(حمراء الشدقين): تأنيث أحمر، وَصَفَتهَا بالدَّرَد، وهو سقوطُ الأسنان من الكِبَر، فلم يبق إلا حمرةُ اللِّثاتِ.
قال السفاقسي: ويروى جمزا -بالجيم والزَّاي-، ولم (١) يفسِّر معناه، ولا وقفتُ على معنى ما يصلح أن يفسَّر به؛ فينبغي الكشفُ عنه (٢).
(أبدلك الله خيرًا منها): قال السفاقسي: في سكوت النبي ﷺ على ذلك دليلٌ على فضل عائشة، إلا أن تريد (٣) أحسنَ صورةً، وأصغرَ سنًا (٤).
قلت: أو (٥) يكون ذلك؛ كما قاله الطبري وغيره، من باب غيرة النساء الحاملةِ لهنّ على التجوُّزِ في القول، فيكون سكوت النبي ﷺ لأجل أنه عذرَها، وسامحها في إطلاق مثلِ هذا القول، ولم يَزْجُرها عنه، فلا يكون في ذلك تقديرٌ منه لأفضلية عائشة على خديجة.
قال القاضي: ويحتمل عندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها، وأول شبتها (٦)، ولعلها لم تبلُغْ حينئذ (٧).
-﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونهَا عَلَى غَيْرِ اسْم اللَّهِ؟! إِنْكَارًا لِذَلِكَ، وَإِعْظَامًا لَهُ.
(بأسفلِ بَلْدَح): -بموحدة مفتوحة [فلام ساكنة فدالٌ مهملة مفتوحة] (١) فحاء مهملة-: وادٍ قبل مكة من جهة الغرب، فيه الصرفُ وعدمُه (٢).
(فقُدِّمت إلى النبي ﷺ سُفرة، فأبى أن يأكل منها): الضمير في قوله: "فأبى" عائد إلى زيد بن عمرو (٣) بن نفيل، وليس في الحديث: أن النبي ﷺ أكل من السفرة.
وقال السهيلي: إنما قال زيدٌ ذلك برأي منه، لا بشرع متقدم، وفي شرع إبراهيم تحريمُ الميتة، لا تحريمُ ما ذُبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام (٤).
стр. 3121
واستُضعف هذا الذي قاله؛ بأن (١) الظاهر أنه كان في شرع إبراهيم ﵇ تحريمُ ما ذُبح لغير الله، وقد كان عدوَّ الأصنام، واللهُ تعالى يقول: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] (٢).
* * *
باب: بُنْيَانِ الكَعْبَةِ
٢٠٢٣ - (٣٨٢٩) - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِيكَ مِنَ الْحِجَارَةِ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءَ، ثُمَّ أفاقَ فَقَالَ: "إِزَارِي إِزَارِي"، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ.
(اجعل إزارك على رقبتك يقيك): برفع يقيك، ويروى:"يَقِك"، بالجزم (٣).
(إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم): استشكله بعضهم بأن هذه القسامة إنما كانت في بني المطلب حقيقة.
وأجاب الدمياطي: بأن بني هاشم وبني (١) المطلب كانوا كشيء واحد في الجاهلية والإسلام (٢).
(جُوالقه): -بضم الجيم-: وعاء، والجمعُ: الجَوالق، بفتحها.
(قال: فكتب إذا شهدت الموسم): كتب: بتاء فوقية وباء موحدة؛ من الكتابة.
وعند الحموي والمستملي: "فكُنْتَ" (٣)، "كان" واسمُها تاءٌ للمخاطب.
(أحبُّ أن تجيز ابني): -بجيم وزاي-؛ أي: تُسقط عنه اليمين، وتعفو عنه (٤).
(ولا تُصبَر): بضم التاء الفوقية وفتح الباء الموحدة، على البناء للمفعول.
ويروى بكسر الموحدة، على البناء للفاعل، والصبر في اللغة: الحبسُ، والمراد هنا: أن لا يُحْبَس لليمين، ويُلزم بها، بحيث (٥) لا يسعُه إلا الحلف، بل يُعفى (٦) من ذلك.
стр. 3127
(حيث تُصبر الأيمان): وذلك بين الركن والمقام.
وفي الحديث مبهمات: القاتل، والمقتول (١)، والرجلان اللذان (٢) افتديا أيمانهما، [فأما القاتل، فاسمه خِراشُ بنُ عمرو، وأما المقتول، فاسمه عمرُ ابنُ علقمة، واسمُ أحد الرجلين اللذين افتديا أيمانهما] (٣): حُوَيْطِب بنُ عبدِ العُزَّى، وهو ابنُ المرأة المذكورة في الحديث، ذكرَ ذلك كلَّه الزبير بن بكار في "الأنساب"، ولم يُسم أمه هنا.
وفي "طبقات ابن سعد": أن اسمها زينبُ بنتُ علقمةَ بنِ غزوانَ بنِ يربوعِ بنِ الحارثِ، وهي من بني عامرِ بنِ لُؤي (٤).
* * *
٢٠٢٩ - (٣٨٤٩) - حَدَّثَنَا نُعيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ، قَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ.
(رأيت في الجاهلية قِرْدَةٌ اجتمع عليها قِرَدَةٌ قد زنتْ، فرجموها): قال السفاقسي: فيه: أن القرْدة تعقل، إلا أنَّها لم تكلَّف، ويحتمل أن يكون هذا من نسل الذين مُسخوا، فبقيت فيهم تلك الغيرة، ولعلها شِرْعة نبي، وقيل: الممسوخ لا يُنسل، هذا كلامه (٥).
стр. 3128
٢٠٣٠ - (٣٨٥٠) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا الاِسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ.
(ويقولون: إنها الاستسقاء بالأنواء): جمع نَوء، وهو من قولهم: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا، والله الموفق للصَّواب.
* * *
باب: مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ -
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِم بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كنَانة ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
(باب: مبعث النبي ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب): هذا لقب، واسمه شَيْبَةُ على الصحيح، قيل: وسُمي (١) شيبة؛ لأنه ولد وفي رأسه شَيبة.
(ابن هاشم): لأنه هَشَمَ الثريدَ لقومه في زمن المجاعة، واسمه: عَمْرٌو.
(ابن عبد مناف): اسمه المغيرة.
стр. 3129
(ابن قُصَيٍّ): -بضم القاف-، تصغير قَصِيٍّ؛ أي: بعيد؛ لأنه بَعُدَ عن (١) عشيرته في بلاد قُضاعة، حين احتملته أمه مع رابِّهِ ربيعةَ بنِ حَرام، وصُغّر على فُعَيْل؛ [لأنهم كرهوا اجتماع ياءات، فحذفوا إحداهن، وهي الثانية (٢) التي تكون في فُعَيِّل، نحو قُضَيِّب، فبقي على وزن فُعَيل، مثل] (٣): فُلَيْس، ويجوز أن يكون المحذوف لام الفعل، فيكون وزنه: فُعَيًّا، وتكون ياء التصغير هي الباقية مع الزائدة، فقد جاء ما هو أبلغ في الحذف من هذا، وهي قراءة قنبل: ﴿يَابَنِي﴾ [البقرة: ٤٠]، ببقاء (٤) ياء التصغير وحدها، واسمُ قصيٍّ زيدٌ.
(ابن كِلاب): -بكسر الكاف وتخفيف اللام-، قيل: اسمه حكيم، وقيل: الحكيم، ويقال: عُروة، ويقال: المهذب (٥)، ولقب كلابًا؛ لمحبته الصيد، وكان أكثرُ صيده بالكلاب.
(ابن مرة بن كعب بن لؤي): بالهمز في الأكثر.
(ابن غالب بن فهر): قيل: إنه لقب، والفِهْرُ من الحجارة: الطويل، واسمه: قُريش، وقيل: بل اسمه فهر، وقريشٌ لقب له.
(ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس): قال ابن الأنباري: هو بكسر الهمزة، وجعله موافقًا لاسم إلياس النبي ﷺ .
стр. 3130
وحكى السهيلي: أن قاسم بن ثابت قال في "الدلائل": إن الياس ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة همزة وصل، قال السهيلي: وهذا أصح (١).
(ابن مضر): ويقال له: مضر الحمراء، ولأخيه ابن ربيعة: الفَرَس؛ لأن أباهما كان أوصى لمضر بقبة حمراء، ولربيعة (٢) بفَرَس.
ومضر: أولُ من سنَّ الحداء للإبل، وكان أحسنَ الناس صوتًا.
(ابن نِزار): -بكسر النون- من النَّزْر، وهو القليل، وكان أبوه حين ولد له (٣)، ونظر إلى النور الذي بين عينيه -وهو نور النبوة الذي كان ينتقل في الأصلاب إلى محمد ﷺ فرح فرحًا شديدًا، ونحر وأطعم، وقال: إن هذا كله نَزْرٌ لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك.
(ابن معد بن عدنان): قال القتيبي: وما بعدَ عدنانَ من الأسماء مضطَرَبٌ فيه، فالذي صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه انتسب إلى عدنان لم يتجاوزه.
قلت: وكأنَّ البخاري اقتصر في رفع النسب على ما ذكره لذلك، وقد رُوي من طريق ابن عباس لما بلغ عدنان، قال: كذب النسابون، مرتين، أو ثلاثًا.
قال السهيلي: والأصح في هذا الحديث: أنه من قول ابن مسعود، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إنما ننسُبُ إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو.
стр. 3131
وأصحُّ شيء يُروى فيما بعدَ عدنانَ ما (١) ذكره الدولابي أبو بشر من طريق موسى بن يعقوبَ بنِ عبد الله بنِ وَهْبِ بنِ زمعةَ الزَّمْعِيِّ عن عمته، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَعَدُّ بْنُ عدنانَ بنِ أَدَدِ بنِ زنْدٍ اليرى ابنِ أعراقِ (٢) الثرى".
قالت أم سلمة: فزند (٣) هو الهميسع (٤)، واليرى (٥): هو نَبْتٌ، وأعراقُ الثرى هو إسماعيل؛ لأنه ابن إبراهيم، وإبراهيمُ لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى.
قال السهيلي: وقوله: ابن الثرى ابن إسماعيل؛ من الانتساب إلى الجد البعيد، لا أنه ابنه لصُلبه؛ لأنه لا خلاف في بعد المدة بين عدنان وإبراهيم، ويستحيل أن يكون بينهما أربعة آباء أو سبعة (٦).
* * *
باب: مَا لَقِي النَّبيُّ ﷺ وأَصْحَابُهُ مِنَ المُشْرِكينَ بمكَّةَ
٢٠٣١ - (٣٨٥٢) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ وَإِسْمَاعِيلُ، قَالَا: سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ
هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ". -شُعْبَةُ الشَّاكُّ- فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ أُمُيَّةَ أَوْ أُبَيٍّ، تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ.
(عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قال: بينا النبي ﷺ ساجد): عبد الله هذا هو ابن مسعود؛ كما صرح به البخاري في كتاب: الصلاة.
وتشكُّكُ الداوديِّ بعد ذلك في أنه عبد الله بن عمر لا معنى له.
(وأمية بن خلف، أو أبي بن خلف (١)، شعبةُ الشاكُّ): في كتاب: الصلاة: أميةُ بنُ خلف (٢)، وهو الصحيح؛ لأن أبيًّا قتله النبي ﷺ يوم أُحد (٣).
* * *
٢٠٣٣ - (٣٨٥٥) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -أَوْ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، قَالَ: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]. فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ، قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ: فَقَدْ قتلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ أَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ
قُلْتُ: لَا أبرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحْ! أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ، فَقُمْتُ، فَمَا نشَبْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا نبَيٌّ.
(إذ مر به رجل جميل): هو سَوادُ بنُ قارِبٍ الذي (١) أتاه رِئِيُّهُ ثلاث ليال يُعْلِمه فيها بظهور (٢) سيدِ الأولين والآخرين.
(أخطأ ظني (٣)، أوْ: إن هذا): -بإسكان الواو- أَوْ (٤) على أنها حرفُ العطف الموضوع لأحد الشيئين أو الأشياء.
(عليَّ الرَّجُلَ): -بالنصب-؛ أي: أحضروه.
(وإبلاسها): الإبلاس: اليأس والإبعاد.
(ويأسها من بعد إمساكها): يعني: أنها يئست من السمع بعد أن كانت ألفته.
وقيل: الصواب: "ويأسها من بعد إنكاسها"، وهي رواية ابن السكن.
وعند أبي ذر: "إنساكها".
وقيل: "من بعد إيناسها"، يعني: أنها كانت تأنس إلى ما تسمع (٥).
(ولحوقها بالقلاص وأحلاسها): -بالحاء المهملة- جمع حِلْس -بكسرها-، وهو كساءٌ أو لبدٌ يُجعل على ظهر البعير تحتَ القَتَبِ
стр. 3139
يلازمه (١)، ومنه (٢) قيل: فلانٌ حِلْسُ بيته؛ أي: ملازمُه. يعني: تفرَّقَهم ونِفارَهُم كراهةَ (٣) الإسلام (٤).
(يا جَليحُ!): أوله جيم وآخره حاء مهملة، اسمُ رجل ناداه.
(رجل فصيح): من الفصاحة، ويروى: "يصيح"؛ من الصياح (٥).
* * *
٢٠٣٩ - (٣٨٦٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زيدٍ يَقُولُ لِلْقَوْمِ: لَوْ رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَرُ عَلَى الإِسْلَامِ، أَنَا وَأُخْتُهُ، وَمَا أَسْلَمَ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا انْقَضَّ لِمَا صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ، لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ.
(رأيتني موثقي عمرُ على الإسلام أنا وأخته): هي فاطمةُ بنتُ الخطَّاب، ﵂.
(لكان محقوقًا أن ينقضَّ): -بالقاف- مثل قوله (٦): لو أن أُحدًا انْقَضَّ [؛ أي: لكان واجبًا أن يقع وينكسر.
ويروى بالفاء، مثل قوله: لو أن أُحدًا انفض] (٧). يقول: لو تحركت
فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي".
(في الحطيم): -بالحاء المهملة- حجر مكّة؛ لأن البيت رفع، ترك ذلك الموضع محظورًا، وسمي حطيمًا؛ لازدحام الناس فيه، وحطم بعضِهم بعضًا.
(فقَدَّ): قطعَ طولًا، والقَطُّ: هو القطعُ عرضًا.
(من (١) ثُغْرة نحرهِ): -بمثلثة مضمومة وغين معجمةٍ ساكنة- وتجمع على ثُغَر، هي (٢) ما بين الترقوَّتين.
(إلى شِعرته): -بكسر الشين المعجمة (٣) -: ما تنبت عليه العانة (٤).
(من قَصِّه): -بفتح القاف-؛ أي: من صَدْره، أو سُرَّته.
(بطَسْت من ذهب مملوءة): بالجر على الصفة، وبالنصب على الحال،
стр. 3148
إما من طست؛ لأنه وُصف، وإما من الضمير المستكن في "من ذهب"، والأولُ أولى.
(و (١) يضع خَطْوَه): بفتح الخاء، والإضافةِ إلى ضمير الغيبة.
(عند منتهى (٢) طرْفه): -بإسكان الراء-؛ أي: العين، والمعنى: أنه يضع حافره عند منتهى ما يراه بطرفه.
(فلما خلصت، فإذا موسى): الظاهر أن الفاء فيه، وفي: "فإذا إبراهيم (٣) " زائدة.
(فإذا نبِقها): -بكسر الموحدة-: ثمرُ السِّدْر.
(مثل قِلال هجر): أي: الجِرار التي تصنع (٤) فيها، وهَجَر: اسمُ بلد لا ينصرف للعلمية والتأنيث.
قال الزركشي: وكانت القِلال معلومةَ عندهم؛ إذ (٥) التشبيه (٦) لا يقوم بالمجهول (٧).
قلت: يكفي العلم بوجهٍ ما؛ ككونها عظيمة، ولا يلزمُ العلمُ بكونها تَسَعُ كذا وكذا من الماء؛ كما تذكره الشافعية في حديث القلتين.
٢٠٤٨ - (٣٨٩٠) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَحَدُهُمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ.
(سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهد بي خالاي (١) العقبة، قال عبد الله بن محمد (٢): قال ابن عيينة: أحدُهمُا البراء بن معرور): قال الحافظ الدمياطي: خالا جابر هما: ثعلبة، وعمرو ابنا غنمة بن عدي، أختهما أُنيسة بنتُ غنمة أُمُّ جابرِ بنِ عبد الله، وليس البراء بن معرور خالًا لجابر؛ خلافًا لابن عيينة (٣).
قال شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدين البلقيني -أمتع الله بعلومه الشريفة-: ورأيت في "المنتقى" في "تاريخ دمشق" لابن عساكر في ترجمة جابر، قال: حملني خالي جد بن قيس في السبعين راكبًا الذين وفدوا على رسول الله ﷺ [من الأنصار، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ] (٤) معه عمُّه العباس، فقال: يا عم! خذ لي على أخوالك (٥)، وساق حديث بيعة العقبة الثانية، وهذا يعين أحد الخالين المبهمين (٦) في البخاري، ويكون
стр. 3151
تسمية البراء بن معرور [خالًا له، وكذلك جد بن قيس؛ لأنهما قريبان لأمه، ولا يُوهم ابن عيينة فيما قاله.
وفي "مستخرج الإسماعيلي" قال ابن عيينة: هما البراء بن معرور، وأخوه.
وفي "أسد الغابة": أن جد بن قيس: هو ابن عم البراء بن معرور] (١)؛ لأنه البراء بن معرور بن صخرِ بنِ خنساءَ بنِ سنان، وجدُّ بنُ قيسِ (٢) بنِ صخرِ بنِ خنساءَ بنِ سنان بنِ عديِّ بنِ غنمِ بنِ كعبِ بنِ سلمة (٣).
وفيها في ترجمة جابر: أن أمه نُسيبة بنتُ عقبةَ بنِ عديِّ بنِ سنان بنِ نابي بنِ زيدِ بن حرامِ بنِ كعبِ بنِ غنمِ (٤) بنِ كعبِ بنِ سلمةَ (٥). فعلى هذا قربُهما لأمه أنها تجتمع معهما في غنم بن كعب بن سلمة، والعرب (٦) تسمي قريبَ الأم خالًا.
* * *
٢٠٤٩ - (٣٨٩١) - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: أَنَا وَأَبي وَخَالِي مِنْ أَصْحَابِ الْعَقَبةِ.
(قال جابر: أنا وأبي وخالَيَّ من أصحاب العقبة): قال السفاقسي:
стр. 3152
كذا وقع؛ كأنه نصب "خالَيَّ" بواو مع؛ مثل: استوى الماء والخشبةَ (١).
قلت: يلزم عليه تقدمُ المفعول معه على العامل، وهو باطل، وقد يوجَّه على بُعدٍ بأمرين:
أحدهما: أن يكون قوله: "من أصحاب العقبة" خبرًا عن قوله: "أنا وأبي"، وأما (٢) "خالَيَّ"، فمفعول بفعلٍ محذوف؛ أي: وأزيدُ خالَيَّ.
الثّاني: أن يكون الأصل: وخالاي، على أن إعرابه بالحركة المقدرة على لغة من ألزم المثنّى الألف، ثم قلبت ياءً عند الإضافة مثل فَتَيَّ، وعَصيَّ على لغة هذيل، لكن يرد عليه أن لزوم الألف لغة حارثية، وهم لا يقلبونها ياءً عند الإضافة، فليتأمل.
* * *
٢٠٥٠ - (٣٨٩٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءَ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نسرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
(ولا ننتهبَ ولا نعصيَ): من العصيان، كذا عند أبي ذر، وهو ظاهر؛
(جُمَيمة): -بضم الجيم وفتح الميم-: تصغير جُمَّة، وهي من الإنسان مجتَمَعُ شعر ناصيته.
(وإني لفي أُرجوحة): بضم الهمزة، قيل: هي أن يؤخذ خشبة فيوضع وسطها على شيءٍ ثم جلس غلام على أحد طرفيها، وغلام الطرف الآخر، فترجح الخشبة بهما، وتتحرك بميل أحدهما بالآخر، ولا يقال: مرجوحة -بالميم-، وعن الخليل بالميم (١).
(حتى أوقفتني): كذا وقع بالألف، والمشهور: "وَقَفَتْني" -بدون ألف-.
(لأَنْهَج): -بفتح الهمزة والهاء، وبضم الهمزة وكسر الهاء-؛ أي: أربو وأتنفس من الإعياء.
(على خير طائر): أي: حظٍّ ونصيب.
(فلم يَرُعني): أي: لم يفاجئني، ويقال ذلك في الشيء غيرِ المتوقع يهجمُ عليك في غير حينه.
* * *
٢٠٥٢ - (٣٨٩٥) - حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، وَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأتكَ، فَاكْشِفْ، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ".
стр. 3155
(في سَرَقَةَ): -بفتحات-؛ أي: قطعة من جيد الحرير.
وعن الأصمعي: السَّرَقُ من كلام الفرس دخيلٌ في كلام العرب، وأصلُه في كلامهم: سَرَهْ؛ أي: جيد (١).
(إن يك هذا من عند الله، يمضه): ليس شكًا في حقيقة الرؤيا؛ لأنها وحي، بل لأن الرؤيا تكون على ظاهرها، فلا تردُّد في أيهما يقع.
* * *
٢٠٥٣ - (٣٨٩٦) - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.
(توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة): قال الدمياطي: الصوابُ أن خديجة ماتت في رمضان سنة عشر، وتزوج سَوْدَةَ بعدها في رمضان المذكور، ثم تزوج عائشةَ في شوال سنة عشر (٢).
قلت: ليس ما ذكره البخاري مخالفًا لهذا حتى يكون خطأ، وغايةُ الأمر أن الدمياطي تعرَّضَ إلى تفصيلِ كلامٍ البخاريُّ ساكتٌ عنه، ومثلُه لا يُعد خطأ.