أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ، وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ. قُلْنَا: عَلِمَ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ، إِنَّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
(فقال (١): من الباب (٢)؟ قال: عمر): قال الزركشي: في تفسير حذيفةَ البابَ بعمرَ إشكال؛ فإن الواقع في الوجود يشهد أن الأَوْلى بذلك الباب أن يكون عثمانَ؛ لأن قتلَه هو السببُ الذي فَرَّقَ كلمةَ الناس، وأوقع (٣) بينهم تلك الحروبَ العظيمة، والفتنَ الهائلة (٤).
قلت: لا خفاء أن مبدأ الفتنة هو قتلُ عمر [﵁ جهرةً بين ظهراني المسلمين, ثم ازداد الأمرُ بقتل عثمان ﵁] (٥)، ولا معنى لمنازعة حذيفةَ صاحبِ سِرٍّ (٦) رسول الله ﷺ في أن الباب هو عمر، ولعل ذلك من جملة الأسرار التي ألقاها إليه النبي ﷺ ، وفي قوله: "إني حَدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط" إيماءٌ إلى ذلك، فينبغي تلقِّي قوله بالقبول، وإنما
стр. 3014
يَحْمِلُ على الاعتراض على مثل هؤلاء السادة الجلة إعجابُ المعترض (١) برأيه، ورضاه (٢) عن نفسه، فظنه أنه تَأَهَّلَ للاعتراض حتى على الصحابة، وهو دون ذلك كلِّه.
* * *
١٩٢١ - (٣٥٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
(نعالهم الشَّعَر): يعني -والله أعلم-: أنهم يصنعون حِبالًا من الشعر، ثم يصنعون منها نعالًا، وثيابًا يلبسونها (٣)؛ كما قد (٤) جاء في رواية مسلم: "يلبسون الشعر" (٥).
* * *
١٩٢٢ - (٣٥٩٠) - حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ
стр. 3015
السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنَ الأَعَاجِم، حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الأُنُوفِ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، وُجُوهُهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ".
(حتى تقاتلوا خُوزًا وكرمان): خوزًا (١): -بضم الخاء المعجمة (٢) وبالزاي-، وكِرمان: -بكسر الكاف- معطوف على خوز، وهما بلدان معروفان بالشرق (٣).
قال ابن دحية: قيدنا خوزًا (٤) في البخاري بالزاي. وقيده الجرجاني: خور كرمان -بالراء المهملة- مضافًا إلى كرمان، وصوبه الدارقطني بالراء مع الإضافة، وحكاه عن الإمام أحمد بن حنبل، ونسب بعضهم هذا إلى التصحيف، وقيل: إذا أضيف، فبالمهملة لا غير، وإذا عطفته، بالزاي لا غير (٥).
قال مغلطاي: وهما جيشان من الترك، وكان أوَّل خروج هذا الجيش متغلبًا في جمادى الأولى (٦) سنة سبع عشرة وست مئة، فعاثوا في البلاد، وأظهروا في الأرض الفساد، وخرّبوا جميع المدائن حتّى بغداد، وربطوا خيولهم إلى سواري الجامع كما في الحديث، وعبروا الفرات، وملكوا أرض الشَّام في مدَّة يسيرة، وعزموا على دخولهم مصر، فخرج إليهم
стр. 3016
ملكها قُطُز المظفّر، فالتقوا بعين جالوت، فكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت (١)، فانجلوا عن الشام منهزمين، ورأوا (٢) ما لم يشاهدوا (٣) منذ زمان ولا حين، وراحوا خائبين خاسرين، أذلاءَ صاغرين، والحمد لله رب العالمين.
ثم إنهم في سنة ثمان وتسعين ملكَ عليهم رجلٌ يسمى محمود غازان (٤)، يزعم أنه من أهل الإيمان، ملكَ جملةً من بلاد الشام، وعاثَ جيشُه فيها عيثَ عُبَّادِ الأصنام، فخرج إليهم الملكُ الناصرُ محمد، فكسرهم كسرًا ليس معه انجبار، وتفلل (٥) جيش التتار (٦)، وذهب معظمهم إلى النار وبئسَ القرار.
* * *
١٩٢٣ - (٣٥٩١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي قَيْسٌ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، فَقَالَ: صحبت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ، وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ". وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً:
стр. 3017
وَهُمْ أَهْلُ الْبَازَرِ.
(وهو هذا البارز، وقال سفيان مرة: وهم أهل (١) البازَر): قيده الأصيلي بتقديم الزاي وفتحها في الموضعين، ووافقه ابنُ السكن وغيرُه، إلا أنهم ضبطوه بكسر الراء.
قال القابسي: يعني: البارزين لقتال أهل الإسلام؛ أي: الظاهرين في بَراز من الأرض.
وقيده أبو ذر في اللفظ: بتقديم الزاي على الراء وفتحها (٢).
* * *
١٩٢٤ - (٣٥٩٣) - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ، فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ حتَّى يَقُول الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ! هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
(حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله): هذا في زمان عيسى ﵊.
* * *
١٩٢٥ - (٣٥٩٥) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ
(إن لم يكن لهم جماعة ولا إمام): أي: إن لم يكن لهم إمام يجتمعون على طاعته.
(فاعتزل تلك الفرق كلها): ولهذا (١) لم يبايع ابنُ عمر حين مات عثمان حتى سلم (٢) الأمر إلى معاوية، ثم لما مات يزيد، تخلف عن البيعة حتى انفرد عبدُ الملك بالأمر.
(ولو أن تعَض): بفتح العين، وتضم في لغة.
* * *
١٩٣٤ - (٣٦١٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ -وَهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ. فَقَالَ: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فِيهِ، فَأَضْربَ عُنُقَهُ. فَقَالَ. "دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدَّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ، فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نضِيَّهِ -وَهْوَ قِدْحُهُ-، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ
стр. 3025
إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَني سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ.
(لا يجاوز تَراقيهم): أي: لا يُرفع إلى الله منه شيءٌ؛ لعلمه باعتقادهم، والتراقي: جمع تَرْقُوَة على زنة فَعْلُوَة، وهي عظمٌ واصل ما بين ثغرة النحر والعاتق.
(يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة): المروق: سرعةُ نفوذِ السهم من الرمية حتى تخرج من الطرف الآخر، والدِّين هنا: طاعةُ الأئمة، أو (١) الإيمان، والرميَّة: ما يُرمى من الصيد.
(ثم ينظر إلى رِصافه): -براء مكسورة-، حكى فيها السفاقسي: الضم وصاد مهملة: هي العقب التي (٢) تكون فوق مدخل النصل في السهم (٣)، واحدها رَصَفَة (٤).
(ثم ينظر إلى نَضِيِّه): -بفتح النون-، وحكى السفاقسي أيضًا: الضم بعدها ضاد معجمة: عودُ السهم قبل أن يُرَيَّشَ ويُنَصَّل، سُمي به؛ لكثرة البَرْي والنحت، كأنه جُعل نِضْوًا؛ أي: هزيلًا (٥).
стр. 3026
(ثم ينظر إلى قُذَذِه): -بذالين معجمتين-: جمع قُذَّة، وهي الريش الذي على السهم.
(قد سبق الفرثَ والدمَ): الفرث: ما يجتمع في الكرش؛ أي: مر سريعًا في الرمية، وخرج منها، لم يتعلق منها بشيء من فرثها ودمها؛ لسرعته، شبه بذلك خروجهم من الدين، ولم يحصلوا منه على (١) شيء (٢) أَلبتة (٣).
(آيتهم رجل أسودُ إحدى عضديه مثلُ ثدي المرأة): اسمُ المخدَج (٤) هذا: نافع، قاله النووي في "مبهماته" عن الخطيب في حديثٍ عن علي ﵁.
وفي "مرآة الزمان": اسمه: بُلْبُول، قال: وقال هشام (٥): هو ذو الخُوَيْصِرَة.
(أو مثلُ البَضْعَة تَدَرْدَرُ): البَضعَة: -بفتح الباء (٦) -: القطعة من اللحم، وتَدَرْدَرُ: -بفتح أوله وثانيه ودالاه مهملتان-: أصله تتدردر؛ أي: تتحرك وتجيء وتذهب، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، والتَّدَرْدُرُ: حكاية صوتِ الماء في بطون الأودية إذا اندفع (٧).
стр. 3027
١٩٣٥ - (٣٦١١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(عن سُويد بن غَفَلَة، قال: قال عليٌّ): حكي عن (١) الدارقطني أنه قال: ليس لسويد بن غفلةَ عن علي صحيحٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ غيرُ هذا (٢).
(يقولون من خير قول البرية): أي: يحسنون القول ويسيئون العمل.
(لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم): دليل على أنهم غير مؤمنين؛ لأن الإيمان محلُّه القلب.
* * *
١٩٣٦ - (٣٦١٢) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ
وقيل: أبو مسعود البدري (١)، ذكره الواقدي، قال ذلك كلَّه ابنُ بشكوال (٢).
وما حكاه عن القاضي إسماعيل هو في "صحيح مسلم" في أثناء كتاب: الإيمان، عن أنس بن مالك، ولفظه: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، جلس ثابتٌ في بيته، فقال: أنا من أهل النار، واحتبسَ عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعدَ بنَ مُعاذ، فقال: "يا أبا عمر! ما شَأْنُ ثابِتٍ؟ أَشْتَكَى؟ "، قال سعدٌ: إنه لجاري، وما علمتُ له شكوى، الحديث (٣).
واعتُرض على ذلك بأن في البخاري: عن ابن (٤) أبي مليكة، عن الزبير: أن الآية نازلةٌ في وفد (٥) تميم، لما اختلف أبو بكر وعمر ﵄ في تأمير [الأقرع بنِ حابسٍ، أو القعقاعِ بنِ معبدٍ، وقدومُ وفدِ تميم] (٦) في سنة تسع، وموتُ سعدِ بنِ معاذ في سنة خمس بعدَ قريظةَ، وهذا موضع مشكل، ووجه الجمع أن يقال: تبين من رواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة: أن النازل (٧) في وفد بني تميم إنما هو أول السورة: [﴿يَاأَيُّهَا
стр. 3030
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
وأما آية: ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ [الحجرات: ٢]، فنزلت مقدمًا على ذلك قبلَ موت سعدِ بنِ معاذ، وتؤوَّلُ رواية نافع بن عمر (١) الجمحي، عن ابن أبي مليكة (٢) على معنى: نزل أولُ السورة التي فيها (٣)]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، وفي هذه السورة ما نزل قبل إسلام عبد الله بن أُبي، وهو قوله (٤) تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]؛ فإن الاقتتال كان بسبب تفضيل حمار النبي ﷺ على عبد الله بن أُبي، وقد ذكر البخاري ذلك فى الصلح، في ضمن حديث أنس، وفي آخره: فبلغنا (٥) أنها أنزلت: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وهو في "مسلم"، في المغازي (٦).
* * *
١٩٣٨ - (٣٦١٤) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ، وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ -أَوْ سَحَابَةٌ- غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "اقْرَأْ فُلَانُ؛ فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ
(فقال رجل (١) من أهل المدينة أو مكة): قال الزركشي: هذا شك، وقد ثبت في موضع آخر: المدينة، والمراد بها: مكة، وكل بلد تسمى مدينةً، وحينئذ فالمراد: الشكُّ (٢) في هذا اللفظ، والمراد: مكةُ على كل تقدير.
وفي "مسند أحمد": فسماه، فعرفته (٣)، وهي زيادة حسنة توضح أنه كان صَدِيقًا أو قرابةً له، فلهذا أقدَما على شربِ لبنه، وفيه أقوالٌ أُخر (٤).
قلت: لا يلزم من كونه سماه معرفةُ أن يكون صديقًا ولا قريبًا، فكم من شخصٍ يعرفه الإنسان ولا صداقةَ بينهما، ولا قرابةَ.
(والقذى): أصلُه ما يقع في العين.
قال الجوهري: أو في الشراب (٥)، وكأنه شبه (٦) ما يعلق بالضَّرع من الأوساخ بالقَذَى الذي يسقط في العين أو الشراب، وفي نسخة: "والقَذَر" (٧)، والذال معجمة فيها.
(في قَعْب): هو القدحُ الضخمُ.
(كُثْبة): -بضم الكاف وبثاء مثلثة-: هي (٨) الشيء القليل.
стр. 3034
(حتى رضيتُ): أي: طابت نفسي؛ لكثرة ما شربَ.
(فارتطمتْ): غاصتْ قوائمُها إلى بطنها.
(في جَلَد): -بفتح الجيم واللام-: هو الأرض الصلبةُ المستويةُ المتن، الغليظةُ.
(فاللهَ لكما): هو بالنصب، على إسقاط حرف القسم؛ أي: أقسم بالله لكما (١)، أو على معنى: فخذا عهدَ الله لكما، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
* * *
١٩٤٠ - (٣٦١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَعَادَ نصرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ، فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا. فَأَلْقَوهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ. فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ، وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ، فَأَلْقَوْهُ.
(كان رجل نصرانيًا): رواه مسلم في ذكر المنافقين بلفظ: "كَانَ مِنَّا رجلٌ قد قرأَ البقرةَ وآلَ عمرانَ، وكان يكتب لرسول الله ﷺ " (٢).
стр. 3035
[(وقد لفظته الأرض): قال السفاقسي: هو بكسر الفاء؛ أي: طَرَحَتْه ورَمَتْه.
وقيل: بفتحها] (١)، واختلفت (٢) الرواية أيضًا في ضبطه هنا.
وإنما فعل به ذلك؛ لتقوم الحجة على من رآه، ويدل على صدق النبي ﷺ (٣).
* * *
١٩٤١ - (٣٦٢٠) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِن بَعْدِهِ، تَبِعْتُهُ. وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَة ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ، مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ، لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنَّي لأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رَأَيتُ".
(قدم مسيلمةُ الكذاب): هو صاحبُ اليمامة، قتله خالدُ بنُ الوليد في خلافة أبي بكر، وافتتحَ اليمامةَ بصلح، واستُشهد بها من المسلمين ألف ومئة، وقيل: ألف وأربع مئة.
стр. 3036
(ابن شَمَّاس): بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم.
(ليَعقِرنَّكَ اللهُ): بفتح الياء التحتية وكسر القاف؛ أي: ليهلكَنَّكَ، وأصلُه: عَقَرْتُ الفَرَسَ بالسيف: إذا ضربتُ قوائمَه فعرقَبْتُه، وكذلك عَقَرْتُ النخلةَ: إذا قطعتُ رأسَها فيبسَتْ (١).
* * *
١٩٤٢ - (٣٦٢١) - فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَختُهُمَا، فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخرُجَانِ بَعْدِي". فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ.
(رأيت في يديَّ سِوارين من ذهب): -بكسر السين وضمها-، و"من ذهب" صفةٌ كاشفة؛ لأن السوار لا يكون إلا من ذهب، فإن كان من فضة، فهو قُلْبٌ.
(فنفختهما، فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي): وتأويلُ نفخِهما: أنهما قُتلا بريحه؛ لأنه لم يغزُهما بنفسه، والذهبُ زخرف يدل على زُخرفهما، وأن ما يقولانه لا أصلَ له، وإنما هو زخرفٌ من القول وغرور، والسواران دلَّا بلفظيهما (٢) على مَلِكين؛ لأن الأساورةَ هم الملوكُ، وبمعناهما: على التضيق؛ لأن السوار مضيِّقٌ على الذراع.
(فإذا هي المدينةُ يثربُ): يشبه أن يكون هذا قبل نهيه عن تسمية المدينة يثربَ.
(ورأيت فيها بقرًا، واللهُ خيرٌ): قال القاضي: رواية أكثرهم: برفع الهاء من اسم الله؛ قيل: وهو الصواب؛ أي: وثوابُ الله خيرٌ؛ وعندَ بعضهم: بالكسر على القسم؛ لتحقيق الرؤيا, ومعنى خير بعد ذلك؛ أي: أو ذلك خيرٌ (١) , على التفاؤل في تأويل الرؤيا (٢).
(فإذا هم المؤمنون يومَ أُحد): فيه أن البقر تُعَبَّر بالرجل، وعُبَّرَتْ في القرآن بالسنين، فهي تدل على أشياء تُعطى كلُّ نازلة عند وقوعها ما يليق بها من التعبير.
* * *
١٩٤٤ - (٣٦٢٣) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَرْحَبًا بِابْنَتِي". ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ.
(كأن مِشيتها): -بكسر الميم (٣) -؛ لأن المراد الهيئة.
стр. 3039
١٩٤٥ - (٣٦٢٤) - فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ: "إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي"، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟ "، فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.
(أما ترضين أن تكوني سيدةَ نساء أهل الجنة): فيه دلالة على تفضيل فاطمة ﵂، ودخل في هذا العموم أُمها وأخواتها.
قيل: وإنما سادَتْهُنَّ؛ لأنهن مُتْنَ في حياة النبي ﷺ ، فكُنَّ في صحيفته، [ومات أبوها وهو سيد العالمين، فكان رُزْؤه في صحيفتها] (١) وميزانها.
وقد روى البزار من طريق عائشة: أنه ﵇ قال لفاطمة: "خَيْرُ بَنَاتي، إِنَّها (٢) أُصِيبَتْ بي"، فحق لمن كانت (٣) هذه (٤) حالها أن تسودَ نساءَ أهل الجنة.
ويذكر عن أبي بكر بن داود: أنه سئل: مَنْ أفضلُ، أخديجةُ (٥) أم
стр. 3040
فاطمةُ؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنَّي"، فلا أعدلُ ببضعةٍ من رسول الله ﷺ أحدًا.
قال السهيلي: وهذا استقراء حسن، ويشهد لصحته: أن أبا لبابة حين ارتبطَ نفسَه، وحلف أن لا يحلَّه إلا رسولُ الله ﷺ ، [جاءت فاطمة لتحله، فأبى من أجل قَسَمه، فقال رسول الله ﷺ ] (١): "إِنَّما فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنَّي" (٢)، فحَلَّتْه (٣).
* * *
١٩٤٦ - (٣٦٢٨) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِن النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ، حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا، وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ". فَكَانَ آخِرَ مَجلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
(بمِلحَفة): بكسر الميم وفتح الحاء.
(قد عَصَبَ): بالبناء للفاعل، والصاد مخففة، وفي بعض النسخ: بالبناء
стр. 3041
للمفعول، وفي بعضها بتشديد الصاد.
(دَسْماء): أي: سوداء.
* * *
١٩٤٧ - (٣٦٣١) - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ؟ ". قُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ لَنَا الأَنْمَاطُ؟! قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمُ الأَنْمَاطُ". فَأَنَا أَقُولُ لَهَا -يَعْنِي: امْرَأَتَهُ- أَخِّرِي عَنِّي أَنْمَاطَكِ. فَتَقُولُ: أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمُ الأَنْمَاطُ"؟ فَأَدَعُهَا.
(عمرو بن عباس): بباء موحدة (١) وسين مهملة.
(هل لكم من أنماط؟): ضَرْبٌ من البُسط له خَمَلٌ رقيق، واحدُه نَمَط.
أخبرهم أنها ستكون لهم، ودلهم على ترك السرف، وابتغاء القصد من الأنماط؛ لتظهر نعمةُ الله عليهم، لا ليفعلوا ذلك رياء وسمعة؛ كذا في السفاقسي (٢).
ولا يظهر لي (٣) تنزيلُه على ما في الحديث؛ فإنه ليس فيه أكثر من قوله: "أَما إِنَّها ستكونُ لكم (٤) الأنماط".
قال الزركشي تبعًا للسفاقسي: فيه تقديمٌ وتأخير؛ لأن الصَّريخ جاءهم، فخرجوا إلى بدر (١).
قلت: هذا بناء على أنَّ الواو للترتيب، وهو خلاف مذهب الجمهور، ولو سُلِّم (٢)، فلا نسلِّمُ أنَّ الواو للعطف، وإنما هي للحال، و"قد" مقدّرة؛ أي: فلما خرجوا في (٣) حال مجيء الصريخ لهم. فلا تقديم ولا تأخير.
* * *
١٩٤٩ - (٣٦٣٣) - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ، شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ، فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ". وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبَيْنِ".
(رأيت النَّاس): أي: في النوم.
(فقام أبو بكرٍ): ﵁.
(فنزع ذَنوبًا أو ذنوبين): الذنوب -بفتح الذَّال المعجمة-: الدَّلْوُ العظيمةُ.
стр. 3044
(وفي نزعه ضَعفٌ): بفتح الضاد المعجمة وضمِّها.
قيل: يريد: ما ناله المسلمون في خلافة أبي بكر من أموال المشركين.
وقيل: إنما أراد: قِصَرَ مدته، كيف وقد قاتل أهل الرِّدَّة، فلم يتفرَّغْ لافتتاح الأمصار وجباية الأموال (١).
(فاستحالت بيده غَرْبًا): أي: انقلبت عن الصغر إلى الكبر، والغَرْب (٢): -بسكون الرَّاء- الدَّلْو العظيمةُ، وهذا تمثيل أُشير به إلى عِظَم الفتوح التي كانت في زمن عمر ﵁، وكثرتها.
(فلم أر عبقريًا): أي: سيدًا كبيرًا.
قيل: وأصله: أنَّ عبقر قريةٌ يسكنها الجن، فكلما أرادوا شيئًا فاتنًا غريبًا مما يصعب عمله ويدقُّ، أو شيئًا عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها، فقالوا: عبقريّ، ثم اتُّسِعَ فيه حتى سُمي به السيدُ الكبير (٣).
(يفري فَرْيَهُ): بفتح الفاء وإسكان الراء وتخفيف الياء التحتيّة.
ويروى: بكسر الرَّاء وتشديد الياء؛ معناه: يعملُ عملَه، وَيقْوى قُوَّتَه.
(حتى ضرب النَّاس بعَطَن): "النَّاس" مرفوع (٤) على أنه فاعل ضرب، والعَطَن (٥): مُناخُ الإبل إذا صدرَتْ عن الماء.
قال السَّفاقسي: يقول: حتى رَوَّى الإبلَ الماءُ الذي تشربه في مَبارِكِها