Полный текст (4 546 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
تسمية البراء بن معرور [خالًا له، وكذلك جد بن قيس؛ لأنهما قريبان لأمه، ولا يُوهم ابن عيينة فيما قاله.
وفي "مستخرج الإسماعيلي" قال ابن عيينة: هما البراء بن معرور، وأخوه.
وفي "أسد الغابة": أن جد بن قيس: هو ابن عم البراء بن معرور] (١) ؛ لأنه البراء بن معرور بن صخرِ بنِ خنساءَ بنِ سنان، وجدُّ بنُ قيسِ (٢) بنِ صخرِ بنِ خنساءَ بنِ سنان بنِ عديِّ بنِ غنمِ بنِ كعبِ بنِ سلمة (٣) .
وفيها في ترجمة جابر: أن أمه نُسيبة بنتُ عقبةَ بنِ عديِّ بنِ سنان بنِ نابي بنِ زيدِ بن حرامِ بنِ كعبِ بنِ غنمِ (٤) بنِ كعبِ بنِ سلمةَ (٥) . فعلى هذا قربُهما لأمه أنها تجتمع معهما في غنم بن كعب بن سلمة، والعرب (٦) تسمي قريبَ الأم خالًا.
* * *
٢٠٤٩ - (٣٨٩١) - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: أَنَا وَأَبي وَخَالِي مِنْ أَصْحَابِ الْعَقَبةِ.
(قال جابر: أنا وأبي وخالَيَّ من أصحاب العقبة): قال السفاقسي: الحواشي
(١) ما بين معكوفتين ليس في "ع".(٢) في "ج": "قيس هو ابن عم البراء".(٣) انظر: "أسد الغابة" (١/ ٤٠٢).(٤) "ابن غنم" ليست في "ج".(٥) انظر: "أسد الغابة" (١/ ٣٧٧).(٦) في "ع": "والغريب".стр. 3152
كذا وقع؛ كأنه نصب "خالَيَّ" بواو مع؛ مثل: استوى الماء والخشبةَ (١) .
قلت: يلزم عليه تقدمُ المفعول معه على العامل، وهو باطل، وقد يوجَّه على بُعدٍ بأمرين:
أحدهما: أن يكون قوله: "من أصحاب العقبة" خبرًا عن قوله: "أنا وأبي"، وأما (٢) "خالَيَّ"، فمفعول بفعلٍ محذوف؛ أي: وأزيدُ خالَيَّ.
الثّاني: أن يكون الأصل: وخالاي، على أن إعرابه بالحركة المقدرة على لغة من ألزم المثنّى الألف، ثم قلبت ياءً عند الإضافة مثل فَتَيَّ، وعَصيَّ على لغة هذيل، لكن يرد عليه أن لزوم الألف لغة حارثية، وهم لا يقلبونها ياءً عند الإضافة، فليتأمل.
* * *
٢٠٥٠ - (٣٨٩٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءَ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نسرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
(ولا ننتهبَ ولا نعصيَ): من العصيان، كذا عند أبي ذر، وهو ظاهر؛ الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨٠٨).(٢) في "ع": "وما".стр. 3153
لأن من لا يعصي له الجنة، وروي: "نقضي" -بالقاف والضاد المعجمة-؛ من القضاء؛ لأن الأمر موكول إلى الله (١) .
* * *
باب: تَزْويج النَّبيِّ ﷺ عَائِشَةَ، وقُدُومِهَا المَدِينَةَ، وَبِنَائهِ بِهَا
٢٠٥١ - (٣٨٩٤) - حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ أَبي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرجَ، فَوُعِكْتُ، فَتَمَرَّقَ شَعَرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ، وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي، فَأَتَيْتُهَا، لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لأَنْهَجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ، فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.
(فتمزق شعري): -بالزاي- تقطَّع وتساقطَ وعند أبي ذر بالراء، وهو بمعناه (٢) . الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨٠٨).(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.стр. 3154
(جُمَيمة): -بضم الجيم وفتح الميم-: تصغير جُمَّة، وهي من الإنسان مجتَمَعُ شعر ناصيته.
(وإني لفي أُرجوحة): بضم الهمزة، قيل: هي أن يؤخذ خشبة فيوضع وسطها على شيءٍ ثم جلس غلام على أحد طرفيها، وغلام الطرف الآخر، فترجح الخشبة بهما، وتتحرك بميل أحدهما بالآخر، ولا يقال: مرجوحة -بالميم-، وعن الخليل بالميم (١) .
(حتى أوقفتني): كذا وقع بالألف، والمشهور: "وَقَفَتْني" -بدون ألف-.
(لأَنْهَج): -بفتح الهمزة والهاء، وبضم الهمزة وكسر الهاء-؛ أي: أربو وأتنفس من الإعياء.
(على خير طائر): أي: حظٍّ ونصيب.
(فلم يَرُعني): أي: لم يفاجئني، ويقال ذلك في الشيء غيرِ المتوقع يهجمُ عليك في غير حينه.
* * *
٢٠٥٢ - (٣٨٩٥) - حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، وَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأتكَ، فَاكْشِفْ، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ". الحواشي
(١) انظر: "العين" (٣/ ٧٨). وانظر: "التنقيح" (٢/ ٨٠٩).стр. 3155
(في سَرَقَةَ): -بفتحات-؛ أي: قطعة من جيد الحرير.
وعن الأصمعي: السَّرَقُ من كلام الفرس دخيلٌ في كلام العرب، وأصلُه في كلامهم: سَرَهْ؛ أي: جيد (١) .
(إن يك هذا من عند الله، يمضه): ليس شكًا في حقيقة الرؤيا؛ لأنها وحي، بل لأن الرؤيا تكون على ظاهرها، فلا تردُّد في أيهما يقع.
* * *
٢٠٥٣ - (٣٨٩٦) - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.
(توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة): قال الدمياطي: الصوابُ أن خديجة ماتت في رمضان سنة عشر، وتزوج سَوْدَةَ بعدها في رمضان المذكور، ثم تزوج عائشةَ في شوال سنة عشر (٢) .
قلت: ليس ما ذكره البخاري مخالفًا لهذا حتى يكون خطأ، وغايةُ الأمر أن الدمياطي تعرَّضَ إلى تفصيلِ كلامٍ البخاريُّ ساكتٌ عنه، ومثلُه لا يُعد خطأ. الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨٠٩).(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.стр. 3156
و"قريبًا": صفة ظرف محذوف، والتقدير: أو توفيت زمنًا قريبًا من ثلاث سنين قبل مخرجه ﵇؛ أي: في زمنٍ يقارب ذلك.
* * *
باب: هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَوْلَا الْهِجْرَةُ، لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ". وَقَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ".
(فذهب وهَلي): بفتح الهاء.
قال السهيلي: يقال: وَهَلَ: إذا أراد شيئًا، فذهب وَهْمُه إلى غيره، ووَهِمَ: غَلِطَ، وأَوْهَمَ: أَسْقَط (١) .
(فإذا هي المدينة يثربُ): خاطبهم بما يعرفون، وقد نهى بعدُ عن تسميتها بذلك.
* * *
٢٠٥٤ - (٣٩٠١) - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ سَعْدًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أجُاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا الحواشي
(١) انظر: "الروض الأنف" (١/ ١٥٩).стр. 3157
رَسُولَكَ ﷺ ، وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا نبِيَّكَ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُرَيْشٍ.
(من قومٍ كذَّبوا رسولك، وأخرجوه): قال الداودي: يعني: بني قريظة، وليس كذلك، وإنما المراد: قريش؛ لأنهم الذين جمعوا بين هذين الوصفين القبيحين: تكذيبه، وإخراجه من مكةَ وطنهِ (١) .
* * *
٢٠٥٥ - (٣٩٠٤) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدٍ -يَعْنِي: ابْنَ حُنَيْنٍ-، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَعَجبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهْوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٠).стр. 3158
أمُّتِي، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، إِلَّا خُلَّةَ الإسْلَامِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ".
(لا يبقين في المسجد خوخة): هي الباب الصغير.
* * *
٢٠٥٦ - (٣٩٠٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونُ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، حَتَّى بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ، وَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ. فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أتخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟! فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا، وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا. فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ
стр. 3159
أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ، وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرآنَ، فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِين وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرآنَ، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّا كنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ، عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْحِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ، أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقرِّينَ لأَبي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي؛ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْت لَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجوَارِ اللهِ ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: "إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخلٍ بَيْنَ لَابَتَينِ" -وَهُمَا الْحَرَّتَانِ-، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَهِ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكَ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: "نعَمْ". فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ -وَهْوَ الْخَبَطُ- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
стр. 3160
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أبي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ! مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنيِّ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نعمْ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ -بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِالثَّمَنِ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَم الْجرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ. قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبي بَكْرٍ، وَهْوَ غُلَامٌ شَابٌّ، ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَم، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ يَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهْوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي
стр. 3161
الدِّيلِ، وَهْوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيًا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.
(بَرك الغماد): -بفتح الموحدة-، ومنهم من كسرها، والغينُ المعجمة من الغِماد: مكسورة، وقد تضم: هو وادٍ في أقاصي هجر (١) ، وقد تقدم الكلام فيه، وفي ابن الدغنة.
(فيَنْقَذِف عليه نساء المشركين): بياء تحتية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مفتوحة فدال معجمة مكسورة ففاء، كذا (٢) للمروزي والمستملي، وعند غيرهما في شيوخ أبي ذر: بتاء فوقية عوض النون والذال المعجمة المشددة مفتوحة، وعند الجرجاني: "فيتقصف".
قال القاضي: وهو المعروف (٣) ، قال الخطابي: "يتقذف" تصحيف (٤) ، والمحفوظ يتقصف؛ أي: يَزْدَحِمْن، ويسقط بعضُهن (٥) الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٠).(٢) من قوله: "هذيل، لكن يرد عليه أن لزوم الألف لغة حارثية. . . ." (ص: ٣٦٠) إلى هنا ليس في "ع" و"ج".(٣) انظر: "مشارق الأنوار" (٢/ ١٧٥).(٤) في "ع" و"ج": "يتصحف".(٥) في "ج": "وسقط بعضهم".стр. 3162
على بعض (١) (٢) .
(فلم تكذب قريش بجِوار ابن الدغنة): -بكسر الجيم-، يعني: لم تردَّ جواره، وكل من كذب بشيء فقد ردَّه.
(أن نُخفرك): -بضم النون- رباعي؛ من الأخفار، وهو نقض العهد.
(فكمَنا): -بفتح الميم- على لغة الفصحى، ويقال بكسرها.
(ثَقِف): -بمثلثة مفتوحة فقاف مكسورة ففاء-؛ أي: فَطِن، وقيل بفتح الفاء والقاف معًا؛ كقولهم: صَنَعُ اليدين.
(لَقِنٌ): على زنة حَذِرٍ؛ كاللفظ المتقدم؛ أي: حَسَنُ التلقي لما يسمع، وقيل: السريعُ الفهم.
(يُكادان به): ويروى: "يُكتادان به": يفتعلان؛ من الكيد، مبني للمفعول.
(مِنحة): -بكسر الميم-، ويروى: "مَنيحة": بفتح الميم وزيادة الياء، وهي الشاة، أو الناقةُ اللَّبون يمنحها الرجلُ صاحبَه، فيشرب لبنها، ثم يردها (٣) .
(فيبيتان في رِسل): بكسر الراء. الحواشي
(١) "على بعض" ليس في "ع".(٢) انظر: "أعلام الحديث" (٣/ ١٦٩٠). وانظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٠).(٣) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١١).стр. 3163
(وهو لبن مِنْحَتهما ورَضيفِهما): -بالضاد المعجمة- هو اللبن يُغْلى بالرضف، وهي الحجارة المحمَّاة، وقيل: أن تحمى الحجارة، فتلقى في اللبن الحليب، فتذهب وخامته (١) .
(حتى ينعق بها عامر): أي: يصيح بها، ويزجرها.
(بغَلَسٍ): هو ظلام آخر الليل.
* * *
٢٠٥٧ - (٣٩٠٦) - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجيُّ، وَهْوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أنَهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمِ يَقُولُ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأِبي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجِ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيتَ فُلَانًا وَفُلَانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُينَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهْيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنوتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٢).стр. 3164
فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلَامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الاِلْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلَامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ، أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِم الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزآنِي، وَلَمْ يَسْأَلَانِي، إِلأَ أَنْ قَالَ: "أَخْفِ عَنَّا"، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمِ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانوُا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّأْمِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ، وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ منْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ؛ لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتهِ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ! هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي
стр. 3165
تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فتلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ -مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَهْوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: "هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ الْمَنْزِلُ". ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ، فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيتَّخِذَهُ مَسْجدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نهبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: "هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ، هَذَا أَبَرُّ -رَبَّنَا- وَأَطْهَرْ". وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَم الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ". فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامِّ غَيْرِ هَذَا الْبَيْتِ.
(فحططت): رواه الأصيلي بحاء مهملة؛ أي: أمكنت أسفله وخفضت
стр. 3166
أعلاه؛ لئلا يظهر بريقه لمن بَعُدَ عنه فينذرَ به، وينكشف أمره (١) .
ورواه الجمهور: بالخاء المعجمة؛ أي: خفض أعلاه فأمسكه بيده، وجَرَّ زُجَّهُ على الأرض خَطَّها به غيرَ قاصد بخطها؛ لئلا يظهر أن الرمح أُمسك زُجُّه ونُصب (٢) .
(عُثان): -بعين مهملة (٣) ومثلثة (٤) -؛ مثل: الدخان وزنًا ومعنى، وجمعُه عواثِنُ، على غير قياس، ويروى: "غُبار"، بغين معجمة وموحدة وراء (٥) .
(فاستقسمتُ بالأزلام): جمع زَلَم -بفتح الزاي واللام وبضم الزاي فقط-: هي أقلام كانوا يكتبون على بعضها: نعم، وعلى بعضها: لا، وكانوا (٦) إذا أرادوا أمرًا، استقسموا بها، فإذا خرج السهم الذي عليه نعم، خرجوا، وإذا خرج الآخر، لم يخرجوا، ومعنى الاستقسام (٧) : معرفة قسم الخير والشر.
(فلم يرزآني): -براء بعدها زاي-؛ أي: لم يأخذا (٨) من مالي شيئًا.
(قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ لقي الزبيرَ في ركب من المسلمين كانوا تِجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبيرُ الحواشي
(١) في "ج": "اسمه".(٢) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٢).(٣) في "ج": "معجمة".(٤) "ومثلثة" ليست في "ع".(٥) المرجع السابق، الموضع نفسه.(٦) في "ع": "وكان".(٧) "الاستقسام" ليست في "ع".(٨) في "ع" و"ج": "يأخذوا".стр. 3167
النبيَّ ﷺ وأبا بكر ثيابَ بياض):
قال الدمياطي: لم يذكر الزبير بن بكار، ولا أهل السير أن الزبير لقي النبي ﷺ في طريق الهجرة قادمًا من الشام [وكساهم، وإنما هو طلحةُ بنُ عُبيدِ الله.
قال ابن سعد: لما ارتحل رسول الله ﷺ في هجرته إلى المدينة، لقي طلحةَ بن عبيد الله جائيًا من الشام] (١) في عير، فكسا رسولَ الله ﷺ وأبا بكر من ثياب الشام، وأخبرَ النبيَّ ﷺ أن مَنْ بالمدينة (٢) من المسلمين قد استبطؤوا رسول الله ﷺ ، فعجَّل (٣) (٤) .
(أوفى رجل من اليهود على أُطُم): أوفى عليه؛ أي: قام في أعلاه، والأطم -بضم الهمزة والطاء-: الحصن، وقيل: هو بناء معمول من حجارة (٥) كالقصر.
(مبيِّضين): -بتشديد الياء التحتية مكسورة وتخفيف الضاد المعجمة-؛ أي: مبيضةً ثيابُهم.
قال السفاقسي: ويحتمل أن يريد: متعجلين. قال ابن فارس: (٦) بائض؛ أي: مستعجل، ويدل عليه قوله: "يزولُ بهم السرابُ"، وقد ضُبط في بعض الحواشي
(١) ما بين معكوفتين ليس في "ج".(٢) في "ع" و"ج": "المدينة".(٣) في "ع": "فجعل".(٤) انظر: "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢١٥). وانظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٣).(٥) في "ع" و"ج": "الحجارة".(٦) في "م" و"ع" زيادة "خمس".стр. 3168
النسخ: بتشديد الضاد، والسراب: أن ترى في شدة الحر شيئًا كالماء، فإذا جئته، لم تجده (١) شيئًا، كما قال الله تعالى (٢) .
(هذا جدكم) -بفتح الجيم-؛ أي: حظكم ودولتكم الذي يتوقعون السعادة بمجيئه.
(وأَسَّس المسجدَ الذي أُسِّس على التقوى): ظاهره أنه مسجدُ بني عمرو بن عوف، وقيل: بل مسجد النبي ﷺ .
قلت: وسياق الحديث يدفعه دفعًا ظاهرًا.
(هذا الحِمال لا حِمالُ خيبر): -بحاء مهملة مكسورة-؛ أي: هذا الحمل أو المحمول من اللبن أَبَرُّ عند الله وأطهر، لا حمال خيبر الذي يغتبط به حاملوه؛ مما يُجلب منها من تمر وزبيب وطعام، والحِمالُ والحمل بمعنى (٣) .
ورواه السهيلي (٤) بالجيم المفتوحة، وله وجه، و (٥) الأول أظهر (٦) (٧) .
(قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر [تام] غير هذه الأبيات (٨) ): يريد قوله: الحواشي
(١) في "ع": "تجد".(٢) انظر: "التنقيح" (٣/ ٨١٣).(٣) في "ج": "بمعنى واحد".(٤) كذا في الأصول، والصواب: "المستملي"؛ كما في "الفتح" (٧/ ٢٩٠).(٥) الواو ليست في "ع".(٦) "أظهر" ليست في "ع".(٧) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٤).(٨) في اليونينية: "تامٍّ غير هذا البيت"، وهي المعتمدة في النص. ووقع في رواية أبي ذر: "تام غير هذه الأبيات".стр. 3169
هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أَبَرُّ رَبَّنا وَأَطْهَرْ
وقوله:
إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
قال الزركشي: قد أنكر ذلك عليه من وجهين:
أحدهما: أنه رَجَز، وليس بشعر، ولهذا يقال لصاحبه: راجز، لا شاعر.
وثانيهما: أنه ليس بموزون (١) .
قلت: بين الوجهين تنافٍ؛ فإن الأول يقتضي تسليمَ كون الكل موزونًا؛ ضرورة أنه جعله رجزًا، ولابدَّ فيه من وزن خاص، سواء قلنا (٢) : هو شعر، أو لا.
والثاني: مصرِّحٌ بنفي الوزن.
ولقائل أن يمنع كونَ الرجز غيرَ شعر، [وكون قائله ليس شاعرًا, وهو الصحيح عند العروضيين، سلمنا أن الرجز ليس شعرًا] (٣) ، لكن لا نسلم أن قوله:
هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أَبَرُّ رَبَّنا وَأَطْهَرْ
من بحر الرجز، وإنما هو من مشطور السريع، دخله الكسف والخَبْن،
وأما قوله: ليس بموزون فإنما يتم في قوله: الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٤).(٢) في "ج": "إن قلنا".(٣) ما بين معكوفتين ليس في "ع".стр. 3170
اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
* * *
٢٠٥٨ - (٣٩٠٩) - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ ﵂: أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أتيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءِ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَنَكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ، وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإسْلَامِ.
(تَفَلَ): -بتاء فوقية-؛ أي: رَمَى من ريقه في فيه.
(وبرّك عليه): -بتشديد الراء-؛ أي: دعا له بالثبات على الخير، والدوامِ عليه (١) .
(وكان أولَ مولود وُلد في الإسلام): أي: بالمدينة من المهاجرين (٢) .
* * *
٢٠٥٩ - (٣٩١٠) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ أَبي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، أتوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ تَمْرَةً، فَلَاكَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ النَّبِيِّ ﷺ . الحواشي
(١) "عليه" ليست في "ج".(٢) "من المهاجرين" ليس في "ع".стр. 3171
(فلاكها، ثم أدخلها في فيه): الضمير المستتر في "لاكَها، وأدخلَها" عائد إلى النبي ﷺ ، والضمير المجرور من قوله: "في فيه" عائدٌ على عبد الله ابن الزبير.
* * *
٢٠٦٠ - (٣٩١١) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهْوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكرٍ شَيخٌ يُعْرَفُ، وَنبَيُّ اللَّهِ ﷺ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ، فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ. قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا. فَالْتَفَتَ نبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ"، فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ، فَقَالَ: يَا نبَيَّ اللَّهِ! مُرْنِي بِمَ شِئْتَ، قَالَ: "فَقِفْ مَكَانَكَ، لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا". قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جانِبَ الْحَرَّةِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَاؤُوا إِلَى نبَيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا، وَقَالُوا: ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ. فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جَاءَ نبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبي أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهْوَ فِي
стр. 3172
نَخْلٍ لأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهْيَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟ "، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نبَيَّ اللَّهِ، هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بَابِي، قَالَ: "فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا". قَالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ سَلَامٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ؛ فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ. فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلُوا، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ! وَيْلَكُمُ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ! إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقِّ، فَأَسْلِمُوا". قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: "فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ "، قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا. قَالَ: "أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ "، قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: "أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ ". قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: "أَفَرَأَيْتُمْ إنْ أَسْلَمَ؟ ". قَالُوا: حَاشَى لِلَّهِ مَا كانَ ليسْلِمَ. قَالَ: "يَا ابْنَ سَلَامٍ! اخْرُجْ عَلَيْهِمْ". فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ! إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ. فَقَالُوا: كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
(وهو مردف أبا بكر): قال الداودي: بحتمل أنهما كانا على بعير واحد، ويحتمل أنهما على بعيرين، لكن أحدهما يتلو الآخر.
قال السفافسي: والتأويل هو الأول، ولا يصح الثاني؛ لأن المردَف
стр. 3173
على قول الداودي يكون خلف المردِف, ولا يصح أن يكون أبو (١) بكر يمشي بين يدي النبي ﷺ ، وذلك أنه قال في الحديث: "فيلتقي الرجلُ أبا بكر، فيقولُ له: من هذا؟ " (٢) .
قلت: لم يتضح لي ما قال السفاقسي في رد الاحتمال الثاني بوجه، وذلك لأن النبي ﷺ هو المردِفُ لأبي بكر؛ كما في الحديث؛ أي: جاعلُه رِدْفًا له، فأبو بكر خلفَه قطعًا، وكونُ الرجل يلقى أبا بكر، فيسأله: من هذا؟ لا يقتضي تقدمَ أبي بكر؛ إذ يجوز سؤاله عنه وهو تابع له ورديف؛ من حيث إن أبا بكر كان معروفًا للسائل دون النبي ﷺ ، فإذا لقيه ﵊ رجلٌ لم يعرفه، ورأى أبا (٣) بكر بعدَه، وهو يعرفه، سأله عنه، هذا لا مانع منه (٤) أصلًا.
ثم أشار السفاقسي إلى إشكال منقدح، وذلك أن (٥) إردافه ﵊ لأبي بكر كان بعد قدومه بالمدينة بعد انتقاله من بني عمرو بن عوف بعد قدوم المدينة، بل تكون هذه الحالة ثابتة لهما في حال مجيئهما من مكة إلى المدينة.
قلت: وقد يجاب بمنع اختصاص الإرداف بحالة الانتقال من بني عمرو بن عوف بعد قدوم المدينة، بل تكون هذه الحالة ثابتة لهما في حال الحواشي
(١) في "ع" و"ج": "أبا".(٢) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٥).(٣) في "ع": "أبو".(٤) في "ج": "له".(٥) في "ع": "لأن".стр. 3174
مجيئهما من مكة إلى المدينة، وليس في الحديث ما يأباه أصلًا، ويُحمل (١) الإرداف على جعل أبي بكر تابعًا ورديفًا وتاليًا على بعير مختص به؛ إذ الظاهر أن هذه حالتهما في السفر، وقوله: "يهديني السبيل": يشير إليه؛ إذ الهادي إلى الطريق يكون متقدمًا على المهدي (٢) ، فتأمله.
(وأبو بكر شيخ يُعرف، والنبي ﷺ شابٌّ لا يُعرف): قال الزركشي: يريد (٣) : دخولَ الشيب في لحيته دونه، ليس السن، هكذا رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤) ، وبه يزول الإشكال في قدر عمريهما.
وقيل: إنما كان كذلك؛ لأن أبا بكر أسرعَ إليه الشيبُ، بخلاف النبي ﷺ ؛ لأنه مات وليس في لحيته ﵊ ورأسه عشرون شعرة بيضاء، وكان أسنَّ من أبي بكر؛ [لأنَّ أبا بكر] بقي بعده سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يومًا، وماتا وعمرهما واحد، ومعنى قوله: يُعرف؛ لأنه كان يتردَّدُ إليهم في التجارة، بخلاف النبي ﷺ (٥) .
(مَسْلَحَة له): -بفتح الميم (٦) -؛ أي: يدفع عنه الأذى بمثابة سلاحه.
(يخترف): -بالخاء المعجمة-؛ أي: يجتني الثمار. الحواشي
(١) في "ع": "ويحتمل".(٢) في "ع": "الهدي".(٣) في "ع": "يؤيد".(٤) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٥٢٦).(٥) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٦).(٦) "بفتح الميم" ليست في "ع".стр. 3175
(فهيئ لنا مَقيلًا): -بفتح الميم (١) -؛ أي: مكانًا نَقيل فيه، والمقيل: النومُ نصفَ النهار.
وقال الأزهري: القيلولة (٢) والمقيل: الاستراحة نصفَ النهار، معها نومٌ أو لا، قال: بدليل قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والجنة لا نوم لها (٣) .
* * *
٢٠٦١ - (٣٩١٢) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ -يَعْنِي:- عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فِي أَرْبَعَةٍ، وَفَرَضَ لاِبْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَ مِئَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَلِمَ نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ؟ فَقَالَ: إَنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبَوَاهُ، يَقولُ: لَيْسَ هُوَ كَمَن هَاجَرَ بِنَفْسِهِ.
(كان فرضَ للمهاجرين أربعة آلاف في أربعة): قيل: معناه: أربعة آلاف في أربعة آلاف، وقيل: معناه: في أربعة أعوام.
* * *
٢٠٦٢ - (٣٩١٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، الحواشي
(١) "بفتح الميم" ليست في "ج".(٢) في "ج": "القيولة".(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (٩/ ٢٣٣). وانظر: "التوضيح" (٢٠/ ٥٥٠).стр. 3176
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبي لأَبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ أَبي قَالَ لأَبيكَ: يَا أَبَا مُوسَى! هَلْ يَسُرُّكَ إِسْلَامُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِجْرَتُنَا مَعَهُ، وَجِهَادُنَا مَعَهُ، وَعَمَلُنَا كُلُّهُ مَعَهُ، بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ؟ فَقَالَ أَبي: لَا وَاللَّهِ! قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَصَلَّيْنَا، وَصُمْنَا، وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ. فَقَالَ أَبي: لَكِنِّي أَنَا، وَالَّذِي نفسُ عُمَرَ بِيَدِهِ! لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ -وَاللَّهِ- خَيْرٌ مِنْ أَبي.
(بَرَدَ لَنَا): -بفتحات-؛ أي: ثبت.
(فقال أبي: لا والله): الظاهر أن يقال: فقال (١) أبوك؛ لأنه يخاطب أبا بردة، ويعلمه أن أباه قال هذا الكلام.
* * *
٢٠٦٣ - (٣٩١٦) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ إِذَا قِيلَ لَهُ: هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ، يَغْضَبُ. قَالَ: وَقَدِمْتُ أَنَا وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِلًا، فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَرْسَلَنِي عُمَرُ وَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ هَلِ اسْتَيْقَظَ؟ فَأَتَيْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ نُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً، حَتَّى دَخَلَ الحواشي
(١) في "ع": "قال".стр. 3177
عَلَيْهِ، فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ.
(فوجدناه قائلًا): أي: نائمًا في القائلة نصفَ النهار، وذلك حين قدم (١) النبي ﷺ .
* * *
٢٠٦٤ - (٣٩١٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ، قَالَ: ابْتَاعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا، فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَازِبٌ عَنْ مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أُخِذَ عَلَيْنَا بِالرَّصَدِ، فَخَرَجْنَا لَيْلًا، فَأَحْثَثْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، ثُمَّ رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَة، فَأتيْنَاهَا وَلَهَا شَيْءٌ مِنْ ظِلٍّ، قَالَ: فَفَرَشْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْوَةً مَعِي، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ قَدْ أَقْبَلَ فِي غُنَيْمَةٍ يُرِيدُ مِنَ الصَّخْرَةِ مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا، فَسَأَلْتُهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا لِفُلَانٍ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لَهُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ، قَالَ: فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ عَلَيْهَا خِرْقَةٌ، قَدْ رَوَّأْتُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، ثُمَّ أتيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا، وَالطَّلَبُ فِي إِثْرِنَا.
(فأَحيينا ليلَتَنا ويومَنا): من الإحياء ضد الإماتة، ويروى: "فاحتثثنا (٢) ": الحواشي
(١) في "ع": "قدوم".(٢) في "ع" و"ج": "فأحيينا".стр. 3178
افتعلنا من الحَثِّ، فهو بتاء فوقية ثم ثاءين مثلثتين (١) .
(فحلب كُثْبَة): -بالباء الموحدة- كما مر، وفي بعض النسخ: "كنفة" -بالفاء-، قال الخطابي: وهو غلط (٢) .
(قد رَوَّأْتُها): -بالهمز-، يقال: رَوَّأْتَ الأمر تَرْوِية: إذا نظرتَ فيه، ولم تعجلْ بالجواب (٣) .
قال القاضي: كذا لجميعهم في البخاري مهموز، وصوابه: رَوَّيتُها، غيرَ مهموز (٤) .
* * *
٢٠٦٥ - (٣٩١٩) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبي عَبْلَةَ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ وَسَّاجٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسٍ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَيْسَ فِي أَصْحَابِهِ أَشْمَطُ غَيرَ أَبِي بَكْرٍ، فَغَلَفَهَا بِالْحِنَّاءَ وَالْكَتَم.
(أن عقبة بن وَساج): بسين مهملة وجيم.
(فغلفها): بغين معجمة، قال الزركشي: ولام مخففة (٥) . الحواشي
(١) في "ع": "مثلثين".(٢) انظر: "أعلام الحديث" (٣/ ١٦٩٦).(٣) انظر: "التوضيح" (٢٠/ ٥٥٣).(٤) انظر: "مشارق الأنوار" (١/ ٣٠٣).(٥) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٧).стр. 3179
قلت: في "المشارق": الرواية: تشديد (١) اللام.
وقال ابن قتيبة: غلفَ لحيتَه -بالتخفيف-، ولا يقال بالتشديد (٢) .
فأعرض الزركشي عن الرواية، واعتمد قول ابن قتيبة.
وضمير النصب من قوله: "فغلفها" عائد إلى لحيته؛ لتقدم الدالِّ عليها، وهو قوله: "ليسَ في أصحابه أشمطُ (٣) غيرَ أبي بكر".
* * *
٢٠٦٦ - (٣٩٢٠) - وَقَالَ دُحَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْوَليدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، حَدَثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَغَلَفَهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم حَتَى قَنَأ لَوْنُهَا.
(حتى قَنَأَ لونها): -بقاف ونون وهمزة مفتوحات-؛ أي: اشتدت (٤) حمرتها.
* * *
٢٠٦٧ - (٣٩٢١) - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ الحواشي
(١) في "ج": "بتشديد".(٢) انظر: "مشارق الأنوار" (٢/ ١٣٤).(٣) في "ع": "شمط".(٤) في "ج": "أشبه".стр. 3180
تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ بَكْرٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْرٍ، طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا هَذَا الشَّاعِرُ، الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ، رَثَى كُفَّارَ قُرَيْشٍ:
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ... مِنَ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ ... مِنَ الْقَيْنَاتِ وَالشَّرْبِ الْكِرَامِ
تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا ... وَكيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ
(فتزوجها ابن عمها هذا الشاعرُ): هو أبو بكر بنُ شعوب، واسمه شدادُ بنُ الأسود.
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر بنُ الأسود بنِ شعوب الليثيُّ، وهو شدَّاد بن الأسود، والقصيدة في "السيرة" أزيدُ مما (١) في البخاري بخمسة أبيات، قال ابن هشام: وكان أسلم، ثم ارتد (٢) .
(من الشِّيزى): -مقصور بشين معجمة مكسورة وزاي-: شجر تُعمل منه الجِفان، والمعنى: ماذا بقليبِ بدرٍ من أصحابِ الجفانِ التي تُعمل من الشيزى، وماذا به من أصحاب القينات؛ أي: المغنيات؟
(والشَّرْب (٣) ): -بفتح الشين المعجمة وسكون الراء-: الندامى، والواحد: شارب؛ كصَحْبٍ و (٤) صاحب. الحواشي
(١) في "ع": "ما".(٢) انظر: "سيرة ابن هشام" (٣/ ٢٩٦).(٣) في "ع": "والشراب".(٤) الواو ليست في "ع".стр. 3181
(وكيف حياة أَصداءٍ): جمع صَدًى (١) ، وهو ما كانت الجاهلية يزعمونه من (٢) أن روح الإنسان تصير طائرًا يقال له: الصَّدَى، وذلك من زعماتهم الكاذبة، وأباطيلهم، وإنكارهم البعث (٣) .
* * *
باب: مَقْدَمِ النَّبيِّ ﷺ وأَصْحَابِهِ المَدِيْنَةَ
٢٠٦٨ - (٣٩٢٨) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَهْوَ بِمِنًى، فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَوَجَدَنِي، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ، وَإِنيِّ أَرَى أَنْ تُمْهِلَ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ؛ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، وَتَخْلُصَ لأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ وَذَوِي رَأْيِهِمْ. قَالَ عُمَرُ: لأَقُومَنَّ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أقومُهُ بِالْمَدِينَةِ.
(يجمع رَعاع الناس): -بفتح الراء: سَفِلَتُهم.
* * *
٢٠٦٩ - (٣٩٢٩) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءَ -امْرَأةً الحواشي
(١) "جمع صَدًى" ليس في "ع" و"ج".(٢) "من" ليست في "ع".(٣) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨١٧).стр. 3182
مِنْ نِسَائِهِمْ- بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُمْ فِي السُّكْنَى، حِينَ اقْتَرَعَتِ الأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ الْعلَاءَ: فَاشْتَكَى عُثْمَانُ عِنْدَنَا، فَمَرَّضْتُهُ، حَتَّى تُوُفِّيَ، وَجَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، شَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ "، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ؟ قَالَ: "أَمَّا هُوَ، فَقَدْ جَاءَهُ -وَاللَّهِ- الْيَقِينُ، وَاللَّهِ! إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَمَا أَدْرِي -وَاللَّهِ- وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي"، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ! لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ. قَالَتْ: فَأَحْزَننَي ذَلِكَ، فَنِمْتُ، فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "ذَلِكَ عَمَلُهُ".
(حين قرعت (١) الأنصار): كذا وقع ثلاثيًا، والمعروف: أقرعت.
* * *
٢٠٧٠ - (٣٩٣١) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا -وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا- يَوْمَ فِطرٍ، أَوْ أَضْحًى، وَعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ بِمَا تَقَاذَفَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ؟! مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا الْيَوْمُ".
(بما (٢) تعازفت الأنصار): -بعين مهملة وزاي- يحتمل أن يكون من الحواشي
(١) كذا في رواية أبي ذر الهروي، وفي اليونينية: "اقترعت"، وهي المعتمدة في النص.(٢) في "ع": "مما".стр. 3183
عزف اللهو؛ أي: بما ضربوا عليه المعازفَ من الأشعار التي قالوها في ذلك اليوم.
ويروى بالراء، وهو بيِّن؛ أي: بما تراموا به مما جرى بينهم.
ويروى: "تقاذفت": -بالقاف وبالذال المعجمة-؛ أي: بما ترامَوْا به يومَ بُعاث (١) .
* * *
٢٠٧١ - (٣٩٣٢) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، نَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلإِ بَنِي النَّجَّارِ، قَالَ: فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ، وَمَلأُ بَنِي النَجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى ألقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْركَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِض الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا، فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي حَائِطَكُم هَذَا". فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ! لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. قَالَ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ، وَكانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقُبُورِ الْمُشْرِكينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجدِ، قَالَ: وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢٠/ ٥٦٦).стр. 3184
قَالَ: قَالَ: جَعَلُوا يَنْقُلُونَ ذَاكَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ، فَانْصُرِ الأَنْصارَ وَالْمُهَاجِرَهْ.
(فجاؤوا متقلدي سيوفهم): -بحذف النون-؛ أي: متقلدين، [ولذلك نصب سيوفهم، وقد روي: "متقلدين"] (١) على الأصل.
* * *
باب: قَولِ النَّبيِّ ﷺ : "اللَّهمَّ أَمْضِ لأَصْحابي هِجْرَتَهُمْ "
٢٠٧٢ - (٣٩٣٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ يَا سَعْدُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرَّيَّتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ".
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُس، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "أَنْ تَذَرَ ذُرَّيَّتَكَ، وَلَسْتَ بِنَافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا آجَرَكَ اللَّهُ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيّ امْرَأَتِكَ". قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ". يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحواشي
(١) ما بين معكوفتين ليس في "ع" و"ج".стр. 3185
أَنْ تُوُفي بِمَكَّةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُس وَمُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "أَنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ".
(يحيى بن قزعة): بإسكان الزاي وفتحها.
(ولا يرثني (١) إلا ابنةٌ لي واحدة): ظاهره أنه لا وراثَ له سوى الابنة المذكورة، وقيل: كان له ورثة سواها؛ فإنه مات عن ثلاثة من الذكور، وأحدهم عامرٌ الذي روى هذا الحديث عنه.
قلت: لا يلزم من موته عن ثلاث أبناء ذكور أنهم كانوا موجودين حين قوله للنبي ﷺ : "ولا ترثني إلا ابنة واحدة"؛ لجواز أن يكون قد حدثوا بعد ذلك، نعم إِنْ بيَّنَ أنهم كانوا أحياء في ذلك الوقت، ورد.
وتأوله بعضهم على أن مراده: لا يرثه من النساء إلا ابنة واحدة، أو أنه لا يرثه بالسهم إلا واحدة.
(أن تذر ورثتك): هذه رواية الجمهور، ورواه القابسي: "ذريتك".
(ولست بنافق): كذا وقع، والقياس بمنفق؛ لأنه من أنفق.
(ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون): وكذا كان؛ فإنه صحَّ من مرضه، ولم يقم بمكة، وأبقاه الله تعالى حتى عاش نيفًا وأربعين عامًا، وولي العراق، وفتحها الله على يده، فأسلم على يديه خلق كثير، فنفعهم الله به، وقيل: وأَسَر من الكفار كثيرًا، فاستضروا به، وذلك من جملة أعلام نبوته ﵊ (٢) . الحواشي
(١) في "ع": "يرثي".(٢) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨٢٠).стр. 3186
باب
٢٠٧٣ - (٣٩٣٨) - حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نبَيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ، أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا". قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأَكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ: فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ، نزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نزَعَتِ الْوَلَدَ". قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْم بُهُتٌ، فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ ". قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ ". قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِليْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
(إن اليهود قوم بُهت): -بضم الهاء- كأنه جمع بهيت؛ كقَضيب وقُضُب: الذي يبهت المقول فيه فيما يفتريه عليه ويختلقه (١) . الحواشي
(١) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨٢١).стр. 3187
باب: إِتْيَانِ اليَهُودِ النَّبيَّ ﷺ حينَ قَدِمَ المدِيَنةَ
٢٠٧٤ - (٣٩٤١) - حَدَّثَنَاْ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، لآمَنَ بِي الْيَهُودُ".
(لو آمن بي عشرة من اليهود): قيل: يريد عشرة من اليهود معينين، وكأنهم كانوا رؤساء اليهود (١) وزعماءهم، وإلا، فقد أسلم منهم أكثرُ من عشرة، وفي ذلك تنبيه على اتباعهم التقليد لأحبارهم، وعدم اتباعهم الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] (٢) .
* * *
٢٠٧٥ - (٣٩٤٢) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغُدَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي مُوسَى ﵁، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَإِذَا أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ، وَيَصُومُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ". فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ.
(الغُداني) (٣) : بغين معجمة مضمومة ودال مهملة ونون بعد ألف (٤) الحواشي
(١) "كأنهم كانوا رؤساء اليهود" ليس في "ج".(٢) المرجع السابق، والموضع نفسه.(٣) من قوله: "قلت: لا يلزم. . . ." إلى هنا سقط من "م"، وهذا السقط بمقدار ورقة من النسخة الخطية.(٤) في "ج": "الألف".стр. 3188
وآخره ياء نسب.
* * *
باب: إِسْلَامِ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ
٢٠٧٦ - (٣٩٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ ﵁ يَقُولُ: أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ.
(أنا من رامَ هُرْمُز): -بفتح الميم الأولى وضم الهاء والميم الثانية وسكون الراء وآخره زاي-: مدينة مشهورة بأرض فارس, فرُكِّبت (١) تركيبَ مزج (٢) ؛ كمَعْدِ يكَرِبَ، فينبغي كتابة رام منفصلة عما بعده, وبعضهم يكتبه متصلًا (٣) . الحواشي
(١) في "ع" و"ج": "مركبة".(٢) "مزج" ليس في "ج".(٣) انظر: "التنقيح" (٢/ ٨٢١).стр. 3189
كِتابُ المَغَازِي
стр. 3190
كِتابُ المَغَازِي
باب: غَزْوَةِ الْعُشَيرَةِ أَوِ الْعُسَيرَةِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الأَبْوَاءَ، ثُمَّ بُوَاطَ، ثُمَّ الْعُشَيْرَةَ.
(كتاب المغازي).
(غزوة العشيرة): قال القاضي: وقع في البخاري: العشيرة؛ يعني (١) : بهاء التأنيث والشين المعجمة مع التصغير، والعَسِير (٢) : بفتح العين وكسر السين المهملة وحذف الهاء، قال: والمعروف تصغيرها وكسر الشين المعجمة.
وحكى الحاكم ضم العين وفتح السين المهملة بغير هاء، وهو موضع بقرب البقيع سكن بني مدلج، بينه (٣) وبين المدينة سبع بُرُد (٤) .
قال القرطبي في "اختصاره للبخاري": وقال القاضي: هو بالمهملة: الحواشي
(١) "يعني" ليست في "ع".(٢) في "ع": "والعشير"، وفي "ج": "العشر".(٣) في "ج": "وسميت العشيرة بينه".(٤) انظر: "مشارق الأنوار" (١/ ٢٧٦).следующие страницы →