رسول الله ﷺ في أن الباب هو عمر، ولعل ذلك من جملة الأسرار التي ألقاها إليه النبي ﷺ ، وفي قوله: "إني حَدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط" إيماءٌ إلى ذلك، فينبغي تلقِّي قوله بالقبول، وإنما
стр. 3014
يَحْمِلُ على الاعتراض على مثل هؤلاء السادة الجلة إعجابُ المعترض (١) برأيه، ورضاه (٢) عن نفسه، فظنه أنه تَأَهَّلَ للاعتراض حتى على الصحابة، وهو دون ذلك كلِّه.
* * *
١٩٢١ - (٣٥٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
(نعالهم الشَّعَر): يعني -والله أعلم-: أنهم يصنعون حِبالًا من الشعر، ثم يصنعون منها نعالًا، وثيابًا يلبسونها (٣)؛ كما قد (٤) جاء في رواية مسلم: "يلبسون الشعر" (٥).
* * *
١٩٢٢ - (٣٥٩٠) - حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ
стр. 3015
السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنَ الأَعَاجِم، حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الأُنُوفِ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، وُجُوهُهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ".
(حتى تقاتلوا خُوزًا وكرمان): خوزًا (١): -بضم الخاء المعجمة (٢) وبالزاي-، وكِرمان: -بكسر الكاف- معطوف على خوز، وهما بلدان معروفان بالشرق (٣).
قال ابن دحية: قيدنا خوزًا (٤) في البخاري بالزاي. وقيده الجرجاني: خور كرمان -بالراء المهملة- مضافًا إلى كرمان، وصوبه الدارقطني بالراء مع الإضافة، وحكاه عن الإمام أحمد بن حنبل، ونسب بعضهم هذا إلى التصحيف، وقيل: إذا أضيف، فبالمهملة لا غير، وإذا عطفته، بالزاي لا غير (٥).
قال مغلطاي: وهما جيشان من الترك، وكان أوَّل خروج هذا الجيش متغلبًا في جمادى الأولى (٦) سنة سبع عشرة وست مئة، فعاثوا في البلاد، وأظهروا في الأرض الفساد، وخرّبوا جميع المدائن حتّى بغداد، وربطوا خيولهم إلى سواري الجامع كما في الحديث، وعبروا الفرات، وملكوا أرض الشَّام في مدَّة يسيرة، وعزموا على دخولهم مصر، فخرج إليهم