← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(أثَمّ (١) هو؟): -بثاء مثلثة مفتوحة وميم مشددة- ظرف للمكان البعيد؛ أي: أهناك هو؟ (قد حدث أمر عظيم): يريد: تطليقَ النبي ﷺ زوجاته، ذكره في كتاب: الطلاق، واختصره هنا. * * * باب: الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيم إذا رَأَى مَا يَكْرَهُ (باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره): قال ابن المنير: أراد البخاري: الفرق بين قضاء القاضي وهو غضبان، وبين إسماعِ المحدِّث، أو تعليمِ المعلِّم، أو تذكرةِ الواعظ، فكل (٢) هذه بالغضب أجدرُ، وخصوصًا الموعظة، فيستحب فيها تكلف الانزعاج إن لم يجد الإنسان من نفسه ذلك؛ لأنها على هيئة النذارة بالواقع القريب المخوف. قلت: أما الوعظ، فمسلَّم، وأما إسماعُ المحدِّث، وتعليم المعلِّم، فلا نسلِّم أنهما (٣) أجدرُ بالغضب؛ لأنه مما يدهش الفكر، فقد يفضي الإسماع والتعليم (٤) في هذه الحالة إلى خلل، والمطلوبُ فيهما كمالُ الضبط، فتأمله. * * *

стр. 352

٨٠ - (٩٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا أكادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ". (ابن كثير): ضد قليل (١). (ابن أبي حازم): بحاء مهملة فزاي. (لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان): في "مسند (٢) أبي يعلى" ما يدل على أنه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ (٣)، وسيأتي فيه كلام، وهذا اللفظ كذا وقع في الأصول، وهو لا ينتظم؛ فإن التطويل يقتضي الإدراكَ، لا عدمَه. وقد رواه الفريابي: "إني لأتاخرُ عن الصلاة في الفجر؛ مما يطوِّلُ بنا فلانٌ" (٤)، وهو أظهر، ولعل الأول تغيير منه، ولعله: لأكاد أتركُ الصلاة، فزيدت بعد "لا" ألفٌ (٥)، وفُصلت التاء من الراء، فجُعلت دالًّا، حكى الزركشي ذلك كله نقلًا عن القاضي (٦).

стр. 353

قلت: ما في الأصول صحيح له وجهٌ ظاهر، وذلك لأن عدم مقاربته لإدراك الصلاة مع الإمام ناشئ عن تأخره عن حضورها، ومسبَّبٌ عنه، فعبر عن السبب بالمسبب، وعلله بتطويل الإمام، وذلك لأنه إذا اعتيد التطويل منه، تقاعد المأمومُ عن المبادرة؛ ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التطويل، فيتأخر لذلك، وهو معنى الرواية الأخرى، فالتطويلُ سببُ التأخر الذي هو سبب [في عدم مقاربة الإدراك، فجعل سببًا لعدم المقاربة؛ لأن سبب الشيء سبب] (١) لذلك الشيء، ولا داعي إلى حمل الرواية الثانية في الأمهات الصحيحة على التصحيف. والله الموفق. (وذا الحاجة): -بالنصب-، ووجهه ظاهر، وروي: -بالرفع-، فإن صَحَّتْ، فعلى أنه مبتدأ حُذف خبرُه، والجملة عطف على الجملة المتقدمة، هكذا ينبغي أن يُعرَب. * * * ٨١ - (٩١) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اِعْرِفْ وِكاءَهَا، أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنتَاهُ، أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا

стр. 354

رَبُّهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم؟ قَالَ: "لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". (سأله رجل): قيل: هو بلال المؤذن، وقيل غيره، وسيأتي. (عن اللُّقَطة): بضم اللام وفتح القاف. قال القاضي: ولا يجوز الإسكان (١)، وجوزه غيره. وقال (٢) صاحب "العين": اللُّقَطَة (٣) اسمٌ لما لُقِط (٤)، و -بفتح القاف-: الملتقَط (٥). واستصوبه ابن بري في "حواشي الصحاح"، قال: لأن الفُعْلَة للمفعول؛ كالضُّحْكَة، والفُعَلَة للفاعل كالضُّحَكَة، والتحريك للمفعول نادر. (وكاءها): ما يُربط به. (أو قال: وعاءها): واحد الأوعية، وهي الظروف. (وعِفاصها): -بعين مهملة مكسورة وفاء وصاد مهملة-: هو الوعاء أيضًا. * * * ٨٢ - (٩٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ

стр. 355

كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ، غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: "سَلُوني عَمَّا شِئتمْ". قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أبَوكَ حُذَافَةُ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبة". فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ . (قال رجل: من أبي؟): هو عبد الله بن حُذافة الرسولُ إلى كسرى. (حُذافة): بحاء مهملة مضمومة وذال معجمة وفاء. (فقام آخر): يقال: اسمه سعد، كذا في "التمهيد" لابن عبد البر (١). * * * باب: مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ (باب: من برك على ركبتيه (٢)): قال الجوهري: بَرَك البعير: إذا استناخ، وهو -بفتحتين (٣) -. ٨٣ - (٩٣) - حَدَّثَنَا أبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أكثَرَ أَنْ يَقُولَ:

стр. 356

"سَلُونِي". فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نبِيًّا، فَسَكَتَ. (ثم أكثر): بثاء مثلثة. * * * باب: مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ (باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهَم): بمثناة من تحت مضمومة والهاء مفتوحة أو مكسورة. ٨٤ - (٩٤) - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ، سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، أَعَادَهَا ثَلَاثًا. (أعادها ثلاثًا): لا يصح أن يكون أعاد مع بقائه على ظاهره عاملًا في ثلاثًا؛ ضرورة أنه يستلزم قولَ تلك الكلمة أربعَ مرات، فإن الإعادة ثلاثًا إنما يُتحقق بها؛ إذ المرة الأولى لا إعادة فيها، فإما أن تُضمن أعاد (١) معنى: قال، ويصح عملها في ثلاثًا بالمعنى المضمن، أو تُبقى أعاد على معناه، وتَجعل العاملَ محذوفًا؛ أي: أعادها، فقالها، وعليهما: فلم تقع الإعادة إلا مرتين. قال ابن المنير: نبه بهذه الترجمة على الرد على من كره استعادة الطالب

стр. 357

للحديث، وَعدَّهُ من البلادة والتقصير، وكان ابن شهاب لا يجيب من استعاد منه، والحق أنه يختلف باختلاف القرائح، وفي (١) الناس من لا يحفظ بمرة، فلا (٢) عتب عليه في الاستعادة، ولا عذر للمعيد (٣) إذا لم يُعِد، بل الإعادة عليه أحق من الابتداء؛ إذ الشروعُ مُلزم. * * * ٨٥ - (٩٦) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْناَهُ، فَأَدْركَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَنحنُ نتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا. (أرهقنا) (٤): فعل وفاعل. (الصلاةَ): مفعول به، وقد مر. (صلاةَ العصر): -بالنصب على البدل-، وفي بعض النسخ: -بالرفع- خبر مبتدأ محذوف. * * *

стр. 358

باب: تعليم الرجلِ أَمتَه وأهلَه ٨٦ - (٩٧) - أَخْبَرَناَ مُحَمَّد -هُوَ ابْنُ سَلَامٍ-، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالح بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَأَدَّبَهَا فَأحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فتزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ". ثُمَّ قَالَ عَامرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونها إِلَى الْمَدِينَةِ. (ابن حيّان): بحاء مهملة وياء آخر الحروف مشددة. (وعلمها فأحسن تعليمها): فيه التأكيد على العالم في تعليم بناته (١) وأهله شرائعَ الدين؛ لأن هذا الحديث يستحثُّ على تعليم الإماء، فكيف بالحرائر الأقارب (٢)؟ قاله ابن المنير. * * * باب: عِظَةِ الإمامِ النساءَ وَتعليمِهنَّ ٨٧ - (٩٨) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى

стр. 359

النَّبِيِّ ﷺ -أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأة تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوبهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . (فوعظهن): هذا أصل في حضور النساء المواعيد، ومجالسَ الخير؛ بشرط السلامة من الفتنة. (وأمرهن بالصدقة): فيه تضعيف القول بأن الرجل يَحْجُرُ على امرأته (١) في الصدقة بعض الحَجْر، قاله ابن المنير أيضًا. * * * باب: الحرصِ على الحديث ٨٨ - (٩٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ". (ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولُ منك):

стр. 360

يروى (١): برفع أول على أنه صفةٌ لأحد، أو بدلٌ منه، ونصبه على الظرفية، أو الحالية من أحد؛ لوقوعه في سياق النفي. وحكى الزركشي عن القاضي: أنه مفعول ثان لظننت (٢)، ولا يظهر له وجه. (مخلصًا (٣) (٤)): حمله ابن بطال على الإخلاص العام الذي هو من لوازم التوحيد (٥). وردَّه (٦) ابن المنير: بأن هذا لا يخلو عنه مؤمن، فتعطل (٧) صيغةُ أَفْعَلَ، وهو لم يسأله عمن يستأهل شفاعته، وإنما سأل عن أسعدِ (٨) الناس بها، فينبغي أن يُحمل على إخلاصٍ (٩) خاصٍّ (١٠) يختص ببعضٍ دون بعض، ولا يخفى تفاوت رتبه. * * *

стр. 361

باب: كيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَكتبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْم، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ؛ يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى قَوْلهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ. (ولْتُفشوا العلمَ، ولْتَجلِسوا (١)): الأول -بضم ياء (٢) المضارعة- من الإفشاء، والثاني -بفتحها- من الجلوس، ولامه مكسورة. فيه: أن أخذ الدروس في المساجد والجوامع والمدارس هو الشأن (٣)؛ لأنه حينئذٍ يكون جَهْرًا، وأما الدورُ، فهو فيها سر؛ لأنها محجورة. وفيه: أن الفتوى تستحق برؤية الناس وهم العلماء لأهلية (٤) المنتصب لها (٥)، وتقديمهم له.

стр. 362

(فإن العلم لا يهلِك): -بكسر اللام- مضارع هلك. * * * ٨٩ - (١٠٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا". قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ. [(رؤوسًا) بضم الهمزة وبالتنوين، جمع رأس]، وفي مسلم بوجهين: هذا (١)، [والثاني: رؤساء، بالمد]، جمع رئيس، [وكلاهما صحيح، والأول أشهر] (٢) كذا قال النووي (٣). فإن قلت: الواقع بعد حتى في الحديث جملة شرطية، فكيف وقعت غاية؟ قلت: التقدير: [ولكن يقبض العلم بقبض العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالًا وقتَ انقراض أهل العلم، فالغاية] (٤) في الحقيقة هو ما يَنْسَبِكُ من الجواب مرتبًا على فعل الشرط.

стр. 363

باب: هل يُجعل للنساء يومٌ على حِدَةٍ في العلم ؟ ٩٠ - (١٠١) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالحٍ ذَكوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ". فَقَالَتِ امْرَأةٌ: وَاثْنَتيْنِ؟ فَقَالَ: "وَاثْنَتيْنِ". (آدم): لا ينصرف للعجمة والعلمية إن قيل: إنه أعجمي (١)، وإلا، فللعلمية ووزنِ الفعل. (إلا كان): أي: ما تقدمه (٢). (لها حجابًا): -بالنصب- خبر كان، واسمها ضمير يعود لما تقدمه؛ لفهمه من الكلام السابق، ويروى: "حجاب" -بالرفع- على أنه اسم كان، ولها خبرُها (٣) تقدم على الاسم. (فقالت امرأة: واثنين (٤)): الذي يظهر لي أنه على حذف همزة

стр. 364

الاستفهام، كأنها (١) قالت: أو (٢) امرأة تقدم اثنين مثلُها؛ أي: مثلُ التي (٣) تقدم ثلاثًا، وقرينة السؤال ترشد إلى الهمزة. والأخفش يرى أن (٤) مثله مقيس. وهذه المرأة هي أم مُبَشِّر (٥)، وقيل: أم هانئ، وقيل: أم سُلَيم، ذكره ابن بَشْكَوال (٦) وفيه نظر سيذكر في محله. * * * ٩١ - (١٠٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغوا الْحِنْثَ". (لم يبلغوا الحنث): أي الإثم؛ يعني: أنهم ماتوا قبل البلوغ (٧)، فلم يكتب الإثم عليهم.

стр. 365

قال ابن المنير: ووجه اعتبار عدم البلوغ: أن الأطفال أعلقُ بالقلوب، والمصيبة بهم عند النساء أشدُّ؛ لأن وقت الحضانة قائم، وفيه إيماء إلى أن الحضانة إلى البلوغ، ووجه آخر، وهو أن البالغ الكامل بصدد أن يتزوج، ويولد له، فإذا مات، كثرت بواكيه، وأسعدْنَ أمَّه، فخفَّ حزنها. قلت: الظاهر هو (١) الوجه الأول. * * * باب: مَنْ سَمِعَ شيئًا فراجَعَ حتى يعرِفَه ٩٢ - (١٠٣) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حُوسبَ، عُذِّبَ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ قَالَتْ: فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ". (إنما ذلكِ العرضُ): -بكسر الكاف-؛ لأن الخطاب لمؤنث. * * * باب: ليُبلِّغِ العلمَ الشاهدُ الغائبَ ٩٣ - (١٠٤) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ:

стр. 366

حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أبي شُرَيْحٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهْوَ يبعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي أيُّها الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُناَيَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرتهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ، وَأثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نهارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَناَ أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. (وهو يبعث البعوث إلى مكة): أي: حين أظهرَ عبدُ الله بنُ الزبير الخلافَ على يزيدَ (١) في سنة إحدى وستين من الهجرة، وكان يزيدُ قد ولَّى عمَرو (٢) بنَ سعيدٍ المدينةَ. (يسفِك): يروى: -بكسر الفاء وبضمها-، وهما وجهان جائزان. (بها): الباء ظرفية، وقد روي: "فيها". (ولا يعضِد): -بكسر الضاد معجمة (٣) -: يقطع. (بخَرْبة): -بتثليث الخاء المعجمة وإسكان الراء على المشهور-:

стр. 367

السرقة، وأصلها: سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة. * * * باب: إثم مَنْ كذبَ على النبي ﷺ - ٩٤ - (١٠٦) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أخبَرَناَ شُعْبةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِراشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَلْيَلِج النَّارَ". (رِبعي): بكسر الراء. (ابن حِراش): بحاء مهملة مكسورة وشين معجمة. (فليلج النار): من الولوج، ولفظه أمر، ومعناه: الخبر؛ أي: يلج، وقيل: دعاء عليه ثم أخرج مخرج الذم. * * * ٩٥ - (١٠٧) - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبَيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَلْيتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". (أما): هي هنا حرف استفتاح، ولذلك كسرت همزة إِن بعدها في قوله: "إني لم أفارقه". وفي هذا الباب حديث من ثلاثيات البخاري، وهي أعلى ما عنده فيه. * * *

стр. 368

٩٦ - (١٠٩) - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أقَلْ، فَلْيتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". (يزيد): علم منقول من مضارع زاد. (ابن أبي عُبيد): مصغر عبد. * * * ٩٧ - (١١٠) - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبي حَصِينٍ، عَنْ أبي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ، فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورتي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". (أبي حَصِين): بحاء وصاد مهملتين بفتح الأول وكسر الثاني، وهكذا كل كنية، وما كان اسمًا: فحاؤه مضمومة. (ولا تَكَنَّوْا (١)): [أي: تتكنوا (٢) فحذف إحدى التاءين، وقد مر مثله] (٣). (بكنيتي): أي: أبي (٤) القاسم، وفي المسألة خلاف، بالجواز

стр. 369

فقيل (١): مطلقًا، وقيل: بالمنع مطلقًا (٢)، وقيل: به في حياته (٣). قال [الباجي: وفقهاء الأمصار على جواز التسمية والتكنية بأبي القاسم، والنهيُ عنه منسوخٌ، ودخل] (٤) القاضي أبو القاسم بن زيتون على المستنصر بالله سلطان إفريقية، فقال له: لمَ تسمَّيْتَ بأبي القاسم مع صحة حديث: "تَسَمَّوا باسمي ولا تَكَنَّوا بكنيتي"؟ فأجابه بأن قال: إنما تسميت (٥) بكنيته ﷺ ، ولم أتكنَّ بها، واستحسنه بعض الشيوخ. (من كذب علي متعمدًا): المختار أن الكذب عدمُ مطابقة الخبر للواقع، ولا يُشترط في كونه كذبًا تعمُّدُه، والحديث يشهد له؛ لدلالته على انقسام الكذب إلى متعمَّدٍ، وغيره. (فليتبوأ مقعده من النار): أي: فليتخذه مباءة، وأصله من مباءة الإبل، وهي أَعطانُها، وقد ذهب أبو محمدٍ الجوينيُّ إلى كفر من كذبَ متعمدًا عليه ﵊، وغلَّطَه في ذلك الناس، حتى ولدُه إمامُ الحرمين. وانتصر له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك؛ إذ لو كان

стр. 370

بمطلق النار؛ لكان كل كاذب (١) كذلك (٢) عليه وعلى غيره، فإنما الوعيد بالخلود، ولهذا قال: "فليتبوأ"؛ أي: فليتخذها مباءة ومسكنًا، وذلك هو الخلود. قلت: لا نسلِّم دلالةَ التبوُّء على الخلود، ولو سلِّم، فلا نسلِّم أن الوعيد بالخلود مقتضٍ (٣) للكفر بدليل متعمد القتل الحرام. قال: وأيضًا: فإن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا قد (٤) استحلَّ ذلك الحرام، وحمل على استحلاله على قطع منه، واستحلال الحرام مطلقًا كفر. قلت: لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله، ولا لاستحلال متعلقه، فقد يكذب عليه في تحليل حرام مثلًا، مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل؛ كما يقدم العصاة (٥) من المؤمنين على ارتكاب (٦) الكبائرِ مع اعتقادهم لحرمتها (٧). * * *

стр. 371

باب: كتابةِ العلم ٩٨ - (١١١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدكمْ كتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُل مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذه الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. (أبي جُحيفة): بجيم وحاء مهملة وفاء، مصغّر. (قلت (١) لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتابُ الله، أو فهمٌ أُعطيه رجل مسلم (٢)، أو ما في هذه الصحيفة): قال ابن المنير: يعني بالفهم المذكور: التفقه (٣)، والاستنباط، والتأويل، وانظر هل يقتضي لفظه أن الفقه كان مكتوبًا أم لا؟ والظاهر أنه كان مكتوبًا عندهم؛ لأن السائل قال له: هل عندكم كتاب؟ فقال: لا كتابَ عندنا إلا كتابُ الله، أو فهمٌ، أو هذه الصحيفة، وكانت فيها أحاديث، فاستثناؤه الفهمَ من الكتاب يدلُّ على أن الفهم الذي (٤) هو الفقه كان حينئذٍ كتابًا، وإلا كان استثناء من غير الجنس، وهو (٥) خلاف

стр. 372

الأصل، لا سيما وقوله: إلا كتابُ الله، أو هذه الصحيفة استثناء من الجنس قطعًا، فالمعطوف بينهما مثلهما، وأيضًا فهو مرفوع، والاستثناء من غير الجنس لا يكون إلا منصوبًا، فيكون ذلك أصلًا في كتابة (١) الفقه. (قلت: وما في هذه الصحيفة؟): بالواو، وفي رواية: بالفاء. (فِكاك): بكسر الفاء، وفتحها، وهو (٢) أفصح، قاله القزاز (٣). * * * ٩٩ - (١١٢) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ -عَامَ فَتْح مَكَّةَ- بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ، أَوِ الْفِيلَ -شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ-، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ الله ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، ولم تَحِل لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نهارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتيلِ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "اكْتبوا لأَبي فُلَانٍ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إلَّا الإذْخِرَ يَا رَسُولَ الله؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتنَا وَقُبُورِناَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إلَّا الإذْخِرَ، إلَّا الإذْخِرَ".

стр. 373

قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عبد الله: أَيُّ شَيْءٍ كتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبةَ. (ابن دُكين): بدال مهملة وكاف، مصغَّر (١). (أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث بقتيل منهم): في "السيرة": أن خراش بن أمية قتل ابن الأثوع (٢) الهذلي بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال النبي ﷺ : "يا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ! ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ القَتْلِ (٣)، فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا، فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ" (٤). (الفيل أو القتل): وغيره؛ أي: غير أبي نعيم، يقول: "الفيل" -بالفاء- من غير شك، وهذا تصريح من البخاري بأن الجمهور على رواية الفيل -بالفاء-، قيل: وهو الصواب، والمراد بحبس الفيل: حبسُ أهله، أو حبسُه (٥) نفسه كما في قضيته المشهورة. (خلاها) (٦): حشيشها اليابس.

стр. 374

(ساقطتها): لُقَطَتُها. (إلا لمنشد): لمعرِّفٍ، نشدتُ الضالةَ: طلبتُها، وأَنْشَدْتُها: عَرَّفتها، وسيأتي الكلام في فقهه (١) إن شاء الله تعالى. (فمن قتل): كذا رواه هنا، قالوا: وهو مختصر، والصواب ما رواه في الديات: "مَنْ (٢) قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ" (٣) بزيادة: له قتيل (٤). قلت: وهذا صواب بلا شك، كما أن الأول (٥) صواب أيضًا، ولا يظهر كون الثانية هي (٦) الصواب فقط، وكأنهم فهموا أن قوله: "فهو بخير النظرين" يقضي بخطأ هذه الرواية؛ إذ المقتول لا نظر له. قلت: وليس بشيء؛ إذ يمكن جعلُ الضمير من قوله: "فهو" عائد إلى الولي المفهوم من السياق فاستقام الكلام، وصحت الروايتان جميعًا، فلله الحمد (٧).

стр. 375

(إما أن يُعقَل): -بضم أوله وفتح ثالثه-؛ أي: يُدفع عقلُه، وهو الدية. (وإما أن يقاد): قال الزركشي: أي: يقتل (١). قلت: لا ينتظم مع قوله: أهل القتيل؛ إذ يصير المعنى: وإما أن يقتل أهل القتيل، وهو باطل، ولعل معنى يقاد: يمكن من القود وهو القتل؛ أي: وإما أن يمكن أهل القتيل من القود (٢)، فيستقيم المعنى. قال السفاقسي: رويناه بالقاف، وهو الظاهر، ومن رواه: "يفادى" -بالفاء والألف-، فليس ببين؛ لأن الفداء والعقل واحد (٣). وفيه: حجة لمن يرى (٤) أن ولي القتيل بالخيار، وسيأتي في محله. (اكتبوا لأبي فلان): هو أبو شاه -بهاء- في الوصل والوقف (٥). (فقال رجل من قريش): هو العباس بن عبد المطلب. وفي "مصنف ابن أبي شيبة": أن القائل: "إلا (٦) الإذخر" اسمه شاه (٧). وفي "أسد الغابة": أن (٨) اسمه "مينا" -بميم فمثناة من تحت فنون-،

стр. 376

أخرجه أبو موسى، وقال: لعله تصحيف (١). (إلا الإذْخر): -بكسر الهمزة والخاء المعجمة وسكون الذال معجمة-: حشيشة معروفة (٢) طيبة الريح. * * * ١٠٠ - (١١٣) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أكثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أكتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثرُ): الذي يظهر أن "ما" هذه مهملة غير عاملة عمل ليس، وأن "أحدٌ" مبتدأ، و"أكثرُ" صفته (٣)، و"من أصحاب النبي (٤) " خبره. قال الزركشي: "أحدٌ" -بالرفع- اسم "ما" (٥)، و"أكثر" صفته، ويروى (٦) بنصب أكثر (٧).

стр. 377

قلت: قوله: اسم ما يقتضي أنها عاملة، وأحدُ الشروط متخلِّف (١)، وهو تأخر (٢) الخبر، واغتفارهم (٣) لتقدم الظرف، وإنما (٤) هو إذا كان معمولًا للخبر لا خبرًا (٥)، وأما نصب أكثر، فيحتمل أن يكون حالًا من الضمير المستكن في الظرف المتقدم على بحث فيه، فتأمله. (إلا ما كان من عبد الله بن عمرو): في إعرابه إشكال، وذلك لأن "ما" عبارة (٦) عن المستثنى، وسواء جعلتها موصولة، أو موصوفة، لا يتأتى أن (٧) يصير المعنى إلا الحديث الذي كان من ابن عمرو، أو إلا حديثًا كان منه، فإنه أكثر (٨) حديثًا عنه مني، ولا يتصور إلا بتكلف (٩)، ولو قيل: إلا عبد الله بن عمرو (١٠)، لم يكن فيه إشكال، فتأمله. * * * ١٠١ - (١١٤) - حَدَّثَنَا يحْيىَ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ

стр. 378

عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ، قَالَ: "ائتوني بِكِتَابٍ أكتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَه". قَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ غلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَناَ كتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزَّيةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كتَابِهِ. (أكتبْ لكم كتابًا): الفعل مجزوم في جواب الأمر. والكتابُ: قال الخطابي: يحتمل أن يكون بتعيين الخليفة بعده، أو بما يرفع الخلاف في أحكام الدين (١). ووجهُ ما فعله عمر: أنه لو نص على كل حكم بعينه؛ لطال، وبطل الاجتهاد، واستوى الناس. وقيل: إنما كان ذلك اختبارًا للصحابة، فظهر (٢) المراد لعمر (٣)، وخفي على ابن عباس ﵁. (الرزية): قيدها السفاقسي (٤) -بالهمز-، ويجوز تركه (٥).

стр. 379

باب: الْعِلْم وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ (باب: العلم والعظة بالليل (١)): أراد الاحتجاج بصحة تصرف الناس في إلقاء الدروس بالليل، وأخذ المواعيد بالوعظ والتذكير والسير، ولا يدخل ذلك في النهي عن الحديث بعد العشاء. ١٠٢ - (١١٥) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ! أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الآخِرَةِ". (أَيقظوا صواحب (٢) الحجر): -بفتح الهمزة- فعل أمر من أيقظه: إذا نبهه (٣) من النوم. والحُجَر: البيوت -بضم المهملة وفتح الجيم- جمع حُجْرة -بضم الحاء وسكون الجيم-. وإنما خص صواحب الحجر؛ لأنهن (٤) الحاضرات حينئذٍ، أو من قبيل: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" في الدِّينِ كَمَا هُوَ في الدُّنْيَا.

стр. 380

(فربَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة): قال القاضي: أكثرُ الروايات بخفض (١) عارية على الوصف (٢). ورفعُها على أنها (٣) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي عارية، والجملة نعت، والفعل الذي يتعلق به رُبَّ محذوف؛ أي: توجد، وقد مر مثله، والكوفيون يرون ربَّ اسمًا، فعاريةٌ خبرها. * * * باب: السَّمَرِ بِالْعِلْم (باب السمر بالعلم (٤)): السَّمَر -بالتحريك-: الحديث بالليل. ١٠٣ - (١١٦) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". (أبي حَثْمَة (٥)): بحاء مهملة مفتوحة وثاء مثلثة ساكنة. (أرأيتكم ليلتكم هذه): التاء في أرأيتكم فاعل، والكاف حرف خطاب،

стр. 381

هذا هو الصحيح، وهو قول سيبويه، ومعناه: أخبروني، ولا (١) يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة، ولا بد من استفهام ظاهر أو مقدر يبين الحالة المستخبَرَ عنها، فالظاهر نحو: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] (٢)، والمقدر نحو: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]؛ أي: أخبرني هل هو أفضل مني؟ فإن قلت: كيف تقدره في الحديث؟ قلت: أقدره هكذا: أرأيتكم ليلتكم هذه، هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ فإن قلت: إذا كان أرأيتكم بمعنى (٣) أخبروني، فعلى ماذا ينصب (٤) ليلتَكم؟ قلت: على أنه مفعول ثان (٥) لأخبروني، وثَمَّ مضافٌ محذوف؛ أي: شأن ليلتكم، أو خبر ليلتكم (٦)، ولا يخفى عنك التقدير في نظائره. (لا يبقى ممن (٧) هو على ظهر الأرض أحد): خبر إن من قوله: "فإن رأس مئة سنة منها"، والرابط محذوف؛ للعلم به؛ أي: عند مجيئه، وقد احتج بهذا على موت الخضر.

стр. 382

وأجيب: بجواز ألا يكون على ظهرها إذ ذاك، أو أن (١) المعنى: ممن ترونه وتعرفونه، و (٢) أراد بالبلد المدينة. * * * ١٠٤ - (١١٧) - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، قَالَ: حَدَّثنَا الْحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتي مَيْمُونة بِنْتِ الْحَارِثِ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إلَى مَنْزِلهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ ناَمَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: "ناَمَ الْغُلَيِّمُ؟ "، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، فَصَلَّى خَمْسَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ ناَمَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. (نام الغليم): -بنون (٣) قبل الألف-، والغليم: تصغيرُ غلام، وفي رواية: "يا أمَّ الغليم! " (٤) على النداء، والأول هو الظاهر. (غطيطه، أو خطيطه): قال الداودي: الغطيط والخطيط واحد، وهو النفخُ عند (٥) الخَفْقَة (٦) وهي النَّعْسَة.

стр. 383

وقال ابن بطال: لم أجدها بالخاء في اللغة (١). وقال القاضي: لا معنى له هنا (٢). وحديث ابن عمر ظاهر في الترجمة. وأما حديث ابن عباس، فيظهر عدمُ مطابقته لها؛ إذ لا سمر فيه؟ وأجاب ابن المنير: بأن قوله: نام (٣) الغليم وإن كان (٤) خفيفًا يثبت به أصلُ السمر؛ إذ هو حديثٌ مع غيره (٥) بعد العشاء. قال: ويحتمل أن يريد (٦): ارتقابَ ابن عباس لأحواله ﵇، وسهرَه لذلك، ولا فرق بين التعلم (٧) من القول، والتعلم من الفعل، فتعلُّمه مع السهر هو معنى السمر. والقائلة (٨) التي كُره لها السمرُ إنما هي السهر خوفَ التفريط في صلاة الصبح، وإذا (٩) كان سمرًا (١٠) لعلم، فهو في طاعة فلا بأس. قلت: آثار التكلف (١١) على الوجه الثاني ظاهرة.

стр. 384

وأجاب غيره: بأن الغالب: أن الأقارب والأضياف إذا اجتمعوا، فلا بد أن تجري بينهم مؤانسة، وحديثه ﵊ كله علم وفائدة، ويبعد منه أن يدخل بيته، ويجدَ ابنَ عباس، فلا يسأله ولا يكلمه أصلًا. * * * باب: حفظِ العلمِ ١٠٥ - (١١٨) - حدثنا عَبْدُ العَزيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قال: إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أكثَرَ أبو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَان فِي كتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلي قوله ﴿الرحيم﴾ [البقرة: ١٥٩]. إنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كان يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كان يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ. (يَشغَلهم): مضارع شغل، فهو مفتوح الياء، وغينُه مفتوحة أيضًا، وحكي: "أشغله" رباعيًّا، وهو ضعيف. (الصَّفْق بالأسواق): -بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء-، أصلُه: الضربُ باليد عند البيع. (لشِبعْ): -باللام في أوله-، ويروى: -بالباء-، وهو -بكسر الشين المعجمة وإسكان الموحدة-: اسمٌ لما يُشْبع، و-بفتحها- مصدر شَبع (١) على زِنةَ فَرِحَ.

стр. 385

١٠٦ - (١١٩) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ أبو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: "ابْسُطْ رِداءَكَ"، فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ"، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا، أَوْ قَالَ: غرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. (ثم قال: ضمهُ): في الميم الحركاتُ الثلاث، وقيل: ليس إلا الضم؛ لمكان الهاء المضمومة (١). * * * ١٠٧ - (١٢٠) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَلَوْ بَثَثْتُهُ، قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. (وأما الآخر، فلو بثثته (٢)): أظهرته وأشعته. (لقطع (٣) هذا البُلعوم): -بضم الباء-: مجرى الطعام من (٤) الحلق.

стр. 386

وهذا محمول على أمر الفتن، وتعيين المنافقين والمرتدين، ونحو ذلك مما (١) لا تعلق له بحكم شرير، وقد اتخذ الباطنية هذا الكلام وَزَرًا في تصحيح (٢) باطلهم واعتقادهم أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا بقول أبي هريرة هذا، ولا تمسكَ لهم فيه بوجه. * * * باب: الإنصاتِ للعلماءِ ١٠٨ - (١٢١) - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، قَالَ: أَخْبَرني عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ: "اِسْتَنْصِتِ النَّاسَ"، فَقَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". (عن جرير: أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: استنصت الناس): أنكر بعضهم لفظة: "له" في هذا الحديث؛ لأن جريرًا (٣) أسلم قبل وفاته ﵊ بأربعين يومًا. وتوقف المنذري؛ لثبوتها من الطرق (٤) الصحيحة (٥). وقد ذكر غيرُ واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشرٍ، فأمكن (٦) حضورُه

стр. 387

مسلمًا لحجة (١) الوداع، وظهر أن لا خلل في الحديث. (لا ترجعوا بعدي كفارًا): قيل: أي: مثلَ الكفار في قتل بعضهم بعضًا. وقيل: هؤلاء أهل الردَّة الذين قتلهم الصدِّيق ﵁. وقيل: الكفر على حقيقته، والمعنى: لا ترجعوا بعدي كفارًا. (يضرب بعضكم رقاب بعض): أي: مستحلِّين لذلك. قال القاضي: والرواية -برفع الباء-، ومن سكَّنها أحال المعنى؛ لأن التقدير: لا تفعلوا فعلَ الكفار فتتشبهوا بهم في حال قتلهم (٢) بعضهم (٣) بعضًا (٤). وجوز أبو البقاء وابن مالك الجزمَ على تقدير شرط مضمَر؛ أي: فإن ترجعوا، يضربْ (٥). وتعلق بعض (٦) أهل البدع بهذا في إنكار حجيَّة الإجماع؛ كما قال الماوردي؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه، لما نهاها (٧). وأجيب: بأن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق، لا من الإمكان.

стр. 388

باب: ما يستحبُّ للعالم إذا سُئِلَ: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ فيكِلُ العلمَ إلى الله ١٠٩ - (١٢٢) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَناَ أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِ! وَكيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ، فَهْوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نوُنٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كاناَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَكانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِناَ هَذَا نصبًا. وَلَمْ يَجدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فتاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ؟ فَإنِّي نسَيتُ الْحُوتَ، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نبغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَلَمَّا انتهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُل مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَناَ مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ: هَلْ أتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى! إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْم اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ

стр. 389

أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: سَتجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نقرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى! مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْم اللَّهِ إلَّا كنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ ألوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أقلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نسَيتُ -فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا- فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ، فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقتلْتَ نَفْسًا زكيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ -قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ-، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أتيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنكَ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا". (إن نَوْفًا): - بفتح النون وإسكان الواو وآخره فاء (١) -: هو أبو رُشَيْدِ ابنُ فَضَالَةَ ابنُ امرأةِ كعب، كان من علماء التابعين.

стр. 390

(البِكالي): بكسر الموحدة وتخفيف الكاف. وقيل: -بفتحها (١) مع تشديد الكاف-، وبكال من حِمْيَرَ. (إنما (٢) هو موسًى آخرُ): أي: شخصٌ آخرُ مسمًّى بموسى (٣)، فهو نكرة، فينصرف؛ لزوال علميته. وجعله ابن مالك من قبيل ما نُكِّرَ تحقيقًا (٤)، يريد: باعتبار جعله بمعنى شخص مسمًّى بهذا الاسم، ذلك موجود كثيرًا، فيتحقق (٥) له شياع (٦) في أمته بالاعتبار المذكور، بخلاف مثل: لا بصرةَ (٧) لكم؛ أي: لا بلدَ مسمَّاة بالبصرة، فهذا ليس محققًا، إنما هو أمر مقدر ضرورةَ أن لا شيء من البلاد مسمًّى (٨) بالبصرة غير تلك المدينة الواحدة. فأما وجود أشخاص يسمَّى كلٌّ منهم بموسى، فمن قبيل المحقَّق، لا المقدَّر، فلا وجه حينئذٍ لاستشكال الزركشي جعلَ ابن مالك تنكيرَ موسى مثالًا للتحقيقي (٩)، فتأمله.
следующие страницы →