(طَرح عليه بُرنُسًا): -بضم الباء الموحدة والنون-: كساء.
وجاء أن الرجل الذي طرح عليه (١) عبدُ الرحمن بن عوف، وهو الذي احتزَّ رأسَه بعد قتل نفسه.
(الحمد لله الذي لم يجعل مِيتتي (٢)): بكسر الميم وبمثناتين من فوق.
ويروى: "منيتي" -بنون بعد الميم-: واحدة المنايا.
(على يد رجل مسلم): وذلك لأن قاتله هو فيروز (٣) أبو (٤) لؤلؤة، [غلامُ المغيرةِ بنِ شُعبةَ، وكان -أعني: أبا لؤلؤة] (٥) - رجلًا مجوسيًّا.
(وجاء رجلٌ شابٌّ): هو عبد الله بن عبَّاس.
(فإنَّه أنقى لثوبك): بالنون، ويروى بالباء الموحدة.
(ثمَّ سلِّمْ فقلْ: يستأذن عمر): إنَّما أمره بإعادة الاستئذان بعدَ موته وَرَعًا، ومخافَة أن تكون أذنتْ له في حياته حياء ومحاباةً، وقد مر فيه كلام.
(فولجت داخلًا لهم): أي: لما استأذن الرِّجال، قامت حفصةُ من عند أبيها، وولجت؛ لأجل الرَّجال في داخل البيت، بحيث لا يرونها.
(وردءُ الإسلام): أي: عَوْنُه.
(وغيظُ العدوِّ): أي: إنهم يغيظون العدو بكثرتهم.
"الحلية": "أنَّه وجد عمر، فقال: أقريني" (١)، فظنَّ أنه من القراءة، وإنما أردتُ القِرى (٢).
قلت: إذا كان مراده قرى الضيف، فكيف يكون هذا معنى (٣) قوله: "وإن كنت لأستقرئ الرجلَ الآيةَ"؟!
* * *
باب: مَنَاقِب الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ -
١٩٨٦ - (٣٧٢٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبَيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ ابْنُ أبي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءَ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ! رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ. قَالَ: أَوَ هَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ؟ "، فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ، جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَويهِ، فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي".
(عن عبد الله بن الزّبير، قال: كنت يوم الأحزاب): وهو يوم الخندق، كان في سنة أربع، وعند انصرافهم كانت قريظة، فيكون سنُّ عبدِ الله سنتين وأشهرًا؛ فإنه ولد في السّنة الثانية من الهجرة.
باب: مَنَاقِب زَيدِ بِن حَارِثَةَ مَولَى النَّبيِّ ﷺ -
١٩٩٠ - (٣٧٣٠) - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إن تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ".
(فطعن بعضُ الناس في إمارته): ذكر ابن عساكر في "تاريخ دمشق" حديثًا في هذه القصة، فقال رجلٌ من المهاجرين -وكان أشدَّ الناس في ذلك قولًا عياشُ بنُ أبي ربيعة-: يستعمل هذا الغلامَ على المهاجرين؟! فكثرت المقالة في ذلك، فسمع عمرُ بنُ الخطاب بعض (١) ذلك القول، فردَّه على مَنْ تكلم، وجاء إلى النبي ﷺ ، فأخبره بقول من قال، فغضب (٢) رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، وساق الحديث (٣).
* * *
باب: مَنَاقِب عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَر بنِ الخَطَّابِ ﵁ -
١٩٩١ - (٣٧٣٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ:
стр. 3092
كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا، قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَكُنْتُ غُلَامًا أَعْزَبَ، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجدِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كطَيِّ الْبِئْرِ، وإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَي الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَنْ تُرَاعَ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ.
(شابًّا (١) عزبًا (٢)): قال الزركشي: كذا، والصحيح أعزب (٣).
قلت: هذا عجيب، فإنّ الذي ذكره القاضي والجوهري وغيرهما: عَزَب، بدون همزة.
[وحكى السفاقسي في هذه الكلمة روايتين: إحداهما: أعزب -بالهمزة-، والثانية: عَزَب -بدون همزة-] (٤) , وهي رواية أبي ذر.
قال السفاقسي: وهو الذي ذكر أهل اللغة (٥).
(لن تُراعَ): كذا للجمهور هنا، وعند القابسي: "لَنْ تُرَعْ" -بالجزم-، وهي لغة لبعض العرب, وقد سبق الكلام عليه.
стр. 3093
باب: مَنَاقِبِ عَمَّارٍ وحُذَيفَةَ ﵄ -
١٩٩٢ - (٣٧٤٢) - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الشَّأْمَ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ. فَقُلْتُ: إِني دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَكَ لِي، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ: أَوَ ليسَ عِنْدَكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ، وَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ، أَوَ لَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ غَيْرُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ١ - ٣]. قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ.
(أو ليسَ عندَكم ابنُ أم عبد (١)): يعني: ابنَ مسعود.
(صاحب النّعلين، والوسادة، والمِطهرة): بكسر الميم، ويروى: "والمطهر" -بدون هاء-.
قال الداودي: لم يكن له في الجهاد إلا ذلك؛ لتخليه من الدنيا، وقد أنكر عليه ذلك.
قالوا: وإنما المراد: الثناءُ عليه بخدمة النبي ﷺ ، فهو الفخر، وكان ابنُ مسعودٍ يمشي مع النبي ﷺ حيث ينصرف، ويخدمه، ويحمل مطهرته،
стр. 3094
وسواكه، ونعليه، وما يحتاج إليه.
وقوله: والوسادة، كذا ذكره البخاري هنا، وفي باب الوضوء.
وقيل: صوابه: السواد؛ أي (١): صاحبُ السواد كما سنذكره بعدُ: "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الحِجَابَ وَتَسْمَعَ سَوادِي حَتَّى أَنْهاكَ" رواه (٢) مسلم عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ (٣).
وهذه خصوصيّة لابن مسعود ﵁ (٤).
(وفيكم الذي أجاره الله): يعني: عمار بن ياسر.
(وفيكم صاحبُ سر (٥) النبي ﷺ (٦) الذي لا يعلمه أحدٌ غيرُه): يريد: حُذيفة، والسرُّ هو: أنَّ النبي ﷺ أعلمَه أسماءَ المنافقين.
وقيل: أعلمَه أسماء المنافقين الذين نَخَسوا بعيره ليلةَ العقبة، وكانوا اثني عشر رجلًا.
وروى الطبراني في "الكبير" عن الزبير (٧) بن (٨) بكار في تسمية المنافقين
стр. 3095
أصحاب العقبة: مُعَتِّبُ بنُ قُشير، وهو الذي قال: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، شهد الزبيرُ عليه بذلك.
ومنهم: وديعةُ بنُ ثابت، وهو الذي قال: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥].
وجدّ بن عبد الله.
والحارثُ بنُ يزيد.
وأوس بن قيظي (١)، وهو الذي قال: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣].
والجلاس بن سويد بن الصامت، ويلغنا أنَّه تاب بعد ذلك.
وسعد بن زرارة.
وسويد وداعس وقيس بن عمرو (٢) بن فهد.
وزيد بن اللصيت (٣).
وسلالة بن الحمام (٤).
وأمّا قراءة عبد الله: ﴿والذكر والأنثى﴾، فقيل: إنها أُنزلت كذلك، ثم أنزل: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]، فلم يسمعه عبدُ الله، ولا أبو الدرداء، وسمعه سائرُ الناس، وأثبت في المصاحف، وهذا كظن عبد الله أنَّ المعوذتين ليستا من القرآن (٥).
فَقَالَ: "ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أَوْ عَجِبَ- مِنْ فَعَالِكُمَا". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
(فقال رجلٌ من الأنصار: أنا): قال الزركشي: هو أبو طلحةَ زيدُ بنُ سهلٍ زوجُ أُمِّ سُليم (١).
قلت: كذا ذكره ابن بشكوال، والذي وقع في مسلم: أنه أبو طلحة (٢).
وقال الخطيب فيما حكاه عنه مغلطاي: لا أراه زيد بن سهل، ووُجِّه: أن هذا الرجل المضيف ظهر من حاله أنه كان قليل ذات اليد، فإنّه لم يجد ما يضيف به إلا قوت أولاده، وأبو طلحة زيدُ بنُ سهل كان أكثر (٣) أنصاري بالمدينة مالًا.
(ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عَشاء): فيه نفوذُ فعل الأب على الابن، وإن كان منطويًا على ضرر، إذا كان ذلك من طريق النظر، وأنَّ القول فيه قولُ الأب، والفعلَ فعلُه؛ لأنهم نوَّموا الصِّبيان جياعًا؛ إيثارًا لقضاء حق رسول الله ﷺ في إجابة دعوته، والقيام بحقَّ ضيفه.
وقيل: معنى اهتزاز العرش لسعد: أنَّه ارتاح لروحه، واستبشر بصعوده لكرامته، وكل من خف لأمرٍ (١) واستبشر به، فقد اهتزَّ له.
وقيل: قد يكون اهتزازُ العرش حقيقةً، جعله الله علامةً نصبَها لموتِ (٢) وليٍّ من أوليائه يُنَبِه له ملائكتَه، ويشعرهم بفضله (٣).
* * *
٢٠١٢ - (٣٨٠٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ، أَوْ سَيِّدِكُمْ". فَقَالَ: "يَا سَعْدُ! إِنَّ هَؤُلَاءَ نزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ". قَالَ: فَإِني أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ. قَالَ: "حَكَمْتَ بِحُكْم اللَّهِ، أَوْ بِحُكْم الْمَلِكِ".
(فلمّا بلغ قريبًا من المسجد): قيل: ذكرُ المسجد هنا وَهْم؛ لأنه ﷺ كان مجاهدًا لبني قريظة، ولا مسجد هناك، وسعدٌ إنَّما جاء من المسجد، والأشبهُ أن المسجدَ تصحيف، وصوابه: فلما دنا من النبي ﷺ ، كما رواه مسلم، وأبو داود (٤).
стр. 3110
قلت: هذا من (١) نمط ما تقدم من الإقدام على تخطئة الرواية (٢) الثابتة (٣) الصحيحة بمجرد خيالٍ يقوم في النفس، إذ لا مانع أن يكون هناك مسجدٌ اختطه النبي ﷺ .
سلَّمنا أنَّه لم يكن هناك مسجد أصلًا (٤)، لكنَّا لا نسلِّم أنَّ قوله: في المسجد متعلِّق بـ: قريبًا (٥)، وإنَّما هو متعلِّق بمحذوف؛ أي: فلمَّا بلغ قريبًا من مكان النبي ﷺ في حالة كونه جائيًا من المسجد، وذلك أنَّه لمَّا أصيب، أقام بمسجد المدينة، فلما طُلب، جاء منه، واستقام الكلام (٦)، والحمد لله.
(بحكم الملِك): يروى (٧) بكسر اللام؛ والمراد به: اللهُ تعالى، ويروى بفتحها، على أنَّ المراد: المَلكُ النازلُ بالوحي (٨).
وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تُنْقِزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا.
(مجَوِّب): بفتح الجيم وكسر الواو المشددة، ويقال للترس: جوبة.
(بحَجَفَة): -بحاء مهملة وجيم مفتوحتين-: هي الترس.
(شديدَ القِدِّ): يروى بإضافة شديد إلى القِدِّ -بكسر القاف وتشديد الدال-، [يريد: وتر القوس، والقِدُّ شيءٌ لا يُقَدُّ من جلدٍ غيرِ مدبوغٍ] (١).
ويروى: بنصب "شديدًا" (٢)، وتنوينه، و"لَقَدْ" لام تأكيد داخلة به (٣) على قَد الحرفية، فالقاف مفتوحة والدال ساكنة (٤).
(فكسرَ يومئذ قوسين أو ثلاثةً): هذا على رواية: "شديدَ القِدِّ"، بالإضافة وكسر القاف وتشديد الدال، ويروى: "تَكَسَّرَ يومئذٍ قوسانِ أو ثلاثةٌ"، وهذا يلتئم على شديدًا، بالتنوين وفتح قاف لَقَد.
(ومعه الجَعْبة): -بفتح الجيم وإسكان العين المهملة-: الكِنانة التي تُجعل فيها السهام.
(انثرْها): بنون فثاء مثلثة، ويروى بشين معجمة بدل المثلثة.
стр. 3113
(لا تشرفْ يصيبُك سهم): أكثر الرّواية على رفع يصيبك، ورواه الأصيلي: "يصبْك"، بالجزم.
قال القاضي: والأولُ هو الصواب، والثاني خطأ، وقلبٌ للمعنى (١).
قلت: بل الثاني صواب، على رأي الكسائي المشهور أجاز: لا تكفرْ تدخلِ النَّار، [ولا تدنُ من الأسد يأكلْك -بالجزم-؛ إذ من الواضح البين أنَّ معنى الأول: لا تكفرْ؛ فإنك إن تكفرْ تدخلِ النَّار] (٢)، وأنَّ معنى الثاني (٣): لا (٤) تدنُ من الأسد؛ فإنك إن تدنُ منه (٥) يأكلْك، والجماعة إنَّما يقدِّرون فعلَ الشرط منفيًّا، فلذلك لا يصح عندهم التركيبُ المذكور، لكن لم يصل الأمرُ فيه إلى حدّ إذا وجدنا روايةً صحيحة تتخرجُ على رأي إمامٍ من أئمة (٦) العربية، جليلِ المكانة، نطرحُ الروايةَ، ونقطعُ بخطئها، اعتمادًا على مذهب المخالفين، هذا أمرٌ لا يقتضيه الإنصاف.
* * *
باب: مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ ﵁ -
٢٠١٥ - (٣٨١٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا
стр. 3114
يُحَدِّثُ عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. قَالَ: وَفِيهِ نزَلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]. قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ: الآيَةَ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ.
(وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]): أنكر مسروقٌ والشعبي هذا؛ بناءً على أنَّ السورة مكيَّة، وأُجيب بأنَّ الآية كانت تنزل، فيقول: "أَلْحِقُوها في سُورَةِ كَذا" (١).
(قال: لا أدري قال مالك: الآية، أو في الحديث). أي: قال عبد الله بن يوسف القعنبي راوي الحديث عن مالك: لا أدري؛ هل هذا الفصل، وهو قوله: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] قولُ مالكٍ نفسِه، أو هو مرويٌّ في متن الحديث (٢)؟
* * *
٢٠١٦ - (٣٨١٣) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ رَجُل عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ، قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ: وَاللَّهِ!
(حمراء الشدقين): تأنيث أحمر، وَصَفَتهَا بالدَّرَد، وهو سقوطُ الأسنان من الكِبَر، فلم يبق إلا حمرةُ اللِّثاتِ.
قال السفاقسي: ويروى جمزا -بالجيم والزَّاي-، ولم (١) يفسِّر معناه، ولا وقفتُ على معنى ما يصلح أن يفسَّر به؛ فينبغي الكشفُ عنه (٢).
(أبدلك الله خيرًا منها): قال السفاقسي: في سكوت النبي ﷺ على ذلك دليلٌ على فضل عائشة، إلا أن تريد (٣) أحسنَ صورةً، وأصغرَ سنًا (٤).
قلت: أو (٥) يكون ذلك؛ كما قاله الطبري وغيره، من باب غيرة النساء الحاملةِ لهنّ على التجوُّزِ في القول، فيكون سكوت النبي ﷺ لأجل أنه عذرَها، وسامحها في إطلاق مثلِ هذا القول، ولم يَزْجُرها عنه، فلا يكون في ذلك تقديرٌ منه لأفضلية عائشة على خديجة.
قال القاضي: ويحتمل عندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها، وأول شبتها (٦)، ولعلها لم تبلُغْ حينئذ (٧).
-﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونهَا عَلَى غَيْرِ اسْم اللَّهِ؟! إِنْكَارًا لِذَلِكَ، وَإِعْظَامًا لَهُ.
(بأسفلِ بَلْدَح): -بموحدة مفتوحة [فلام ساكنة فدالٌ مهملة مفتوحة] (١) فحاء مهملة-: وادٍ قبل مكة من جهة الغرب، فيه الصرفُ وعدمُه (٢).
(فقُدِّمت إلى النبي ﷺ سُفرة، فأبى أن يأكل منها): الضمير في قوله: "فأبى" عائد إلى زيد بن عمرو (٣) بن نفيل، وليس في الحديث: أن النبي ﷺ أكل من السفرة.
وقال السهيلي: إنما قال زيدٌ ذلك برأي منه، لا بشرع متقدم، وفي شرع إبراهيم تحريمُ الميتة، لا تحريمُ ما ذُبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام (٤).